دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين.
صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 82
1اعجابات

الموضوع: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين.




    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
    أما بعد...
    فهذه دروس ميسرة في شرح متن لب الأصول للإمام زكريا الأنصاري رحمه الله كتبتها لمن درس شرح الورقات وأخذ معه جملة من المقدمات في العلوم الشرعية على ما بينته في هذا الرابط:
    إلى طلاب العلم مجموعة كتب المرحلة الأولى أول الطريق للوصول إلى العالمية.

    ثم إني بقيت مدة متحيرا كيف أشرح هذا الكتاب فرأيت أولا أن أسير فيه منهج أهل التدقيق فأخذت أكتب عند قوله المقدمات هل هي بكسر الدال أو بفتحها وهل هي مقدمة علم أو مقدمة كتاب وما الفرق بينهما وما النسبة المنطقية بين الاثنين، ثم شرعت في بيان موضوع علم الأصول فجرني هذا إلى بيان قولهم موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية فأخذت أبين الأعراض الذاتية والأعراض الغريبة وما يرد على هذا القول من إشكال، ثم أردت أن أقارن بين لب الأصول والأصل الذي أخذ منه أعني جمع الجوامع ولماذا عدل صاحب اللب عن عبارة الأصل وغير ذلك فرأيت أن الكلام سيطول جدا وسيعسر على الطالب فاستقر ذهني على أن أخفف المباحث وأقتصر على إفهام الطالب متن اللب فإن لتلك المباحث مرحلة أخرى.
    وإني أنصح القارئ أن يقرأ ما كتبته في شرحي على الورقات قبل أو بعد أن يقرأ الدرس وسأقتطع من الشرح مقدار ما يتعلق بالدرس المكتوب فقط.

    http://www.feqhweb.com/vb/showthread...ll=1#post77869


    الدرس الأول- المقدمات

    تعريف أصول الفقه والفقه


    أصولُ الفقهِ: أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ، وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها، وحالُ المستفيدِ.
    والفقه: علمٌ بحكمٍ شرعِيٍّ عمليٍّ مُكْتَسَبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.
    " أدلة الفقه الإجمالية " اعلم أن أدلة الفقه نوعان: نوع مفصّل معين وهو المتعلق بمسألة معينة نحو ( وأَقيموا الصلاةَ ) فإنه أمر بالصلاة دون غيرها، ونحو ( ولا تقربوا الزنا ) فإنه نهي عن الزنا دون غيره.
    ودليل إجمالي غير معين وهي القواعد الأصولية نحو: ( الأمر للوجوب )، و( النهي للتحريم )، و( القياس حجة معتبرة ).
    فالإجمالية: قيد احترزنا به عن أدلة الفقه التفصيلية التي تذكر في كتب الفقه فإنها ليست من أصول الفقه.
    والاستدلال بالقواعد الأصولية يكون بجعلها مقدمة كبرى، والدليل التفصيلي مقدمة صغرى فنقول في الاستدلال على وجوب التيمم:
    فتيمموا في قوله تعالى فإن لم تجدوا ماء فتيمموا أمرٌ- والأمرُ للوجوب= فتيمموا للوجوب أي أن التيمم واجب وهو المطلوب.
    فالعلم بوجوب التيمم الذي هو فقه مستفاد من دليل تفصيلي هو ( فتيمموا ) بواسطة دليل إجمالي هو الأمر للوجوب.
    وقولنا: " وطرق استفادةِ جُزئياتِها " أي جزئيات أدلة الفقه الإجمالية، وهي أدلة الفقه المفصلة؛ فإن قاعدة الأمر للوجوب مثلا دليل إجمالي له جزئيات كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فيبحث علم الأصول عن الأدلة الإجمالية، وعن طرق استفادة المسائل الفقهية من الأدلة التفصيلية وذلك بمبحث التعارض والترجيح حيث يبين فيه كيفية رفع التعارض الظاهري بين الأدلة التفصيلية، فالمقصود بالطرق هي المرجحات الآتي بيانها إن شاء الله كقاعدة تقديم الخاص على العام التي يرفع بها التعارض بين العام والخاص.
    وقولنا: " وحال المستفيد " أي وصفات المستفيد للأحكام من أدلة الفقه التفصيلية وهو المجتهد فيبين في الأصول ما يشترط في الشخص كي يكون مجتهدا ككونه عالما بالكتاب والسنة ولغة العرب وأصول الفقه.
    والخلاصة هي أن علم أصول الفقه يبين فيه ما يلي:
    1- القواعد العامة لاستنباط الفقه كقواعد الأمر والنهي.
    2- القواعد التي ترفع التعارض بين النصوص.
    3- صفات المجتهد أي الشروط اللازمة للاجتهاد.
    فهذه الثلاثة مجتمعة هي أصول الفقه.
    وأما الفقه فهو: علمٌ بحكمٍ شرعِيٍّ عمليٍّ مُكْتَسَبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.
    مثل: النية في الوضوء واجبةٌ، فمن صدّق وحكم بهذه النسبة أي ثبوت الوجوب للنية في الوضوء مستنبطا هذا الحكم من النصوص الشرعية كقوله عليه الصلاة والسلام: ( إنما الأعمال بالنيات ) رواه البخاري ومسلم فقد فقه تلك المسألة.
    فقولنا: " علم " أي تصديق.
    وقولنا: " حكم شرعي " احترزنا به عن غير الحكم الشرعي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن النار محرقة، وأن الفاعل مرفوع، فالعلم بها لا يسمى فقها.
    وقولنا: " عملي " كالعلم بوجوب النية في الوضوء، وندب الوتر، احترزنا به عن الحكم الشرعي غير المتعلق بعمل كالإيمان بالله ورسوله فليس من الفقه إصطلاحا.
    وقولنا " مُكتسَبٌ " بالرفع صفة للعلم وهو العلم النظري، احترزنا به عن العلم غير المكتسب كعلم الله سبحانه وتعالى بالأحكام الشرعية العملية فإنه لا يسمى فقها لأن علم الله أزلي وليس بنظري مكتسب.
    وقولنا: " من دليلٍ تفصيليٍّ " احترزنا به عن علم المقلد، فإن علمه بوجوب النية في الوضوء مثلا لا يسمى فقها لأنه أخذه عن تقليد لإمام لا عن دليل تفصيلي.

    ( شرح النص )


    قال الإمام أَبو يحيى زكريا بنُ محمدِ بنِ أحمدَ الأنصاريُّ الشافعيُّ رحمه الله تعالى ( ت 926 هـ ):

    بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ


    الحمدُ للهِ الذي وَفَّقَنا للوصولِ إلى معرفةِ الأصولِ، وَيسَّرَ لنا سُلوكَ مناهِجَ بقوَّةٍ أَودَعَها في العقولِ، والصلاةُ السلامُ على محمَّدٍ وآلهِ وصحبهِ الفائزينَ مِنَ اللهِ بالقَبولِ .
    وبعدُ فهذا مُختصرٌ في الأَصلينِ وما معَهُما اختصرتُ فيهِ جمعَ الجوامعِ للعلَّامةِ التَّاجِ السُّبْكِيِّ رحِمَهُ اللهُ، وأَبدلْتُ مِنْهُ غيرَ المعتمدِ والواضحِ بهما معَ زياداتٍ حَسَنَةٍ، ونبَّهْتُ على خلافِ المعتزلةِ بعندِنا، وغيرِهمْ بالأصحِّ غالبًا.
    وسمَّيْتُهُ لُبَّ الأصولِ راجيًا مِنَ اللهِ القَبولِ، وأَسألُهُ النَّفعَ بهِ فإنَّهُ خيرُ مأمولٍ.
    وينحصرُ مقْصُودُهُ في مقدِّمَاتٍ وسبعِ كُتُبٍ.

