مقالات الشيخ طارق عبد الحليم
النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: مقالات الشيخ طارق عبد الحليم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ طارق عبد الحليم

    سيد قطب والقرضاوي



    الشيخ القرضاوي شيخ جليل له مكانته من العلم والدعوة في أيامنا هذه، خاصة بعد أن رحل الكبار من أمثال الشيخ شاكر وغيره من قبله من أمثال الشنقيطي والدوسري وغيرهما من العلماء. ولكن الشيخ القرضاوي كغيره من العلماء متأثر بخلفيته العلمية وبالبيئة الدعوية الإخوانية التي تربى فيها، وكان لها أكبر الأثر في صياغة فكره، ودخول شبه الإرجاء عليه. ولسنا بصدد الحديث المفصّل عن القرضاوى، ما له وما عليه، فإن له الكثير من الفضل، كما أن له الكثير من الزلات التي من آخرها إباحة القروض الربوية للمقيمين بالخارج لشراء منازل سكنية، غير ترخصه في الكثير من المحرمات حتى عُرف عنه من قديم أنه صاحب كتاب "الحلال والحلال" في الإسلام! وهذا ثمن يدفعه من يتعرض للجمهور على شاشات التلفاز ويصبح من الشخصيات العامة، فيفتى بما يرضى الناس ويأمن أن يتقبلوه وأن ترضى به حكوماتهم. وهذه حقيقة يعترف بها القرضاوي نفسه حين يقارن نفسه بعلماء أجلاّء ممن ارتقوا بأنفسهم عن مثل هذه الترخصات من أمثال الشيخ الجليل عالم الإقتصاد الفقيه على السالوس رئيس القرضاوى في مجمع الفقه الإسلامي بقطر.

    ومما تعرض له القرضاوي فكر سيد قطب رحمة الله عليه، وقد نقده بفكر إخواني إرجائي محض، وبالطبع فقد تلقف هذا الكلام من طلبة الإرجاء ومحبيه من عديمي العلم وصغار الدعاة ومرضى الإرجاء (عافاهم الله تعالى منه) وراحوا يروجونه على صفحات مواقع يقرأها الناس ويرون اسم القرضاوي عليها فيسبق إلى عقولهم التصديق بها أو بالأحرى عليها، لمكانة اسم القرضاوى في هذه الأيام، ولقلة الحصيلة العلمية القادرة على النقد والنظر.

    ورغم أننا نرى أن سيدا رحمة الله عليه كان من أشفّ الناس في عصرنا هذا في فهم التوحيد وأخلصهم في تأدية معناه، مرافقا في ذلك السيد المودودي والشيخ الدوسري وغيرهم من أجلة علماء السنة في عصرنا ممن حصّنهم الله ضد جراثيم الإرجاء، ومن قبلهم الإمام محمد عبد الوهاب، ومن قبلهما شيوخ السنة والجماعة كابن تيمية وبن القيم وبن كثير وبن رجب ثم سابقيهم في العصور الثلاثة الفضلى كما أننا نرى أن سيداً قد جاوز الصواب في بعض ما كتب إمّا مدفوعاً بقلم الأديب الذي يتقدم عنده اللفظ لتأدية المعنى وإن شطّ عن القصد، أو لخلل في فهم بعض التنزيل، كما حدث في تعليقه على بعض آيات الصفات، ونحن نصدر في تأييدنا ومخالفتنا لسيد عن قناعة عميقة حقيقية ولإيمان صادق بمقولة أن "كلٌّ يُؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب المقام النبوي عليه أفضل الصلاة والسلام"، مخالفين بذلك أدعياء العلم من أتباع القرضاوي أو الألباني أو غيرهم ممن يدعى الإنصاف وعدم التقليد ظاهرا وهو هالك فيه حقيقة.

    وقد علّقت في هذه العجالة على مقال للقرضاوى عن فكر سيد قطب بما أتاح به الوقت ولنا إليه عودة إن شاء الله تعالى.

    وضعت نص القرضاوي بين "" و جعلت تحته خطاً لتمييزه ، ثم نقل أحمد ومحمود شاكر بالخط الثقيل لأهميتها :

    "وفي هذه الفترة بدأ سيد قطب يقترب من الإخوان، ويرى بعينيه نشاطهم والتزامهم، وما بينهم من رباط وثيق، وإخاء عميق، وما يتميز به كثير منهم من وعي دقيق، وشعور رقيق، وكان المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي يصطحبه معه في رحلاته، ليرى بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويحكم بعد ذلك بعقله، ويختار لنفسه.

    وقد اختار بملء إرادته الانضمام إلى دعوة الإخوان، ولا سيما بعد أن خاب ظنه في رجال الثورة، الذين علق عليهم في أول الأمر آمالا وأحلاما، فتبخرت وضاعت، كما تبخرت أحلام الشاعر العاشق الذي قال:

    كأني من ليلى الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع


    وأحيل القارئ إلى ما ذكرته في الجزء السابق عن سيد قطب وانضمامه إلى الإخوان، وتسلمه رئاسة قسم نشر الدعوة في الجماعة، ورئاسة تحرير مجلتهم، إلى أن دخل معهم في محاكمات محكمة الشعب وحكم عليه بعشر سنوات."

    مما لا شك فيه أن سيد بعد أن كان من الأدباء الأفذاذ وإن لم يتخذ الإسلام مرجعا له بعد، كان قد بدأ عملية التحول بعد أن انفتحت عيناه على حقيقة الإسلام وعظمته، وقد حدث هذا تدريجيا وبشكل عفوي وكانت الإخوان هي الجماعة الوحيدة على الساحة التي تعرض الإسلام كبديل سواء صحت توجهاتها كلها وكانت الأمثل أو مع تجاوزاتها التي رآها من بعد واختار بعد التعمق في الإسلام والتحلي بمعاني التوحيد أن ينفصل عنها. والأخ القرضاوي يصور سيد أنه بعد أن انتمى إلى الإخوان ووصل إلى ذروة العمل الجهاديّ بهذا الإنتساب قد رجع القهقري وانفصل عن الإخوان لتغير غير مرضي منه في الفكر الذي دفعه إلى التكفير وما إلى ذلك مما سأعرض له لاحقا، والحق أن سيد رحمة الله عليه دخل في الإخوان كمرحلة من مراحل رقيه الفكري أولا ولأنه لم يكن هناك بديل لها ثانيا، ثم استمر فيالترقي إلى أن أدرك ما عند الإخوان من خلل عقائدي وفكر ارجائي فانفصل عنها وتعداها إلى مرحلة جديدة كما سنبين بعد، فسيد تحرك من أسفل إلى أعلى ثم إلى أعلى الأعلى، لا كما يصور القرضاوي أنه تحرك من أسفل إلى أعلى الأعلى ثم انقرض إلى الأسفل مرة أخرى!

    "وهذه مرحلة جديدة تطور إليها فكر سيد قطب، يمكن أن نسميها "مرحلة الثورة الإسلامية"، الثورة على كل "الحكومات الإسلامية"، أو التي تدعي أنها إسلامية، والثورة على كل "المجتمعات الإسلامية" أو التي تدعي أنها إسلامية، فالحقيقة في نظر سيد قطب أن كل المجتمعات القائمة في الأرض أصبحت مجتمعات جاهلية.

    تكون هذا الفكر الثوري الرافض لكل من حوله وما حوله، والذي ينضح بتكفير المجتمع، وتكفير الناس عامة –"

    سبحان الله العظيم! كذب وافتراء على الرجل! فهو لم يكفّر الناس عامة في أي نص من نصوصه وإنما هي استخراجات مريضة مغرضة تريد أن تسلب الرجل مكانته لضآلة حجمها بالنسبة اليه رغم اسباغ صورة الموضوعية والإنصاف في مثل قولها بأنه "وهو على كل حال مخلص في توجهه، مأجور في اجتهاده، أصاب أم أخطأ، ما دام الإسلام مرجعه، والإسلام منطلقه، والإسلام هدفه"!! الرجل - لمن أراد أن يتعلم - إنما قال إن المجتمعات الحالية التي لا تحكم بشرع الله هي مجتمعات جاهلية وأن الناس الذين يرضون بهذا الوضع ويشجعونه ويعملون تحت رايته لتحقيق أغراضه إنما هم خارجين عن الولاء لله كافرين بشرعه، وهذا كله صحيح لا شائبة فيه فإن قاعدة التحاكم لله تفرض أن الشرع في حياة المجتمع المسلم يجب أن يستمد من الله سبحانه أو هي الجاهلية لا ثالث لهما، وأن من يسلم روحه ونفسه لأمثال الحاكمين بغير شرعه عنادا واستكبارا ويعمل بعملهم وينصرهم على الدعاة إلى الله هو من نحلتهم وممن حذا حذوهم فهو منهم، وآيات الولاء في القرآن ناضحة بهذا المعنى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولكن سيداً لم يكفر الأفراد الأعيان من هذه الأمة فردا فردا وحاشاه وعلى من قال بهذا أن لا يلقى بالقول على عواهنه بل أم يأتي بنصوص محكمة لا تحتمل الشبهة من كلام الرجل تنص على التكفير العام ، وقد تابع القرضاوي في مثل هذا القول لفيف من أنصار الإسلام "الشيوعيّ أو الليبرالي من أمثال د. محمد عمارة الذي رمى سيداً بنفس التهم من قبل . ثم نكمل نصوص القرضاوي:

    "لأنهم "أسقطوا حاكمية الله تعالى" ورضوا بغيره حكما، واحتكموا إلى أنظمة بشرية، وقوانين وضعية، وقيم أرضية، واستوردوا الفلسفات والمناهج التربوية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية وغيرها من غير المصادر الإسلامية، ومن خارج مجتمعات الإسلام.. فبماذا يوصف هؤلاء إلا بالردة عن دين الإسلام؟!"

    ماذا في هذا الكلام ما يستدعي علامات التعجب، إنما هي شبه الإرجاء دخلت على القرضاوي كما دخلت على بقية المنتسبين للإخوان من أن "القدرة التامة والإرادة الجازمة قد لا يتبعها عمل" كما قال بن تيمية. فإن العمل بالشريعة لمن هو قادر على العمل بها ومريد للعمل بها هو أمر لا يشك فيه إلا مرجئ يؤخر العمل عن الإيمان، وهو موضوع يطول شرحه في هذا الموضع ولكنه مبرر بأن الإخوان كما أثبتنا في بعض ما كتبنا أنهم مرجئة العصر الحديث، لذلك فالشيخ يعجب من أن من هذا حاله كيف يقول عنه سيد أنه مرتد عن الإسلام، سبحانك اللهم، وها هو نص ما قال أحمد شاكر في تفسير سورة المائدة في تفسير قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأؤلئك هم الكافرون، وأثر بن عباس وأبي مجلز التابعي أنه كفر دون كفر أنقله هنا للفائدة:

    قال أحمد شاكر: وهذه الآثار – عن بن عباس – مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا من المنتسبين للعلم ومن غيرهم من الجرآء على الدين يجعلونها عذرا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة التي ضربت على بلاد الإسلام. وهناك أثر عن أبي مجلز في جدال الإباضية الخوارج إياه فيما يصنع بعض الأمراء من الجور فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة عمدا إلى الهوى، أو جهلا بالحكم. والخوارج من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر فهم يجادلون يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء ليكون لهم عذراً فيما يرون من الخروج بالسيف. وهذان الأثران رواهما الطبري وكتب عليهما أخي السيد محمود شاكر تعليقا نفيسا جدا فرأيت أن أثبت هنا نص الرواية الأولى للطبري ثم تعليق أخي على الروايتين.

    "فروى الطبري عن عمران بن حيدر قال: أتى أبي مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس فقالوا: يا أبا مجلز أرأيت قول الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون؟ أحق هو؟ قال:نعم، قالوا: ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الظالمون، أحق هو؟ قال: نعم، قالوا: ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الفاسقون، أحق هو؟ قال: نعم، قالوا: يا أبا مجلز، فيحكم هؤلاء بما أنزل الله (يريدون الأمراء الظالمين من بني أمية) قال: هو دينهم الذي يدينون به وبه يقولون، واليه يدعون، فإن تركوا منه شيئا عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً، فقالوا لا والله ولكنك تفرق! قال: أنتم أولى بهذا مني (يعني أنهم هم الخارجين لا هو) لا أرى، وأنتكم ترون هذا ولا تحرّجون" فكتب أخي السيد محمود بمناسبة هذين النصين:

    الله إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدوا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله وفي القضاء في الدماء والأموال والأعراض بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام. فلما وقف على هذين الخبرين، اتخذهما رأيا يرى به صواب القضاء في الدماء والأموال والأعراض بغير ما أنزل الله وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها والعامل عليها. والناظر في هذين الخبرين لا محيص له من معرفة السائل والمسئول، فأبو مجلز (لاحق بن حميد الشيباني الدوسي) تابعي ثقة وكان يحب عليا وكان قوم أبي مجلز وهم بنو شيبان من شيعة علي يوم الجمل وصفين، فلما كان أمر الحكمين يوم صفين، واعتزلت الخوارج، كان فيمن خرج على علي طائفة من بني شيبان ومن بني سدوس بن شيبان بن ذهل، وهؤلاء الذين سألوا أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس وهم نفر من الإباضية..... هم أتباع عبد الله بن إباض من الحروروية (الخوارج) الذي قال: إن من خالف الخوارج كافر ليس بمشرك! فخالف أصحابه ...

    ومن البين أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية إنما كانوا يريدون أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء لأنهم في معسكر السلكان، ولأنهم ربما عصوا أو ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عنه، ولذلك قال في الأثر الأول: فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبا، وقال في الخبر الثاني: إنهم يعملون بما يعملون وهم يعلمون أنهم مذنبون"

    وإذن، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعي زماننا من القضاء في الدماء والأموال والأعراض بقانون مخالف لغير شرع الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالإحتكام إلى حكم غير الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي له.

    والذي نحن فيه اليوم، هو هجر لأحكام الله عامة دون استثناء وإيثار أحكام غير حكمه، في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله ....فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سنّ حاكما حكما جعله شريعة ملزمة للقضاء بها ..

    وأما أن يكون كان في زمان ابي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر جاحدا لحكم الله أو مؤثرا لأحكام أها الكفر على أهل الإسلام (وهي حال اليوم من آثر أحكام الكفر علىأحكام الإسلام) فذلك لم يكن قط، فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه، فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في بابهما، وصرفها عن معناها، رغبة في نصرة السلطان، أو احتيالا على تسويغ الحكم بما أنزل الله وفرض على عباده، فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله، أن يستتاب، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ورضي بتبديل الأحكام، فحكم الكافر المصر على كفره معروغ لأهل هذا الدين" أحمد محمود شاكر" انتهى نص أحمد ومحمود شاكر جزاهما الله خيرا عميماً والجاهل بقدرهما عليه أن يسأل عنهما فهما علمين من أعلام الحديث واللغة العربية والتفسير لا يجاريهما أحد من أهل هذا الزمان ولا يكاد القرضاوي أن يقرض بعلمه طرف علومهما.

    وانظر رحمك الله فهو يقول باستتابة من يتخذ هذه الآثار لنصرة السلطان ممن يدعي العلم (من أمثال بعض الجماعات الإسلامية في كتاب "دعاة لا قضاة" إذ استشهدوا بهذه الآثار على الوجه الذي ذكره محمود شاكر) لا باستتابة السلطان إذ لا محل لإستتابته وحكمه معروف لمن له عقل.

    "بل الواقع عنده أنهم لم يدخلوا الإسلام قط حتى يحكم عليهم بالردة، إن دخول الإسلام إنما هو النطق بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهم لم يفهموا معنى هذه الشهادة، لم يفهموا أن "لا إله إلا الله" منهج حياة للمسلم، تميزه عن غيره من أصحاب الجاهليات المختلفة، ممن يعتبرهم الناس أهل العلم والحضارة.

    أقول: تكون هذا الفكر الثوري الرافض، داخل السجن، وخصوصا بعد أن أعلنت مصر وزعيمها عبدا لناصر، عن ضرورة التحول الاشتراكي، وحتمية الحل الاشتراكي، وصدر "الميثاق" الذي سماه بعضهم "قرآن الثورة"! وبعد الاقتراب المصري السوفيتي، ومصالحة الشيوعيين، ووثوبهم على أجهزة الإعلام والثقافة والأدب والفكر، ومحاولتهم تغيير وجه مصر الإسلامي التاريخي."

    هذا إغراض وتلميح بما رماه به خصومه من ملحدي مصر من أن آرائه "المتطرفة" مرجعها إلى العذاب الذى رآه على يد النظام، لا إن آرائه تحمل في ذاتها حقاً! حيلة رخيصة للتخلص من مواجهة الموضوع ذاته، بتحويل النظر إلى ظروف صاحبه الصعبة وإلقاء ظلالا للشك على موضوعية الآراء من هذا الباب، ولكن هيهات هيهات، فهناك من هم متيقظون لهذه التكتيكات المغرضة، فأين النقد الموضوعي للجمل التي ذكرت يا شيخ قرضاوي؟ أين دليلك من الكتاب والسنة على عدم صحتها (عدا الحديث عن ظروف سيد في السجن وتجربته وعن ظلم عبد الناصر والثورة!!!)؟

    هنالك رأى سيد قطب أن الكفر قد كشف اللثام عن نفسه، وأنه لم يعد في حاجة إلى أن يخفيه بأغطية وشعارات لإسكات الجماهير، وتضليل العوام.

    "هنالك رأى أن يخوض المعركة وحده، راكبا أو راجلا، حاملا سيفه "ولا سيف له غير القلم" لقتال خصومه، وما أكثرهم. سيقاتل الملاحدة الجاحدين، ويقاتل المشركين الوثنيين، ويقاتل أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ويقاتل المسلمين أيضا، الذين اغتالتهم الجاهلية، فعاشوا مسلمين بلا إسلام!

    وأنا برغم إعجابي بذكاء سيد قطب ونبوغه وتفوقه، وبرغم حبي وتقديري الكبيرين له، وبرغم إيماني بإخلاصه وتجرده فيما وصل إليه من فكر، نتيجة اجتهاد وإعمال فكر أخالفه في جملة توجهاته الفكرية الجديدة، التي خالف فيها سيد قطب الجديد سيد قطب القديم.. وعارض فيها سيد قطب الثائر الرافض سيد قطب الداعية المسالم، أو سيد قطب صاحب "العدالة" سيد قطب صاحب "المعالم".

