السؤال


تعلمتُ مِن علمائنا الأفاضل؛ مثل: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ ناصر الدين الألباني، وغيرهما، أنَّ المرأةَ لا يجوز أن تختلطَ بالرجال في جهات التعليم والعمل، ولا يجوز لها أن تعلِّمَ الرجال، وأن ليس هناك امرأة في القرون المميزة للإسلام مَن فعلتْ ذلك، لكني تفاجأتُ عندما قرأتُ كُتُب السِّيَر والطبقات أنَّ هناك نساءً كثيراتٍ عالماتٍ وفقيهاتٍ يعْقِدْن مجالس للعلم يحضرها الرجالُ، ومنهنَّ مَن أخذتْ إجازة في الحديث والقرآن مِن العلماء الرجال، وكذلك منهن مَن أعطتْ إجازة لكثيرٍ مِن العلماء في علم الحديث والقرآن، ومن هؤلاء العلماء الذين تتلمذوا على أيدي النساء: ابن القيِّم، وابن حجَر العسقلاني، والإمام الشافعي، والسيوطي، والذهبي، فقلما تجد عالمًا في تلك القرون إلا وأحد أساتذته امرأة! وقد اعترف العلماءُ بفضلهنَّ، وأيضًا وجدتُ أن الفتيانَ والبنات كانوا يتعلمون في مكانٍ واحد؛ كالكتاتيب.
أنا في حيرةٍ، كيف أَخَذ هؤلاءِ الفقهاءُ العلمَ عن النساء، و لم يبتعدوا عن مخالَطة النساء، مع أن ذلك محرَّم؟!


الجواب


الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعدُ:
فما أوقعكِ في الحيرة - أيتُها الأختُ الكريمةُ - هو ما ظننتِه تعارُضًا بين قولي العلماء، والأمر ليس فيه تعارضٌ، فأيُّ إشكالٍ في أن تكونَ المرأةُ مِن وراء حجاب، ويسمع منها الرجالُ العلمَ دون أن يَرَوْها؛ كما هو الواقع في عصرنا الحاضر في القنوات الإسلامية والإذاعات وغيرها، حين تتصل المرأة وتسأل عما أشكَل عليها، أو تعمل مُداخَلة تضيف فائدة، أو تستدرك، أو غير ذلك؟!
وقد كانتْ نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعلْنَ ذلك بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - دون أن يراهنَّ أحدٌ، وإلاَّ فكيف حدَّثتْ عائشةُ - رضي الله عنها - بهذا الحديث الكثيرَ، وبعض الذين حدَّثوا عنها ليسوا مِن مَحارِمها؛ كمسروق بن الأجْدَع، وغيره.
وهكذا كانت النساءُ تصنع في جميع العصور؛ فهذا محمد بن إسحاق صاحب السيرة، كان يحدِّث عن فاطمة بنت المُنذر زوجة هشام بن عروة، فجرحه هشام بن عروة وتكلَّم فيه قائلًا: وهل كان يَصِل إليها؟! فدافع ابنُ حبَّان عن ابن إسحاق في كتابه "الثِّقات" قائلًا: وهذا الذي قاله هشام بن عروة ليس مما يجرح به الإنسان في الحديث، وذلك أنَّ التابعين؛ مثل: الأسود وعلْقمة من أهل العراق، وأبي سلمة وعطاء من أهل الحجاز - قد سمعوا من عائشة مِن غير أن ينظروا إليها، سمِعوا صوتَها، وقَبِلَ الناسُ أخبارهم مِن غير أن يصلَ أحدُهم إليها؛ حتى ينظر إليها عِيانًا، وكذلك ابن إسحاق كان يسمع مِن فاطمة والستر بينهما مُسبل، أو بينهما حائلٌ، مِن حيث يسمع كلامها، فهذا سماعٌ صحيح، والقادح فيه بغيرِ هذا منصفٌ.
وقد ذكر الذهبيُّ - رحمه الله - أنه روى عن نحو أربعمائة امرأةٍ، ولم ينظرْ لواحدةٍ منهنَّ، وإنما كان ذلك مِن وراء حجاب.
