السؤال


ملخص السؤال:
شاب لديه طموحات وأحلامٌ، سَمِع أن ما قدَّره الله على الإنسان سيكون مهما بذَل وعمل، ويسأل: هل لو افترضنا أن الله كتب عليَّ الفشل فمهما درستُ وأخذتُ بالأسباب وتوكلتُ على الله وقمتُ بالدعاء، فلن أحصل على ما أريد؟ وما دَور القدَر في تحقيق الأحلام والطموحات؟ وهل للدعاء دور في تحقيق أحلامي؟

تفاصيل السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أنا طالبٌ في كلية الطب، كان حلمي منذ صِغَري أن أحصلَ على جائزة نوبل في الطب، وأن أصبح الجراح الأول في العالم، وبسبب حالتي المادية الصعبة بدَا حُلمي مستحيلًا، لكني أثق بالله وبكَرمه.


واجهتُ كثيرًا مِن السُّخرية مِن الأصدقاء، لكني لم أستسلمْ، وظللتُ أكافح لأصل إلى حُلمي، وثقتي بالله كبيرة.


ذاتَ يوم دخلتْ أمي إلى غرفتي، ووجدَت حلمي مكتوبًا على ورقةٍ، وبعد عودتي دخلَتْ عليَّ وأخبرَتني بما صدَمني؛ حيث قالتْ لي: يا بُني، رزَقك مَقسومٌ عند الله، فلا تُتعب نفسك بالدراسة؛ فلو كتب لك أن تحصلَ على ما تريد فستحصل عليه وإن لم تبذُلْ جُهدًا، وان لم يقدِّر الله لك ذلك فلو درست طول حياتك فلن تحصلَ على ما تريد!


وأضافتْ أمي: ما ليس لك لن تناله رغم قوتك، وما هو لك ستناله رغم ضعفك.


صُدِمتُ مِن هذا الكلام، وذهبتُ أبحث في الإنترنت عمَّا يؤكِّد كلام أمي أو ينفيه من مقالاتٍ ومقاطع لبعض العلماء، وخرجتُ بنتيجة مفادها: أن الرزق مقسوم لكل شخص، واستنتجتُ أن مَن كَتَبَ عليه اللهُ أن يعيش فاشلًا فقيرًا فمهما فعل فلن يُغير الوضع، ومن كتب الله عليه أن يعيش غنيًّا ذا مكانة علمية رفيعة فلو أمضى حياته في اللهو والنوم فسيحصل في النهاية على ما كتب له!


وهُنا تبادرت إلى ذهني مجموعة من الأسئلة:
• هل لو افترضنا أن الله كتب عليَّ الفشل فمهما درستُ وأخذتُ بالأسباب وتوكلتُ على الله وقمتُ بالدعاء، فلن أحصل على ما أريد؟


• ولو افترضنا أن الله كتب عليَّ أن أصبح ذا علم ومكانة وثراء، فحتى وإن لم أعملْ ولم أدرس وأمضيتُ وقتي في النوم، سيأتيني ما أريد زاحفًا؛ لأنه بكل بساطة قدَري؟


والآن أنا مكتئب منذ شهر، ولا أهتم لا بدراستي ولا بتحقيق طموحي، وأفكِّر في ترْك الدراسة بكلية الطب.


وهناك سؤال آخر: ما دَور القدَر في تحقيق الأحلام والطموحات؟ وهل الدعاء له دورٌ في هذا؟ وخصوصًا أن هناك أوقاتًا كالثلث الأخير مِن الليل، يَستجيب الله فيها الدعاء بعد قيام الليل، وهل الدعاء يُغيِّر القدَر أو لا؟


وهل في رأيكم لديَّ فرصة لتحقيق طموحي بأن أحصلَ على جائزة نوبل في الطب، وأن أصبحَ الجراح الأول في العالم، وأن أحسن حالتي المادية؟

أو أن قدَري حُدِّد منذ زمن وانتهى الأمر

ولا فائدة من الجهد الكبير الذي أبذله في الدراسة؟


الجواب


الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:
فوفقك الله أيها الابن الكريم لكل خير، وحقَّق لك حلمك، وما ذلك على الله بعزيز؛ فكلُّ المخترعات العظيمة بدأت بحُلم سعى أصحابُه جادِّين لتحقيقه.