    ولقد ناقشت المفكر الشهيد في بعض كتبي في بعض أفكاره الأساسية، وإن لامني بعض الإخوة على ذلك، ولكني في الواقع، كتبت ما كتبت وناقشت ما ناقشت، من باب النصيحة في الدين، والإعذار إلى الله، وبيان ما أعتقد أنه الحق، وإلا كنت ممن كتم العلم، أو جامل في الحق، أو داهن في الدين، أو آثر رضا الأشخاص على رضا الله تبارك وتعالى.

    ونحن نؤمن بأنه لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل أحد غيره يؤخذ من كلامه ويرد عليه، وأن ليس في العلم كبير، وأن خطأ العالم لا ينقص من قدره، إذا توافرت النية الصالحة، والاجتهاد من أهله، وأن المجتهد المخطئ معذور، بل مأجور أجرا واحدا، كما في الحديث الشريف، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية أو العملية، الأصولية أم الفروعية، كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما.

    وأخطر ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب، هو ركونه إلى فكرة "التكفير" والتوسع فيه، بحيث يفهم قارئه من ظاهر كلامه في مواضع كثيرة ومتفرقة من "الظلال" ومما أفرغه في كتابه "معالم في الطريق" أن المجتمعات كلها قد أصبحت "جاهلية". وهو لا يقصد بـ "الجاهلية" جاهلية العمل والسلوك فقط، بل "جاهلية العقيدة" إنها الشرك والكفر بالله، حيث لم ترضَ بحاكميته تعالى، وأشركت معه آلهة أخرى، استوردت من عندهم الأنظمة والقوانين، والقيم والموازين، والأفكار والمفاهيم، واستبدلوا بها شريعة الله، وأحكام كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم."

    وماذا في هذا من خلاف للحقيقة، إن هذه المجتمعات - لا أفرادها الذين يعيشون فيها- قد ارتضت الحكم بغير ما أنزل الله (هل في شك من ذلك؟) واستبدلت شريعته (هل في شك من ذلك؟) وحاربت أولياءه من الدعاة إلى الله (هل في شك من ذلك؟) وهي بهذا قد ارتضت شرائع الكفر في نظمها وإن لم يكفر أفرادها وهو ما لم يدعيه سيد أبدا – أي كفر الأفراد بعامة – أما كفر الأنظمة فلا يشك فيها مسلم يؤمن بالله ورسوله وفيه بقية من عقل! الأمر هنا هو لم التعجب دون إيراد الأدلة على نقض هذا الكلام، والإعتماد على إدارة المآقي في العيون وكأنما جاء الرجل بما استقرت الشرائع على خلافه؟ تكتيك رخيص مرفوض!

    "وعلى هذا، ليس الناس في حاجة إلى أن نعرض عليهم نظام الإسلام الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو السياسي، أو القانوني، ونحو ذلك؛ لأن هذه الأنظمة إنما ينتفع بها المؤمنون بها، وبأنها من عند الله. أما من لا يؤمن بها، فيجب أن نعرض عليه "العقيدة أولا" حتى يؤمن بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وبالشريعة حاكمة."

    قال سيد أن على الدعاة أن ينهضوا بدعوة الناس إلى فهم كلمة التوحيد والتركيز عليها حيث أن مثل هذا الواقع المرير قد يكون قد زعزع المستقرات من المعاني في عقول الكثيرين، وأن ما أن ينجاى الصدأ عن القلوب بفهم أبعاد التوحيد الحقة فإن الصراع سينحسم أسرع ألف مرة مما لو اصطنعنا الحديث عن عدالة الإسلام ورحمة الإسلام وغيرها من الأبعاد الإجتماعية ..

    "وهذا ما أشار إليه في كتابه "المعالم" وفصله في كتاب "الإسلام ومشكلات الحضارة". وشبه مجتمعاتنا اليوم بمجتمع مكة في عهد الرسالة، وأن الرسول لم يعرض عليه النظام والتشريع، بل عرض عليه العقيدة والتوحيد."

    وماذا في هذا الفرض إن كان لم يعلن تكفير الأفراد عامة بل هو مجرد استنتاج من هؤلاء البشر ينبني على أنه دعا إلى الدعوة إلى التوحيد وتجديده في النفوس، كما فعل وهذا دوران في الدليل (أو دور الدليل) كما يقول أصحاب علم الجدل والمناظرة لا محل للتوسع فيه هنا على أي حال، وقد فعل ذلك محمند بن عبد الوهاب من قبل حين دعا إلى نبذ عبادة القبور وإلى التحاكم للشريعة فهل كان هو كذلك من مكفّري الأمة؟؟

    "كما رأى عليه رحمة الله أن لا معنى لما يحاوله المحاولون من علماء العصر لما سموه "تطوير" الفقه الإسلامي أو "تجديده" أو "إحياء الاجتهاد" فيه؛ إذ لا فائدة من ذلك كله ما دام المجتمع المسلم غائبا، يجب أن يقوم المجتمع المسلم أولا، ثم نجتهد له في حل مشكلاته في ضوء واقعنا الإسلامي.

    وقد ناقشت أفكاره عن "الاجتهاد" وعدم حاجتنا إليه قبل أن يقوم المجتمع الإسلامي، في كتابي "الاجتهاد في الشريعة الإسلامية" وبينت بالأدلة خطأ فكرته هذه.

    وكما ناقشت الشهيد سيد قطب في رأيه حول قضية "الاجتهاد" ناقشته في رأيه في "الجهاد" وقد تبنى أضيق الآراء وأشدها في الفقه الإسلامي، مخالفا اتجاه كبار الفقهاء والدعاة المعاصرين، داعيا إلى أن على المسلمين أن يعدوا أنفسهم لقتال العالم كله، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون!

    وحجته في ذلك آيات سورة التوبة (أليس في سورة التوبة وآياتها حجة كافية!!!)، وما سماه بعضهم "آية السيف" (بعضهم الذي يذكره الشيخ بصيغة المبني للمجهول لخفض ذكره هو ابن القيم وابن كثير وغيرهما من عتاة المفسرين! فتأمل!) ولم يبال بمخالفة آيات كثيرة تدعو إلى السلم، وقصر القتال على من يقاتلنا، وكف أيدينا عمن اعتزلنا ولم يقاتلنا، ومد يده لمسالمتنا، ودعوتنا إلى البر والقسط مع المخالفين لنا إذا سالمونا، فلم يقاتلونا في الدين، ولم يخرجونا من ديارنا، ولم يظاهروا على إخراجنا."

    سبحان الله العظيم !! الشيخ يقول بمنتهى الصراحة أن القرآن يخالف بعضه بعضاً!!! أيقصد في قوله "مخالفة آيات كثيرة" أي مخالفتها لآيات سورة التوبة؟ وهو الواضح من السياق، أم مخالفتها لفهم سيد لآيات التوبة ولم يأت هنا بدليل على الفهم الصحيح لآيات التوبة واكتفى بأن هناك الكثير مما يخالف (الله أعلم ماذا!؟) لآيات التوبة!!!!!! ويلغي في الوقت نفسه جهاد الطلب وهو مما استقر عليه الشرع بل من المعلومات من الدين بالضرورة كما في سيرة الرسول صلى الله ليه وسلم وسير خلفائه الأبرار، وأين قتال الفرس والروم من جهاد من اعتدى علينا؟ ولكنه الهوى الذي يردي بصاحبه!!

    "هذا ما تدل عليه الآيات الكثيرة من كتاب الله مثل قوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ" [البقرة: 191،190]. "فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً" [النساء: 90].

    "فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا" [النساء: 91]. " وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ" [الأنفال: 61]. " لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة: 8]."

    هذه الآيات حق لا شك فيها ولكن هي في موضعها من التطبيق حسب الظروف والأحوال، فالأمر أمر مرحلية هذه الأحكام وتنزيلها على مناطاتها.

    "والأستاذ سيد رحمه الله يتخلص من هذه الآيات وأمثالها بكلمة في غاية السهولة أن هذه كان معمولا بها في مرحلة، ثم توقف العمل بها، والعبرة بالموقف الأخير، وهو ما يعبر عنه الأقدمون بالنسخ، وقولهم (من هم الذين تعنيهم بقولك – وقولهم - ولا تأخذ برأيهم وتلقي به عرض الحائط وتذكرهم بالمبني للمجهول يا شيخ، هم أعلام التفسير على مرّ العصور!! ثم تأخذ على سيد ظلما أنه هاجم بعض المحدثين من العلماء وأشباههم!!!!) في هذه الآيات: نسختها آية السيف." لا إله إلا الله !! سيد لم يتخلص من هذه الآيات بقوله بالنسخ، بل إن قرأت كتبه تعلم أنه مما أْخذ على سيد في بعض أقواله أنه لا يرى النسخ في القرآن بشكل عام. بل أنت تخلصت من آية السيف في التوبة حتى بدون دعوى النسخ إذ لا يصح نسخ المتأخر بالمتقدم، ولكن تخلصت منها دون دليل!!)

    "ولا أدري كيف هان على سيد قطب -وهو رجل القرآن الذي عاش في ظلاله سنين عددا يتأمله ويتدبره ويفسره- أن يعطل هذه الآيات الكريمة كلها، وأكثر منها في القرآن، بآية زعموها آية السيف؟ وما معنى بقائها في القرآن إذا بقي لفظها وألغي معناها، وبطل مفعولها وحكمها؟!"

    مرة أخرى لمن لا يفهم من المرات الأولى! لم يلغها سيد ولكنه رآى بحق أن كل آية تعمل في مناطها، فآيات كفوا أيديكم لها مناط تعمل فيه، وآيات أذن للذين ظلموا لها مناط تعمل فيه، وآيات وقاتلوا الذين يقاتلونكم لها مناط تعمل فيه وآيات قاتلوا المشركين كافة لها مناط تعمل فيه، فأين الخلاف في هذا يا فقيه عصرك!!

    "ويقول الشهيد رحمه الله: إننا لا نفرض على الناس عقيدتنا، إذ لا إكراه في الدين، وإنما نفرض عليهم نظامنا وشريعتنا، ليعيشوا في ظله، وينعموا بعدله.

    ولكن بماذا نجيب الناس إذا قالوا لنا: إننا أحرار في اختيار النظام الذي نرضاه لأنفسنا، فلماذا تفرضون علينا نظامكم بالقوة؟ إن كل شيء يجرعه الإنسان تجريعا رغم أنفه يكرهه وينفر منه، ولو كان هو السكر المذاب، أو العسل المصفى!."

    نقول لهم ما قاله لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوحى اليه ربه: أن لا وألف لا: لن نرضى بنظام يحكم الناس غير نظام الله إن كنا قادرين على تغييره، أما إن كنا لا نقدرعلى تغييره، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها!!!

    "وما الحكم إذا كنا نحن -اليهود أو النصارى أو الوثنيين- أصحاب القوة والمنعة، وأنتم الضعفاء في العدة أو الأقلون في العدد؟ هل تقبلون أن نفرض عليكم نظامنا ومنهج حياتنا؟ كما هو شأن أمريكا اليوم، وتطلعاتها للهيمنة على العالم؟."

    لا حاجة للإستفتاء في هذا فهذا هو الواقع يا فقيه الأمة، إذ إنهم يفرضون نظامهم علينا فرضا أم أن هذا أمر لم تلاحظه، أم تدعى أن اليهود والنصارى يتركون المسلمين يحكمون بشريعتهم، وأين يحدث هذا في العالم، ما هذا الخلط والخبط؟

    "ومما ننكره على الأستاذ سيد رحمه الله أنه يتهم معارضيه من علماء العصر بأمرين:

    الأول: السذاجة والغفلة والبله، ونحو ذلك مما يتصل بالقصور في الجانب العقلي والمعرفي.

    والثاني: الوهن والضعف النفسي، والهزيمة النفسية أمام ضغط الواقع الغربي المعاصر، وتأثير الاستشراق الماكر مما يتعلق بالجانب النفسي والخلقي.

    والذين يتهمهم بذلك هم أعلام الأمة في العلم والفقه والدعوة والفكر، ابتداء من الشيخ محمد عبده، مرورا بالشيخ رشيد رضا، والشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ محمد مصطفى المراغي، والمشايخ: محمود شلتوت، ومحمد عبد الله دراز، وأحمد إبراهيم، وعبد الوهاب خلاف، وعلي الخفيف، ومحمد أبو زهرة، ومحمد يوسف موسى، ومحمد المدني، ومحمد مصطفى شلبي، ومحمد البهي، وحسن البنا، ومصطفى السباعي، ومصطفى الزرقا، ومحمد المبارك، وعلي الطنطاوي، ومعروف الدواليبي، والبهي الخولي، ومحمد الغزالي، وسيد سابق، وعلال الفاسي، وعبد الله بن زيد المحمود، ومحمد فتحي عثمان، وغيرهم من شيوخ العلم الديني.

    هذا فضلا عن الكتاب والمفكرين "المدنيين" الذين لا يحسبون على العلوم الشرعية، من أمثال: د. محمد حسين هيكل، وعباس العقاد، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، ومحمود شيت خطاب، وعبد الرحمن عزام، وجمال الدين محفوظ، ومحمد فرج، وغيرهم وغيرهم في بلاد العرب والمسلمين."

    الأستاذ سيد لم يذكر أحدا باسم، وهو تكتيك رخيص أن تضع على فم الرجل أسماء ناس من الناس لتستعدى عليه المشاعر، وإنما هو قال أن هناك الكثير من المسلمين "الطيبين" ووضع كلمة الطيبين بين قوسين، ليدل بها على غفلة عند البعض أو إغراض عند البعض أو ترخص عند البعض، ومن هذه الشخصيات ما فيها كل هذا بالفعل، ولكن تسمية الناس هي من عمل القرضاوي لا من عمل سيد، فسيد أكبر من مثل هذا الصغار.

    "وقد حدثني الأخ د. محمد المهدي البدري أن أحد الإخوة المقربين من سيد قطب -وكان معه معتقلا في محنة 1965م- أخبره أن الأستاذ سيد قطب عليه رحمة الله، قال له: إن الذي يمثل فكري هو كتبي الأخيرة: المعالم، والأجزاء الأخيرة من الظلال، والطبعة الثانية من الأجزاء الأولى، وخصائص التصور الإسلامي ومقوماته، والإسلام ومشكلات الحضارة، ونحوها مما صدر له وهو في السجن، أما كتبه القديمة فهو لا يتبناها، فهي تمثل تاريخا لا أكثر.

    فقال له هذا الأخ من تلاميذه: إذن أنت كالشافعي لك مذهبان: قديم وجديد، والذي تتمسك به هو الجديد لا القديم من مذهبك.

    قال سيد رحمه الله: نعم، غيرت كما غير الشافعي رضي الله عنه. ولكن الشافعي غير في الفروع، وأنا غيرت في الأصول!.

    فالرجل يعرف مدى التغيير الذي حدث في فكره. فهو تغيير أصولي أو "إستراتيجي" كما يقولون اليوم."

    هذا حوار سخيف وقصة عقيمة لا دلالة فيها، فإن كتب سيد القديمة تمثل فكرا غير إسلامي بالمعنى الدعوي، بل فكر كفكر العقاد ومحمد حسين هيكل ممن أسماهم القرضاوي نفسه "الكتاب المدنيين الذين لا يَُـعَدّون على العلوم الشرعية"، من هذا المنطلق تخلى سيد عن كتبه القديمة وتبنى كتبه الحديثة وهو حين يقول أنه غير في الأصول يقول أنه غير في فهمه الخاص للأصول كما غـّير الشافعي في إجتهاده في الفروع، والشافعي لم يقصد أنه غير الفروع ذاتها بل غير إجتهاده هو، كذلك سيد يقصد أن الأصول كانت وستظل دائما كما هي ولكنه أدرك حقيقتها، لا كما يحاول شيخ الأمة القرضاوي أن يوحي أن سيد يغيّر في أصول دين هذه الأمة!!!

    تحدثت عن عالـمِ جــللٍ حديثا عارِ عن الحيـاءِ
    تروّج سلعة مضمونـها عرفناه من قبلَ بالإرجاءِ
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    972

    افتراضي رد: مقالات الشيخ طارق علد الحليم{سيد قطب والقرضاوي}

    إن هذه المجتمعات - لا أفرادها الذين يعيشون فيها- قد ارتضت الحكم بغير ما أنزل الله (هل في شك من ذلك؟) واستبدلت شريعته (هل في شك من ذلك؟) وحاربت أولياءه من الدعاة إلى الله (هل في شك من ذلك؟) وهي بهذا قد ارتضت شرائع الكفر في نظمها وإن لم يكفر أفرادها وهو ما لم يدعيه سيد أبدا – أي كفر الأفراد بعامة – أما كفر الأنظمة فلا يشك فيها مسلم يؤمن بالله ورسوله وفيه بقية من عقل! الأمر هنا هو لم التعجب دون إيراد الأدلة على نقض هذا الكلام، والإعتماد على إدارة المآقي في العيون وكأنما جاء الرجل بما استقرت الشرائع على خلافه؟ تكتيك رخيص مرفوض!
    ماذا يقصد بالمجتمعات وماذا يقصد بالافراد
    هل المجتمعات هي الدولة -او الانظمة!-ماااظن ان هذا مصطلح صحيح ولا ان سيد قطب قصده فهو يفرق بين الانظمة والمجتمعات
    وماذا يعني لم يكفر الافراد
    فهو لم يكفّر الناس عامة في أي نص من نصوصه
    وانما كفر المجتمعات واي مجتمعات ومن قال ان المجتمعات رضيت بالكفر اذن لابد من تفسير كلمة مجتمعات في النصوص التي ورد فيها لفظ مجتمعات تزعم انها مسلمة!!
    وماذا يعني عدم تكفير الافراد علي التعيين مع تكفير المجتمعات!
    هل هي مجتمعات كافرة علي العموم لكن تكفير الاعيان يحتاج الي ثبوت المقتضي وانتفاء المانع
    وهل هذا ليس تكفير عام للامة
    هي اسئلة تحتاج اجابة ؟
    الرجل - لمن أراد أن يتعلم - إنما قال إن المجتمعات الحالية التي لا تحكم بشرع الله هي مجتمعات جاهلية وأن الناس الذين يرضون بهذا الوضع ويشجعونه ويعملون تحت رايته لتحقيق أغراضه إنما هم خارجين عن الولاء لله كافرين بشرعه، وهذا كله صحيح لا شائبة فيه فإن قاعدة التحاكم لله تفرض أن الشرع في حياة المجتمع المسلم يجب أن يستمد من الله سبحانه أو هي الجاهلية لا ثالث لهما، وأن من يسلم روحه ونفسه لأمثال الحاكمين بغير شرعه عنادا واستكبارا ويعمل بعملهم وينصرهم على الدعاة إلى الله هو من نحلتهم وممن حذا حذوهم فهو منهم، وآيات الولاء في القرآن ناضحة بهذا المعنى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولكن سيداً لم يكفر الأفراد الأعيان من هذه الأمة فردا فردا وحاشاه وعلى من قال بهذا أن لا يلقى بالقول على عواهنه بل أم يأتي بنصوص محكمة لا تحتمل الشبهة من كلام الرجل تنص على التكفير العام ، وقد تابع القرضاوي في مثل هذا القول لفيف من أنصار الإسلام "الشيوعيّ أو الليبرالي من أمثال د. محمد عمارة الذي رمى سيداً بنفس التهم من قبل
    طبعا الاستاذ محمد قطب في مقدمة كتاب سيد قطب مقومات التصور الاسلامي نفي عن سيد قطب تكفيره للامة المسلمة
    ولكن تبقي الالفاظ التي استخدمها سيد قطب في موضوع التكفير -هنا-غير محررة وغير منضبطة وملبسة وان قصد بها كما قال الاستاذ محمد قطب غير مافهمه الشيح القرضاوي حفظه الله
    ومحمد قطب والقرضاوي عاشروا الاستاذ سيد وفهموا عنه اقواله ومع ذلك فكل منهما خرج بمفهوم مختلف عندما قام بتفسير عباراته
    طبعا الاستاذ سيد قطب تكاد تتفق الامة علي حبه وانا اشهد اني احبه فليس في الامة معصوم الا النبي الكريم صلي الله عليه وسلم

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    73

    افتراضي رد: مقالات الشيخ طارق علد الحليم{سيد قطب والقرضاوي}

    السلام عليكم ،،
    كلام سيد قطب _أسأل الله أن يرحمه _ واضح وصريح ولايحتاج لتأويل ولا صرف عن معناه الأصلي ..

