السؤال



ملخص السؤال:
سائلةٌ تسأل عن صفة الرحمة، وأنَّ الله ما دام موصوفًا بالرحمة، فلماذا يُعاني الأطفال من اﻷمراض؟

تفاصيل السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إذا كان اللهُ تعالى مِن صفته الرَّحمة، فلماذا نرى الأطفالَ يُعانون مِن اﻷمراض الخطيرة أو يُقتلون في الحروب؟!


الجواب


الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبِه ومَن والاه، أما بعدُ:
فقبل الجوابِ عما أشكل عليك أيتها الأخت الكريمة، أُحِبُّ أن تتأمَّلي وتتدبَّري وتلتمسي رحمةَ الله تعالى في كل شيء، فهو سبحانه يُمْتَدح بالعفوِ والمغفرة والرحمة والكرَمِ، ومِن أسمائه تعالى الغفورُ الرحيمُ، ولم يتسمَّ سبحانه بالمعذِّب ولا بالمعاقِب، وإنما العذابُ والعقابُ في أفعاله سبحانه؛ كما قال تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ [الحجر: 49، 50]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنعام: 165]، وقال: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴾ [البروج: 12، 13]، وقال: ﴿ حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ﴾ [غافر: 1 - 3]، فالرحمةُ صفةٌ واسمٌ له، وأما العذابُ والعِقابُ فمِن مَفْعُولاته، وليس مِن أسمائه.


ووَصَف سبحانه رحمتَه بأنها تغلِب وتسبِق غضَبه، وهذا يدُلُّ على فَضْل رحمتِه على غضبه، كما هو مُعْتَقَد أهل السُّنَّة؛ ففي الصحيحَيْنِ عن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لما خلَق الله الخلْقَ كَتَب في كتابه فهو عنده فوق العَرْش: إنَّ رحمتي تغلب غضبي)).


ورَوى مسلم عنْ عائشةَ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في سُجُودِه: ((اللهم إني أعوذ برضاك مِن سخَطِك، وبمُعافاتك مِن عُقُوبتك، وأعوذ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أَثْنَيْتَ على نفسك))، وكان من دعائه: ((أعوذ بكلمات الله التامَّة، مِن غَضَبِه وعقابه، وشرِّ عباده، ومن همزات الشياطين وأن يَحضرون))، ومن المعلوم أن المستعاذَ به أفضل مِن المستعاذ منه.


وروى أحمد عن أبي رزين العقيلي، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ضَحِك ربُّنا من قنوط عباده، وقرب غيره))، قال أبو رزين: فقلتُ: يا رسول الله، أَوَيضحك الربُّ عز وجل العظيم؟! لن نعدم مِن رب يضحك خيرًا!


قال حسن في حديثه: فقال: ((نعم، لن نعدمَ مِن رب يضحك خيرًا))، فجعل الأعرابيُّ العاقلُ - بصحَّة فِطرته - ضَحِكَه دليلاً على إحسانه وإنعامِه؛ فدَلَّ على أنَّ هذا الوصف مَقْرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال، والشخص العَبوس الذي لا يضحك قط هو مذموم بذلك، وقد قيل في اليوم الشديد العذاب: إنَّهُ ﴿ يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 10]؛ قاله شيخ الإسلام ابن تيمية مجموع الفتاوى (6/ 121).


أما لجوابُ عن مسألة تعذيب الأطفال، فقد أجاب عنها العلاَّمةُ ابن القيِّم في كتابه مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 273-277) فقال: "تأمَّلْ حكمةَ الله تعالى في كثْرةِ بكاء الأطفال، وما لهم فيه مِن المنْفَعة؛ فإنَّ الأطباءَ والطبائعيين شَهِدوا منفعةَ ذلك وحكمته، وقالوا: في أدمغة الأطفال رُطوبةٌ لو بَقِيَتْ في أدمغتِهم لأحْدَثَتْ أحداثًا عظيمةً، فالبكاءُ يسيل ذلك، ويُحدره مِن أدْمغتِهم؛ فتقوى أدْمِغَتُهم وتَصِحُّ.