    ......................... ......................... ......................... ......................... ...................
    ( بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ) الباء في البسملة للمصاحبة لقصد التبرك أي أؤلف مع اسم الله الرحمن الرحيم متبركا باسمه العظيم، والله: علم على المعبود بحق، والرحمن والرحيم صفتان مشبهتان من رحم، والرحمن أبلغ من الرحيم لأنه يزيد عليه بحرف وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولذلك قالوا: الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، وأما الرحيم فهو خاص بالمؤمنين يوم القيامة.
    ( الحمدُ للهِ ) الحمد هو: وصف المحمود بالكمال حبا له وتعظيما ( الذي وَفَّقَنا ) التوفيق هو: جعل الله فعلَ عبده موافقا لما يحبه ويرضاه ( للوصولِ إلى معرفةِ الأصولِ ) أي أصول الفقه، وفي هذا التعبير براعة استهلال وهو أن يستفتح المتكلم كلامه بألفاظ تدل على مقصوده وهنا ذكر المصنف كلمة الأصول ليشير إلى أن كتابه هذا في علم الأصول.
    ( وَيسَّرَ ) أي سهّل ( لنا سُلوكَ ) أي دخول ( مناهجَ ) جمع منْهَج و هو: الطريق الواضح، أي سهل الله لنا سلوك طرق واضحة في العلوم ( بـ ) سبب ( قوَّةٍ ) للفهم ( أَودَعها ) اللهُ سبحانه وتعالى ( في العقولِ ) يخص بها من شاء من عباده.
    ( والصلاةُ السلامُ على محمَّدٍ ) الصلاة من الله هو ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، ومن الملائكة والخلق هو طلب ذلك الثناء من الله تعالى، والسلام أي التسليم من كل النقائص، ومحمد اسم نبينا عليه الصلاة والسلام سمّي به بإلهام من الله تعالى لأنه يكثر حمد الخلق له لكثرة صفاته الجميلة ( وآلهِ ) هم مؤمنو بني هاشِم وبني المطَّلِب ( وصحبهِ ) أي أصحابه والصحابي من اجتمع مؤمنا بنبينا صلى الله عليه وسلم ( الفائزينَ ) أي الظافرينَ ( مِنَ اللهِ بالقَبولِ ) والرضا.
    ( وبعدُ ) أي بعد ما تقدم من البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على من ذكر ( فهذا ) المُؤَلَّفُ ( مُختصرٌ ) وهو ما قل لفظه وكثر معناه ( في الأَصلينِ ) أي أصول الفقه وأصول الدين ( وما معَهُما ) أي مع الأصلين من المقدمات والخاتمة التي ذكر فيها نبذة في السلوك والتصوّف ( اختصرتُ فيهِ ) أي في هذا المختصر ( جمعَ الجوامعِ للعلَّامةِ ) عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي الملقّب بـ ( التَّاجِ ) أي تاج الدين ( السُّبْكِيِّ ) نسبة إلى سُبْكٍ وهي قرية من قرى محافظة المنوفية بمصر المتوفي عام 771 هـ ( رحِمَهُ اللهُ ) وغفر له ( وأَبدلْتُ ) معطوف على اختصرتُ ( مِنْهُ ) أي من جمع الجوامع ( غيرَ المعتمدِ ) من المسائل ( و ) غير ( الواضحِ ) من الألفاظ ( بهما ) أي بالمعتمد والواضح ( معَ زياداتٍ حسنةٍ ) أضافها على جمع الجوامع.
    ( ونبَّهْتُ على خلافِ المعتزلةِ بـ ) قوله ( عندِنا ) أي عند الأشاعرة فحيث قال: عندنا فيعرف أن المعتزلة- ولو مع غيرهم- قد خالفوا الأشاعرة في هذه المسألة.
    ( و ) نبهَّتُ على خلاف ( غيرِهمْ ) أي غير المعتزلة كالحنفية والمالكية وبعض أصحابنا الشافعية ( بالأصحِّ ) فحيث قال: الأصح كذا فيعرف وجود خلاف في المسألة لغير المعتزلة ( غالبًا ) أي هذا بحسب غالب استعماله للتعبير بعندنا وبالأصح وقد ينبه على الخلاف بقوله: والمختار كذا.
    ( وسمَّيْتُهُ ) أي هذا المختصر ( لُبَّ الأصولِ ) واللب خالص كل شيء فمن أراد لبَّ هذا العلم فعليه بهذا الكتاب ( راجيًا ) أي مؤملا ( مِنَ اللهِ القَبولِ ) أي أن يتقبله عنده ولا يرده على صاحبه ( وأَسألُهُ النَّفعَ بهِ ) أي بلب الأصول لمؤلفه وقارئه ومستمعه وسائر المؤمنين (فإنَّهُ خيرُ مأمولٍ ) أي مرجو.
    ( وينحصرُ مقْصُودُهُ ) أي مقصود لب الأصول ( في مقدِّمَاتٍ ) أي أمور متقدمة على الكتب السبعة تعرض فيها لتعريف علم الأصول وبيان الحكم الشرعي وأقسامه وغير ذلك ( وسبعِ كُتُبٍ ) الكتاب الأول في القرآن، والثاني في السنة، والثالث في الإجماع، والرابع في القياس، والخامس في الاستدلال بغير ذلك من الأدلة كالاستصحاب وبيان الأدلة المختلف فيها، والسادس في التعارض والترجيح، والسابع في الاجتهاد وما يتبعه من التقليد وأدب الفتيا، وما ضم إليه من مسائل علم الكلام وخاتمة التصوف، فهذا هو محتوى هذا الكتاب.

    الُمقَدِّمَات


    أصولُ الفقهِ: أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ، وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها، وحالُ مُسْتَفِيدِها. وقِيلَ مَعْرِفَتُها.
    والفِقْهُ: علمٌ بحكمٍ شرعيٍ عمليٍ مكتسبٌ من دليلٍ تفصيليٍّ.

    ......................... ......................... ......................... ......................... ...................
    هذا مبحث ( المقدِّمات ) وهي أمور متقدِّمة على المقصود ينتفع بها الطالب قبل أن يدخل في مباحث العلم، ابتدأها بتعريف العلم كي يتصوره الطالب تصورا إجماليا قبل أن يدخل فيه فقال: ( أصولُ الفقهِ ) أي هذا الفن المسمى بهذا الاسم هو ( أَدِلَّةُ الفقهِ الإجماليةُ ) أي غير المعينة كالأمر للوجوب والنهي للتحريم ( وطرقُ استفادةِ جُزئياتِها ) أي جزئيات أدلة الفقه الإجمالية التي هي أدلة الفقه التفصيلية كأقيموا الصلاة، والمراد بالطرق المرجحات عند التعارض الآتي بيانها في الكتاب السادس ( وحالُ مُسْتَفِيدِها ) أي صفات مستفيد جزئيات أدلة الفقه الإجمالية وهو المجتهد.
    ( وقِيلَ ) إن أصول الفقه ( مَعْرِفَتُها ) أي معرفة أدلة الفقه الإحمالية وطرق استفادةِ جزئياتها وحال مستفيدها، فبعض العلماء اختار في تعريف أصول الفقه التعبير بأدلة الفقه الإجمالية.. وبعضهم اختار التعبير بمعرفة أدلة الفقه الإجمالية... أي إدراك تلك الأدلة، والفرق بين التعريفين هو أنه على التعريف الأول يكون أصول الفقه نفس الأدلة، عُرفت أم لم تعرف، وعلى التعريف الثاني يكون أصول الفقه المعرفة القائمة بعقل الأصولي، والمصنف أشار بقيل إلى أن التعريف الأول أولى، لأنه أقرب إلى المدلول اللغوي فإن الأصول في اللغة جمع أصل وهو ما يبنى عليه غيره كالدليل فإنه أصل للحكم، والأمر في ذلك هين فإن العلوم المدونة تارة تطلق ويراد بها القواعد وتارة تطلق ويراد بها معرفة تلك القواعد، كالنحو فتارة يراد به الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب ونحو ذلك وتارة يراد به معرفة تلك القواعد.
    ( والفِقْهُ: علمٌ ) أي تصديق ( بحكمٍ شرعيٍ ) أي مأخوذ من الشرع المبعوث به النبي صلى الله عليه وسلم ( عمليٍ ) قيد لإخراج الأحكام الشرعية الاعتقادية كالإيمان بالله واليوم الآخر ( مكتسبٌ ) هو بالرفع صفة للعلم لإخراج العلم غير المكتسب كعلم الله الأزلي ( من دليلٍ تفصيليٍّ ) للحكم قيد لإخراج علم المقلِّد.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    http://www.feqhweb.com/vb/showthread...ll=1#post77891