    فعلى سبيل المثال ... لفظ( الجاهلية .. والمجتمعات الجاهلية ) التي أوردها سيد _ أسأل الله أن يرحمه _ في ظلاله ومعالمه صريحة .. وكلامه يفسر بعضه بعض ...
    تأمل أنار الله بصيرتك .. تفسيره لقوله تعالى " أفحكم الجاهلية يبغون ? ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون?". .

    إن معنى الجاهلية يتحدد بهذا النص . فالجاهلية - كما يصفها الله ويحددها قرآنه - هي حكم البشر للبشر , لأنها هي عبودية البشر للبشر , والخروج من عبودية الله , ورفض ألوهية الله , والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهية بعض البشر وبالعبودية لهم من دون الله . .
    إن الجاهلية - في ضوء هذا النص - ليست فترة من الزمان ; ولكنها وضع من الأوضاع . هذا الوضع يوجد بالأمس , ويوجد اليوم , ويوجد غدا , فيأخذ صفة الجاهلية , المقابلة للإسلام , والمناقضة للإسلام .
    والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة الله - دون فتنة عن بعض منها - ويقبلونها ويسلمون بها تسليما , فهم إذن في دين الله . وإما إنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر - في أي صورة من الصور - ويقبلونها فهم إذن في جاهلية ; وهم في دين من يحكمون بشريعته , وليسوا بحال في دين الله . والذي لا يبتغى حكم الله يبتغي حكم الجاهلية ; والذي يرفض شريعة الله يقبل شريعة الجاهلية , ويعيش في الجاهلية .
    وهذا مفرق الطريق , يقف الله الناس عليه . وهم بعد ذلك بالخيار !

    .......
    ثم يُكمل ....إنه مفرق الطريق , الذي لا معدى عنده من الاختيار ; ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال . .
    إما إسلام وإما جاهلية . إما إيمان وإما كفر . إما حكم الله وإما حكم الجاهلية . .
    والذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون الظالمون الفاسقون . والذين لا يقبلون حكم الله من المحكومين ما هم بمؤمنين . .
    إن هذه القضية يجب أن تكون واضحة وحاسمة في ضمير المسلم ; وألا يتردد في تطبيقها على واقع الناس في زمانه ; والتسليم بمقتضى هذه الحقيقة ونتيجة هذا التطبيق على الأعداء والأصدقاء !


    سيد قطب / في ظلال القرآن .. تفسير الآية 50 من سورة المائدة


    أما عن تكفير المجتمعات .. فألأفاظه صريحة .. في تحديد صفة المجنمع المسلم والمجتمع الجاهلي وإليك بعضا من كلماته التي تكشف عن عقيدته ...والتي لا تحتاج لمن يؤولها ويصرفها عن مرادها ...
    انظر لكلامه في تفسير قوله تعالى .. "كذلك كدنا ليوسف . . ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك "
    .... هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعا . سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهلين ....
    ....إن مدلول "دين الله" قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر . . ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين .
    ..... وبعض المترفقين بالناس اليوم يتلمسون لهم عذرا في أنهم يجهلون مدلول كلمة "دين الله" وهم من ثم لا يصرون ولا يحاولون تحكيم شريعة الله وحدها بوصفها هي "الدين" . وأن جهلهم هذا بمدلول الدين يعفيهم من أن يكونوا جاهليين مشركين !
    وأنا لا أتصور كيف أن جهل الناس ابتداء بحقيقة هذا الدين يجعلهم في دائرة هذا الدين !
    .....إن الذي يعنينا هو تقرير حقيقة الدين الذي فيه الناس اليوم . . إنه ليس دين الله قطعا . فدين الله هو نظامه وشرعه وفق النصوص القرآنية الصريحة . فمن كان في نظام الله وشرعه فهو في "دين الله" . ومن كان في نظام الملك وشرعه فهو في "دين الملك" . ولا جدال في هذا .
    .... وخير لنا من أن ندافع عن الناس - وهم في غير دين الله - ونتلمس لهم المعاذير , ونحاول أن نكون أرحم بهم من الله الذي يقرر مدلول دينه وحدوده ! . .
    خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول "دين الله" ليدخلوا فيه . . أو يرفضوه . .
    هذا خير لنا وللناس أيضا . . خير لنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا الدين , الذين ينشأ عن جهلهم به عدم اعتناقه في الحقيقة . . وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ما هم عليه - وأنهم في دين الملك - لا في دين الله - قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام , ومن دين الملك إلى دين الله !
    كذلك فعل الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه - وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى الله في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان . .

    سيد قطب ..
    في ظلال القرآن / تفسير سورة يوسف الآية 76 (كذلك كدنا ليوسف . . ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك . . .). .


    وإقرأ في تفسيره قوله تعالى..
    - " هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (52) سورة ابراهيم
    - "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين"
    وكتاب " معالم في الطريق " مليئ بالعبارات الصريحة التي تدل على فكره

    أكثر ما يُميز اسلوب سيد قطب _ رحمه الله _ أنه سهل وواضح ومنطقي ... فهو يشرح ويُطيل الشرح والتوضيح حتى يزول اللبس .. ولا يترك مجال لصرف الكلام عن معناه ...

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ طارق عبد الحليم{ حديث عن المنهج }

    حديث عن المنهج



    الحديث ( حول ) منهج أهل السنة والجماعة حديث تطمئن إليه قلوب المؤمنين وتنشرح له صدورهم ؛ فهذا المنهج هو طريقهم السوي إلى بر الأمان في خضم تلك البدع والأهواء والفتن المتلاطمة التي يجر بعضها بعضاً للقضاء على زمرة أهل الحق .

    لكن الحديث ( حول ) المنهج أمر ، والحديث ( عن ) المنهج أمر آخر… فالحديث حول المنهج ، الذي اطمأنت به نفوس المؤمنين في السنوات الماضية قام على الدعوة للرجوع إلى هذا المنهج القويم وتحبيب الناس فيه ، والتركيز على أنه لا منهج سوي سواه ، ولا منجى مما يحيق من فتن إلا به .. فهو المنهج الذي أسسه محمد- صلى الله عليه وسلم- ، وهو الذي سار عليه أعلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين من أهل السنة والجماعة إلى يومنا هذا ، ما انحرف عنه أحد إلا دخلته بدعة وفارقته سُنة ، وبعد عن القصد ، وقرب مما ليس فيه مصلحة .

    أما الحديث ( عن ) المنهج فهو يعني : بيان أسس ذلك المنهج .. تقعيد قواعده وتفريع فروعه .. بيان مبادئه وتفصيلاته ، وشرح كلياته وجزئياته .. وهو ما يحتاجه مسلمو اليوم ممن اطمأنوا إلى ضرورة اتباع هذا المنهج والسير على خطاه ..

    إن ( منهج ) أهل السنة والجماعة ليس هو ( فتاوى ) أهل السنة والجماعة أو (مذهب) أهل السنة والجماعة الفقهي أو الحركي .. إنه ( أسلوب ) في النظر إلى الأمور الثلاثة التي تشكل مسار الدنيا ، والتي يختلف عليها الناس في كل آن ومكان : الأفكار ، والأشخاص ، والأحداث .

    المنهج هو : ( طريقة ) في البحث والتحري عن الحقيقة - أو بالأحرى : عن الحق - تضيِّق نطاق الخلاف حول تلك الأمور الثلاثة التي ما فتىء الخلاف حولها يهدد ويهد ّ كيان المسلمين ويزعزع بنيانهم ، وأهم من ذلك أنه الوسيلة التي تجعل النية والقول والعمل موافقاً لسنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، أو قل إن شئت :

    ( هو تلك الأسس والقواعد الشرعية والعقلية التي يدرب عليها عقل المسلم ؛ فتكون قالباً تُصاغ من خلاله حركاته وسكناته .. أقواله وأفعاله .. إقدامه وإحجامه في كافة شؤون حياته ) .

    إذن ، ما هو ذلك المنهج أو الأسلوب أو الطريقة التي ما زلنا نتحدث عنها وندعو إليها ؟

    سؤال يحتاج أن تتجرد له عزائم الرجال ، وتتفرغ له أوقاتهم ، وتشحذ عقولهم لوضع تفاصيل ذلك المنهج وحدِّ حدوده ورسم معالمه ، فما أظن أنه قد تجردت له العزائم بعد، بل حامت حول حماه ثم جنحت إلى جوانبه راضية من الغنيمة بالإياب!

    أنواع المناهج :

    نوعان من المناهج يتبعها الباحثون في المجالات العلمية أو النظرية ، تجدر الإشارة إليها كأحد المعالم الهادية إلى تحديد نوعية المنهج المراد ؛ وهما :

    أولاً : تلك المناهج التي توضع تفصيلاتها وتحدد معالمها قبل البحث المقصود إليه أو المراد إنشاؤه ، ويطلق عليها ( أسلوب البحث ) إن تعلقت بمبحث علمي ، أو ( خطة البحث ) إن تعلقت بأمر عملي فيزيقي ، أو ( خطوات البحث ) إن تعلقت بأمر عمليّ في مجال الأعمال والتجارة وغيرها . هذه المناهج غالباً ما تكون محدودة القيمة، ومقصورة على البحث الذي وضعت لأجله .

    ثانياً : تلك المناهج التي تستشف معالمها وتستنبط مبادئها من واقع ٍحالٍ وظروف قائمة وأحداث واقعة - سواء في الماضي أو الحاضر - لتكون هيكلاً في البحث وطريقة في النظر ؛ تتبّع فيما يستحدث من وقائع أو ظروف أو أحداث في المستقبل ، وهو ما نرمي إليه في الحديث عن منهج أهل السنة والجماعة . وأقرب ما وجدناه من معنى يعبر عن ذلك في معجم المباحث الغربية هو كلمة Scheme .

    هذا النوع من المناهج هو ما استعمله ( ديكارت ) في كتيبه الشهير الموسوم بـ : ( مقال في المنهج ) ، وهو الذي نبتت أفكاره من بذور الفكر الذي ساد تلك الحقبة من الزمن ، والذي قامت على أساس هدم الفكر الديني الكاثوليكي ، وفصل الدين عن السياسة ، والوقوف في وجه طغيان الكنيسة وسيطرتها على مصائر الناس ، مما أشاع فكر ( التحرر ) وضرورة ( الشك ) في المسلمات السائدة. ذلك المنهج الديكارتي هو الذي سيطر فمما بعد على مجالات الفكر النظري والعملي الغربي ، وأنشأ قواعد الفكر الغربي الحديث .

    بين المنهج والقانون :

    ومما يجب أن نلفت إليه النظر هو : ضرورة التفريق بين القانون أو النظرية وبين المنهج ، إذ أن الخلط بينهما يؤدي إلى أخطاء كثيرة في البحث والتطبيق جميعاً .

    فالقانون أو النظرية مع اختلافهما في درجة التوثيق هما قالب تفسر فيه أحداث واقعة ، سواء في الماضي أو الحاضر، تحت ظروف محددة خاصة ، وتنطبق أوصافهما وتتحقق نتائجهما كل مرة تتحقق فيها تلك الظروف أو الشروط ، كما في النظريات والقوانين العلمية بشكل عام. فهي قوالب كلية استنبطت من جزئياتها[1] من جهة ، ثم فسرت بها الجزئيات المستحدثة ، بعد ذلك من جهة أخرى .

    أما المنهج فهو وإن كان قالباً أو هيكلاً للبحث يقوم على أحداث ووقائع كما ذكرنا ، إلا أنه أسبق في الوجود الذهني وأعلى في الدرجة من الكليات والقوانين ؛ إذ على أساس منه وفي حدوده ومن خلاله تستنبط تلك الكليات والقوانين التي تفسر من خلالها الوقائع وتقدم الحلول والنتائج، أو الأحكام الشرعية والفتاوى في التعبير الشرعي. فهو إذن مصدر الكليات والقوانين ، لا بأعيانها وذواتها ، وإنما بذلك التحديد الذي تضعه فرضياته ومبادئه لتحكم به مسار الفكر واتجاه البحث الموصل إلى تلك القوانين والكليات .

    ولنضرب مثالاً على ما نقول :

    فإن القاعدة الكلية - أو القانون إن شئت - ( رفع الضرر ) قد استنبطت من جزئيات عديدة تكررت في مواضع عديدة من الشريعة مؤدية لذلك المعنى .

    فقد قال تعالى : { لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِهَا } ،

    وقال : { ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا } ،

    وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث : ( الجار أولى بالشفعة ) أي : أن الشريك أو الجار أولى بالشراء من الغريب عند رغبة البيع ، حتى لا يأتي من يضر المالك في ملكه أو جواره .

    كذلك الرد بالعيب في البيوع ، وحكم الحجر على السفيه ، وشرع القصاص ؛ فإن فيه رفع الضرر عن العباد بكف أذى المعتدين . كذلك جاء في الحديث: « لا ضرر ولا ضرار » ، وهو مروي في ( الموطأ ) مرسلاً ، كذلك أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) والبيهقي والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري ، وابن ماجه من حديث ابن عباس ، وهو وإن كان ضعيفاً إلا أن معناه صحيح مقرر في أماكن عديدة من الشريعة .

    كل ما سبق هي جزئيات أدت إلى استنباط قانون عام كلي هو ( رفع الضرر ) . والمنهج الذي أدى إلى استنباط تلك القاعدة من جزئياتها له فرضياته العديدة المتعلقة بها، منها العقلية ومنها الشرعية ، نذكر منها :

    فرضية عقلية : أن الوقائع المتكررة في معنى واحد تؤكد ذلك المعنى وتقرره .

    فرضية شرعية :

    أن الأحكام الشرعية إنما قصد بها جلب مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم .
    أن مقصود الشرع هو تحقيق ( أفضل ) الحلول الممكنة حسب الواقع الحال لا التمنى والخيال .
    تساوي الناس في حق تحصيل المنفعة ودفع المضرة .
    وماذا بعد ؟

    في إطار ما قدمنا يحق للقارئ أن يتساءل : إذن ما هي مصادر منهج أهل السنة والجماعة ؟ ، ما هي معالمه ومبادئه ؟ وما هي حدوده ؟ ثم ما هي قواعده وتفاصيله ؟ أيطابق منهج أهل السنة في النظر والاستدلال منهجهم الحركي أم يغايره في بعض تفصيلاته ؟ إلى آخر تلك التساؤلات التي آن لها أن تجد أُذُناً صاغية وعقولاً واعية .

    ولأن الغرض الأساسي من حديثنا هذا عن المنهج هو إلى شحذ الفكر، وتوجيه العقل وطرح السؤال أكثر منه إلى إملاء الفروض وتقرير الجواب، فإننا نكتفي بهذا القدر، وندعو إلى المشاركة في وضع تلك المعالم والتفصيلات. فقد آن لنا أن نفعل، والمسلمون بحاجة شديدة إلى مثل هذا العمل ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .



    [مجلة البيان اللندنية ، 1991]
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الدولة
    ~ المــرِّيـْـخ ~
    المشاركات
    1,554

    افتراضي رد: مقالات الشيخ طارق علد الحليم{سيد قطب والقرضاوي}

    لا يقارن القرضاوي بالعلماء الكبار أمثال : شاكر والشنقيطي رحمهما الله أبدا أبدا .
    يا ربِّ : إنَّ لكلِّ جُرْحٍ ساحلاً ..
    وأنا جراحاتي بغير سواحِلِ !..
    كُل المَنافي لا تبدد وحشتي ..
    ما دامَ منفايَ الكبيرُ.. بداخلي !

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ طارق عبد الحليم{مفهوم السببية عند أهل السنة - الجزء الأول}

    مفهوم السببية عند أهل السنة - الجزء الأول



    تعتمد الأمم الناهضة في بناء ذاتها، وشحذ قوتها، على ركيزتين أساسيتين أولهما: صحة المفاهيم التي تبنى عليها تلك النهضة. والثانية: إخلاص ومصداقية الفئة التي تحمل عبء النهوض بالأمة والسير بها في طريق الرقي والتقدم المادي والسلوكي جميعاً.

    وعلى أساس من صحة المفهوم، ووضوح الفكرة، تصح الوجهة وتتضح معالم الطريق، وتكون الأمة على بينة من غايتها وأهدافها بلا زيغ ولا انحراف كما أن زاد الإيمان والإخلاص لدى الرجال القائمين على النهضة يُعدّ الوقود الدافع للحركة والاندفاع بها نحو الهدف، واجتياز العتبات والمحن التي تعرقل تلك المسيرة.