أما كلام والدتك سلَّمَها الله وما خلصتَ له من نتائج بحثك على شبكة الإنترنت، وكذلك ما فهمتَه عن أهل العلم الذي سبَّب لك الاكتئاب - فقد عرَفتُما شيئًا وغابتْ عنكما أشياء؛ فالإيمان بالقضاء والقدر عقيدة إيجابية، تدفع إلى العمل والجِدِّ، والأخذ بأسباب النجاح والتفوق والتميز، وليستْ فكرًا سلبيًّا يدفع إلى الاكتئاب وتركِ العمل، والتخلِّي عن تحقيق الحلم؛ كما سيَظهر لك من الأحاديث الشريفة الواردةِ؛ فبعضُ الصحابة لما سَمِعوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم يذكر أن كل شيء بقدَرٍ ظنُّوا أن هذا يَعني ترك العمل، فأبطل ذلك الظنَّ كما في الصحيحين عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة، فأخذ شيئًا فجعل ينكت به الأرض، فقال: ((ما مِنكم من أحدٍ إلا وقد كُتِب مَقعَدُه من النار، ومقعده من الجنَّة))، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتَّكِل على كِتابنا، وندَعُ العمل؟ قال: ((اعمَلوا؛ فكلٌّ ميسَّر لِما خُلق له، أمَّا مَن كان من أهل السعادة فيُيسَّر لعملِ أهل السعادة، وأما مَن كان من أهل الشقاء فيُيسَّر لعمل أهل الشقاوة))، ثم قرأ: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ [الليل: 5، 6] الآية.


وروى مسلمٌ عن جابر، قال: جاء سُراقة بن مالكِ بن جُعْشُمٍ قال: يا رسول الله، بيِّن لنا دينَنا كأنَّا خُلِقنا الآن، فيما العملُ اليوم؟ أفيما جفَّت به الأقلام، وجرَت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: ((لا، بل فيما جفَّت به الأقلامُ وجرَت به المقادير))، قال: ففيم العمل؟ قال زهيرٌ: ثم تكلَّم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألتُ: ما قال؟ فقال: ((اعمَلوا؛ فكلٌّ مُيسَّر))، وزاد ابن حبَّان في "صحيحه": قال سُراقة: "فلا أكون أبدًا أشدَّ اجتهادًا في العمل منِّي الآن".


ففي هذه الأحاديث إثباتُ الأسباب، وأن العبد ميسَّر للأسباب الموصِّلة له إلى ما خُلق له، فانتظم الشرع والقدَر، والسبَب والمسبب، وتأمل ما رواه أصحاب السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أرأيتَ أدويةً نتَداوى بها، ورُقًى نَسترقي بها، وتُقاةً نتَّقي بها، هل تردُّ من قدَر الله شيئًا؟ فقال: ((هي مِن قدَر الله))، وانظر كيف فَهِم الصحابةُ ذلك، وتأمَّل قولَ عُمر لأبي عبيدة رضي الله عنهما، وقد قال أبو عبيدة لعمر: أتَفِرُّ من قدَر الله؟ - يَعني: مِن الطاعون - قال: "أفِرُّ مِن قدَر الله إلى قدَر الله".


وروى أحمدُ والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا يَردُّ القدَرَ إلا الدعاءُ، ولا يَزيد في العمر إلا البِر، وإن العبد ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه))، وأيضًا حثَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على تجويد العمل، وأن نُقارب السداد الصواب، فإن عجزنا قارَبْنا؛ كما في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((سدِّدوا وقاربوا)).


قال الإمام ابن القيم في كتابه "التبيان في أقسام القرآن" (ص: 65): "وهذا الذي أرشد إليه النبيُّ - أي: من العمل - هو الذي فطَر الله عليه عبادَه، بل الحيوان البهيم، بل مصالح الدنيا وعمارتها بذلك، فلو قال كلُّ أحد: إن قُدِّر لي كذا وكذا فلا بد أن أناله، وإن لم يقدَّر فلا سبيل إلى نَيله، فلا أسعى ولا أتحرك - لعُدَّ من السفهاء الجهَّال، ولم يُمكِنه طردُ ذلك أبدًا، وإن أتى به في أمر معيَّن، فهل يمكنه أن يَطْرد ذلك في مصالحه جميعِها من طعامه وشرابه ولباسه، ومسكنه وهروبه، مما يضاد بقاءه، وينافي مصالحه، أم يجد نفسه غير منفكَّة ألبتَّة عن قول النبي: ((اعملوا؛ فكلٌّ ميسَّر لما خُلق له))؟!


فإذا كان هذا في مَصالح الدنيا وأسباب منافعها، فما الموجِبُ لتعطيله في مصالح الآخرة وأسبابِ السعادة والفلاح فيها، وربُّ الدنيا والآخرةِ واحدٌ، فكيف يُعطَّل ذلك في شرع الربِّ وأمرِه ونهيه، ويُستعمَل في إرادة العبد وأغراضه؟! ولو اتَّكل العبدُ على القدَر ولم يعمَل لتعَطَّلَت الشرائع، وتعطلت مصالح العالم، وفسد أمرُ الدنيا والدين، وإنما يَستروِح إلى ذلك مُعطِّلو الشرائع، ومَن خلع رِبقة الأوامر والنواهي من عُنقه، وذلك ميراثٌ من إخوانهم المشركين الذين دفَعوا أمر الله ونهيَه، وعارضوا شرعه بقضائه وقدَرِه؛ كما حكى الله سبحانه ذلك عنهم في غير موضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الأنعام: 148، 149]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [النحل: 35].


