السؤال


ملخص السؤال:
شابٌّ كان يسرق بعضَ الأشياء وهو صغير، وندم وتاب مما فعَل، ويريد التوبة ورَدَّ الحقوق إلى أصحابها.

تفاصيل السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شابٌّ عمري 17 عامًا، عندما كنتُ صغيرًا حرضني بعض أصدقاء السوء على السرقة، فسرقتُ معهم بعضَ الأشياء، وبسبب الحرب في بلدي اضطررتُ للخروج منها.


والآن كبرتُ وندمتُ على كل ما فعلتُ، وضميري يؤنبني، وقررتُ أن أتوب عما فعلتُ، إلا أنني علمتُ بعد بحث أنه يجب عليَّ رد ما سرقتُه، فحصلت على رقم صاحب العينات المسروقة، واعتذرتُ له ووعدته أنني عند العودة إلى بلدي سأرد له ما سرقته.


فوجئتُ بأنه يقول: قد سامحتك، وطلب مني أن أتبرع لأي شخص فقير بقيمة الأشياء المسروقة.


أما صاحب الأشياء المسروقة في المرة الثانية، فلا أعرفه ولا أعرف رقم هاتفه، لكن سأجتَهِد في البحث عنه، حتى أَرُدَّ له قيمة المَسروقات.


فهل بذلك ستُقبَل توبتي، وأكون بذلك قد رددتُ الحُقوق لأصحابها؟


الجواب


الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:
فهنيئًا لك ما تشعُر به أيها الابن العزيز مِن نَدَمٍ على ما كان منك، قبل أن يَجريَ عليك قلمُ التكليف، ولتعمل كلَّ ما مِن شأنه المحافظة على سلامة قلبك، وثباته على الحق؛ بدوام المراقبة لله، والافتقار له، والغنى به عمَّن سواه، وأداء ما يجب عليك مِن تكاليف شرعية، والانتهاء عمَّا نَهى اللهُ تعالى عنه.


وأُنَبِّهك أيها الابنُ العزيز لأمرٍ قد يخفى على كثيرين، وهو: أنَّ تذكُّر الذنب وإن كان يَحسُن أحيانًا على سبيل إحداث التوبة والندم، وشكر نعمة الله تعالى على نِعَمِه العظيمة مِن التوفيق للطاعة، والتوبة، والابتعاد عن وحشة المعصية، وحرمان الرِّزق... إلى غير ذلك من العواقب الحميدة لتذكُّر الذنب، ولا سيما إنْ صَحِبها انكسارُ النفس لله تعالى، مما يَدفع للندَم والاستغفار، والإكثار مِن العمل الصالح، والمقارنة بين الحالين؛ أعني: حال حلاوة ترْك المعصية، وحال المعصية.


غير أنَّ تجاوُز الأمر عن ذلك الحد السابق ذِكره إلى استعظام الذنب أن يَغفره الله أو التفات القلب للمعصية، والحنين للذنب، فهنا يجب نسيان الذنب، أو تكلف نسيانه؛ حتى يُنْزَع مِن القلب، وذلك بقَطْع الاسترسال مع الخَطَرات التي هي سببُ البلاء.


وتأمَّلْ رعاك الله هذا الكلام الرائع لشيخ الإسلام ابن تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (16/ 58): "فالتوبةُ النَّصوح هي الخالصةُ مِن كلِّ غشٍّ، وإذا كانتْ كذلك كائنةً فإنَّ العبد إنما يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه، فمَن خرَج مِن قلبه الشبهةُ والشهوة، لم يَعُد إلى الذنب، فهذه التوبةُ النَّصوح، وهي واجبةٌ بما أَمَرَ الله تعالى؛ ولو تاب العبد ثُم عاد إلى الذنب قَبِلَ اللهُ توبتَه الأولى، ثم إذا عاد استَحقَّ العقوبة، فإنْ تابَ تابَ الله عليه أيضًا". ا. هـ.


هذا؛ والسرقةُ وإن كانتْ كبيرةً مِن الكبائر لقوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [المائدة: 38]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن اللهُ السارقَ؛ يسرق البيضة فتُقطَع يده، ويسرق الحَبْل فتُقطَع يده))؛ (متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه) - إلا أنها وقعتْ منك قبل بلوغك سن التكليف، وجَرَيان قلم المؤاخذة عليك، والإثم كان مرتفعًا عنك، فقد ثبت عند أبي داود والنَّسائي عن عائشة رضي الله عنها، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المُبتلَى حتى يَبرَأ، وعن الصبيِّ حتى يكبر))، وفي رواية: ((يبلُغ)).


وقال علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وقد أُتِيَ بمجنونة قد زَنَتْ، وهي حُبلَى من الزِّنا، فأراد أن يَرجمها: "ألم تعلم أن القلم رُفِعَ عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يُدرِك، وعن النائم حتى يستيقظ؟"؛ عَلَّقه البخاري، ورواه أبو داود، وصحَّحه الألباني.


ولا يعني هذا: أنك لا تضمن ما أخذته بغير حقٍّ، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((على اليد ما أخذَتْ حتى تُؤدِّيَه))؛ رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح.


إذا تقرَّر هذا فالواجبُ عليك أيها الابنُ الكريم ردُّ المال الذي أخذتَه مِن تلك الأماكن، إنْ تمكَّنْتَ مِن الوصول لأصحابه أو تستحِلُّهم؛ فشرطُ التكليف هو الاستطاعة، وما عَجَزت عن أدائه لأصحابه فتَصدَّق به عنهم، وضَعِ المالَ في مصالح المسلمين؛ فقد روى البخاريُّ في صحيحه عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن كانتْ عنده مَظلمة لأخيه فليتحلَّلْه منها؛ فإنه ليس ثَم دينار ولا درهم، مِن قبل أن يُؤخَذ لأخيه مِن حسناته، فإنْ لم يكن له حسنات أُخِذ من سيئات أخيه، فطُرِحت عليه)).


واللهَ أسأل أن يثبتنا وإياك على الحق، وأن يرفع عن المسلمين البلاء والدمار

وأن يردكم لبلادكم سالمين غير مغيِّرين ولا مُبدِّلين


http://www.alukah.net/fatawa_counsel...#ixzz4NLF1h2jW