    وحين نسبر الواقع الإسلامي المعاصر بهذين المقياسين الموضوعيين نشعر - برغم تباشير النهضة الإسلامية اللائحة في الأفق بفضل الله - تعالى - ومنّه - بألم يعتصر الفؤاد اعتصاراً، لما نجده من اضطراب في المفاهيم، واختلاط في الفكر، وتشتت في الجهد وتفرق عن الصف، ثم انهزامية منكرة في بعض النفوس، يقابلها حماس متهور غير مدروس لدى البعض الآخر أسباب عديدة أدت بالواقع الإسلامي إلى ما آل إليه من حال، منها ما يتعلق بصحة المفهوم، ومنها ما يتعلق بعزائم الرجال.

    ولسنا بصدد الحديث - في هذا المقال - عن الأمر الثاني المتعلق بالرجال، فإنه أمر وعر المسالك، خفيّ الدروب، متعدد الشعاب، له ظاهر يفضح مكنون الباطن، وله باطن يشرح جليّ الظاهر، وإن كانت لنا إليه رجعة في موضع مستقل نطل فيه إطلالة قصيرة على ظواهر الأقوال، وواقع الأفعال، ودلالات الأمرين على العزائم.

    وإنما سيقتصر بحثنا على بعض المفاهيم التي أصابها الخلط والاضطراب في الفكر الإسلامي، وانعكاس ذلك انعكاسا مباشراً على الواقع الإسلامي عموماً، وعلى مسار النهضة الإسلامية المرتقبة خصوصا، جاهدين في تصحيح تلك المفاهيم، وتوجيهها الوجهة الصحيحة التي تعين على بلوغ الهدف وإدراك الغاية بعون الله - تعالى -.

    ومن تلك المفاهيم - بل من أهمها وألصقها بالواقع الإسلامي على الإطلاق - مفهوم السببية - أو العليِّة كما يطلق عليه باحثو الأصول - الذي ينتظم بشموله السنن الطبيعية والاجتماعية للحياة والأحياء على السواء، والذي يبحث -بكلمات موجزات - في ترتيب النتائج على أسبابها، وارتباط العلة بمعلولها، سواء في مجال المادة الجامدة وحركاتها، أو أفعال الأحياء وتصرفاتهم، كما يتناول - بشكل أساسي - فكرة التلازم بين العلة والمعلول عند اكتمال الأسباب، وعوامل تخلف النتيجة في حالات معينة وما يتعلق بتصور مفهوم خصائص المادة وطبائعها، وقيام الإرادة الإنسانية واستقلالها ومدى تدخلها في ترتب النتائج على الأسباب التي أدت إليها.

    وقد اعتمد مفهوم السببية على عدد من القضايا والأفكار التي تعتبر روافد لتطور ذلك المفهوم، كمسألة خلق الأفعال، ومفهوم القضاء والقدر، ومجال الإرادة الإنسانية، وقضية التحسين والتقبيح كما أن ذلك المفهوم قد ارتبط بأمر يعتبر غاية في الأهمية في فهم العقيدة ذاتها من جهة، وفى منهج استقاء الأحكام الشرعية من النصوص من جهة أخرى، ألا وهو مبدأ تعليل الأحكام الإلهية، أو - بعبارة أخرى - وجود الحكمة في أفعال الله وأحكامه، وأنه - سبحانه - لا يفعل إلا لحكمة بالغة يقتضيها علمه وعدله وحكمته، مما يضطرنا إلى أن نمسّ تلك القضايا مسّاً رقيقاً موجزاً، متحاشين الدخول في التفصيلات والتفريعات التي كادت - بسبب علم الكلام - أن لا تنتهي.

    ولسنا في هذا المقال بمؤرخين لفترة معينة من الزمان، أو لفرقة محددة من الفرق، إنما ستجدنا -كما هو الأنسب لغرضنا - قاصّين آثار الفكرة منذ نشأتها وتطورها عبر مساحة من الزمان تمتد منذ نهاية القرن الأول الهجري، وحتى نهاية القرن الرابع الهجري، من خلال آراء الفرق التي أطلت برأسها بعد انشعاب الآراء، وتفرق الأهواء، كالجبرية، والقدرية المعتزلة، ثم الصوفية التي حازت قصب السبق في إهدار قيمة اتخاذ الأسباب تذرعاً بالتوكل، ومذاهب الأشاعرة الذين قابلوا غلو المعتزلة بغلو مقابل في نفي العلة والسبب، ثم توسط أهل السنة في ذلك الأمر كله.

    القدرية وخلق الأفعال:
    في بداية الربع الأخير من القرن الأول الهجري كان (معبد الجهنيّ) [1] يتنقل بين العراق والحجاز مروّجاً لبدعته - التي كان أول من أحدثها في الإسلام - وهى نفيه للقدر، وإنكاره للقضاء الإلهي بزعم أن الله - سبحانه - لا يقدّر على الناس ما ينهاهم عنه، ولا يقضي عليهم بما يحاسبهم عليه.

    وعن معبدٍ هذا أخذ (غيلان الدمشقي) [2] وراح ينشر تلك الآراء التي ذهب ضحيتها حين قتله هشام بن عبد الملك عليها بدمشق.

    وعن هذين انتقلت بدعة القول بنفي القدر إلى المعتزلة وظهرت كأصل من أصولهم الخمسة [3] منذ زمن (واصل ابن عطاء) [4] (وعمرو بن عبيد) [5] وحتى (القاضي عبد الجبار) [6] المعدود في الطبقة الحادية عشرة منهم - وقد أطلقت المعتزلة على أصلهم ذاك (العدل) واتفقوا على أن: (العبد قادر خالق لأفعاله، خيرها وشرها، مستحق على ما يفعله ثوابا أو عقاباً في الدار الآخرة، والرب - تعالى - منزه عن أن يضاف إليه شر أو ظلم، وفعل هو كفر ومعصية، لأنه لو خلق الظلم كان ظالماً ولو خلق العدل كان عادلاً) [7].

    وقد تطور ذلك القول بعدم خلق الله - سبحانه - لأفعال العباد، وأنها لا تدخل تحت المشيئة الإلهية، بل هي بمحض الإرادة والاختيار الإنساني، ومن خلق العبد نفسه، إلى القول بعدم قدرة الله - تعالى - على خلق الشر، أو الأفعال الموصوفة بالمعصية والكفر من العباد كما ذهب إليه (النظام المعتزلي) [8] وفي مقابل تلك الآراء التي بلغت الغاية في إنكار عموم المشيئة الإلهية، وقدرة الله - سبحانه - وخلقه لكافة الموجودات، والتي جعلت العبد خالقا مستقلا لأفعاله تحت دعوى الحرية الإنسانية، ومنطقية الثواب والعقاب، قام (الجهم بن صفوان) [9] في أوائل القرن الثاني الهجري ينادي بآراء تقع منها على طرف النقيض، فزعم أن العبد لا دخل له في أفعاله، ولا اختيار ولا استطاعة، بل هي فعل الله على الحقيقة والإنسان مجبور عليها، كأفعال الجمادات سواء بسواء، قال: (إن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله، ولا قدرة ولا إرادة ولا اختيار.

    وإنما يخلق الله - تعالى - الأفعال فيه على حسب ما بخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات، كما قال أثمرت الشجرة وجرى الماء، وتحرك القِدْرُ، وطلعت الشمس، وغربت... والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال كلها جبر) [10].

    وفي منتصف القرن الثاني الهجري أطلق ضرار بن عمرو - وهو رأس الضرارية المعدودة لدى كتاب الفرق من الجهمية المجبرة - القول بأن الله - سبحانه - خالق لأفعال العباد حقيقة (وأنها مكتسبة لهم) [11]، وكان هذا القول إرهاصاً بظهور مذهب ثالث - على يديّ أبي الحسن الأشعري في منتصف القرن الثالث كان أوسع انتشاراَ وأعمق تأثيراً من سابقيه - الجبرية والمعتزلة.

    الأشاعرة وخلق الأفعال:

    رأى الأشعري ما ساد بين المعتزلة من آراء أدت إلى إهدار المشيئة الإلهية في سبيل إثبات العدل الإلهي، بل إنه عاش ما يقرب من أربعين عاماً داعياً لذلك المذهب الاعتزالي، وما ضاد ذلك لدى الجبرية من إهدار للعدل في سبيل المشيئة الإلهية المطلقة، فاختار القول (بالكسب) الذي ردّده من قبله ضرار ابن عمرو من الجبرية، وأن الله - سبحانه - خالق لأفعال العباد، وهم (يكتسبونها)!.

    ولو أخذنا في استعراض آراء الأشاعرة في معنى (الكسب) لوجدنا اضطرابا شديداً في تحديد معناه، مما ينبئ بأنه قد وضع أصلاً كمجرد اسم لا يحمل معنىً معيناً مقصوداً، ثم حاول كلٌّ أن يحد له حدّاً وينحل له معنى، حسب ما يؤديه إليه نظره، فقد ذهب الأشعري - كما رواه عنه الشهرستاني في الملل والنحل - إلى التفرقة بين أفعال العبد الاضطرارية كالرعدة والرعشة، وبين أفعاله الاختيارية، وبناء عليه فقد عرف (المكتسب) أي الفعل - بأنه هو (المقدور بالقدرة الحادثة) [12] أي: الفعل هو ما يفعله المرء بقدرته المخلوقة له.

    ثم عاد فنقض ما قرره مرة أخرى حيث قال: إنه لا تأثير للقدرة الحادثة -أي التي خلقها الله في العبد - في إحداث الفعل (والله - سبحانه - أجرى سنته بأن يخلق عقيب القدرة الحادثة- أي المخلوقة للعبد - أو تحتها أو معها: الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، وسمى هذا الفعل كسباً) [13].

    وفى هذا النص ينقض الشهرستاني ما سبق نقله عن الأشعريّ إذ أنه يقرر أن العبد لا أثر لقدرته - وإن أقر أن الله - سبحانه - يخلق له قدرة - على أي فعل وأن الفعل إنما يخلقه الله عقب خلقه للقدرة في العبد وليس مسبباً عنها، ثم ننتقل إلى آراء القاضي (أبي بكر الباقلاني) [14]، فنرى أنه مع تقريره أن القدرة التي يخلقها الله - سبحانه - للعبد لا دخل لها في إيجاد الفعل، إلا أن (كون الفعل حاصلاً بالقدرة الحادثة أو تحتها، نسبة خاصة تسمى ذلك (كسبا) [15]، ويحاول ابن القيم أن ينفذ إلى معنى لذلك الأمر الذي هو (الكسب) عند الباقلاني فيقرر أن مقصد القاضي هو (أن القدرة التي خلقها الله - تعالى -للعبد - وإن لم تؤثر في الفعل - إلا أنها مؤثرة في صفة من صفاته، وتلك الصفة تسمى كسباً، وهي مُتعلّق الأمر والنهي، والثواب والعقاب) [16].

    لكنه يفند ذلك الزعم ويبيّن تفاهته قوله: إن تلك الصفة التي يكون بها الثواب والعقاب، إما أنها داخلة تحث القدرة الإنسانية، وهو ما نفاه القاضي؛ أن يكون للقدرة الإنسانية أي دخل في الفعل أو أنها لا تدخل تحت القدرة، فكأنه (لم يعد للعبد اختيار ولا فعل وكسب البتة) وهو عين القول بالجبر [17].

    والإمام (أبو المعالي الجويني) [18] - وهو من أكابر الأشاعرة - قد أنكر نظرية (الكسب) قائلاً: إنه لا معنى له عند التحقيق بل إنه مجرد (اسم محض ولقب مجرد من غير تحصيل معنى، وذلك أن قائلاً لو قال: العبد يكتسب وأثر قدرته الاكتساب، والرب - سبحانه - خالق لما العبد مكتسبٌ له، قيل له: فما الكسب وما معناه؟ *! ) [19].

    ثم يخرج الجويّني - في النظامية - بقول قد أصاب فيه وأجاد -كما علّق عليها ابن القيم- وهو أن الله - سبحانه - يخلق للعبد قدرة، وهذه القدرة مؤثرة في إيجاد الفعل عند اختيار العبد بإقرار الله - سبحانه -أي خلقه لتلك القدرة- كما سنرى في حديثنا عن مذهب أهل السنة والجماعة في المسألة والحق أن (الكسب) الذي ذهب إليه الأشاعرة، لا معنى له ولا حد، وصدق من قال: إن محالات الكلام ثلاثة: كسب الأشعريّ، وأحوال أبي هاشم، وطفرة النظام!.

    مسألة التحسين والتقبيح:
    ثم إنه كان من تفريعات مذهب المعتزلة - الذي يخرج بالعقل عن دوره المرسوم وحدّه المعلوم - أن العقل يمكنه أن يدرك الحسن والقبح في الأشياء والأفعال عامة مستقلاً عن الشرع، فهو يدرك - وحده - قبح الزنى وشرب الخمر، كما يدرك - وحده - حسن إنقاذ الغرقى وبذل الصدقة، ذلك أن تلك الصفات - الحسنة والسيئة - صفات ذاتية لا تحتاج في تعريفها إلى وساطة رسل أو وحي من السماء، حتى الإيمان بالله - تعالى -وشكره على نعمائه يدرك بالعقل قبل التكليف، والإنسان محاسب عليه قبل ورود الشرائع [20].

    ولم يكن من الأشاعرة - إزاء الغلو الاعتزالي -إلا أن قالوا بالتحسين والتقبيح الشرعيين، فأنكروا كل دور للعقل في إدراك الحسن والقبح في الأفعال والأشياء، وذهبوا إلى أن الأفعال كلها مستوية في أصلها - أقبح القبائح وأحسن الحسنات - ولا فرق بينها إلا بمجرد الأمر والنهي الإلهي - فلو أن الله - تعالى -أمرنا بقتل الأنبياء وارتكاب الزنا لكان ذلك حسناً، ولو نهينا عن الخير والعدل لكان الخير والعدل سيئاً إذ أن الأعمال لا تحمل في ذاتها خيراً ولا شراً، والعقل إذن -لا يستقل- بل لا يدرك أصلاً - الخير أو الشر والحسن أو القبح [21].

    وكان مما حداهم إلى تأصيل ذلك الأصل الفاسد هو خلطهم بين الإرادة والمحبة الإلهية، فقد اعتقدوا أن الله - سبحانه - إن أراد أمراً كان ذلك الأمر محبوباً له، مرضيّاً عنده، وإن كره أمراً لم يشأه، ولم يخلقه أصلاً؛ إذ كيف يخلق أمراً ويشاؤه وهو يكرهه ويبغضه؟ ! أفيكون أمراً في كون الله مكروها لله مفعولا برغم مشيئته؟ !.

    هكذا تصوروا المسألة حين خلطوا بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية - كما سنرى في عرضنا لآراء أهل السنة - ومن هنا اضطروا إلى نفي القبح والحسن في الأفعال والأشياء كلية إذ أن العقل العادي - الذي لم تغشاه غواشي الشبهات - لو تأمل الأفعال والأشياء لأدرك فيها حسناً وقبحاً هو عين ما كلفته به الشرائع، وأوجبته عليه الرسالات، وهي حقيقة لم يتمكنوا من المكابرة فيها، إنما- لمّا لم تضطرد على أصلهم في عدم التفرقة بين الإرادة الشرعية والكونية - ذهبوا إلى ذلك الرأي الشاذ في نفي صفة الحسن والقبح في الأشياء والأفعال نفياً مطلقاً، وجعلوا العقل عاجزاً عن إدراك الخير والشر فيها.

    يقول ابن القيم في شرح ذلك الأمر: (ومن هذا الأصل الباطل نشأ قولهم باستواء الأفعال بالنسبة إلى الرب - سبحانه - وأنها لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح، فلا فرق بالنسبة إليه - سبحانه - بين الشكر والكفر، ولذلك قالوا: لا يجب شكره على نعمه عقلاً، فعن هذا الأصل قالوا: إن مشيئته هي عين محبته، وأن كل ما شاءه فهو محبوب له، ومرضي له ومصطفى ومختار، فلم يمكنهم بعد تأصيل هذا الأصل أن يقولوا إنه يبغض الأعيان والأفعال التي خلقها، ويحب بعضها، بل كل ما فعله وخلقه فهو محبوب له، والمكروه المبغوض لم يشأه، ولم يخلقه، وإنما أصلوا هذا الأصل محافظة منهم على القدر، فحثوا به على الشرع والقدر، والتزموا لأجله لوازم شوشوا بها على القدر والحكمة وكابروا لأجلها صريح العقل) [22].

    الخطأ – إذن - قد نشأ وتطور لدى الأشاعرة في هذا الأمر نتيجة خلطهم في مفهوم الإرادة الإلهية من جهة، وفرارهم من غلو المعتزلة في مسألة الحسن والقبح العقلي إلى غلو مقابل من جهة أخرى.

    ثمة أمر آخر كان له أثر في توجيه النظرية، الأشعرية عن السببية، ذلك هو ما ذهبت إليه المعتزلة - والمعتزلة مرة أخرى! - إلى أن الله - تعالى - لا يفعل إلاّ الأصلح لعباده، بل إنه يجب عليه فعل الأصلح لهم، مراعاة لمصالحهم، وحفاظاً عليهم من المفاسد بل إن منهم من تعدى ذلك إلى عدم قدرته -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- على فعل الشر أو المفاسد التي يتوهمونها كما ذهب إليه النظام المعتزلي، فإن ذلك مقتضى عدله، ومسوِّغ ثوابه وعقابه، والعباد هم الفاعلون الخالقون لتلك الشرور والمفاسد، وهى خارجة عن مشيئته - سبحانه - كما بيّنا، إذ أن (الباري - تعالى -حكيم عادل، لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحتم عليهم شيئاً ثم يجازيهم عليه) [23].

    وكما رأينا من قبل، فقد فرت الأشاعرة من النقيض إلى النقيض، فنفوا أن يفعل الله - سبحانه - ما فيه مصلحة العباد والله - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، إذ كيف يتوهم العقل أن يفعل لمصلحة أو يترك لمفسدة، والله - سبحانه - يفعل من واقع المشيئة المطلقة المجردة عن المصلحة، أو المفتقرة إلى علة في أفعالها، فهو (لا يفعل شيئاً لشيء، ولا يأمر لحكمة، ولا جعل شيئاً سبباً لغيره، وما ثم إلا مشيئة محضة، وقدرة ترجح مثلاً على مثل بلا سبب و لا علة) [24].

    ثم لا نغفل الإشارة إلى أمر قد كان له أثره في ذلك المنهج الذي انتهجه الأشاعرة في مناقضة المنهج الاعتزالي، ذلك أن الطبيعة البشرية تميل إلى التطرف ما لم تدركها رحمة الله - تعالى -، والهروب من التطرف قد يلقى بصاحبه إلى التطرف المقابل ما لم تضبط حركته بضوابط تهديه إلى الوسط الأعدل.