ثم اعلمي - وفقك الله - أنَّ الأصلَ أن المرأة تخرج مِن بيتها عند الحاجة، مُلتزمة بحجابها، وغض البصر، وعدم الكلام إلا عند الحاجة، وعدم الخُضوع بالقَوْل، وتكون غير متطيِّبَةٍ، مع عدم الخُلوة، ومن تَدَبَّرَ النصوصَ الواردة في السنة، تَبيَّنَ له ما أقول؛ فالصحابياتُ كن يُشاركْن الصحابة في الغزوات؛ كما قالت الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نسقي، ونداوي الجرحى، ونَرُدُّ القتلى إلى المدينة، بل كانتْ منهن مَن تُقاتل الأعداء، وتحمِل على المشركين؛ كنُسَيْبِة بنت كعب المازنية - رضي الله عنها - وكن يَشهدْنَ الصلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، وكل هذا وَفْق الشروط التي أوردناها، فقد كُنَّ يَلتزمْنَ الحجاب الشرعيَّ، ولا يُلاحقن الرجال، ولا يُبدين شيئًا مِن عورتهن، وكُن يُصلين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلف صفوف الرجال، وكُن لا يَرفعنَ رؤوسهن حتى يرفعَ الرجالُ رؤوسهم؛ ففي "صحيح مسلم" وغيره مِن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا))، وإنما كانتْ صفوف الرجال الأوائل أفضلَ؛ لبُعدها مِن النساء، وكان الآخرُ منها شرًّا؛ لقُربه من النساء، ويقال مثل ذلك في صفوف النساء.
وكان يتأخر - عليه الصلاةُ والسلامُ - عن الخروج من المسجد هو وأصحابه؛ حتى يدخلَ النساء في بيوتهنَّ، فكُنَّ أولَ من يخرج من المسجد قبل خروج الرجال، وكُنَّ لا يَحْقُقْنَ الطريق، بل يَلتزمْنَ حوافَّه؛ فعن أبي أُسيد الأنصاري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للنساء: ((اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّات الطَّرِيق؛ فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ))؛ رواه أبو داود .
كل ذلك لمنع اختلاط الرجال بالنساء، وهذا كله في أماكن العبادة التي يكون فيها الإنسان - عادةً - أبعدَ ما يكونُ عن ارتكاب الرذيلة، أو الهَمِّ بها، فيكون غيرُها من الأماكن أَولَى بالمنْع.
وكانتْ أمهات المؤمنين يَروين الحديث، ويعلمْنَ العلم؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ ﴾ [الأحزاب: 34]، ولكنهن كُن محتشماتٍ، محتجباتٍ عن الرجال، متحفِّظاتٍ من الخضوع في الكلام معهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ َ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ﴾ [الأحزاب: 53]، وامتثالًا لقوله: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴾ [الأحزاب: 32].
وبالضرورة يعلم كل مسلم أن أُمهات المؤمنينَ ونساءَ الصحابةِ أولُ مَن يعتصم بالكتاب والسنة، ويعمل بهما، فهن مِن خير القرون، والجيل القرآني الفريد الذي زكَّاه الله - عز وجل - فقال - سبحانه -: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100].
ولا يشك أحدٌ ولا يجادل في قلة أسباب الفتنة في العصور السابقة، بخلاف هذا العصر الذي كثُرتْ فيه الفتن، وتعدَّدتْ فيه أنواع الإغراء، وقلَّ فيه الوازعُ الديني! ولكن مع كل ما امتازَ به العهد النبوي من شِدة الورَع، إلا أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أرسى قواعِدَ تعامُل الرجال مع النساء الأجانب، فسدَّ كُلَّ المنافذ التي تؤدِّي إلى الحرام، ولو كانتْ مُباحةً في أصلها؛ سدًّا لذريعةِ الفَساد، ولما كان الاختِلاط بِالنِّساء والتحدُّث معهُنَّ مِن أعظمِ الأبواب الَّتِي يَلِجُ منها الشَّيطانُ لِقَلْبِ المؤمن، فيُلْقِي فيه الخطرات حتَّى يُوقِعه في المُوبقات، ويَحرمه لذَّة الطاعات؛ فعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه - قال: قالت النساء للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ((غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ))؛ متفق عليه.
وفي "الصحيحين" أيضًا قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إيَّاكُم والدخولَ على النِّسَاءِ))، فقال رجلٌ مِن الأنصار: يا رسول الله، أفرأيتَ الحَمْوَ؟ قال: ((الحموُ الموتُ))؛ فمنع - صلى الله عليه وسلم - أقاربَ الزوج؛ كالأخِ، والعمِّ، والخالِ، وأبنائهم من الدخول على زوجات أقربائهم.