    الدرس الثاني- تابع المقدمات

    تعريف الحكم الشرعي



    الحكمُ الشرعيُّ: خطابُ اللهِ المتَعَلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ اقتضاءً أو تخييرًا أو بأعمَّ منه وضعًا.
    فقولنا: " خطابُ اللهِ " هو كلامه سبحانه وتعالى.
    وقولنا: " المتَعَلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ " أي المرتبط بفعل البالغ العاقل على وجه البيان لحاله هل يطلب فعله أو يطلب تركه أو يخير فيه، فلا يكلف صبي أومجنون.
    وقولنا: " اقتضاءً " أي طلبا للفعل وجوبا أو ندبا، أو طلبا للترك حرمة أو كراهة.
    وقولنا: " أو تخييرًا " أي بين الفعل والترك وهو الإباحة.
    مثال ذلك: قوله تعالى: ( وأقيموا الصلاةَ ) فهو خطاب من الله تعالى متعلق بفعل المكلف إيجابا للصلاة عليه.
    مثال آخر: قوله تعالى: ( وكلوا واشربوا ) فهو خطاب من الله تعالى متعلق بفعل المكلف إباحًة له للأكل والشرب.
    وقولنا: " أو بأعمَّ منه " أي بأعم من أن يكون متعلقا بفعل المكلف أو بغير فعله.
    وقولنا: " وضعًا " أي جعلا لشيء علامة على الحكم التكليفي.
    مثال ذلك: قوله تعالى: ( أقم الصلاةَ لدلوكِ الشمسِ ) فهو خطاب من الله تعالى متعلق بغير فعل المكلف وهو زوال الشمس عن وسط السماء عند الظهيرة من حيث جعله علامة على حكم شرعي وهو وجوب صلاة الظهر.
    فالحكم الشرعي له قسمان:
    أولا: الحكم التكليفي وهو : خطابُ الله المتعلقُ بفعلِ المكلَّفِ اقتضاءً أو تخييرًا.
    وله خمسة أنواع: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
    ثانيا: الحكم الوضعي وهو : خطابُ الله الوارد بجعل شيء سببا أو شرطا أو مانعا أو صحيحا أو فاسدا.
    وله خمسة أنواع: السبب، والشرط، والمانع، والصحيح، والفاسد.
    ويدخل في خطاب الله السنة النبوية لأن السنة مبينة للقرآن ومفصلة له، وكذا سائر الأدلة كالإجماع والقياس لأنها تكشف عن خطاب الله وليست منشئة للحكم قال تعالى: ( إن الحكم إلا لله ).

    الكلام النفسي واللفظي


    ذهب المتكلمون من الأشاعرة إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يتكلم بكلام لفظي صوتي مسموع بل هو متكلم بكلام نفسي توضيحه:
    إن كل متكلم يرتّب الكلام في نفسه قبل أن ينطق به، فذلك الكلام اللفظي المسموع يكشف عن وجود مثله في النفس فالذي في النفس كلام نفسي والذي في الخارج كلام لفظي.
    مثال: إذا أراد شخص أن يطلب ماء من شخص آخر فقبل أن يحرك لسانه قد قام بنفسه هذا المعنى فذلك المعنى النفسي الذي لا تختلف به اللغات هو الكلام النفسي.
    والله سبحانه تكلم بالقرآن والإنجيل والتوراة والزبور وصحف إبراهيم وموسى بكلام نفسي معنوي لا لفظي مسموع فكل تلك الألفاظ التي تتلى معانيها قائمة بنفسه سبحانه منذ الأزل قبل أن يخلق الخلق ويبعث الرسل.
    فخطاب الله المتعلق بفعل المكلفين هو كلامه النفسي الأزلي، والقرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المعتبرة تكشف عن ذلك الخطاب الأزلي وتدل عليه لا أنها نفسه.
    فإن قيل فعلى هذا منذ الأزل قد قام في نفسه سبحانه معنى وأقيموا الصلاة ولا تقربوا الزنا أي خاطب الخلق ولا مخاطَب حينئذ فكيف يتم هذا؟
    قالوا: إن هذه الخطابات وغيرها متعلقة بالمكلف على نحوين:
    الأول: قبل وجوده ويسمى هذا بالتعلق الصلوحي بمعنى أن المخاطب إن وجد مستجمعا لشروط التكليف تعلق الخطاب به.
    الثاني: بعد وجوده ويسمى هذا بالتعلق التنجيزي، فالتعلق الأول قديم أزلي، والثاني حادث.
    هذا تقرير مذهبهم.
    وذهب المتكلمون من المعتزلة إلى نفي هذا الكلام النفسي وأنه سبحانه متكلم بمعنى أنه خلق هذه الأصوات في محل فهو سبحانه خلق صوتا سمعه جبريل وموسى عليهما السلام فبلغوه.
    وذهب أهل الحديث والسنة إلى أن الله متكلم بكلام لفظي مسموع وأن جبريل عليه السلام سمع كلام الله من الله فنزل به مبلغا رسله، قال تعالى: ( نزّله روحُ القدسِ من ربِّكَ ).
    وهذا هو الحق الذي تشهد به الأدلة وتفصيل ذلك في كتب العقائد.

    ( شرح النص )


    والحكمُ خطابُ اللهِ المتعلِّقُ بفعلِ المكلَّفِ اقتضاءً أو تخييرًا أو بأعمَّ وضعًا، وهو الواردُ سببًا و شرطًا ومانعًا وصحيحًا وفاسدًا.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ...................
    لما ذكر أن الفقه علم بحكم شرعي أراد أن يبين المقصود منه فقال: ( والحكمُ خطابُ اللهِ ) أي كلامه المباشر وهو القرآن أو ما يرجع إليه كالسنة والإجماع وسائر الأدلة المعتبرة (المتعلِّقُ بفعل المكلف ) أي المبين لحال فعل المكلف من حيث كونه مطلوب الفعل أو الترك أو مخييرًا فيه، وخرج بقوله المتعلق بفعل المكلف نحو قوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم فإنه خطاب الله تعالى لكن لم يتعلق بفعل المكلف ( اقتضاءً ) أي طلبا للفعل إيجابا وندبا أو طلبا للترك تحريما أو كراهة ( أو تخييرًا ) بين الفعل والترك وهي الإباحة، وخرج بقوله اقتضاءً أو تخييرًا نحو قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون فإنه وإن كان خطاب الله المتعلق بأعمال المكلفين إلا أنه ليس بالاقتضاء أو التخير فإنه لم يفهم منه طلب أو تخيير ( أو ) لم يتعلق بفعل المكلف بل ( بأعمَّ ) من فعل المكلف فقد يتعلق الخطاب الوضعي بفعله كقوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، فإن السرقة فعل المكلف، وقد لا يتعلق بفعله كقوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس، فإن دلوك الشمس أي زوالها عن وسط السماء ليس فعلًا للمكلف ( وضعًا ) أي جعلا للشيء سببا أو شرطا أو مانعا أو عده صحيحا أو فاسدًا ولذا قال ( وهو ) أي الوضع الخطاب ( الواردُ ) بكون الشيء ( سببًا و شرطًا ومانعًا وصحيحًا وفاسدًا ) وسيأتي بيانها إن شاء الله.