    وقد عاش إمام الأشاعرة الأول (أبو الحسن الأشعري) معظم سنيّ حياته معتزلياً ينافح عن عقيدة الاعتزال، ولاشك أن لهذا الأمر صلة مؤكدة بالاتجاه الفكري الذي سلكه فيما بعد، إذ دفعه دفعاً إلى تطرف مقابل في مسألة خلق الأفعال ومفهوم السببية وما حولها كما بينا، كما أنه -من جهة أخرى- قد صاحبه أثر اعتزالي في بعض آرائه الأخرى، وإن لم تكن محلاً لدراستنا الحاضرة.

    وحين نصل إلى تلك النقطة من البحث، فإننا نكون قد أشرفنا على لب الفكرة الرئيسية التي نقصد إليها منه، وهي عرض لمفهوم السببية الذي كان لانحرافه عن وجه الحق أثر بالغ في فكر المسلمين، وبالتالي في واقعهم الممتد عبر قرون التخلف والتقليد، وحتى عصرنا الحاضر الذي هو -في الحقيقة - محط اهتمامنا، ومحل دراستنا، ليرتبط تقويم الفكرة وتوجيهها بإصلاح الواقع وتغييره، وهو ما سنوالي عرضه في البقية الباقية من صفحات المقال في العدد المقبل إن شاء الله - تعالى -.

    (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ) [آل عمران: 8]


    ـــــــــــــــ ــــــــــــ

    (1) معبد بن خالد الجهنّي البصريّ: أول من ابتدع القول بالقدر وأخذه عن نصراني اسمه (سوسن) بالعراق حسب ما رواه الأوزاعي، اختلف فيمن قتله، فقيل الحجاج لخروجه مع ابن الأشعث وقيل عبد الملك بن مروان حوالي عام 80 هـ أو بعدها، تهذيب التهذيب 10/225.

    (2) غيلان بن مسلم الدمشقي، أخذ عن معبد، وقتله هشام بن عبد الملك لبدعته الأعلام 5/124.

    (3) وهي: التوحيد (نفي الصفات)، العدل (نفي القدر)، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    (4) واصل بن عطاء الغزّال: ولد بالمدينة عام 80هـ، وكان رأس المعتزلة لمّا اعتزل حلقة الحسن البصريى ت 131 هـ، لسان الميزان 6/214، الأعلام للزركلي 8 /108.

    (5) عمرو بن عبيد بن باب البصري: ولد بالمدينة عام 80 هـ وصحب واصلاً، واعتزل معه حلقة الحسن البصريّ، وعرف عنه الورع والعبادة، مع قوله ببدعة القدر وسب الصحابة وسائر أقوال الاعتزال، توفي في 142هـ الأعلام 5/81، وفيات الأعيان 1/384.

    (6) عبد الجبار بن أحمد، القاضي الهمداني، ولد حوالي 320هـ، برع في الفقه والحديث، وانتحل مذهب الأشاعرة فترة ثم انتقل إلى الاعتزال، توفي بالريّ عام 415 هـ الأعلام 3/273، تاريخ بغداد 11/113.

    (7) الملل والنحل للشهرستاني 1/45.

    (8) إبراهيم بن سيّار النظام: شيخ الجاحظ: عرف عنه الذكاء، واطلع على كتب الفلاسفة والدهريين، وقد ابتدع في الاعتزال أقوال لم يسبق إليها كقوله بالطفرة، وعدم قدرة الله - سبحانه - على فعل الجور توفي بين 221 هـ، 223 هـ طبقات المعتزلة لابن المرتضى /49، الفرق بين الفرق للبغدادي /131.

    (9) جهم بن صفوان الراسبي: كاتب الحارث بين سريج، تتلمذ للجعد بن درهم، وقال عنه الذهبي: الضال المبتدع، رأس الجهمية (تذكرة الحفاظ)، أول من قال بالإجبار في الأعمال، (الفرق البغدادي) /211.

    (10) الملل والنحل للشهرستاني 1/87.

    (11) الشهرستاني 1/90، والفرق للبغدادي/213.

    (12) الشهرستاني 1/96.

    (13) الشهرستاني 1/97.

    (14) محمد بن الطيب بن محمد، أبو بكر الباقلاني، القاضي، ولد بالبصرة، وسكن بغداد، وتوفي بها عام 403 هـ، وكان غزير الإنتاج، له من التصانيف المشهورة التمهيد، والتقريب والإرشاد، المقنع في أصول الفقه، وكان مالكّي المذهب، أشعريّ العقيدة، مقدماً عندهم فيها الأعلام 6/176، تاريخ بغداد 5/ 379.

    (15) الشهرستاني 1/97.

    (16) شفاء العليل لابن القيم /49.

    (17) شفاء العليل/50.

    (18) عبد الملك بن عبد الله الجويني، أبو معالي، ولد ببلدة نيسابور عام 413هـ وتلقى العلم على المذهب الشافعي من والده الملقب ركن الإسلام ونبغ وناظر العلماء، ثم توجه لمكة والمدينة حيث جاور بهما أربع سنوات وعاد بعدها إلى نيسابور حيث أقام له نظام الملك المدرسة النظامية ليدرس فيها، واستمر على ذلك عشرين عاماً حتى وفاته - رحمه الله تعالى - في 478 هـ، وكان عالماً جليلاً له مؤلفات شهيرة كالغياثي، والبرهان في أصول الفقه، لولا انتسابه إلى المذهب الأشعري في بعض مسائل الصفات وغيرها، مذاهب الإسلاميين /679 وبعدها.

    (19) شفاء العليل لابن القيم /123 ينقل عن النظامية لإمام الحرمين.

    (20) الشهرستاني / 45.

    (21) الشهرستاني/ 42.

    (22) شفاء العليل /127 الشهرستاني/101.

    (23) الشهرستاني / 46، 47.

    (24) البغدادي، الفرق بين الفرق.




    [مجلة البيان اللندنية 1987]
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي رد: مقالات الشيخ طارق علد الحليم{سيد قطب والقرضاوي}

    صدقت أختي الفاضلة لا يقارن القرضاوي بألائك الجهابذة
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ طارق عبد الحليم{مفهوم السببية عند أهل السنة - الجزء الثاني}

    مفهوم السببية عند أهل السنة - الجزء الثاني



    كان من أهم وأبرز النتائج التي ترتبت على ردة فعل الأشاعرة تجاه التطرف الاعتزالي في مسائل خلق الأفعال، والتحسين والتقبيح، وحدود الإرادة والقدرة الإنسانية إلى جانب المشيئة والإرادة الإلهية، ما سبق أن ذكرناه في الجزء الأول من المقال عن نفي الأشاعرة للحكمة الإلهية التي تصدر عنها أفعال الله - سبحانه -.

    فالله - سبحانه - كما قالت الأشاعرة - (لا يفعل شيئاً لشيء، ولا يأمر لحكمة، ولا جعل شيئاً سبباً لغيره، وما ثم إلا مشيئة محضة، وقدرة ترجح مثلاً على مثل، بلا سبب ولا علة.

    كان ذلك ردًّا على الآراء الاعتزالية التي أكدت على الحكمة الإلهية و (أوجبت) على الله - سبحانه - فعل الأصلح لعباده، فأهدرت عموم المشيئة لصالح الحكمة، وأهدرت الأشاعرة الحكمة الإلهية لأجل عموم المشيئة، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية [1].

    وقد ترتب على ذلك النظر الأشعري في الحكمة والتعليل، أمران هامان كان لهما أكبر الأثر في صياغة العقلية الإسلامية خلال القرون اللاحقة.

    أولهما: الفصل بين العلة الشرعية والعلة العقلية [2]:

    ذلك أن الكثير من أحكام الشرع قد ورد معللاً بعلل منصوص عليها، كما في قوله - تعالى -: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) [المائدة 32]، وقوله - تعالى -: (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً) [الحاقة10] وفي الحديث عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء، فلما كان في العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟ قال: "كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا فيها " متفق عليه [3].

    (ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع) [4].

    ولذلك، كان من الصعب على الأشاعرة - بل على الظاهرية - إنكار العلة بإطلاق، فساروا في ذلك كل حسب ما أدته إليه مقدماته: - فالظاهرية: أقروا بالعلل المنصوصة وأنكروا العلل المستنبطة بطرق استنباط العلة المعتمدة في مناهج أهل السنة - والتي تنبنى على مفاهيم شرعية - إعمالاً لمبدئهم في الأخذ بظواهر النصوص.

    - والمعتزلة: قبلوا التعليل في الشرع والعقل جميعاً، وأطلقوه إطلاقاً عاماً ليس منه فكان إعمالاً لمبدئهم في عموم الحكمة الإلهية، وإهدارهم لمبدأ عموم المشيئة الإلهية.

    - والأشاعرة: أقروا بالعلة الشرعية المنصوصة والمستنبطة، على أنها ليست سبباً أو علة للفعل، بل على أنها " باعث " على الفعل، وأمارة دالة عليه وإن لم يكن سبب له [5]، وأنكروا العلل العقلية مطلقاً إعمالاً لمبدئهم في عموم الفعل مطلقاً - إلا بذلك الكسب الذي لا يسمن ولا يغني من جوع - من جهة ولعموم الحكمة الإلهية من جهة أخرى.

    وتد تصور بعض الكتاب المحدثين أن الأشاعرة قد انطلقوا في تصورهم ذاك من الموقف القرآني الذي توهموه أنه " في مواضع عديدة منه ينكر العلة ويتحدى الأسباب، وينكر الصعود إليها) [6] (كذا)! إلا أننا نرى أن ذلك التصور لا يتوافق مع ما رأيناه من نشأة تلك المباحث أصلاً، وما أثر في الفكر الأشعري حتى وصل به إلى تلك النتائج المؤسفة..

    إذ إن القرآن كله - على عكس قول القائل - دال على إثبات الحكمة والسبب إثباتاً لا ينكره أحد من المنصفين.

    الثاني: تفسير العلل والأسباب بحكم " العادة ":

    ذلك أن التلازم الذي لا تنكره الفطر السوية بين السبب ونتيجته لا يمكن جحده جحداً ظاهراً إلا من أخرق أو سوفسطائي مشكك..

    أما الأشاعرة فقد ذهبوا في إنكار تلك العلاقة بين السبب ونتيجته - أو العلة ومعلولها - إلى أن ذلك التتابع بينهما إنما هو من تصورنا لا غير، فهو " تلازم في الحدوث " وليس تلازماً ناشئاً عن الارتباط بينهما وبمعنى آخر هو إلف العادة التي نشأنا عليها أن نرى النار تشتعل في الورق ثم نرى الورق يحترق، فالاحتراق ليس ناشئاً عن النار، بل هو حادث عند حدوثها فقط (كذا)! !.

    والنار لا دخل لها بالإحراق إنما الله - سبحانه - يخلق الاشتعال، ويخلق عنده الاحتراق كلٌ منفصل عن الآخر، لا الاحتراق ناشئ عن النار، ولا النار تسبب الاحتراق! وهكذا في سائر الظواهر الطبيعية كتلازم الشرب والري، والأكل والشبع.

    وقد كانت أدلة الأشاعرة على ذلك الأمر، أغرب من أقوالهم ذاتها، إذ قالوا: أليس الله - سبحانه - يقدر على خلق الشبع في الإنسان، دون أن يأكل وأن يحرق إنساناً دون أن تشتعل فيه نار، أو أن يشعل ناراً دون أن يحرق بها الناس..

    ألم يحدث ذلك مع إبراهيم - عليه السلام -! ؟ فهذا يعني - بالضرورة عندهم - أنه لا سبب ولا علة للحوادث بل هو مجرد التلازم وإلف العادة، وإثبات المشيئة الإلهية والقدرة الربانية العامة المرافقة للخلق في كل صغيرة وكبيرة على حساب الحكمة الإلهية التي شاءت فعل الأحكم والأصلح، لكمال الذات الإلهية التي يناسبها فعل الأحكم والأصلح عن عدم فعله أو عن الفعل غير المعلل ابتداء.

    وقد نقل علي النشار قول الغزالي في تهافت الفلاسفة - مؤيداً له - حيث قال: (واستمرار العادة بها مرة بعد أخرى ترسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ترسخاً لا تنفك عنه).

    (إن من المسلم به أن النار خلقت بحيث إذا تلاقت مع قطنتين متماثلتين أحرقتهما ولم تفرق بينهما، طالما كانتا متماثلتين من جميع الوجوه، ولكن مع هذا يجوز أن يلقى شخص في النار فلا يحترق، فقد تتغير صفة النار أو تتغير صفة الشخص).

    والملاحظ أنه قوله، فقد تتغير صفة النار أو صفة الشخص، رجوع عن مبدئه كلية، إذ في هذا إقرار بأن صفة الشخص الأساسية هي أن يحترق بالنار وأن صفة النار الأساسية أنها تحرق الشخص، ولا يعني هذا إطلاقاً أن النار أساساً لم تخلق لتحرق، أو الناس لا يحترقون ابتداءً بالنار، كما أنه لا يعني أن الله - سبحانه - لم يخلق فعل الاحتراق في الشخص، أو فعل الإحراق في النار رغم أن ذلك ممكن عند إرادة الله - سبحانه - أن يحدث معجزة أو كرامة ولكن ذلك يكون خرقاً مقصوداً مؤقتاً للنواميس العادية التي جبلت عليها المخلوقات..

    ونحن نرى أن النشار قد اندفع وراء أشعريته بعيداً عن النهج القويم في النظر والاستدلال الذي تناوله بالبحث والدرس في " مناهج بحثه " التي استقصاها عند مفكري المسلمين! ! ومما لاشك فيه أن إهدار مفهوم النتائج عن أسبابها أدى إلى أبشع النتائج وأخطرها على العقلية الإسلامية خلال القرون الماضية، لما في ذلك من إهدار عام لقيمة العلم التجريبي بل والنظري معاً، كما سنرى في حديثنا عن الآثار التي ترتبت على انتشار مثل تلك المفاهيم.

    الصوفية والأسباب: لم يكن الأشاعرة أو المعتزلة وحدهما الذين خاضوا معترك الحديث في الأسباب والعلل، أو الكلام في القدر وحدود الإرادة الإنسانية وحريتها وما ترتب على ذلك من قضايا، بل شاركت في ذلك فرقة واكب ظهور أوائل روادها حوالي منتصف القرن الأول الهجري، ثم تطورت مفاهيمها بعد ذلك -من منتصف القرن الثاني -إلى أن وصلت حد الغلو والتطرف - بل في بعض آرائها التي دعا إليها نفر من كبار مشايخها - إلى حد الكفر والمروق ونعني بها فرقة الصوفية، التي أدلت بدلوها في موضوع العلة والسبب بما يتناسب مع الخط العام لفكرها ومنهاجها، فكانت تلك الآراء من أهم العوامل التي أدت إلى إهدار قيمة الأخذ بالأسباب في المجتمع الإسلامي، وبالتالي من عوامل الهدم التي عملت في جنبات الحياة الإسلامية حتى أدت بها إلى الانحطاط والركود والتخلف.

    تناولت الصوفية مفهوم السبب من منطلق تصوراتها لثلاثة أمور:

    أولاً: مفهوم القدر.

    ثانياً: مفهوم التوكل.

    ثالثاً: مفهوم الركود والولاية.

    أولاً: القضاء والقدر عند الصوفية: استغرق الصوفية في معاني توحيد الربوبية، والتأمل في الأسماء والصفات حتى شذوا في تلك المعاني، وخرجوا بها عن المقصود منها كتعبير عن كمال الله - سبحانه - وجوانب عظمته وقدرته وسائر صفاته، وما تضفيه تلك المعاني على المسلم من مشاعر المحبة والتوكل والخضوع وتمام الاطمئنان لحكمة الله وقدرته - سبحانه - وهو ما يستلزمه توحيد الألوهية والقيام بحق العبادة على وجهها الأكمل في كافة جنبات الحياة الإنسانية.

    كان لذلك الاستغراق في معاني توحيد الربوبية والشطط والغلو في مفاهيمها ومراميها، أن خلطت الصوفية في مسألة القدر الإلهي وحدود الإرادة الإنسانية التي أتاحها الله للإنسان ليجعله بها مكلفاً، ومعرضاً للثواب والعقاب، ولم يميزوا بين إرادة الله النافذة التي لا يقع شيء في الكون مخالفاً لها، وبين إرادته التي بيّنها في أمره ونهيه، حسب ما يحبه ويرضاه، أو يكرهه ويأباه، فأخذوا بقول الجبرية في أن الإنسان كالريشة في مهب الريح، مسيّر بإرادة الله - تعالى -دون إرادة منه أو استطاعة، والمؤمن الحق - عندهم - هو من يشهد هذه الحقيقة، ويرى قدر الله النافذ فيه وفي الناس حين يفعلون الخير أو يأتون الشر، بل تطرف بعضهم فذهب إلى أن الكافر حين يكفر فهو يسير علي القدر الإلهي السابق، وهو مطيع لله بكفره! والكوارث والمجاعات والمصائب والمظالم التي تصيب الناس، لا داعي للتخلص منها أو إزالتها، والاستسلام لها هو عين الاستسلام لقدر الله النافذ والخضوع لمشيئته، وهو قمة الإيمان والتوحيد، ولا يخفي ما في هذا التصور من ابتعاد عن الله، وتهديد للوجود الإسلامي أصلاً.

    ثانياً: الصوفية ومفهوم الكرامة: كان لإلغاء دور العقل في الحياة الإنسانية- بما زعموه من أن تربية الروح هي مقصودهم الأول والأوحد - أثر واسع في التعلق بالكثير من الخرافات والخروج بالعديد من الظواهر الدنيوية أو الشرعية عن حدودها المعلومة والصحيحة، استنامة للأحلام التي يهيم فيها (العاشقون) المتدرجون في مراتب الشوق والدهشة والانبهار وما إلى ذلك من مسالك لا يدركها إلا السالك! ومن تلك الظواهر ظاهرة الكرامة التي يختص الله - سبحانه - بها بعضاً من عباده الأتقياء الأولياء على الحقيقة، فيجري على أيديهم ما يخرق العادة الجارية والعلل السائرة إكراماً لهم، وتثبيتاً لإيمان بعض من يحتاج إيمانه إلى ذلك التثبيت، وإظهاراً لعموم القدرة الإلهية التي خلقت النواميس، والتي تقدر على خرقها في أي وقت شاءت.

    والصوفية -ولله الحمد من قبل ومن بعد - أولياؤهم عديدون، ودرجة الولاية تنال عندهم بلبس الخرق والمرقعات، والسلاسل والرقص في الحضرات، وحفظ الأوراد المبتدعة والإتيان بالأفعال الشاذة..

