السؤال


أنا فتاة غير متزوِّجة، مررتُ بتجرِبة عاطفيَّة اضطررتُ من تِلقاء نفسي إلى إنهائها بعد أن أدركتُ أنني أسير في طريقٍ خاطئ، بغضِّ النظر عن الشاب؛ ولكنني كرهتُ كلَّ ما جرى في هذه العلاقة؛ من مكالمات، ومقابلات سريَّة، ودردشة.

أحسستُ بعِظم الذنب الذي كنت أقوم به، وما يزيد من إحساس الحرقة في صدري، والضيق في قلبي أنني فعلتُ كلَّ هذا من وراء أهلي، الذين كلما نظرتُ إليهم شعرتُ بكراهية نفسي لدرجةٍ لا توصَف.

الإحساس بأنني قمتُ بهذا التصرُّف من غير رغبة مني، وخلاف ما نشأتُ عليه - يحطِّمني كل لحظة.

أنا نادمة جدًّا على كلِّ ما بَدَر مني، وقد أمضيت كلَّ رمضان في التوبة على ألاَّ أعود إلى ما كان أبدًا.

وقد أصبحتُ كثيرةَ القلق والوسوسة، لدرجة أنني لا أنام جيدًا؛ بسبب التفكير في ما بدر مني، وأخاف على نفسي من الفضيحة والأمراض النفسية.

إلى اليوم أجد نفسي غيرَ قادرةٍ على النسيان، لا أريد أية ذِكرى تعيدني إلى الماضي.

سؤالي هو: هل أخبر أهلي بما جرى، علمًا بأنني لا أجرؤ، وأنني قد تبتُ وأنهيت كل شيء من تِلقاء نفسي، ولا ينبغي أن أجاهر بذنبي بعد التوبة؟

أرشدوني جزاكم الله خيرًا، فماذا أفعل؟


الجواب


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أتدرين أني وقفتُ للحظات أتأمَّل رسالتكِ وأتبسم، وأعيد قراءتها سعيدةً بها؟
غالبًا ما تكون الاستشارات الواردةُ إلينا تحمِل همًّا من هموم الدنيا وتأخُذني إلى عالم الدنيا؛ إذ يكون هَمُّ أصحابها الأكبر هو حلَّ مشكلة من مشكلاتها التي لا تنتهي، وهذا لا غرابة فيه؛ فالإنسان جُبل على حب العافية، أما أن تكون المشكلة متعلِّقةً بالآخرة، والتقرُّب إلى الله فقط، فهذا قليلاً ما يحدث، وإن لم نعدمْه - بفضل الله.

أختي العزيزة:
لماذا يربط بعضنا التوبةَ من مِثل هذه الذنوب بإخبار الأهل، أو المقرَّبين؟

هل هو من باب مشاركة الهموم وتقاسُم الأحزان؟

أو من باب التواصي والاستنصاح؟

أو ربما أن الأمر قد اختلط عليهم بشرط التوبة من بعض الذنوب التي تتعلَّق بالبشر باستحلالهم وطلب العفو منهم، كالغِيبة وما شابهها؟

إخبار الأهل وطلب العفوِ منهم لا علاقة له بالتوبة - عزيزتي - إذ ما فعلتِ هو مخالفة لأمر الله وظلمٌ لنفسكِ، أمَا وقد ستر الله عليكِ فهذه نعمةٌ تستحقُّ الشكر، أمَا وقد هداكِ وبصَّرك بخطورة جُرمك، فهذه نعمة أعظمُ وأقوى من سابقتها، فلله الحمد أولاً، وله الحمد آخرًا.

إن تأمُّلك فيما فعلتِ، واستشعارَ الحرقة في صدرك، والضيقَ في قلبكِ - من علامات التوبة الصادقة - بإذن الله - فالندمُ على الذنب من شروط التوبة، كذلك الإقلاع عنه، والعزم على عدم العودة، وكلها توفرتْ لديكِ - بفضل الله.

أختي الكريمة:
تقولين: "إلى الآن أجد نفسي غيرَ قادرةٍ على النسيان"، فهل تريدين مِثل هذه العلاقة أن تنتهي بمجرد انقطاعِك عنها، أو قطع كل حبائل الصلات؟

ليس الأمر بهذه السهولة، وإن كنتِ قد هُديت للخطوة العظمى، والمرحلة الكبرى؛ لكن تبقى بعضُ الذكريات تأبَى إلا أن تذكِّركِ بما فعلتِ؛ ليبقى القلبُ منكسرًا خاضعًا لله، ولعل تذكُّر هذا الذنب يكون من نِعَم الله عليكِ؛ فتذكُّرُنا لمثل هذه الأمورِ قد يورث القلبَ ذلاًّ وخضوعًا لله ما كان ليحدُثَ دونها، وكما قال بعض السلف: "رُبَّ معصيةٍ أورثتْ ذلاًّ وانكسارًا، خير من طاعة أورثتْ عزًّا واستكبارًا".

نقول ذلك بعد التوبة، ونقوله معترفين بذنوبنا مقرِّين بها، غير معجبين ولا متهاونين.

إن كنتِ تخافين على نفسك الأمراض النفسية، فاشغليها بما ينفعها، واستثمريها في طاعة الله، كنوعٍ من التكفير عن الذنب؛ فقد جاء في الحديث: ((أتبِعِ السيئةَ بالحسنة تمحُها))؛ رواه أحمد.

وقد قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114]، فإنْ غلبَكِ الهمُّ وسيطر عليك، فاستغلي تلك المشاعرَ في المثول بين يدي الله في قيام ليلٍ، أو تلاوة آيات من القرآن، وتذكَّري رحمة الله وجميلَ فضله على عباده بتأمُّل هذه الآيات: ﴿ إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70].

سبحان الله!

الأمر أعظم من المغفرة إذًا، فتُبدَّل السيئاتُ حسناتٍ، شيء لم يخطر لنا على بال!

لكنه الكرم الإلهي، والعطاء الرباني.

جاء في "تفسير السعدي":
"﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾؛ أي: تتبدَّل أفعالهم وأقوالهم التي كانت مستعدةً لعمل السيئات، تتبدل حسنات، فيتبدل شركُهم إيمانًا، ومعصيتُهم طاعةً، وتتبدَّل نفس السيئات التي عملوها، ثم أحدثوا عن كل ذنب منها توبةً وإنابة وطاعة، تبدل حسنات، كما هو ظاهر الآية" (1 / 587).

أختي التائبة:
كما أنهيت تلك العلاقة بإرادةٍ قوية، وعزمٍ صادق، وإيمانٍ قوي، فأنهي هذا الصراعَ النفسي، وتخلَّصي من تلك المعاناةِ، ووظِّفي شعورك بالخوف من الله واستغليه في الدعوة إلى الله، فإن الداعية الذي يستشعر منه الناسُ الخوفَ من الله والتقوى، تكون دعوته أنجحَ، وكلِمتُه أسمعَ.

وفَّقكِ الله وبدَّل كل سيئة لكِ حسنة، وضاعف لك الأجر، وثبَّتكِ على الحق، ونسعد كثيرًا بالتواصل مع أمثالك من نماذج الخير التي تثلج الصدورَ، وتَسرُّ القلوب.


http://www.alukah.net/fatawa_counsel...#ixzz4NQVlSdKV