وقد أخرجَ الشَّيخان من حديثِ أُسامةَ بْنِ زيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما تركْتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرِّجال من النِّساء))، وروى أبو سعيدٍ الخُدْرِي - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: ((فاتَّقوا الدُّنيا واتَّقوا النِّساء، فإنَّ أوَّل فتنةِ بَنِي إسرائيلَ كانتْ في النِّساء))؛ أخرجَهُ مسلمٌ، والترمذيُّ، وابنُ ماجه، وأحمدُ.
أما فتوى أئمة العصر وكبار علمائه - كالشيخ ابن باز، والشيخ الألباني في حُرمة الاختلاط الموجود في عصرنا - فهذا الحكم - سلَّمَكِ اللهُ - لا يتوقف فيه عالمٌ بالشريعة الإسلامية؛ فمناطُ الحكم الذي هو زمانُهُ والمكانُ الذي يقع فيه - أعني: الاختلاط - وأحوالُ الناس وعوائدهم تَغَيَّرَت عن المناط في الأزمان السابقة - كما لا يخفى - فلم يختلط الرجال بالنساء في عصر مِن العصور كاختلاطهم في هذا العصر، ولم تتبرجِ النساءُ، ويتجردِ الكثيرُ منهن من الحياء والعفة كما حدث في زماننا، وكذلك الرجال لم يَلْتَزموا بالآدابِ والتَّعاليم الشرعيَّة؛ فوقع أكثرُ الناس في الفِتنة والفسادِ، ولم يَسلَمْ منها حتى الصالحون من الرِّجال والنساء، لكن الناس مُقِلٌّ ومُستكثر، وهذا أمرٌ حسيٌّ نراه بأعيننا، لا يَحتاجُ لإقامةِ بُرهانٍ لِمَن نَظَر أو قرأ.
وما ينشأ عن الاختلاط من المفاسد وإثارة الغرائز بَدَهِيٌّ أيضًا؛ فقد تسبَّب في مفاسدَ عديدةٍ لا تَخفى على أَحَدٍ، ولا يجهلُها إلا متجاهلٌ؛ منها: إشاعةُ الفاحشةِ، واقتحامُ حصون العِفة، والحصانة، وانتهاكُ الأعراض، وكثرةُ أبناء الزِّنا، ووجود جيلٍ من الناس لا ينتمون لشيء، ولا عائِلَ لهم، وكَثُر الشذوذُ والانحرافُ، إلى غير ذلك من المفاسد والمضار التي شَهِدَ بها بعضُ دعاة الاختلاط أنفسهم، وطالتْ بيوتَهم ونساءَهم؛ كما حكاه شيخُ الأدباء والعربية الرافعي، وكذلك المنفلوطي، وهم شُهُودٌ على بداية عصر الاختلاط.
وهذه المفاسدُ نتيجةٌ حتميةٌ على مخالفة شرْع الله تعالى الذي شرعه؛ ليكون مصلحة للناس كلِّهم في حاضرهم، ومستقبلهم، وقد سَاعَدَ في هذا رِقَّةُ الدين، وضَعْف الوازع، بخلاف العصور السابقة.
ولو نظرتِ - رعاكِ اللهُ - إلى الجامعات المختلَطة في البلاد العربية، والإسلامية، أو قرأتِ عنها، وما يَقَعُ فيها مما يَندَى له الجَبين، ويُثير الاشمئزاز، والخجل - إذا نظرتِ، ظَهَرَ لكِ الفارقُ بين حكم أئمة العصر بحُرمة الاختلاط، وفعْل العلماء الفقهاء السابقين؛ فقد كان كلٌّ مِن الرجال والنساء ملتزمين بالضوابط الشرعية، بخلاف عصرنا المشحون بالمغرياتِ والفتن، والذي إذا فُتِحَ فيه هذا البابُ وَلَجَ منه أصحابُ الشهوات، ومَرضى القلوب؛ ليعيثوا في الأرض الفسادَ؛ لأنه إذا التزم البعض بضوابطه الشرعية، فالغالبية العظمى متحلِّلةٌ من هذه الضوابط، فيَزداد بذلك الشرُّ، وفتنةُ الرجال بالنساء، وَتَقَعُ الأمة فيما وَقَعَ فيه بنو إسرائيلَ الذين كانت فتنتُهم في النساء.
رزقنا الله وإياك الفقه في الدين، وجنَّبنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطن


http://www.alukah.net/fatawa_counsel...#ixzz4NZ0SescH