    والكرامة متاحة للعديد منهم بمناسبة وبدون مناسبة، بحق أو بباطل، لوليّ أو دعيّ طالما هو سائر على دربهم ذاك.

    هذا يخطو خطوة فينتقل من الشام إلى الكعبة فيزور البيت ويعود إلى مجلسه من ساعته، وذاك يخرج إلى الصحراء دون عدة أو عتاد فيلاقي الوحش فينفخ فيه فيكون كالقط الأليف وذاك يخرج للحج فإذا به يرى الكعبة قادمة في الطريق فيسألها إلى أين هي ذاهبة (أي الكعبة؟ ) فتقول (الكعبة كذلك! ) إلى فلانة العابدة لتطوف بي ثم أعود! ! وهناك إحدى الروايات التي يرددها أهل بعض القرى في صعيد مصر عن عائلة من العائلات التي يتوارث أولادها الولاية عن آبائهم، وكيف أن أحد أطفال هذه العائلة أوقف قطاراً مندفعاً بيده ليركب فيه! ! أي والله يحكيها الكبير المتعلم قبل الصغير الجاهل! وليرجع القارىء - إن شاء- إلى رسالة للقشيري أو إحياء علوم الدين للغزالي أو غير ذلك من الكتب المملوءة بمثل تلك الروايات.

    إذن فما حاجتنا للسيارات والطائرات؟ ! وما الداعي لاقتناء آلات الحرب أو الدفاع؟ ! وما الدافع إلى الخروج بحثاً عن الرزق والزاد وعمارة الدنيا، والبحث عن مكنونات الطبيعة وأسرارها المودعة فيها لصالح المسلمين وإعلاء كلمة الدين..

    الأمر أهون من ذلك، فإنما هي صفقة باليد فإذا التخت ممدودة والموائد معمورة والمسافات قد قصرت، والأفكار قد اندفعت..

    فحسبك أن تلبس الخرقة، وترقص بالحضرة! ! ! قل لي بالله عليك - أيها القارىء العزيز - أي إهدار لقيمة اتخاذ الأسباب أكبر من ذلك؟ وأي محاولة للقضاء على الكيان الإسلامي أبعد أثراً من تلك المحاولة.

    ثالثاً: الصوفية والتوكل: كان من نتيجة ما رأينا من الأفكار الصوفية عن مسائل القدر والكرامات والاستغراق في توحيد الربوبية بجهل وابتداع دون النظر إلى ما يستلزمه من حق العبادة، أن اضطرب لدى الصوفية مفهوم التوكل على الله..

    واستحال إلى التواكل والاستنامة والبعد عن العمل واتخاذ السبب، فصحة التوكل - عندهم - لا تكتمل إلا بالنظر إلى مسبب الأسباب - سبحانه -، وقطعوا النظر إلى الأسباب ذاتها والانفضاض عنها..

    وكلما ترقى المسلم الصوفي في مدارج الطريق كلما ازداد بعداً عن الأخذ بالسبب مطلقاً، بل إن النظر إلى الأسباب هو تلبيس من الشيطان على أهل التفرقة، فيجعلهم يعدّدون في المصدر والسبب، ويرون أن للأفعال أسباباً ظاهرة ناشئة عنها فالري لا يحدث إلا بالشرب مثلاً..

    وهو وهم من أهل التفرقة، وتلبيس عليهم فالري يحدث بالشرب أو بدونه كما في الكرامة، أو إذا صح التوكل - دون اكتساب لذلك - كما أن فعل الطاعات أو الإقامة عليها ليس نتيجة عمل الشخص بل هي منسوبة لله - تعالى -، سواء فعله أو الإثابة والعقاب عليه، وإضافة فعل الطاعة للعبد تلبيس على أهل التفرقة! وغير ذلك كثير من الخلط والاضطراب والابتداع الذي كان له ولا شك أكبر الأثر في صياغة تلك العقلية الإسلامية التي يعاني منها الوجود الإسلامي في العصر الحاضر، والتي كانت سبباً مباشراً- ولو كره نفاة الأسباب! - في تلك الأمراض، والعلل التي يعاني منها المسلمون في هذا العصر.


    _________________________

    (1) العلة الشرعية - كما عرفها علماء الأصول في مبحث القياس - هي التي يدور معها الحكم وجوداً وعدماً، أي يوجد عند وجودها، وينعدم عند عدمها، ومثال ذلك: الإسكار علة لتحريم المشروب، فإذا وجد الإسكار عند تناول المشروب (قليله أو كثيره) حرم المشروب، وإن لم يوجد الإسكار لم يكن المشروب محرماً، والعلة إما منصوص عليها، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لأجل الدافة" فبيّن علّة تحريم أكل لحوم الأضاحي في ذلك العام لسبب ورود الدافة حول المدينة، أو مستنبط بطرق الاستنباط التي عدّدها الشوكاني أحد عشر مسلكاّ، كما أن لها أوصافاً يجب أن تتحقق فيها لكي تكون علة مستنبطة للحكم، وقد عددها الشوكاني كذلك أربعة وعشرين وصفاً إرشاد الفحول 207 - 222، أما العلة العقلية فالمقصود بها السبب الذي تنشأ عنه النتيجة في حكم العادة سواء في المجال النظري، كما يقال: إن جمع المتفرقات علة في حدوث المركب، أو المجال التجريبي كما في الظواهر الطبيعية عامة كما يقال النار علة الاحراق أو الأكل علة الشبع، وكلاهما يطلق عليه علة عقلية.

    (2) شفاء العليل لابن القيم /189.

    (3) إرشاد الفحول للشوكاني /207.

    (4) مناهج البحث عند مفكري الإسلام لعلي سامي النشار /124.

    (5) تهافت الفلاسفة للغزالي /67.

    (6) الذين هم أهل السنة! والحق أن بعضهم كصاحب منازل السائرين يزعم أن التلبيس من فعل الله - سبحانه وتعالى -- ليضل به أهل التفرقة، على أصلهم أن الإضلال من الله وليس للعبد به شأن.




    [البيان اللندنية 1987]
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ طارق عبد الحليم{مفهوم السببية عند أهل السنة - الجزء الثالث}

    مفهوم السببية عند أهل السنة - الجزء الثالث



    ينطلق أهـل السنة في تصوراتهم كافة من أصول ثابتة في النظر والاستدلال، مبنية على وحدة المصدر والوسيلة، فالمصدر هو كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أما الوسيلة فهي المنهج المستقى منهما، والذي نهجه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون، سلف الأمة الصالح في القرون الثلاثة الفضلى، حيث يُنزلون كل دليل صحيح منزله، ويفهمون منه مقصوده، ويجمعون بينه وبين غيره، ولا يعارضون عاماً بخاص، ولا مطلقاً بمقيد، ولا كلياً بجزئي، بل يعرضون هذا على ذاك، كما لا يَدَعون مبيناً لمجمل، ولا محكماً لمتشابه، ولا شرعياً لعقلي، ولا يغالون في اتباع الظاهر حتى يذهلهم عن المقاصد والنيات، كما لا يسيرون وراء البواطن حتى يعميهم ذلك عن الحق الجلي الظاهر.

    وهم لا ينكرون على العقل مكانته التي بها كرمه الله - سبحانه - على سائر مخلوقاته، إلا أنهم يدركون مواضع قوته، ومواطن ضعفه، فلا يقدمون بين يدي الله ورسوله بحكم عقلي مظنون.

    وليس هذا موضع الاسترسال في الحديث عن ذلك المنهج السوي السديد، نسأل الله - تعالى - أن يلهم المسلمين كافة اتباعه والعدول عن غيره من المناهج التي لم تورث ذلك الكيان الإسلامي - على مر العصور- إلا الضعف والوهن والبلاء.

    من ذلك المنهج - إذن - استقى أهل السنة آراءهم في المسائل التي ذكرنا فيها اختلاف المُفْرِطين والمفَرِّطين، وسنبين في هذا المقام - بإيجاز لا يخل بالقصد - مفهوم أهل السنة عن تلك المسائل التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة السببية.

    أهل السنة والقدر:
    عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء " رواه مسلم.

    كما جاء في حديث جبريل - الذي رواه البخاري عن أبي هريرة - قال: (...وأن تؤمن بالقدر كله).

    يؤمن أهل السنة إيماناً راسخاً بالقدر خيره وشره وأن (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)؛ ذلك أن الله - سبحانه - قد (جبل) الناس على صفات وِفطَر - كما خلق الأشياء على طبائع وقوى - لحكمة بالغة له في ذلك كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأشج عبد القيس: (إن فيك خُلُقين يحبهما الله الحِلم والحياء، قال: جبلاً جُبلت عليهما أم خُلقا فيَّ؟، قال: بل جبلاً جبلت عليهما، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين أحبهما الله) [خلق أفعال العباد للبخاري/39].

    ولفظ (الجِبِلّ) غير لفظ (الجبر) الذي لم يرد به كتاب أو سنة، فالجبل: هو أصل الخلق على صفة من الصفات، أما الجبر فهو الإكراه على الفعل، كما يجبر الأب ابنته على النكاح، والله - سبحانه - لا يجبر عباده على فعل من الأفعال بل كل عبد يأتي ما يفعل - حسب جبلته الأصلية - مختاراً مريداً، لهذا فقد تشدد الأئمة في المنع من إطلاق لفظ الجبر لما فيه من إجمال وإشكال، فان أراد أحد أن يقول أن في الجبل معنى للجبر، قلنا إن ذلك صحيح في أصل الخلقة لحكمة الله - تعالى - فيما اختاره من جبلة كل عبد حين خلقه، أما أن يجبره على الفعل حين الفعل فهذا المعنى غير صحيح.

    ثم إن الله - سبحانه - قد علم - بواسع علمه وشموله - ما سيكون من أفعال العباد على وجه التفصيل والإحاطة، (لا يعزب عنه من ذلك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) [الملك:14] وكتب ذلك في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلق الخلق، فما من شيء إلا وهو مدون في أم الكتاب: (إنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى ونَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وآثَارَهُمْ وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إمَامٍ مُّبِينٍ) [يس: 12]، كما أنه لا يقع من تلك الأفعال - التي قد علم (سبحانه) بوقوعها وكتبها في أم الكتاب - إلا حسب مشيئته وإرادته؛ فإنه - سبحانه - (تارة يخبر أن كل ما في الكون بمشيئته، وتارة أن ما لم يشأ لم يكن، وتارة أنه لو شاء لكان خلاف الواقع، وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه وأنه لو شاء ما عُصي، وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى وجعلهم أمة واحدة، فتضمن ذلك أن الواقع بمشيئته، وأن ما لم يقع لعدم مشيئته) [شفاء العليل ابن القيم، 44].

    ولا بد في هذا المقام من التمييز بين أمرين على غاية الأهمية، لم يلحظهما المخالفون لأهل السنة، فكان ما كان من زللهم الذي بيناه.

    ذلك أن الإرادة الإلهية نوعان:

    1- الإرادة الكونية:

    وهي الإرادة الشاملة لله - سبحانه - والتي لا يكون أمر من الأمور على خلافها، فالطاعة والمعصية، والخير والشر يقع كلاهما على مقتضى تلك الإرادة، وهو إن شاء منع المعصية والكفر، إلا أنه - سبحانه - أراد وقوعها إرادة كونية، ولم يرد وقوع خلافها، وإلا لكان خلافها هو الواقع فعلاً، ولا مدخل لمحبته - سبحانه - ورضاه في تلك المشيئة.

    2- الإرادة الشرعية:

    وهي محل أمره ونهيه - سبحانه - والتي بها نزلت الشرائع وفصلتها الرسالات، فإنه سبحانه أراد من العبد أن يفعل ما أمر بفعله وأحبه منه ورضي عنه به، كما أنه لم يرد من العبد فعل ما نهاه عنه وكرهه عليه إلا أنه يقع من العبد على خلاف الإرادة الشرعية، والله -سبحانه - لا يجبر عبداً على فعلها أو على إتيانها، إنما الإرادة هنا مقرونة بالمحبة والرضى كما في قوله - تعالى -: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ) [البقرة: 185] وقوله: (واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ) [البقرة:205] فعدم محبة الله للفساد لا تستلزم عدم وقوعه، كما أنها لا تعني أنه يقع في الكون ما يخالف الإرادة الإلهية، فعدم المحبة هنا يعني المحبة الشرعية وليس الإرادة الكونية التي بها يقع الفساد وغير الفساد.

    بالتمييز بين الإرادتين يتضح خطأ قول مَن قال: إن الطاعة والمعصية تقعان حسب إرادة الله ومشيئته، لعموم قدرته التامة، ولجأ إلى نفي الحكمة.

    كذلك فإن الله - سبحانه - قد خلق الأشياء في عالم المادة - ومنها الأفعال غير الاختيارية لبني آدم - وأودع فيها قوى وطبائع وصفات [شفاء العليل، 188] وسيَّرها حسب قوانين وسنن عامة تتلاءم مع تلك الطبائع بحيث لا تتخلف، إلا أن يشاء الله (سبحانه) أمراً - كما في حالة المعجزة أو الكرامة - وذلك بإيقاف عمل السنن أو القوى الجارية، أو أن يخلق مانعاً يمنعها من العمل حسب تلك السنن، كما في حادثة إحراق الخليل إبراهيم - عليه السلام - وتلك السنن والطبائع والصفات في الأشياء هي من قدر الله - سبحانه -: (إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: 49] وإنكارها إنكار لقدر من قدر الله - سبحانه - وواجب العبد إزاء القدر أن يكون على حالين: "حال قبل القدر، وحال بعده، فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله ويتوكل عليه ويدعوه، فإذا قدر المقدور بغير فعله فعليه أن يصبر عليه ويرضى به، وإن كان بفعله - وهو نعمة - حمد الله على ذلك، وإن كان ذنبًا استغفر إليه من ذلك " [الفتاوى لابن تيمية، 8/76، شفاء العليل، 34].

    أهل السنة وخلق الأفعال:
    وقاعدة أهل السنة في ذلك أن الله سبحانه " خالق كل شيء "؛ فهو خالق للعبد ، وخالق لفعله، وخالق لقدرته التي يفعل بها الفعل، والعبد لا يتصف بالخلق بشكل من الأشكال إنما هو فاعل بتلك القدرة المخلوقة له.

    وخلْق الله للفعل لا يعني أن الله - سبحانه - هو الذي فعله أو أنه ينسب إليه فعله، أو أن قدرة العبد ليس لها عمل أو تأثير في إيجاد الفعل، وإلا فكيف يعاقب الله - سبحانه - العبد على ما فعله هو - سبحانه -، أو أن يثيبه على ما لم يفعله؟! والجواب على ذلك أن العبد فاعل مختار بقدرته المخلوقة [شفاء العليل: 52]، وأما عن أثر قدرته فإن كلمة " التأثير " فيها اشتراك، أي تحمل عدة معانٍ:

    1- إما أن يكون أثر القدرة الإنسانية هو الانفراد بالفعل، دون القدرة أو الإرادة الإلهية، وهو باطل متفق على بطلانه.

    2 - أو أن يكون أثر القدرة الإنسانية هو في معاونة القدرة الإلهية على إخراج الفعل للوجود، وهو كسابقه من أقوال أهل البدع.

    3- أن يكون التأثير في إخراج الفعل من العدم إلى الوجود بواسطة القدرة الإنسانية المحدثة، بمعنى أن القدرة الإنسانية التي خلقها الله - تعالى - للعبد هي سبب وواسطة في خلق الله - سبحانه - للفعل بهذه القدرة، كما خلق النبات بالماء، والغيث بالسحاب.

    وقد قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) [التوبة:14] فبيَّن أنه المعذب، وأن أيدينا أسباب ووسائط لهذا التعذيب [عن الفتاوى لابن تيمية: 8/389].

    ومن هنا يتضح أنه لا تعارض بين أن الله - سبحانه - خالق لأفعال العباد، وأن العباد فاعلون لها مختارون بقدرتهم المخلوقة لهم، والتي وجهوها كما أرادوا لذلك الفعل.

    ومن هنا كذلك تنسب الأفعال للعباد؛ فيقال: إنهم (مصلّون) أو (سائرون) أو (عاصون) أو غير ذلك من أفعال، وأن أفعالهم قائمة بهم لا بالله، وأنها فعل لهم لا لله، كما في القرآن من قوله تعالى: » يعملون «، » يؤمنون «، » يكفرون «.

    وهنا ينبغي التفطن إلى أمر آخر، وهو أن الله - سبحانه - إذا أحب عبداً هيأ له أسباب الخير وعاونه عليه منة منه وفضلاً، فهو يوفقه إلى ما فيه الطاعة، ويبعده عما فيه العصيان بفتح أبواب تلك وإغلاق أبواب ذاك، كما أنه إذا أبغض عبداً منع عنه أسباب الهداية ولم يوفقه إليها حكمة منه وعدلاً، فهو يمد له في أسباب العصيان والكفر مداً، ويمهله رويداً؛ حتى يأتيه وعده بغتة وهو لا يشعر، كل ذلك والعبد نفسه هو الفاعل لأفعاله المختار لها، وإنما الهداية من الله بمقتضى الفضل والرحمة، والإضلال منه بمقتضى العدل والحكمة [شفاء العليل: 31].

    أهل السنة والتحسين والتقبيح:
    رأينا فيما سبق كيف اشتط القدرية المعتزلة في إثبات الحسن والقبح العقليين (اللذيْن يدركان بالعقل) فأثبتوا للأفعال صفات لازمة لها، وليس للشرع من دور إلا الكشف عنها، كما أن الشرائع لا تأتي إلا وفقاً لتلك الصفات، تابعة لها، فما يحسّنه العقل يأتي الشرع بحسنه والعكس.

    كما أننا رأينا كيف أفرط مناقضوهم في إنكار أن يكون للفعل صفات أصلاً!؛ حتى يدركها العقل، والأفعال متعادلة في الحسن والقبح حتى يأتي الشرع فيحسن ذلك ويقبح تلك بمطلق الإرادة الإلهية، ولو قبح الحسن لقُبح، ولو حسن القبيح لحسن!.

    والحق - الذي عليه أهل السنة - هو أن الله - سبحانه - قد خلق الأفعال، وخلق لها صفات، كما خلق الأشياء وخلق فيها طبائع وقوى، والأفعال تحسن وتقبح بتلك الصفات المخلوقة لها، وقد يعلم هذا الحسن أو القبح بالعقل أو بالشرع، وكثير من الأمم الضالة التي لم تهتدِ بهدْي النبوة قد وجد فيها تقبيح الظلم وكراهته، وتحسين العدل ومحبته، وما سن القوانين التي عُرفت منذ القديم إلا دليل على ذلك، بما اشتملت عليه من مبادئ تتوافق مع مبادئ الشرع في بعض ما تأخذ به من أحكام.