وأيضًا، فإنَّ البكاء والعِياط يُوسِّع عليهم مَجاري النفَس، ويفتَح العُرُوق ويُصلبها، ويُقَوِّي الأعصاب، وكم للطفل مِن منفعةٍ ومَصلحةٍ فيما تسمعُه مِن بُكائه وصُراخه! فإذا كانتْ هذه الحكمةُ في البكاء الذي سببُه ورُودُ الألَم المؤذي، وأنت لا تعرفها، ولا تكاد تخطرُ ببالك، فهكذا إيلامُ الأطفال فيه وفي أسبابه وعواقبه الحميدة مِن الحِكَم ما قد خَفِيَ على أكثر الناس، واضْطَرَبَ عليهم الكلام في حِكْمتِه اضطراب الأَرْشِيَة، وسلكوا في هذا الباب مَسالكَ:
• فقالتْ طائفة: ليس إلا محض المشيئة العارية عن الحكمة، والغاية المطلوبة، وسَدُّوا على أنفُسِهم هذا البابَ جُملةً، وكلما سُئِلوا عن شيءٍ أجابوا بـ: ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ [الأنبياء: 23]!


وهذا مِن أصدق الكلام، وليس المرادُ به نفيَ حكمته تعالى، وعواقب أفعاله الحميدة، وغاياتها المطلوبة منها، وإنما المرادُ بالآية إفرادُه بالإلهيَّة والرُّبوبيَّة، وأنه لكمال حكمتِه لا مُعَقِّبَ لِحُكمِه، ولا يُعْتَرَض عليه بالسؤال؛ لأنه لا يفعلُ شيئًا سُدًى، ولا خَلَق شيئًا عبثًا، وإنما يُسأل عن فعلِه مَن خَرَج عن الصواب، ولم يكن فيه منفعةٌ ولا فائدةٌ.


ألا ترى إلى قوله: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 21 - 23]، كيف ساق الآية في الإنكار على مَن اتخذ مِن دونه آلهةً لا تُساويه، فسوَّاها به مع أعظم الفَرْق؟!


فقوله: ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ [الأنبياء: 23] إثباتٌ لحقيقة الإلهية، وإفرادٌ له بالربوبية والإلهية، وقولُه: ﴿ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 23] نَفْيٌ لصلاح تلك الآلهة المُتَّخَذة للإلهية، فإنها مَسؤولة مَربوبة مدبَّرة، فكيف يسوَّى بينها وبينه مع أعظم الفرقان؟!


فهذا الذي سِيقَ له الكلامُ، فجَعَلَها الجبريةُ مَلجأً ومَعْقلاً في إنكار حكمته، وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة، وعواقبها السديدة، والله الموفِّق للصَّواب...


• وقالتْ طائفةٌ أخرى: هذا السؤالُ لو تأمَّله مُورِدُه لعَلِم أنه ساقطٌ، وأنَّ تكلُّف الجوابِ عنه إلزامُ ما لا يَلْزَم، فإنَّ هذه الآلام وتوابعَها وأسبابها مِن لَوازم النَّشْأة الإنسانية التي لم يخلقْ منفكًّا عنها، فهي كالحرِّ والبَرْد، والجوع والعطَش، والتَّعَب والنَّصَب، والهَمِّ والغَمِّ، والضَّعْف والعجز، فالسُّؤال عن حكمتها؛ كالسؤال عن حِكمة الحاجة إلى الأكل عند الجوع، والحاجة إلى الشراب عند الظَّمأ، وإلى النَّوم والراحة عند التعَب، فإنَّ هذه الآلام هي مِن لَوازِم النشأة الإنسانية التي لا ينفكُّ عنها الإنسانُ ولا الحيوانُ، فلو تجرَّد عنها لم يكنْ إنسانًا، بل كان ملَكًا أو خَلْقًا آخر.


وليست آلامُ الأطفال بأصعبَ مِن آلام البالغين، لكن لَمَّا صارتْ لهم عادةً سَهُلَ مَوْقِعُها عندهم، وكم بين ما يُقاسيه الطفلُ ويُعانيه البالغ العاقلُ!


وكلُّ ذلك مِن مُقتضى الإنسانية، وموجب الخِلقة، فلو لم يُخْلَق كذلك لكان خَلْقًا آخر، أفترى أنَّ الطفلَ إذا جاع أو عطش أو برَد أو تَعِب قد خُصَّ من ذلك بما لم يُمْتَحَن به الكبير؟!


فإيلامُه بغير ذلك من الأوجاع والأسقام كإيلامه بالجُوع والعَطَش، والبرد والحرِّ، دون ذلك أو فوقه، وما خُلِقَ الإنسان بل الحيوانُ إلا على هذه النَّشأة.


قالوا: فإنْ سأل سائلٌ وقال: فلِمَ خُلِقَ كذلك؟ وهلاَّ خُلِقَ خِلْقَةً غير قابلةٍ للألم؟!