  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس الثالث- تابع المقدمات

    التحسين والتقبيح


    لا حكم إلا لله.
    إذا ثبتَ أن الحكم هو خطاب الله فالحكم لله وحده، وحيث لا حكم لله فلا حكم لغيره وهو الحاكم سبحانه دون ما سواه وهذا محل اتفاق بين المسلمين.
    ولكن حصل خلاف بين المسلمين فيما يلي:
    هل العقل يمكن أن يدرك حكم الله؟ بمعنى أنه قبل ورود الشريعة ومجيء الرسل هل يمكن للعقل أن يكتشف حكمه سبحانه بناء على ما في الأفعال من مصالح ومفاسد فمثلا كان هنالك خلق يشركون بالله ويسرقون ويكذبون فهل العقل يمكن أن يدرك أن الله ينهى عن الشرك به والسرقة والكذب والظلم ونحوها لأنها قبيحة، وأنه يأمر بالتوحيد والعدل والصدق ونحوها لأنها حسنة، أو أن العقل لا دور له في إدراك هذه الأمور لأنها موقوفة على بيان الشرع ؟
    1- قال المعتزلة: إن العقل يمكن له أن يدرك حكم الله فيمكن أن يعرف أنه هذا الفعل واجب عند الله وأن هذا الفعل محرم عند الله ويترتب عليه أنه من فعل الشرك مثلا استحق الذم في الدنيا عند الله والعقاب في الآخرة، ومن فعل التوحيد استحق المدح في الدنيا عند الله والثواب في الآخرة.
    2- وقال الأشعرية وأكثر الحنابلة: إن العقل لا يدرك حكم الله قبل مجيء الرسول ولا تعرف الواجبات ولا المحرمات إلا بواسطة الرسل فمن فعل الشرك لم يستحق الذم في الدنيا عند الله ولا العقاب في الآخرة، ومن فعل التوحيد لم يستحق المدح في الدنيا عند الله ولا الثواب في الآخرة لإنه لم يأته رسول.
    معاني الحسن والقبح


    1- يطلق الحسن ويراد به موافقة الطبع الإنساني، ويراد بالقبح منافرته، كالحلو فهو موافق للطبع، والمر فهو منافر للطبع، وكالفرح والحزن فالأول موافق للطباع والثاني منافر لها، فكل ما كان محبوبا للنفوس فهو موافق للطبع وما كان مبغوضا لها فهو منافر للطبع، فهذا المعنى من الحسن والقبح عقلي أي يدركه العقل لوحده من غير توقف على شريعة ورسول.
    2- يطلق الحسن ويراد به صفة الكمال، ويراد بالقبح صفة النقص، كالعلم فهو صفة كمال، وكالجهل فهو صفة نقص، وكالقدرة والحلم والكرم والشجاعة فهي صفات كمال، وكالعجز والطيش والبخل والجبن فهي صفات نقص، وهذا المعنى عقلي أيضا يدركة العقل مستقلا عن الشريعة.
    3- يطلق الحسن ويراد به ما استحق فاعله عند الله المدح في الدنيا والثواب في الآخرة، والقبح ما استحق فاعله عند الله الذم في الدنيا، والعقاب في الآخرة، وهذا هو محل الخلاف فذهب الأشاعرة وغيرهم إلى أنه شرعي لأنه أمر غيبي يتوقف على إخبار الرسول، وذهب المعتزلة وغيرهم إلى أنه عقلي يدرك بالعقل.

    شكر المنعم


    شكر المنعم سبحانه وتعالى بمعنى ثناء العبد على ربه على نعمه بلسانه، واعترافه بقلبه بنعمته وفضله عليه، وصرف جوارحه في القيام بما يحبه خالقه.
    ذهب المعتزلة إلى أن هذا الأمر واجب عقلي لأنه مبني على المسألة الأولى فإنه إذا ثبت أن شكر المنعم حسن فيجب على العبد أن يأتي به وإلا عرّض نفسه للذم والعقاب.
    وذهب الأشاعرة وغيرهم إلى أنه واجب شرعي لأنه مبني على المسألة الأولى فإن الواجب هو ما استحق فاعله المدح والثواب إن فعل والذم والعقاب إن لم يفعل، وكون الفعل يترتب عليه هذا هو أمر شرعي، فلا يجب على العباد شيئا من شكر أو غيره ولا يحرم عليهم شيء من شرك أو غيره إلا بعد مجيء الرسول، فحيث لا رسول لا واجب ولا محرم.
    ( شرح النص )


    فلا يُدْرَكُ حكمٌ إلا مِنَ اللهِ، وعندنا أَنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ بمعنى ترتّبِ الذمِّ حالا والعقابِ مآلًا شرعيّانِ، وأنَّ شُكرَ المنعِمِ واجبٌ بالشرعِ لا العقلِ، وأَنَّه لا حكمَ قبلَهُ بل الأمر موقوفٌ إلى ورودهِ.
    .............................. .............................. .............................. .............................
    إذا ثبت أن الحكم خطاب الله وحده ( فلا يُدركُ حكمٌ إلا من اللهِ ) وحيث لا خطاب لله فلا يدرك حكمه سبحانه ( وعندنا ) أي عند الأشاعرة ( أَنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ ) لشيء ( بمعنى ترتّبِ ) أي استحقاق المدح و ( الذمِّ حالا ) أي في الحياة الدنيا ( والعقابِ مآلًا ) في الآخرة وذلك كحسن الطاعة وقبح المعصية، ثم إن كان المقصود بالمدح والذم هو مدح العقلاء وذمهم لمن اتصف بالكمال والنقص فهذا لا ريب أن عقلي يدرك بالعقل والفطرة، وإن كان المقصود بهما هو المدح والذم عند الله فهذا أمر غيب ( شرعيّانِ ) أي الحسن والقبح بهذا المعنى شرعيان أي لا يحكم بهما إلا الشرع المبعوث به الرسل فلا يؤخذ إلا من الشرع ولا يعرف إلا من الشرع، أما عند المعتزلة فعقليان أي يحكم بهما العقل بمعنى أنه طريق إلى العلم بهما يمكن إدراكه من غير ورود سمع لما في الفعل من مصلحة أو مفسدة يتبعه حسنه أو قبحه عند الله ( و ) عندنا ( أنَّ شكرَ المنعمِ ) وهو صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خلق له فيستعمل سمعه ونظره وسائر حواسه فيما يحبه ويرضاه سبحانه ( واجبٌ بالشرعِ لا العقل ) وهذه المسألة فرع من ذلك الأصل وهو أن الحسن والقبح شرعيان ولا حكم قبل الشرع وعليه فمن لم تبلغه دعوة نبي لا يأثم بتركه خلافا للمعنزلة ( و ) عندنا ( أَنَّه لا حكمَ ) يخاطب به الخلق ( قبلَهُ ) أي قبل الشرع ببعثة أحد من الرسل عليهم السلام ( بل الأمرُ ) أي الشأن في ثبوت الحكم أنه ( موقوفٌ إلى ورودهِ ) أي ورود الشرع فحيث لا شرع لا حكم يعلم، وعند المعتزلة أن الأمر غير موقوف على وروده لأن العقل يستكشف حكم الله بما اشتمل عليه الفعل من مصلحة أو مفسدة.
    تنبيه: المختار أن فعل المشرك يوصف بأنه سَيِّءٌ وشر وقبيح قبل مجيء الرسول لكن العقوبة إنما تُستحق بمجيء الرسول، وأن من الأفعال ما ظهر حسنه فأمر الله به، ومنها ما ظهر قبحه فنهى الله عنه لما فيه من القبح قال تعالى: ( إِنَّ الله يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) وعلى هذا عامة السلف.