    إلا أن مدار الأمر في هذه المسألة هو أن الثواب والعقاب لا يترتبان على الفعل إلا بعد ورود الأمر الشرعي، وهو ما غلطت فيه القدرية الذين جعلوا الثواب والعقاب والتكليف بحسب العقل، كذلك فإن الله - سبحانه - قد يأمر بشيء ليمتحن به العبد، ولا يكون مراده هو الفعل بذاته، ولكن امتثال الأمر هو المطلوب لمعرفة طاعة العبد لله، كما أمر إبراهيم الخليل بذبح ابنه، وهنا يتضح قسم آخر ورد فيه الأمر الشرعي بما هو قبيح في أصله لحكمة إلهية تقتضي ذلك، فذبح الولد ليس حسناً وإنما كان لحكمة الابتلاء، وأصل الأحكام الشرعية ليست من هذا القبيل، وإنما هذا يبين خطأ المعتزلة الذين أنكروا أن يأمر الله بخلاف ما هو حسن عقلاً، وخطأ الأشاعرة الذين اعتقدوا أن الأحكام الشرعية كافة من هذا الباب للامتحان والابتلاء دون أن تحتوي بذاتها على حسن أو قبح أو مصلحة أو مفسدة للعباد [انظر: الفتاوى، 8/428 وبعدها].

    أهل السنة والحكمة والتعليل:

    ينطق كتاب الله المقروء، وكون الله المشهود، كلٌّ بآياته وأسلوب دلالاته - بتلك الحِكم البالغة التي لأجلها شرع ما شرع للناس من أحكام، وبنى ما بنى في الوجود من عوالم وأكوان، ففي كتاب الله ما يكاد يخرج عن الحصر من أدلة تثبت حكمة الله - سبحانه - في أفعاله، وأنها كلها معللة بعلل تتلاقى في أنها لصالح العباد والبلاد، ولإقامة حال الدنيا وما فيها ومَن فيها على أحسن ما يكون لهم، فما يظهر فيها من خير فهو من رحمة الله وفضله، وما يبدو من شر- ليس إليه سبحانه - فهو من عدله وحكمته. وإليك بعض ما اجتزأنا من أدلة سردها ابن القيم فيما يبلغ ثلاثة وعشرين وجهًا:

    الأول: التصريح بلفظ الحكمة، كقوله - تعالى -: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ) [القمر: 5]، (وإنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) [النمل: 6].

    ثانياً: إخباره عن فعل كذا لكذا، كقوله - تعالى -: (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ) [المائدة: 97].

    ثالثًا: لام التعليل، كقوله - تعالى -: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) [الأنفال: 42].

    رابعًا: كي التعليلية، كقوله - تعالى -: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) [الحشر: 7].

    خامساً: (أنْ) والفعل المستقبل بعدها، كقوله - تعالى -: (أَن تَقُولُوا إنَّمَا أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا) [الأنعام: 156].

    سادساً: ما هو من صريح التعليل، كقوله - تعالى -: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ) [المائدة: 32].

    سابعاً: التعليل بلعلّ، وهى تفيد العِلّية في كلام الله - تعالى - كقوله: »لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «.

    ثامناً: إنكاره - سبحانه - التسوية بين المختلفين والتفرقة بين المتساويين كقوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين َ) [القلم: 35].

    تاسعاً: أمره - سبحانه - بتدبر كلامه والتفكر في مغزى أوامره ونواهيه، وهو يدل دلالة صريحة على ما تتضمنه تلك الأوامر والنواهي من حكم بالغة ومصالح وغايات مطلوبة.

    وإلا ما كان هناك داعٍ للتفكر والتدبر بها [شفاء العليل لابن القيم، ص190 وما بعدها].

    ويا سبحان الله العظيم! أن تحتاج مثل هذه القضية إلى أدلة وبراهين للمحاجة عنها: ألم يسمِّ الله نفسه حكيماً؟! وكيف يليق بالرب - سبحانه - أن يقال: إن أفعاله ليست لدواعٍ أو أسباب أو حكم، إنما هي محض مشيئة ترجح مثلاً على مثل بلا داعٍ لذلك! في حين أن مجرد وصف أحد الناس بمثل تلك الصفة هو سمة عار ومظهر نقص في قواه العقلية التي تدفعه للعمل دون مبرر إلا أنه أراده هكذا لا غير!! أما إذا ذهبنا نتتبع كون الله المشهود لنرى مواطن حكمته في خلقه؛ لخرجت الآيات الدالة على ذلك عن الحصر بلا جدال.

    أهل السنة والسببية:

    كان نفي الحكمة وادعاء عدم عِلّية الأحكام الشرعية، وانتفاء مقصد المصلحة فيها باباً لنفي الأسباب جملة في حياة الناس وتصرفاتهم، وفي ظواهر الحياة المادية وحركاتها، وادعاء أن الله لم يجعل شيئاً في الدنيا سبباً لشيء ولا رتب شيئاً على شيء، بل كل ذلك من أوهام العقل الذي لم يصل إلى منتهى التوحيد ليشهد أن الله هو الفاعل وحده، فما ثمة سبب إلا الله -سبحانه -! وكان ذلك التقرير إهداراً للعقل والفطرة معاً، بل هو أكبر من ذلك؛ إذ إن الشرع قد ربط الأسباب بمسبباتها في الأحكام والقدر وأفعال العباد، بل كل ما في الكون هو مبني على التسلسل السببي شرعاً وقدراً، فالإنسان سبب في أفعاله، إذ هو الذي يسببها، وعليها يثاب أو يعاقب، وهو ينال ما قُدر له بالسبب الذي أُقدر عليه ومُكّن منه وهُيئ له، فإذا أقر بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب [شفاء العليل لابن القيم، 25] وكلما ازداد اجتهاداً في تحصيل الأسباب ازداد قرباً من الله، ومما هو مقدور في الكتاب، وقد كان من حسن فقه الصحابة أنهم قد ازدادوا عملاً لما فهموا القدرحق الفهم، وعرفوا أن مصالح الدنيا والآخرة ترتبط ارتباطاً تاماً بما يكتسبونه في حياتهم.

    فالصلاة أخذ بالسبب الموصل إلى رضا الله - سبحانه - وهو قد جعلها سبباً لرضاه، كما أن السعي للرزق سبب للحصول عليه، والقعود في الدار وانتظار أن تمطر السماء غذاءً وكساءً لن يُنتج إلا الحسرة والفاقة.

    ومن هنا فحق التوحيد أن تسعى عن طريق الأسباب التي خلقها الله - سبحانه - لتصل إلى النتائج التي أرادها الله - سبحانه -، لا أن تُعْرض عن أسبابه مدعياً الوصول إلى النتائج دونها. وما سبق أن ذكرناه في باب إثبات الحكمة والتعليل هو بذاته دليل على أن الله - سبحانه -بنى الدنيا على قاعدة ربط الأسباب بمسبباتها في الظواهر المادية أو التصرفات الإنسانية أو الأحكام الشرعية.

    ففي التصرفات الإنسانية قال - تعالى -: (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً) [الحاقة: 10].

    وفي الظواهر المادية قال - تعالى -: (ونَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ) [ق: 9].

    وفي الأحكام الشرعية قال - تعالى: (والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ) [المائدة: 38] وكل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببية الشرط والجزاء كما في قوله -تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ) [الأنفال: 29].

    ولا فرق في ذلك بين الأحكام الشرعية - التي هي حكم الله تعالى في خلقه الإنسانى - وبين السنن الكونية الطبيعية - التي هي حكم الله تعالى في خلقه المادي ولعل ما كتبه ابن القيم في (مدارج السالكين) - عن منزلة (الأسباب) في الدين - فيه غناء عن كثير مما قد يقوله غيره، فلنثبتْه هنا كموقف لأهل السنة في هذه المسألة: (ونحن نقول: إن الدين هو إثبات الأسباب، والوقوف معها، والنظر إليها والالتفات إليها، وإنه لا دين إلا بذلك، كما لا حقيقة إلا به...

    وهل يمكن حيواناً أن يعيش في هذه الدنيا إلا بوقوفه مع الأسباب؛ فينتجع مساقط غيثها ومواقع قطرها.

    ويرعى في خصبها دون جدبها، ويسالمها ولا يحاربها فكيف وتنفسه في الهواء بها، وسعادته وفلاحه بها، وضلاله وشقاؤه بالإعراض عنها وإلغائها، فأسعد الناس في الدارين أقومهم بالأسباب الموصلة إلى مصالحها.

    وأشقاهم في الدارين أشدهم تعطيلاً لأسبابهما؛ فالأسباب محل الأمر والنهي والثواب والعقاب والنجاح والخسران " [مدارج السالكين لابن القيم، 407 وما بعدها].

    ذلك هو فقه أهل السنة في الأخذ بالسبب وفي مرتبته التي بُنيت عليها الدنيا، ولعل فيما نقلناه غناءً عن الإطالة.

    وماذا عن واقع المسلمين:

    لو اقتصر أمر ما عرضنا آنفاً من آراء منحرفة - على الجانب النظري البحت في الكتب والمناظرات، وفي النطاق العلمي المحدود - لهان الخطب، ولما تجشمنا عناء الرد عليها إلا إعذاراً إلى الله - تعالى - ببيان وجه الحق فيها، ولكن شأن تلك الأفكار المنحرفة عن جادة الصواب أن تتسرب شيئاً فشيئاً إلى واقع الناس وحياتهم، خاصة إن كُتب لها أن تنتشر بواسطة انتشار مذاهب من يحملونها في المكان والزمان، فتعمل عملها في تشكيك العقلية الإسلامية، ومن ثم التأثير في مجريات الحياة الإسلامية، حتى تصبح جزءاً من النسيج العقلي الذي ينسج الناس على منواله دون معرفة لمصدره أو تحديد أسبابه.

    وإننا حين استعرضنا ما ذكرناه من آراء يأخذ بعضها برقاب بعض، ما قصدنا أن نروي تاريخاً فات، أو أن نثير في النفوس حزازات، ولا أن يكون بحثنا متاعاً عقلياً لمن يفتنه ذلك النوع من المتعة العقلية، بل إلى النظر في الواقع الحالي للمسلمين، وكيف أثرت فيه تلك الأقوال حتى أسلمته إلى ما هو عليه من وهن وضعف، ومن تخلف وانحطاط.

    كيف نريد لعلم أن ينشأ؟ أو لأمة أن تتقدم وتترقى؟ أو لقوة أن تنمو وتزداد، بينما تلك الأفكار الخبيثة تعمل عملها في الفرد والمجتمع فتثبط الهمة، وتفل العزم، وتهدر الجهد.

    لقد عملت تلك المفاهيم - عن القدر والسببية - عملها في الأمة الإسلامية خلال قرون متطاولة، فكان من جرائها - إلى جانب أسباب أخرى عديدة - أن أهمل المسلمون العلوم التجريبية بلا شعور أو وعي، وكان هذا هو المعول الأول الذي جر بهم إلى حضيض التخلف والضعف، في عالم عرف قيمة العلم التجريبي الذي يبني أول ما يُبنى على قاعدة ربط الأسباب بنتائجها، وأن السنن الكونية عاملة في الوجود بحسب ما أجراها الله - سبحانه - في حكم العادة الجارية.

    وكيف يندفع المسلم إلى محاولة اكتشاف علاقة بين أمرين، وهو أصلاً يؤمن بأنه لا رابطة بينهما، وأن أحدهما لا ينشاً عن الآخر، بل - في أحسن الأحوال - ينشأ عند حدوث الآخر لا غير؟!

    لقد سن الله - سبحانه - سنناً كونية، أجرى عليها أمر الناس والأشياء والمادة، هذه السنن تعمل بشكل دائم منتظم سواء في حياة الناس الاجتماعية، أو الفردية، وسواء في مبناهم الجسدي أو عالمهم المادي، وسواء في الأمم التي اهتدت بهدي النبوة، أو التي كفرت بها.

    والآخذ بالأسباب الصحيحة التامة، والمراعى لتلك السنن الكونية الإلهية هو الموفق إلى العلو والارتقاء في هذه الدنيا، وإن من رحمة الله وفضله على المسلمين أن أتاح لهم الأسباب التي توصلهم لخير الدارين بأن هداهم للإيمان ووفقهم لاتباع الهدي النبوي، ودلهم على ما لم يدل عليه الكافرين من أسباب خاصة تعاونهم على النجاح والظفر في الدنيا والآخرة كالدعاء والعبادة وإفراد التوحيد، كذلك الأسباب التامة التي تقيم حياتهم المادية على خير نسق سواء في معاملاتهم المادية أو علاقاتهم الاجتماعية.

    وبقدر ما يحصل الفرد المسلم، والمجتمع المسلم من الأخذ بالأسباب، ومراعاة تلك السنن، بقدر ما يتقدمون في الدنيا على أعدائهم، فإن تخلوا عن الأسباب الموصلة لخير الدنيا أو الآخرة، فهم وغيرهم سواء، والظفر لمن نال أسباب القوة والغلبة.

    كيف يأمل المسلمون أن يتغلبوا على تلك القوى الهائلة التي تحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم، وتترصد بهم في كل لحظة لتقضي عليهم قضاءً مبرماً، وهم لا يملكون - بل ولا يحاولون - وسائل التقدم والغلبة سواء منها الحربية أو الاقتصادية أو غيرها؟!

    كيف يأمل المسلمون أن تتحرر إرادتهم في أوطانهم، وأن يكون لهم أمر أنفسهم في ديارهم دون أن يتخذوا بالأسباب الكفيلة بأن يسيطروا على العالم الاقتصادي والسياسي و العسكري؟!


    ولقائل أن يقول: إننا نحاول جهدنا باتخاذ بعض الأسباب دون بعض، أو جزء من الأسباب الناقصة دون التامة، إلا أننا ننبه إلى نفيسة من النفائس التي ذكرها الشاطبي وابن القيم من أن الإتيان بالسبب على كماله، وانتفاء أي مانع يمنعه، تنشأ النتيجة عنه لا محالة، كما أن الفاعل إن قصد أن لا تقع النتيجة بعد الأخذ بالسبب التام فهو عابث، كذلك فإن أخذ بجزء السبب أو بسبب ناقص لم يوصله إلى النتيجة المرجوة وإن أراد ذلك [الموافقات، 1/218].

    فالسبب يجب أن يؤخذ على الوجه الأكمل حتى يتم المقصود منه، وتترتب عليه نتائجه حتى يتخطى المسلمون تلك العقبات، وحتى يتخلصوا من المأزق التاريخي الذي وقعوا فيه - بما كسبت أيديهم - فإن عليهم الأخذ بالأسباب التامة كافة في جميع المجالات دون استثناء، في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والعسكري والسياسي، وأن يكون همهم تدارس كيفية تقدم الأمم الأخرى، ووسائل اللحاق بها والأخذ عنها بما لا يتعارض مع شرعنا الحنيف، فإنه ليس كل ما عند الكافرين كفر، بل فيه حق وباطل، ونحن أحق بالحق الذي عندهم منهم.

    إن من سنن الله الجارية في الأمم كافة: أن تقوى الله سبب العلو، والمعصية والبدعة سبب للذلة.
    وأن الاجتماع سبب للنصر، والتفرق سبب للهزيمة.
    وأن العلم سبب للتفوق، والجهل سبب للتخلف.
    وأن المال سبب للقوة، والفقر سبب للهوان.
    وأن الوعي سبب النجاة، والذهول عن الحقائق سبب للهلاك.
    وأنه بالعمل تتقدم الأمم، وليس بالشعوذة، وبالصناعة تترقى المجتمعات، وليس بالتواكل وترك الأسباب.

    إن البشرية قد قطعت شوطاً طويلاً سبقت فيه المسلمين سبقاً كبيراً ولابد للمسلمين من أن يسرعوا الخطى في الطريق السديد.. ليلحقوا بالركب أولاً.. ثم يقودونه للهدى ثانياً. وإن العودة لمنهج السلف الصالح هو سبب الاجتماع فالنصر، والإصرار على التحزب والمكابرة هو سبب التفرقة فالهزيمة.

    والحرص على النفع الشخصي والسعي وراءه - حتى وإن كان في الإطار الإسلامي - لا يُغني غناءً كثيراً؛ إذ إن السبب يجب أن يؤخذ على كماله وبوجهه الصحيح وإن تقديم النفع الجماعي والمصلحة العامة - وعدم الحرص على التوفيق المعتسف بينهما وبين الاعتبارات الشخصية - هو سبب الاندفاع للأمام، ونمو القوة الإسلامية من جديد.

    وإن اعتقد المسلمون أنه يمكنهم النصر، والخروج من المأزق وهم على تلك الحال فيما بينهم وبين أنفسهم، أو بينهم وبين أعدائهم، فهم واهمون فالأسباب لابد منها، وليدرك من يقصر عن اتخاذ الأسباب أنه يفت في عضد ذلك الكيان الإسلامي..

    مهما اتخذ من أعذار أو قدم من مبررات لنفسه أو لمن حوله..

    إنه لابد من النهضة العلمية، والتخصص في مجالات العلوم كافة لأعلى درجات التخصص، حتى ينبغ من المسلمين من يهيئ لهم أسباب استخدام تلك الطاقات الهائلة المتاحة لأعدائهم، والمسلمون مقصرون إن لم يأخذوا بأسبابها.

    ولابد من النهضة الاقتصادية، وبناء اقتصاد إسلامي مستقل متكامل يلجأ إليه المسلمون دون خوف من القوى المعادية، التي ستمنع عنهم ثرواتهم إن عاجلاً أو آجلاً..

    والمسلمون مقصرون إن لم يأخذوا بأسبابها.

    ولابد من الوعي السياسي، والوعى الإعلامي، حتى يفهم المسلمون حقيقة ما يدور حولهم، وما يراد بهم من شتى الجبهات العدائية..

    والمسلمون مقصرون إن لم يأخذوا بأسباب ذلك.

    ولابد من الدراسات الاجتماعية المتخصصة، التي تتناول تلك التركيبة الإسلامية الحالية، أفراداً ومجتمعات، وما يؤثر فيها؛ حتى يكون الدواء مناسباً للداء، فالبشر لهم سمات مشتركة خلقها الله - تعالى - فيهم ولابد من الالتفات إلى تلك العوامل النفسية والاجتماعية التي تعمل عملها وتسّبب الكثير من المشاكل في الواقع الإسلامي المعاصر...