فهذا سؤالٌ فاسدٌ، فإنَّ الله تعالى خلَقه في عالَم الابتلاء والامتحان مِن مادة ضعيفةٍ، فهي عُرْضَةٌ للآفات، وركَّبَة تركيبًا مُعَرَّضًا لأنواعٍ مِن الآلام، وجعل فيه الأخلاط الأربعةَ التي لا قوام له إلا بها، ولا يكون إلا عليها؛ وهي لا محالة توجب امتزاجًا واختِلاطًا وتفاعُلاً يبغي بعضها على بعض بكيفيته تارةً، وبكميته تارةً، وبهما تارةً، وذلك مُوجِبٌ للآلام قَطْعًا، ووُجودُ الملزوم بدون لازمه مُحالٌ!


ثم إنه سبحانه ركَّب فيه مِن القُوى والشَّهوة والإرادة ما يوجب حركته الدائبة، وسعيَه في طلب ما يُصْلِحُه، ودفع ما يضرُّه؛ بنفسه تارةً، وبِمَنْ يُعينُه تارةً، فأحْوَجَ النوعَ بعضه إلى بعض؛ فحَدَث من ذلك الاختلاطُ بينهم، وبغى بعضهم على بعض فحدَث من ذلك الآلامُ والشرورُ بنحو ما يحدُث من امتزاج اخلاطه واختلاطها، وبغى بعضها على بعض، والآلامُ لا تتخلَّف عن هذا الامتزاج أبدًا، إلا في دار البقاء والنعيم المقيم، لا في دار الابتلاء والامتحان!


فمَنْ ظَنَّ أنَّ الحكمة في أن يجعلَ خصائص تلك الدار في هذه، فقد ظنَّ باطلاً، بل الحكمةُ التامَّةُ البالغةُ اقتضتْ أن تكون هذه الدارُ مَمْزُوجةً عافيتُها ببلائِها، وراحتُها بعنائها، ولذَّتها بآلامها، وصحتها بسقمها، وفرحُها بغَمِّها، فهي دارُ ابتلاءٍ تُدْفَعُ بعض آفاتها ببعض، كما قال القائل:


أصبحتُ في دار بَليَّاتٍ
أَدْفَعُ آفاتٍ بآفاتِ


ولقد صدق؛ فإنك إذا فكَّرْتَ في الأكْلِ والشُّرْبِ واللباس والجِماع والراحة وسائر ما تستلذُّ به، رأيتَه يدفعُ بها ما قابله مِن الآلام والبَليَّات، أفلا تراك تدفع بالأكل ألم الجُوع، وبالشُّرب ألم العطَش، وباللباس ألم الحرِّ والبرد، وكذا سائرها.


ومِن هنا قال بعضُ العُقلاء: إن لذَّاتها لنا هي دفعُ آلام لا غير، فأما اللَّذَّات الحقيقيَّة فلها دارٌ أخرى، ومحلٌّ آخر غير هذه، فوُجودُ هذه الآلام واللَّذات المُمْتَزجة المختلطة من الأدلة على المعاد، وأنَّ الحكمة التي اقتضتْ ذلك هي أولى باقتضاء دارين: دار خالصة للَّذات، لا يَشوبها ألم ما، ودار خالصة للآلام، لا يشوبها لذة ما، والدارُ الأولى هي الجنة، والدار الثانية النار!


أفلا ترى كيف دلَّك مع ما أنت مجبولٌ عليه في هذه النشأة من اللذة والألم على الجنة والنار؟! ورأيتَ شواهدهما وأدلةَ وُجُودهما من نفسك، حتى كأنك تُعاينهما عيانًا؟!


وانظرْ كيف دلَّ العِيانُ والحسُّ والوجودُ على حكمة الربِّ تعالى، وعلى صِدْقِ رُسُلِه فيما أخبَروا به مِن الجنة والنار!


فتأمَّلْ كيف قاد النظرُ في حكمة الله إلى شُهادة العُقُول والفِطَر بصدق رسلِه، وأنَّ ما أخبروا به تفصيلاً يَدُلُّ عليه العقلُ مُجْملاً، فأين هذا مِن مقام مَن أدَّاه علمُه إلى المعارَضة بين ما جاءتْ به الرسلُ وبين شواهد العقل وأدلته، ولكنَّ تلك العُقُول كادها باريها، ووكلَها إلى أنفسها، فحلتْ بها عساكرُ الخِذلان من كل جانبٍ، وحَسْبُك بهذا الفصل وعظيم منفعته مِن هذا الكتاب، والله المحمود المسؤول تمام نعمته.


فهذه كلماتٌ مختصرة نافعة في مسألة إيلام الأطفال، لعلك لا تظفر بها في أكثرِ الكُتُب.


وأسأل الله أن يَعُمَّنا وجميع المسلمين برحمته الواسعة




http://www.alukah.net/fatawa_counsel...#ixzz4NYvVG27t