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس الرابع- تابع المقدمات

    الحكم التكليفي



    المكلّفُ هو: العاقلُ البالِغُ غيرُ الغافِلِ والمُلجَأِ.
    فاحترزنا بالعاقل عن المجنون.
    وبالبالغ عن الصبي.
    وبغير الغافل عن الغافل وهو : مَن لا يدري كالنائم والساهي.
    وبغير الملجأ عن الملجأ وهو : من يدري ولا مندوحة له عما ألجئ إليه، أي لا سعة ولا فسحة له.
    كمن أخذ وألقي من مكان عال على شخص سيقتل بوقوعه عليه، فهو يدري أنه سيقتل غيره ولكن لا مندوحة له فيكون غير مكلف لأنه لا إرادة له.
    وخرج بالملجأ المكره وهو : من يدري وله مندوحة بالصبر عما أكره عليه، كمن وضع سلاح خلف رأسه وأعطي سلاحا ليقتل غيره فإما أن يَقتل أو يُقتل، فهذا له إرادة وليس أمامه إلا الصبر، فهو مكلف؛ لأن الإكراه قد سلب رضاه لا اختياره.
    والأحكام التكليفية ستة: الإيجاب والندب والتحريم والكراهة وخلاف الأولى والإباحة.
    1- فالإيجاب هو: خطاب الله المقتضي طلب الفعل طلبا جازما، نحو قوله تعالى: وأقيموا الصلاة.
    2- والندب هو: خطاب الله المقتضي طلب الفعل طلبا غير جازم، نحو قوله عليه الصلاة والسلام: لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة. رواه البخاري ومسلم.
    3- والتحريم هو: خطاب الله المقتضي طلب الترك طلبا جازما، كقوله تعالى ولا تقربوا الزنا.
    4- والكراهة هو: خطاب الله المقتضي طلب الترك طلبا غير جازم بنهي مقصود، كقوله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلسْ حتى يصلي ركعتين. رواه الشيخان.
    5- وخلاف الأولى هو: خطاب الله المقتضي طلب الترك طلبا غير جازم بنهي غير مقصود.
    أي لم يأت نهي مخصوص عن الفعل وإنما يستفاد النهي من ترك الأوامر التي للندب.
    نحو قوله عليه الصلاة والسلام: صلوا قبل المغرب، رواه البخاري.
    فهو يفيد أن ترك الصلاة قبل المغرب خلاف الأولى، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فالأمر بالشيء الواجب نهي عن ضده المحرم، والأمر بالشيء المندوب نهي عن ضده الذي هو خلاف الأولى.
    ولو جاء نهي مخصوص غير جازم عن ترك الصلاة قبل المغرب لكره تركها.
    فاتضح أنه إذا ورد نهي مخصوص عن شيء نهيا غير جازم فهو مكروه، وإذا لم يرد نهي مخصوص ولكن ورد دليل ندب يحث على فعل الشيء فحينئذ يكون تركُه تركًا للأولى.
    6- والإباحة هي: خطاب الله المقتضي التخيير بين الفعل والترك، كقوله تعالى: ( وكلوا واشربوا ).

    ( مسائل )


    الأولى: الخطاب يتناول المعدوم، بمعنى أنه إن وجد مستجمعا لشروط التكليف تناوله الخطاب.
    فقوله تعالى: ( وأقيموا الصلاة ) يتناول من توجّه لهم الخطاب وهم الصحابة رضي الله عنهم وكل من جاء بعدهم، وكذا خطابات النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فكل تكليف وخطاب توجه للجيل الأول فهو يتناول بمقتضى اللفظ كل من جاء بعدهم.
    قال تعالى: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَظ°ذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) أي ومن بلغه القرآن في الأزمنة التالية.
    وهذا شائع حتى في العرف فقد يكتب الأب وهو على فراش الموت خطابا لابنه الذي لم يولد يوجهه ويرشده.
    الثانية: الواجب والفرض مترادفان أي أنهما لفظان يطلقان على معنى واحد.
    وقال الحنفية بالفرق بينهما وهو :
    الفرض: ما ثبت بدليل قطعي، كالقرآن والسنة المتواترة، مثل قراءة القرآن في الصلاة الثابتة بقوله تعالى: ( فاقرؤا ما تيسّر من القرآن )، وجاحد الفرض كافر مرتد.
    والواجب: ما ثبت بدليل ظني، كخبر الواحد والقياس، مثل قراءة الفاتحة في الصلاة الثابتة بحديث الصحيحين: ( لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب )، وجاحد الواجب فاسق.
    والخلاف لفظي أي عائد إلى اللفظ والتسمية لأن حاصله أن ما ثبت بدليل قطعي هل يسمى واجبا كما يسمى فرضا، وأن ما ثبت بدليل ظني هل يسمى فرضا كما يسمى واجبا؟ فعند الحنفية لا وعند الجمهور نعم.
    الثالثة: المندوب والمستحب والتطوع والسنة مترادفات.
    وقال القاضي حسين من الشافعية وغيره إنها ليست مترادفة بل الفعل إن واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو السنة، وإلا كأن فعله مرة أو مرتين فهو المستحب، أو لم يفعله وهو ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد فهو التطوع.
    والخلاف لفظي أيضًا لأن حاصله أن ما سمي بأحد هذه الأسماء هل يسمى بالآخر أو لا فما سمي بالسنة هل يسمى بالمستحب والتطوع أيضا ؟ قال الجمهور نعم وقال القاضي وغيره لا.
    الرابعة: لا يجب المندوب بالشروع فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم: الصائمُ المتطوّعُ أميرُ نفسِهِ إنْ شاءَ صامَ وإنْ شاءَ أفطرَ. رواه أحمد الترمذي وهو صحيح.
    مثال: من شرع في صلاة نافلة ثم عنّ له أن يقطعها فله ذلك ولا يلزمه القضاء.
    مثال: من صام يوما تطوعا لله ثم رأى أن يفطر فله ذلك بلا أثم ولا يلزمه قضاء يوم آخر.
    فإن قيل فالحج المندوب يجب إتمامه بالشروع فيه ؟
    قلنا: إن الحج مستثنى لأن ندبه كفرضه في النية وغيرها من الأحكام بخلاف الصلاة والصوم ونحوهما، فالفرق هو:
    1- نية النفل في الحج المندوب كنية الحج الواجب فينوي فيهما نية الدخول في الحج، بخلاف الصلاة والصوم فنية الفرض فيهما تختلف عن نية النفل، فالصلاة المفروضة كالظهر والعصر ينويهما إن أراد الفرض وينوي النفل كسنة راتبة أو الوتر إن أراد النفل.
    2- الكفارة على من فسد حجه بالوطء لا فرق بين حج مفروض أو متطوع فيه، بخلاف الصوم مثلا فإن من وطئ زوجته في رمضان فسد صيامه ولزمته الكفارة، ومن وطئها في صوم متطوع فيه فسد صيامه ولم تلزمه الكفارة.
    3- من فسد حجه وجب عليه إتمامه كمن وطئ زوجته في الحج فسد حجه ووجب عليه إتمامه إلى النهاية فلا يخرج منه لا فرق بين فرضه وندبه، وليس كذلك الصلاة والصوم فمتى فسدا خرج منهما وبطلت صلاته وصيامه.

    ( شرح النص )