    والمسلمون مقصرون إن لم يأخذوا بأسباب تلك الدراسات.

    وأخيرا..

    هي دعوة ليستفيق المسلمون (المخلصون) مما هم فيه من غفلة عن الداء، ومن إعراض عن الدواء، قبل فوات الأوان.

    وهي أمانة في عنق كل مسلم واعٍ يحملها إلى أخيه؛ أن أدرك مَن حولك بالتربية والتوعية، واسعَ للائتلاف ونبذ الخلاف والأخذ بالأسباب التامة لنصل إلى النتائج المرجوة...

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    [البيان اللندنية 1987]
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ طارق عبد الحليم{الإرجاء والمرجئة}

    الإرجاء والمرجئة



    إن من الصفات اللصيقة ببني الإنسان ؛ العجلة في الأمور، وكيف لا؛ وقد قال فاطر الناس جل وعلا: { وكَانَ الإنسَانُ عَجُولاً } ، ثم منَّ تعالى على المؤمنين بأن وجّه تلك الفطرة العجولة لديهم إلى معنى قُدّ من العجلة ، إلا أن جالب للبر والخير ، وهو " المسارعة " إلى الخيرات.

    وقد قدمت بهذه المقدمة لأستميح القارئ عذراً لمسارعتي بالكتابة في موضوع هذه المقالة عن الإرجاء والمرجئة ، رغم أنه يدخل ضمن مجموعة الكتب التي اعتزمت - وأخ لي - أن نصدرها تباعاً - بعون الله تعالى - عن الفرق الإسلامية ، والتي صدر منها بالفعل مقدمتها عن أسباب التفرق والاختلاف .

    وما فعلت ذلك إلا بعد أن قدرت مدى الحاجة إلى إظهار عوار تلك الفئة التي ما زالت جرثومتها خافية تارة ، وظاهرة تارات بين صفوف المسلمين - بل وعجباً! بين صفوف الإسلاميين منهم - فتصيب ذلك الكيان الإسلامي بالضعف والوهن وفقدان القدرة على تمييز الخبيث من الطيب ، ومعرفة المفسد من المصلح ، وبالتالي أثرها البالغ السوء في الواقع الإسلامي أخلاقياً وسياسياً.

    ونحن لا نعتزم الخوض في هذه العجالة في تفاصيل مذهب " الإرجاء " ومناقشة أصحابه فيما ذهبوا إليه ، أو الإتيان على ذكر كافة فروع المرجئة التي انقسمت إليها ، إلا أننا سنذكر اختصاراً ما ذهبت إليه المرجئة بشكل عام في بدعتهم .

    ثم نعرِّج بنقض تلك الأقوال وبيان وجه الحق فيها كما اختطَّه أهل السنة والجماعة .

    ثم نلقي نظرة على الواقع الإسلامي لنرى مدى تأثره بتلك الجرثومة الإرجائية التي لازالت تنتقل في الجسد الإسلامي، لتنخر فيه نخراً يفسد عليه قوته ، ويجعله عرضة للتفكك والانهيار. بعد أن يفسد المحكوم ويطغى الحاكم ويمهد لكليهما سبل الزيغ والانحراف.

    الإرجاء :
    مصدر أرجأ بمعنى أخر ، يقال: أرجأ الأمر أي أخره.

    وقد أطلق هذا الاسم على طائفة المرجئة لما قالوا بتأخير العمل عن الإيمان، أي فصله عنه وتأخير مرتبته في الأهمية كذلك لعدم حكمهم على الفاسق أو الكافر بما هو أهلٌ له ، وادعاء إرجاء ذلك إلى يوم الحساب وتدور عقائد المرجئة حول الإيمان ، إذا ذهب أكثرهم إلى أنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان - عدا بعضهم ممن زعم أنه تصديق القلب ولم يشترط أنه النطق بالشهادتين مع القدرة عليهما - ولم يُدخلوا العمل في مسمى الإيمان ، فالإيمان عند هؤلاء متحقق كاملاً لمن صدق بالرسالة ونطق بالشهادتين ، وإن لم يأتي بعمل من أعمال الطاعات!.

    وقد دخلت عليهم تلك البدع من أصل تصورهم للإيمان ، وأنه واحد لا يتجزأ ولا يتبعض ، أي لا يزيد ولا ينقص.

    وقد تمسكت المرجئة في أقوالهم تلك بما ادعوه من أن معنى الإيمان في اللغة: التصديق، كما في قوله تعالى: { ومَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } ، أي: مصدق لنا.

    كذلك بظواهر الأحاديث ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ) ، وفيما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: ( فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة ).

    وقالوا: إن تلك الأحاديث تدل على أن الإيمان هو تصديق القلب والتلفظ بالشهادتين، وهما كافيان لإثبات الإيمان ودخول الجنة دون العمل!.

    وقد تجاوز بعض من ابتلاهم الله بشبه الإرجاء ؛ فلم يكتفوا بإخراج أعمال الطاعات من الواجبات والمستحبات من مسمى الإيمان بل كذلك الأعمال اللازمة لتحقيق التوحيد، كالحكم بما أنزل الله من الشرائع - والذي هو من معاني الشهادتين والمتعلق بتوحيد ألوهية الله عز وجل - ولم لا؟! والإيمان محله القلب والتصديق متحقق؟! وما يضر من يترك التحاكم بغير إثم أو ذنب يقترفه مثله كمثل سارق البرتقالة ، أو من يؤذي جاره؟!.

    فأتوا بذلك بما لم يأتِ به الأولون من أسلاف المرجئة ، ومهدوا لما سنلقي عليه نظرة عاجلة في واقع المجتمع الإسلامي.

    ونقض مذهب الإرجاء يكون بطريقتين :

    أحدهما: عام ، يتناول نقض مبادئهم في النظر إلى الشريعة - وهو ما اشتركت فيه معهم سائر أهل البدع والأهواء -

    والآخر: خاص ، يتناول الرد على أقوالهم قولاً قولاً ، وبيان فسادها بالأدلة الشرعية.

    وسنتناول كل طريق منهما بشكل موجز ، يتناسب مع ما قدرناه لهذا المقال من إيجاز.

    أولاً ؛ الرد العام :
    سلك أهل البدع والأهواء طرقاً معينة في دراستهم للنصوص الشرعية ، أدت بهم إلى النتائج التي وصلوا إليها ، نجملها فيما يلي:

    1- عدم الجمع بين أطراف الأدلة ، وذلك باتباعهم أول دليل يرونه دالاً - من جهة معينة - على ما أرادوه ، فإذا صادفوا دليلاً آخر لم يجمعوا بينه وبين الأول ، بل أولوه أو ضعفوه أو أخفوه! بينما [مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المترتبة عليها ، وعامها المترتب على خاصها ، ومطلقها المحمول على مقيدها ، ومجملها المفسر بمبينها ، إلى ما سوى ذلك من مناحيها].

    2- الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، مع ترك الأحاديث الصحيحة وإغفالها، بينما مسلك أهل السنة هو في اتباع الحديث الصحيح وما يصح الاحتجاج به في الأحكام الشرعية ، سواء ما صح أو حسن حسب قواعدهم في ذلك.

    3- التعويل على جزيئات الشريعة دون ربطها بالقواعد الكلية التي تحكمها وتنتظمها.

    4 - تحريف الأدلة عن مواضعها ، وهو نوع من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذمه الله تعالى في كتابه ، وذلك بإيراد الدليل المقصود به مناط معين أو واقعة محددة لتطبيقه على مناط آخر - أو واقعة أخرى - وهي العملية التي تسمى عند الأصوليين: " تحقيق المناط " ، ولا شك أن من أقر بالإسلام ويذم تحريف الكلام عن مواضعه لا يلجأ إليه صراحاً إلا مع اشتباه يعرض له وجهل يصده عن الحق ، مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذه فيكون بذلك السبب مبتدعاً.

    فإطلاق الدليل وتوهم أنه يعم كافة الحالات الداخلة تحته دون تقييد فهو من جملة من حرف الكلم عن مواضعه وصار إلى الابتداع بدلاً من الاتباع. [الاعتصام 1/223].

    ثانياً ؛ النقض الخاص :
    إن ما استدلت به المرجئة من أن الإيمان هو التصديق فليس بصحيح ، والحق أن الإيمان اسم شرعي استعمله الشارع ليدل به على معاني محددة في الشرع ، هي مجموعة الأقوال والأفعال التي يتركب منها ، فلا مدخل للمعنى اللغوي إذ " مما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عُرِف تفسيرها وما أُريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة وغيرهم " [ الإيمان لابن تيمية : 245 ].

    هذا إلا أن الإيمان لا يعني لغة التصديق من وجوه عدّة " فإنه يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه ، ولا يقال: آمنه وآمن به ، بل يقال: آمن له ، كما قال: { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } ، وقال: { فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ } فإن تعدى باللام كقوله: آمن له ، كان تصديقاً وإن تعدى بالباء كان الإيمان الشرعي المتضمن للعمل " [ الإيمان : 248 ].

    كذلك فإن قسيم الإيمان ليس التكذيب بل الكفر ، فيقال لمن لم يصدق: قد كذب ، ومن لم يؤمن: قد كفر.

    ووجه آخر في لفظ التصديق والتكذيب: يطلق على ما هو غائب أو مشاهد ، أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغيب [ الإيمان : 249 ].

    والإسلام والإيمان اسمان يدلان على معنى واحد إن انفردا ، وهو الاستسلام لله والعبودية له سبحانه ظاهراً وباطناً ، لكنهما إن اجتمعا دل كل منهما على معنى غير الآخر ، فدلّ الإسلام على الأعمال الظاهرة من الصلاة والصوم والحج ، ودلّ الإيمان على الأعمال الباطنة ، كالخشية والمحبة والخوف ، من أعمال القلوب.

    وقد دلت الآيات والأحاديث على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان - وعليه أجمع الصحابة والتابعون وسلف الأمة - فهو: قول وعمل ، يزيد وينقص ، يزيد بالطاعات ، وينقص بالمعاصي ، قال تعالى: { لِيَزْدَادُوا إيمَاناً مَّعَ إيمَانِهِمْ }.

    وما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون شعة أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ).

    كذلك ما رواه مسلم بسنده عن ابن عباس في حديث وفد عبد القيس ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تؤدي خمساً من المغنم ) .

    فالإيمان - إذن - قول وعمل :

    * قول القلب وهو: التصديق .

    * وعمل القلب: وهو: الإقرار والخضوع المستلزم للمحبة والانقياد .

    * وقول اللسان: وهو ؛ النطق بالشهادتين .

    * وعمل اللسان والجوارح ، وهو العمل بالطاعات ، وترك المحظورات من الشريعة ، وهو يزيد وينقص.

    ثم ننظر إلى استدلال المرجئة - سلفاً وخلفاً - بأحاديث الشفاعة على أن قول الشهادتين تلفظاً يُثبت لصاحبة الإسلام والإيمان ، وإن أتى عملاً من أعمال الكفر ، كترك التحاكم إلى الشرع ، فنرى أنها هي طرق أهل البدع في عدم جمع أطراف الأدلة ، والنظر في الأحاديث.

    قالوا: روى مسلم بسنده عن عمر بن الخطاب في حديث جبريل: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً ) .

    وأغفلوا الرواية التالية لها مباشرة في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان ).

    كذلك حديث أركان الإسلام الذي رواه مسلم بسنده عن عبد الله بن عمر عن أبيه ، قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ).

    وأغفلوا رواية مسلم الأخرى: في الباب نفسه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بُني الإسلام على خمسة: على أن يُوحَّد الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان ، والحج ).

    وغير ذلك من الأحاديث التي ذكروا فيها رواية وأسقطوا روايات ، والتي تدل على أن التلفظ بالشهادتين المعتبر شرعاً هو توحيد الله وعبادته ، وترك الشرك ، وأن التلفظ بالشهادتين دلالة على قيام ذلك المعنى في النفس وفي البدن قولاً وعملاً ؛ ما لم يأت بعمل ظاهر َيكْفُر به ، فلا اعتبار حينئذ بتلفظ ، وهو المعنى الذي ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين من أن الألفاظ تراد لمعانيها لا لذواتها وما فصله من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ [مسلم بشرح النووي 1/157].

    وبعد ..

    فما هي الدوافع التي أدت إلى ظهور المرجئة في التاريخ؟

    وما هي عوامل بقائهم واستمرارهم؟

    لذلك الأمر تفصيل يضيق عنه نطاق هذا المقال ولكن لا بد من كلمتين توفيان بالغرض في هذا المقال.

    أما عن بداية الإرجاء فقد زعم بعض من تناول ذلك الأمر أنها ترجع إلى موقف بعض الصحابة إبان إطلال الفتن برأسها عند إرهاصات قيام الدولة الأموية ، وهم الذين لم يشاركوا في تلك الفتن إلا أننا نرى أن ذلك تزيد معيب على تلك الفترة يحمّلها أكثر مما تطيق ، ويجعلها نواة كل فساد ظهر في تاريخ المسلمين بعدها ، وما اعتزل بعض الصحابة الفتنة إرجاءً بل إن منهم من لاح له وجه الصواب فاتبعه ، ومنهم من غمض عليه جلية الأمر فآثر السلامة وحسب!.

    وهو موقف معتاد في مثل تلك الظروف أن يشارك البعض ويعتزل البعض الآخر! ، ولعل بعض المفكرين يخرج علينا بأن هؤلاء - كذلك - هم نواة المعتزلة ؛ لاعتزالهم ذلك الأمر!!! [ انظر إعلام الموقعين 3/105 ].

    وما نرتضيه في هذا المقام إيجازاً أن مذهب الإرجاء يتناسب مع من يتميع في موقفه ويؤثر السلامة على المخاطرة وإن كانت بالباطل ، فإن من تلفظ بالشهادتين مؤمن كإيمان جبريل! والأعمال لا تدل على إيمان وفسق أو حتى كفر ، وليس لنا أن نزيف الباطل ونظهر عوار المفسد وندل على سوءاته ونسير فيه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في معادلة الفاسق أو المذنب أو الكافر ، فمن ثم فهو مذهب يتناسب مع الحاكم الظالم - أو الحاكم الكافر حسب الحالة - فلن يثير أرباب هذا المذهب خلافاً مع الحاكم مهما أتى من أفعال، فهو مؤمن على كل حال ، أليس يتلفظ بالشهادتين؟! ثم ما لنا ندخل في سرائر الناس وندعي معرفة مكنونات صدورهم ، مادام العمل الظاهر لا مدخل له في قضية الإيمان ، وأن اعتقاد القلب هو المعوّل عليه في ذلك ، أليس يكفي ما ينطق به الحاكم لنكون معه في صف واحد ومسيرة واحدة نهادنه ونتعذر له المرة تلو المرة لنظل نعيش نتفيأ ضلال حكمه ، وإن ظهرت منا في بعض الأحيان - أو كلها - معاتبة أو معارضة فإنما هي معاتبة التصديق ، ونصح الأخ المؤمن لأخيه ، أو هي معارضة الخاضع ، وتبرم السائر تحت اللواء!.

    ثم عامل آخر قد يكون له بعض الأثر في إطلال الإرجاء برأسه ، بل هو إلى عوامل استمراريته أقرب - وهو ظهور طوائف المنتسبين إلى مذهب الخوارج فكراً وعقيدة - وإن لم يكن بالضرورة اسماً - مما يزين لمن لم يتعمق النظر في دراسة العقائد وترجيح الصالح من الفاسد من الآراء - وغالبهم من الشباب على مر التاريخ دون رءوس الفتنة الذين يعون ما هم عليه من البدعة ، بل وبعضهم يقصد إليه قصداً - أن ينتسب إلى فكر الإرجاء قولاً وعملاً - دون تسمية ودون وعي منهم بذلك ولا إدراك لحقيقة مذهب السلف الصالح ، وهذا التصرف كرد فعل غير مدروس للأفكار التي تجنح للتطرف والغلو في فهم العقيدة في الجانب الآخر ، وكلا جناحي الإفراط والتفريط إن هي إلا ردود أفعال سلبية للحكم غير المشروع الذي يسود المجتمعات الإسلامية في أي عصر من عصورها.

    فالإرجاء إذن مذهب سياسي - أو قل ؛ موقف سياسي - اتخذ طابع البحث في أوليات العقائد مع استشراء تلك الموجة في بداية عصر الأمويين وظهور علم الكلام - كما بينا عوامل ذلك في مقدمة أسباب الاختلاف - كان موقفاً سياسياً في الحكام الظالمين ، يوم أن كانوا لا يزالون يحكّمون شرع الله ، وإن تجاوزوا الحد وأفرطوا في الظلم ، ثم استمر على ذلك النهج منهجاً للضعاف ممن يريدون مهادنة الظالم وتبرير مواقف الضعف والخزي ، حتى وإن تجاوز الظلم إلى الكفر ، ومن هنا نرى أن المرجئة لم يكونوا هدفاً للسلطة الغاشمة الظالمة في عصر من العصور ، بل كان منهم شعراء وعمال للحكام ، كثابت قطنة الذي كان والياً ليزيد بن المهلب على بعض الثغور ، بل إنه مذهب يصلح أن يدعيه الحاكم نفسه ليكون برداً وسلاماً على كافة الطوائف المبتدعة.

    فالمرجئة - إذن - في صلحٍ خفي ومهادنة غير مكتوبة مع الحاكم يتمتعون بالحرية في الحركة والقول جميعاً ، بينما يُضرب على يد من سواهم من أهل السنة والجماعة ، كما حدث لأئمة الفقه والحديث ، كمالك وأحمد بن حنبل وابن تيمية ، وكثيرين غيرهم ممن اتبعوا منهج السلف الصالح في الفهم عن الكتاب والسنة.

    وليست هذه هي الكلمة الأخيرة عن الإرجاء والمرجئة كما قدمت في أول المقال ، ولكنها نفثة غلت في الصدر وارتجّ بها القِدْرُ ، فلم يكن بُدِّ من إظهارها!.

    وقد اتبعت فيها مذهباً أراه يعين الباحث في مثل تلك الأمور ، وهو التحليل النفسي لفهم الدوافع وراء تلك العقائد المنحرفة ، وهو مذهب ارتضيناه في أسباب الاختلاف وسنجعله بعون الله تعالى أحد مصادرنا في دراسة أمثال تلك الفرق التي تحمل معول الهدم والخراب لتهدم به صرح الإسلام من داخله ، عارفةً بذلك أو جاهلةً.

    { واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ }

    [مجلة البيان اللندنية 1986]
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •