السؤال


ملخص السؤال:
فتاة زنت وتابت توبة نصوحًا، وتعرفتْ إلى شابٍّ خلَّصَها من الزاني، وتريد الزواج منه، وهو متردد، هل يتزوجها أو لا؟


تفاصيل السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


بدأتْ مشكلتي عندما هاتفتْني زميلةٌ لي في العمل طالبة مني المساعدة، كانتْ هذه الفتاة على علاقة محرَّمة مع شابٍّ، وكانتْ تطلُب مني مُساعدتها للتخلُّص مِن هذا الشخص الذي يُلاحِقُها في كل لحظةٍ، ويُجبرها على الخروج معه، وبفضلٍ من الله تعالى تمكَّنْتُ مِن مساعدتها، وذلك بإعطائها مجموعة مِن النصائح والإرشادات التي مكَّنَتْها مِن التخلُّص منه فعلًا؛ علمًا بأن تواصلها معي كان هاتفيًّا فقط.


أصبحتْ هذه الفتاة تشكرني، وتدين بالجميل لي كثيرًا، والفضل لله سبحانه وتعالى؛ وذلك على مساعدتي لها بالتخلُّص من هذا الذئب البشري الذي كان يُلاحقها.


بدأتْ ترتاح إليَّ، بل وتُدخلني في أدق تفاصيل حياتها؛ حتى شعرتُ بميلٍ عاطفيٍّ منها تجاهي، ولا أخفيكم أني قد تفاعلتُ مع مشاعرها العاطفية، بل وفُتنتُ بجمالها، وطيبة نفسها، وميلها تجاهي كثيرًا، ولكنني لم أبُحْ لها بأيِّ شيء مِن هذا القبيل، إلا بعد أن صارحتْني بحبها لي، وتعلُّقها بي، وذلك بعد أن صلَّتْ صلاة الاستخارة، ولا أخفي عليكم بأنني أشعر بالانجذاب تجاهها كثيرًا، ولكن فيما بيني وبين نفسي لا أستطيع تقبُّلها كزوجةٍ تُنجب لي أطفالًا يحملون اسمي! وذلك بسبب العار الذي لحقها مع هذا الشخص الحقير، على الرغم مِن رغبتي في الارتباط بها، خاصة بعدما ندمَتْ أشد الندم على المرتين اللتين مارست الجنس المحرَّم فيهما مع هذا الشخص.


أخبرتْني بأنها تابتْ إلى الله تعالى توبةً نصوحًا؛ هذا إلى جانب أنها تتحسَّر على نفسها حينما تتذكر هذا الأمر، بل وتشعُر بعِظَمِ ذنْبِها أمام الله تعالى، وحتى لو حصل وقبلتُها كزوجةٍ، فأخشى أن تقع المصيبةُ الكبرى؛ وأن يكونَ هذا الشخصُ الذي مارَس الجنس المحرَّم معها قد قام بتصويرها في مكانه الخاص، وينوي نشْرَ صُورها مستقبلًا، فحينها سُمعتي وعرضي وشرفي سيُلَطَّخ بالعار أمام الناس.


أفيدوني حفظكم الله؛ فواللهِ أنا في حيرةٍ من أمري.


الجواب



الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:


فما يُقلق في رسالتك - أيها الأخ الكريم - هو قولك: "ولكن فيما بيني وبين نفسي لا أستطيع تقبُّلها كزوجةٍ تُنْجِب لي أطفالًا يحملون اسمي"، وإن كان كلامُك في باقي الرسالة يُخالف ذلك القول!

فقد ذكرتَ في رسالتك أنها تابتْ توبةً نصوحًا، فندمتْ، وتألمتْ على ما كان منها، ولم تَعُدْ له ثانيةً، وأنتَ لاحظْتَ ذلك بنفسك؛ فالزِّنا وإن كان مِن أكبر الكبائر، إلا أنَّ مَن تابَ تاب الله تعالى عليه، وغفر له، ومَن حَسُنَتْ توبتُه كان حالُه بعد الذنب والتوبة أفضل وأكمل مِن حاله قبل الذنب؛ قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الشورى: 25]، وقال تعالى بعد أن تَوَعَّدَ مَن ارتكب أكبر الكبائر: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70]، فالله - تعالى - غفورٌ رحيمٌ، بَرٌّ كريمٌ، إذا علم صِدْق التائب تاب عليه، وغفر له ذنبه، ومحا عنه خطيئته؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

وروى ابن ماجه عن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((التائبُ مِن الذنب كمَنْ لا ذنب له)).

فإن كان كذلك، فلا حرَج عليك مِن الزواج بتلك الفتاةِ، وكن صريحًا وشجاعًا مع نفسك، وقفْ معها وقفةً صادقةً، وليكنْ تفكيرك وحبك عقليًّا في تلك الفترة؛ فهذا ما ينفعك الله به، وراجعْ جميع مواقفها معك وتأمَّلْها؛ هل آنستَ منها صدقًا في التوبة ورغبةً في الحياة الكريمة؟ أو إنك شعرتَ منها عدم الصدق؟ أو إنها تُخادعك لتظفرَ بزوجٍ أو غير ذلك مما يشي بعدم الصِّدْق؟

فإن كانتْ صادقةً في أحوالها، فاستخرِ الله في الارتباط بها، وتوكَّلْ على الله وتزوَّجها، ولا تصغ بعد ذلك لأي مِن نزَغات الشيطان، ولتطويَا معًا تلك الصفحة السوداء السابقة.

ولا تشغلْ بالك بشأن ذلك الشخص أو خوف الفضيحة، وتوكَّلْ على الله؛ ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3]، ومِن المعروف عن أصحاب تلك النفوس الحقيرة أنه لو كان محتفظًا بصورٍ أو غيره، لابْتَزَّها بها من زمانٍ، ولَحاوَل الوصول إليها خلال الفترة السابقة، ولم ينتظرْ حتى تتزوَّج، ثم يفعل هذا.

والله أسأل أن يُقَدِّر لكما الخير حيث كان.