    والأَصحُّ امتِناعُ تكليفِ الغافِلِ والمُلْجَأِ لا المُكْرَهِ، ويتَعلَّقُ الخِطابُ عِندنا بالمعدومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا، فإِنْ اقتضى فِعلًا غيرَ كفٍّ اقتِضاءً جازِمًا فإِيجابٌ، أَوْ غيرَ جازمٍ فندبٌ، أَو كَفًّا جازِمًا فتحريمٌ، أو غيرَ جازِمٍ بنهيٍ مقصودٍ فكراهةٌ، أَو بغيرِ مقصودٍ فخِلافُ الأولى، أَوْ خَيَّرَ فإباحةٌ، وعرفتَ حُدُودَها، والأَصحُّ ترادُفُ الفرضِ والواجِبِ كالمندوبِ والمستَحَبِّ والتَّطَوُّعِ والسُّنَّةِ، والخُلْفُ لفظِيٌّ، وأَنَّهُ لا يجبُ إتمَامُهُ، وَوَجَبَ في النُّسُكِ لأَنَّهُ كَفَرْضِهِ نِيَّةً وغيرَها.
    .............................. .............................. .............................. ................
    استفتح المصنف المقدمات بعد تعريف الأصول والفقه بتعريف الحكم بقوله فيما سبق: والحكم خطابُ الله.. والكلام على الحكم يجر إلى بيان: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه، فالحاكم هو الله سبحانه وتعالى وقد ذكره بقوله: فلا يدرك حكم إلا من الله وما تبع ذلك من بيان أن العقل ليس بحاكم وأنه لا طريق لمعرفة الحكم بغير الشرع وهو ما يعرف بمسألة التحسين والتقبيح، والمحكوم عليه هو المكلف وقد ذكره هنا بقوله: والأصحُّ امتناع تكليف الغافل.. ،والمحكوم فيه هو العمل المكلف به العبد سيأتي الكلام عليه ( والأَصحُّ امتِناعُ تكليفِ الغافِلِ ) أي يمتنع ويستحيل عقلا أن يخاطب الغافل الذي لا يدري فكيف يقال للنائم مثلا صل وصم، فإن شرط الخطاب هو الفهم والغافل حال غفلته لا يدري ولا يفهم ( والمُلْجَأِ ) وهو المكره على فعل لا مندوحة له عما ألجئ إليه كالملقى من شاهق على شخص يقتله، وهو غير مكلف لأنه مسلوب الإرادة فهو كالسكين في يد القاطع ( لا المُكْرَهِ ) وهو من أكره على فعل من غير إلجاء بحيث يسعه الصبر، وهو مكلف لأن الإكراه سلب رضاه لا إرادته، ثم إن قوله: والأصح يشير إلى وجود خلاف في المسألة، فبعض العلماء ذهب إلى أنه لا يستحيل عقلا تكليف الغافل والملجأ ولكنهم اتفقوا على أنه غير واقع في الشريعة فالأمر لا يعدو عن كونه تدقيقا عقليا ( ويتَعلَّقُ الخِطابُ عِندنا بالمعدومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا ) أي إذا قلنا إن الخطاب هو الكلام النفسي الأزلي فحينئذ كيف يتعلق نحو وأقيموا الصلاة بالمكلف وهو غير مخلوق أصلا ؟ أجيب بأن التعلق نوعان: تعلق صلوحي معنوي بمعنى أنه إن وجد المكلف مستجمعا للشرائط صلح أن يتعلق الخطاب به، وهذا واقع منذ الأزل، وتعلق تنجيزي حال وجود المكلف والخطاب الأزلي غير متعلق به ( فإِنْ اقتضى ) ذلك الخطاب الأزلي الذي هو الكلام النفسي ( فِعلًا غيرَ كفٍّ اقتِضاءً جازِمًا ) بأن لم يجز تركه ( فإِيجابٌ ) نحو وأقيموا الصلاة، وقوله غير كفّ هذا قيد احترز به عن النهي، بيانه: إذا قيل افعل كذا نحو: قم وصل وصم، فالمطلوب فيها فعل شيء معين، وإذا قيل لا تفعل كذا نحو لا تقم ولا تزن ولا تسرق، فالمطلوب فيها هو كف النفس عن فعل تلك الأشياء وليس مجرد الترك، والكف هو منع النفس عن أن تقدم على فعل شيء ما، وكف النفس هو فعل من الأفعال النفسية التي يفعلها المرء، فحينئذ إذا قيل الأمر طلب فعل يدخل فيه التحريم لأن لا تسرق هو طلب فعل مخصوص وهو الكف عن السرقة، فتلخص أن هنالك فرقا بين الكف والترك، فالكف أمر وجودي تتوجه النفس إليه، والترك أمر عدمي كمن يترك معصية لم تقع في زمانه ولم تخطر على باله، فهنا أمران فعل وهو أمر وجودي، وترك وهو أمر عدمي، والفعل يشمل الفعل غير الكف أي ما ليس فيه منع النفس عن شيء ما بل هو إقدام على فعل ما كالصلاة والصيام، ويشمل الفعل الذي هو كف نحو لا تسرق ولا تزن، فإذا اتضح هذا علم أننا نحتاج للتقييد بقولنا غير كف حتى تستقيم التعاريف، وإنما لم أقيّد في الشرح لأنني بنيت الكلام على المتبادر من الفعل في العرف أنه في قبال الترك فهو أسهل وجرى عليه أيضا بعض العلماء فتأمل ( أو ) اقتضى الخطاب فعلا ( غيرَ جازِمٍ ) بأن جوز الترك ( فندبٌ ) كحديث لولا أن أشق علي أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ( أَو ) اقتضى الخطاب ( كَفًّا جازِمًا ) بأن لم يجز الفعل ( فتحريمٌ ) نحو ولا تقربوا الزنا ( أو ) اقتضى الخطاب كفًّا ( غيرَ جازِمٍ ) بأن جوز الترك ( بنهيٍ مقصودٍ ) أي مخصوص ( فكراهةٌ ) كحديث إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ( أَو ) اقتضى الخطاب كفًّا غير جازم ( بـ ) نهي ( غيرِ مقصودٍ ) أي غير مخصوص بل مستفاد من أوامر المستحبات ( فخِلافُ الأولى ) كحديث صلوا قبل المغرب المستفاد من ضده أن ترك الصلاة حينئذ خلاف الأولى ( أَوْ خَيَّرَ ) الخطاب بين الفعل المذكور والكف عنه ( فإباحةٌ ) نحو وكلوا واشربوا ( وعرفتَ ) أيها الطالب من هذا التقسيم الذي ذكرته لك ( حُدُودَها ) أي حدود تلك الأقسام فحد الإيجاب: خطاب الله المقتضي فعلا غير كفّ اقتضاء جازما، وحد الندب: خطاب الله المقتضي فعلا غير كفّ اقتضاء غير جازم، وحد التحريم: خطاب الله المقتضي كفًّا اقتضاء جازما، وحد الكراهة: خطاب الله المقتضي كفًّا اقتضاء غير جازم بنهي مخصوص، وحد خلاف الأولى: خطاب الله المقتضي كفًّا اقتضاء غير جازم بنهي غير مخصوص، وحد الإباحة: خطاب الله المخيّر بين فعل الشيء والكف عنه ( والأَصحُّ ترادُفُ ) لفظي ( الفرضِ والواجِبِ ) خلافا للحنفية ( كالمندوبِ ) أي كما أن الأصح ترادف ألفاظ المندوب ( والمستَحَبِّ والتَّطَوُّعِ والسُّنَّةِ ) والحسن والنفل والمرغب فيه أي مسماها واحد وهو الفعل غير الكف المطلوب فعله طلبا غير جازم، وخالف في ذلك القاضي حسين بن محمد من أصحابنا الشافعية، وخالف غيره أيضا فنفوا ترادفها فقالوا: الفعل إن واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو السنة وإلا كأن فعله مرة أو مرتين فهو المستحب أو لم يفعله وهو ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد فهو التطوع ( والخُلْفُ ) أي الخلاف في المسألتين ( لفظِيٌّ ) أي عائد إلى اللفظ والتسمية فالأمر فيهما هين ( وأَنَّهُ ) أي المندوب ( لا يجبُ إتمَامُهُ ) بالشروع فيه خلافا للحنفية ( وَوَجَبَ ) إتمام المندوب اتفاقا ( في النُّسُكِ ) من حج أو عمرة ( لأَنَّهُ ) أي النسك المندوب ( كَفَرْضِهِ ) أي كفرض النسك ( نِيَّةً وغيرَها ) من الأحكام كالكفارة، وهذا جواب سؤال مقدر تقديره إن من تلبّس بنسك مندوب كحج تطوع وجب اتمامه ولا يجوز قطعه فكيف تقولون إن المندوب لا يجب إتمامه ؟ والجواب هو: أن الحج خرج عن القاعدة لخصوصية فيه وهو أن نفله كفرضه في النية وغيرها من الأحكام.
    تنبيهان: الأول: قال التاج السبكي صاحب جمع الجوامع: والصواب امتناعُ تكليفِ الغافلِ والملجأ وكذا المكرَه على الصحيح. اهـ وهنا خالفه المصنف في مسألة المكره فاختار تبعا لغيره أنه مكلف، فهذا مصداق واضح لقوله في المقدمة وأبدلت غير المعتمد والواضح بهما، فإن المصنف اعتمد تكليف المكره خلافا للتاج.
    الثاني: ليست مسألة تعلق الخطاب بالمعدوم مختصة بالكلام النفسي عند الأشاعرة بل هي تشمل الكلام اللفظي فإنه يقال لفظ وأقيموا الصلاة الذي توجه إلى الصحابة هل يتعلق بمن بعدهم إلى قيام الساعة أو لا ؟ والجواب نعم ولا نحتاج لدليل آخر خلافا للمعتزلة القائلين لا يتناولهم نفس الخطاب الأول لأنهم معدومون ونحتاج لدليل آخر، والصواب هو الأول.

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس الخامس- تابع المقدمات

    الحكم الوضعي



    الأحكام الوضعية خمسة: السببُ، والشرطُ، والمانعُ، والصحيحُ، والباطِلُ.
    1- السببُ هو: وصفٌ ظاهرٌ منضبِطٌ مُعَرِّفٌ للحكمِ.
    فالوصف هو: معنى من المعاني القائمة بالذات نحو الخمر مسكر، فالخمر ذات والإسكار وصف.
    والظاهر هو: الواضح، واحترز به عن الوصف الخفي، كالرضا فهو أمر خفي لا يطلع عليه من البشر غير صاحبه، فلا يقال إن الرضا سبب للبيع لخفائه بل يقال إن القبول والإيجاب سبب للبيع لأن لفظ القبول والإيجاب أمر ظاهر مسموع.
    المنضبط هو: المطَّرِدُ الذي لا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، احترزنا به عن الوصف المضطرب مثل المشقة في السفر لا يصح جعلها سببا للقصر لأنها غير منضبطة تختلف من شخص لآخر ومن صحة لمرض ومن مكان لآخر ومن زمان لزمان وإنما السبب هو المسافة المحددة.
    المعرِّف للحكم هو: المبين للحكم كالزنا سبب لوجوب الحد، والزوال سبب لوجوب الظهر، والإسكار سبب لحرمة الخمر.
    وخاصة السبب المعرفة له هي: أنه ( يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم ) كالزنا يلزم من وجوده وجوب الحد ومن عدمه عدم الحد.
    2- والشرط هو : وصف يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
    كالطهارة يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة أو عدمها لأنه قد يتوضأ ويصلي وقد لا يصلي.
    3- المانع هو : وصف وجودي ظاهر منضبط معرف نقيض الحكم. كالقتل فإنه مانع من الإرث.
    وقولنا وجودي احترزنا به عن العدمي، فلا يقال إن عدم شيء هو مانع من كذا، بخلاف السبب فإنه قد يكون وجوديا كالزنا، وقد يكون عدميا كقولهم عدم العقل سبب لعدم صحة تصرف المجنون، لهذا لم يذكر هذا القيد في تعريف السبب.
    وقولنا: المعرف نقيض الحكم أي أن وجوده دال على نقيض الحكم المترتب على السبب.
    كالقرابة فإنها سبب للإرث وكالقتل فإنه مانع من حصول الإرث المترتّب على السبب، فإذا كانت القرابة يلزمها وجود الإرث، فالقتل مانع من وجود الإرث.
    4- الصحيح هو: الفعل الذي وافق الشرع، كالصلاة إذا استجمعت شروطها وأركانها فإنها تكون صحيحة لموافقتها الشرع.
    فإذا صحت العبادة قيل عنها إنها مجزئة أي أنها كافية في سقوط الطلب.
    وإذا صحت المعاملة قيل عنها إنها نافذة أي تترتب عليها آثارها كالنكاح الصحيح يترتب عليه حل الاستمتاع بين الزوجين.
    والباطل هو: الفعل الذي خالف الشرع، بفقد شرط من شروطه أو ركن من أركانه.
    فإذا بطلت العبادة كصلاة غير متوضئ لم يسقط الطلب وبقيت الذمة مشغولة بفعل العبادة، وإذا بطلت المعاملة لم تترتب عليها آثارها كالبيع فإنه لا يترتب عليه انتقال المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع، وكالنكاح بلا شهود لا يترتب عليه حل الاستمتاع بين الزوجين.
    ( مسائل )


    الأولى: الفعل قد يكون له وجهان من موافقة الشرع ومخالفته، وقد لا يكون له إلا وجه واحد.
    فالأول: كالصلاة والبيع فإنهما تارة يقعان موافقين للشرع فيكونان صحيحين، وتارة يقعان مخالفين للشرع فيكونان باطلين.
    والثاني: كمعرفة الله سبحانه والشرك به- عياذًا بالله- فالمعرفة دائما تكون موافقة للشرع، فإن لم تكن كذلك لم تكن معرفة بل كانت جهلا لا معرفة ولا يقال في الجهل إنه معرفة فاسدة، والشرك بالله سبحانه دائما يكون مخالفا فلا يوجد شرك تارة يقع موافقا وتارة يقع مخالفا.
    فإذا علم هذا فقولنا الصحيح هو الفعل الذي وافق الشرع، نعني بالفعل الفعل ذا الوجهين أما الفعل الذي له وجه واحد فإنه - بحسب الاصطلاح الأصولي- لا يتصف بالصحة والبطلان.
    الثانية: اختلف في تعريف الصحة والبطلان على قولين:
    فالقول الأول أن الصحة هي: موافقة الفعل ذي الوجهين الشرع، والبطلان هو مخالفة الفعل ذي الوجهين الشرع.
    والقول الثاني أن الصحة في العبادة اسقاط القضاء وفي العقد ترتب آثاره عليه، والبطلان في العبادة عدم سقوم القضاء، وفي العقد عدم ترتب آثاره عليه.
    والفرق بينهما يظهر في صلاة شخص ظنّ نفسه متطهرا- وهو في الواقع ليس كذلك- فصلى، فعلى التعريف الأول تسمى صلاته صحيحة لأنها استجمعت الشروط والأركان في اعتقاده وهذا هو المطلوب وإن كنا نلزمه بالقضاء إذا تبين له بعد ذلك أنه لم يكن متطهرًا، وعلى التعريف الثاني لا تسمى صلاته صحيحة لأن القضاء لم يسقط عنه، والخلاف لفظي.
    الثالثة: العبادة توصف بالإجزاء وعدمه، والمعاملة لا توصف بالإجزاء بل بالنفوذ أي ترتب أثر العقد على العقد.
    الرابعة: هل الباطل والفاسد لفظان مترادفان أو لا ؟ ذهب الجمهور لترادفهما، وذهب الحنفية إلى التفريق بينهما فقالوا:
    الباطل: ما لم يشرع بأصله ولا وصفه، والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه.
    وذلك أن الشيء إذا وجدت أركانه وشروطه فقد تحقق أصل ماهيته، وهنالك أوصاف لازمة للأصل لكن لا تتوقف حقيقته عليها، فإذا كان النهي راجعا لخلل في الأركان والشروط فهو باطل، وإذا كان النهي ليس راجعا لخلل فيها بل لوصف لازم فهو فاسد.
    مثال ذلك الصلاة بدون بعض الشروط أو الأركان كالصلاة بلا وضوء تكون باطلة.
    ومثال الفاسد: صوم يوم النحر فالصيام هنا فاسد لأن الخلل لم يرجع إلى أركان الصيام وشروطه بل لما فيه من الإعراض عن ضيافة الرحمن.
    ويترتّب على هذا أنه لو نذر أن يصوم يوما فصام يوم النحر لم يصح صومه عند الجمهور وصح مع الحرمة عند الحنفية.
    والخلاف لفظي.

    ( شرح النص )


    والسَّبَبُ: وَصْفٌ ظاهِرٌ مُنْضَبِطٌ مُعَرِّفٌ للحُكْمِ، والشَّرْطُ: ما يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ ولا يلزَمُ منْ وجودِهِ وجودٌ ولا عدمٌ والمانِعُ: وصفٌ وجوديٌّ ظاهرٌ منضَبِطٌ مُعَرِّفٌ نقيضَ الحكمِ، كالقتلِ في الإرثِ.
    والصِّحَةُ: موافقةُ ذي الوجهينِ الشرعَ في الأصحِّ، وبصحةِ العبادةِ إجْزَاؤُها أي كفايتُها في سُقُوطِ التَّعَبُّدِ في الأصحِّ، وغيرِها تَرَتُّبُ أَثَرِهِ، ويختَصُّ الإجْزَاءُ بالمطلوبِ في الأصحِّ، ويُقَابِلُها البُطْلانُ وهوَ الفسَادُ في الأصَحِّ والخُلْفُ لَفْظِيٌّ.