وقال في "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" (3/ 459 - 461): "فليس إسقاط الأسباب من التوحيد؛ بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في مَنازلها التي أنزلها الله فيها هو محضُ التوحيد والعبوديَّة، والقول بإسقاط الأسباب هو توحيدُ القدَريَّة الجَبْريَّة، أتباعِ جَهْم بن صفوان في الجَبر؛ فإنه كان غاليًا فيه، وعندهم أنَّ الله لم يَخلُق شيئًا بسبب، ولا جعَل في الأسباب قوًى وطبائعَ تؤثِّر... وطَرْدُ هذا المذهب مُفسِدٌ للدنيا والدين، بل ولسائر أديان الرسل؛ ولهذا لمَّا طرَده قومٌ أسقطوا الأسباب الدنيوية وعطَّلوها، وجعلوا وجودها كعدَمِها، ولم يُمكِنهم ذلك؛ فإنَّهم لا بدَّ أن يأكلوا ويَشربوا، ويُباشروا من الأسباب ما يَدفع عنهم الحرَّ والبرد والألم.


فإن قيل لهم: هلَّا أسقطتُم ذلك؟ قالوا: لأجل الاقتران العادي.


فإن قيل لهم: هلا قُمتم بما أسقَطتُموه من الأسباب لأجل الاقتران العاديِّ أيضًا؟! فهذا المذهب قد فطَر الله سبحانه الحيوانَ - ناطِقَه وأعجمَه - على خلافه.


وقومٌ طرَدوه، فتركوا له الأسباب الأخرويَّة، وقالوا: سبَق العلمُ والحُكم بالسعادة والشقاوة لا يتغيَّر البتة، فسواءٌ علينا الفعل والتَّرك، فإن سبَق العلم والحُكم بالشقاوة فنحن أشقياء، عَمِلنا أو لم نعمَل، وإن سبَق بالسعادة فنحن سُعداء، عَمِلنا أو لم نَعمل.


ومنهم مَن يترك الدعاء جملة؛ بِناءً على هذا الأصل، ويقول: المدعوُّ به إن سبق العلم والحُكم بحصوله حصَل، دعَونا أو لم ندعُ، وإن سبق بعدم حصوله لم يحصل وإن دعَونا.


قال شيخنا: (وهذا الأصل الفاسد مخالفٌ للكتاب والسنَّة وإجماعِ السلف وأئمة الدين)، بل ومخالفٌ لصريح العقل والحسِّ والمشاهَدة".


وقد قال الله تعالى في السحاب: ﴿ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ [الأعراف: 57]، وقال تعالى: ﴿ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [البقرة: 164]، وقال تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾ [المائدة: 16]، وقال تعالى: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 32]، و﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 39]، وقال: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [آل عمران: 182].


والقرآن مملوء بالآيات التي تُفيد ترتيب الأحكام الكونية والشرعية، والثواب والعقاب، على الأسباب؛ بطرقٍ متنوعة، فيأتي بباء السببيَّة تارة، وباللام تارة، وبـ"أن" تارة، وبـ"كي" تارة، ويَذكر الوصف المقتضي تارة، ويذكر صريح التعليل تارة؛ كقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ فعلوا كذا، و﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا ﴾ كذا، ويَذكر الجزاء تارة؛ كقوله: ﴿ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة: 29]، وقوله: ﴿ وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: 85]، وقوله: ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ [سبأ: 17]، ويذكر المقتضيَ للحكم والمانعَ منه؛ كقوله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾ [الإسراء: 59]، وبالجملة: فالقرآن - من أوَّلِه إلى آخره - يُبطِل هذا المذهب ويردُّه، كما تُبطله العقول والفِطَر والحس.


وقد قال بعضُ أهل العلم: "الالتفات إلى الأسباب شِركٌ في التوحيد، ومحوُ الأسباب - أن تكون أسبابًا - تغييرٌ في وجه العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع، والتوكل معنًى يَلتئِم من معنى التوحيد والعقل والشرع".


ولولا أن المقام لا يَحتمل أكثر مِن هذا لنَقلتُ لك كثيرًا من النصوص الشرعية ونُقولِ الأئمة، وفيما ذكَرتُه لك كفاية لنقضِ الفهم الخاطئ، فاسْعَ لتحقيق حلمك بجِدٍّ ومثابرة.


وراجع الباب السابع في أنَّ سبقَ المقادير بالشقاوة والسعادة لا يَقْضي تَرْك الأعمال، بل يقضي الاجتهادَ والحرص، مِن كتاب: "شفاء العليل، في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" (ص 24).


وفَّقك الله لكلِّ خير، وقدَّر لك الخير حيث كان


http://www.alukah.net/fatawa_counsel...#ixzz4NMulQPnY