    .............................. .............................. .............................. .............................
    بعد أن فرغ من الحكم التكليفي شرع في الحكم الوضعي فقال: ( والسَّبَبُ: وَصْفٌ ) أي معنىً ( ظاهِرٌ ) غير خفي ( مُنْضَبِطٌ ) لا مضطرب ( مُعَرِّفٌ للحُكْمِ ) قيد يخرج المانع فإنه معرف نقيض الحكم، مثاله زوال الشمس فإنه وصف ظاهر منضبط معرف للحكم الذي هو وجوب الظهر فيكون سببا شرعيا ( والشَّرْطُ: ما يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ ) للمشروط قيد يخرج المانع فإنه لا يلزم من عدمه شيء ( ولا يلزَمُ منْ وجودِهِ وجودٌ ولا عدمٌ ) قيد آخر يخرج السبب لأنه يلزم من وجود الوجود، مثال الشرط الطهارة للصلاة يلزم من عدمها عدم الصلاة ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم فتكون شرطا شرعيا ( والمانِعُ: وصفٌ وجوديٌّ ) لا عدمي ( ظاهرٌ ) لا خفي ( منضَبِطٌ ) لا مضطرب ( مُعَرِّفٌ نقيضَ الحكمِ ) المترتب على السبب ( كالقتلِ ) في باب ( الإرثِ ) فإنه مانع من وجود الإرث المسبب عن قرابة أو زوجية أو ولاء ( والصِّحَةُ: موافقةُ ) الفعل ( ذي الوجهينِ ) وهما موافقة الشرع ومخالفته ( الشرعَ ) فإذا وافق فهو صحيح، وإن لم يوافق فهو باطل ( في الأصحِّ ) من القولين، وقيل الصحة ما أسقط القضاء في العبادة، وما ترتب عليه آثاره في العقد، فعلى الأول هنالك تعريف يجمع الصحة في العبادة والعقد، وعلى الثاني الصحة في العبادة لها معنى، وفي العقد لها معنى آخر والخلاف بينهما لفظي ( وبصحةِ العبادةِ إجْزَاؤُها ) إجزاؤها مبتدأ مؤخر وبصحة العبادة خبر مقدم، والأصل هو: وإجزاءُ العبادة ناشئ عن صحتها، فإذا صحت العبادة قيل عنها إنها مجزئة ثم فسر الإجزاء بقوله ( أي كفايتُها في سُقُوطِ التَّعَبُّدِ ) أي الطلب وإن لم يسقط القضاء في بعض الحالات كما في صلاة من ظنّ طهارته ثم تبين له حدثه ( في الأصحِّ ) من القولين، وعلى القول الثاني يكون المقصود بالإجزاء هو: سقوط القضاء ( و ) بصحة ( غيرِها ) أي غير العبادة كالعقد ( تَرَتُّبُ أَثَرِهِ ) عليه وهو ما شرع الغير له كحل الانتفاع في البيع، وحل التمتع في النكاح، ثم إن هذا أيضا خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والأصل هو: وترتُّبُ أثرِ العقد ناشئ عن صحة العقد ( ويختَصُّ الإجْزَاءُ بالمطلوبِ ) أي العبادة واجبة كانت كالصلوات والخمس والزكاة أو مستحبة كالوتر وسائر النوافل، فلا توصف العقود بالإجزاء ولا بعدم الإجزاء ( في الأصحِّ ) من القولين، وقيل بل لا يوصف بالإجزاء إلا الواجب من العبادات، فلا يقال: نافلة مجزئة، كما يقال فريضة مجزئة، والخلاف لفظي ( ويُقَابِلُها ) أي الصحة ( البُطْلانُ ) وهو مخالفة الفعل ذي الوجهين الشرع ( وهوَ ) أي البطلان ( الفسَادُ في الأصَحِّ ) فهما مترادفان، وقال الحنفية: الباطل: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه، والخلاف لفظي لأن حاصله أن ما لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه هل يسمى فاسدا كما يسمى باطلا أو لا ؟ وأن ما شرع بأصله ولم يشرع بوصفه هل يسمى باطلا كما يسمى فاسدا أو لا ؟ فعند الحنفية لا وعند الجمهور نعم ( والخُلْفُ لَفْظِيٌّ ) في المسائل السابقة.
    تنبيه: اعلم أن الأشعرية نفوا تأثير الأسباب، فقالوا: ليست النار هي التي تحرق بل الله هو الذي يخلق الحرق عند تماس النار مع جسم آخر، وليس الماء هو الذي يروي العطش بل الله الذي يخلق الري عند شرب الماء، وليست السكين هي التي تقطع بل الله هو الذي يخلق القطع والبين عند تماس السكين مع جسم آخر، ولهذا يقولون: إن الماء يحصل عنده الري لا به، والسكين يحصل عندها القطع لا بها، ثم طردوا هذا الأصل في الشرعيات فنفوا أي تأثير للأسباب الشرعية فليس الزنا إلا علامة معرفة على وجوب الحد من غير أن يكون له تأثير ومدخلية في وجوب الحد، وليس الحدث إلا علامة معرفة على انتقاض الوضوء بلا تأثير ولذا يقولون: يحصل النقض عند الحدث لا به، ولذا يقولون في تعريف السبب أنه معرِّف للحكم أي من غير تأثير فيه، والذي اختاره أهل الحديث والأثر هو إثبات تأثير الأسباب بإذن الله تعالى، فالزنا مثلا لمعنى فيه وأنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا حرمه الله وجعله سببا للحد ورتب عليه العقوبة. وتفصيل ذلك موكول لمحله.


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس السادس- تابع المقدمات

    الأداء والقضاء والإعادة والرخصة والعزيمة



    الأداء هو: فعلُ العبادةِ أو ركعةٍ في وقتها.
    فإذا كان للعبادة وقت محدد ابتداءً وانتهاءً ففعلت العبادة في وقتها فهي أداء، كالصلوات الخمس، وإذا ضاق الوقت وتمكن المصلي من إيقاع ركعة كاملة- بأن فرغ من السجدة الثانية- في الوقت والباقي خارج الوقت فهي تعتبر أداءً أيضا لقوله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصلاةِ فقدْ أدركَ الصلاةَ. رواه البخاري ومسلم.
    ومع تسميتها أداء إلا أنه يحرم عليه تأخيرها إلى وقت لا يسعها كاملة بلا عذر.
    وقولنا العبادة هو شامل للعبادة الواجبة كالصلوات الخمس والمندوبة كالنوافل.
    وقولنا في وقتِها الوقت هو: الزمان المقدّر في الشرع للعبادة، سواء أكان موسعا كوقت الصلاة فإنه وقت واسع يسع فعل العبادة أكثر من مرة، أو مضيّقا بأن كان الوقت لا يسع سوى فعل العبادة مرة واحدة كوقت الصوم.
    فإن كانت العبادة غير مؤقتة بوقت كالنفل المطلق فلا يسمى فعله أداء ولا قضاء في الاصطلاح.
    والقضاء هو: فعلُ العبادةِ أو إلا دون ركعةٍ بعد وقتها تدراركًا لما سبقَ لفعلِهِ مقتضٍ.
    فإذا فعلت العبادة بتمامها بعد وقتها المقدر لها فهي قضاء، وإذا أدرك دون ركعة ففعلها في وقتها والباقي خارج الوقت فهي قضاء أيضا، لأن أقل ما يدخل في الأداء أدراك ركعة كاملة.
    وقولنا: تداركًا لما سبق لفعله مقتض أي طلب وذلك أن القضاء يكون مقتضاه وطلبه الداعي لفعله متقدما عليه، ولكنه لما تأخر حتى خرج الوقت طولب بتدارك ما فاته، كصلاة الظهر بعد دخول وقت العصر فإنّ الطلب بالصلاة بقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس قد تقدم فبقيت ذمة العبد مشغولة إلى أن يتدارك بفعلها بعد وقتها.
    وخرج بقولنا تداركا إعادة الصلاة المؤداة في وقتها بعد الوقت.
    مثاله شخص تيمم في مكان يغلب فيه وجود الماء كالمدن فصلى الظهر في وقتها ثم بعد دخول وقت العصر وجد الماء فتوضأ، فهذا نطالبه بإعادة الظهر، فالظهر المعادة هي عبادة فعلت بعد وقتها فهل تسمى قضاء؟
    الجواب: لا تسمى لأن صلاته ثانية ليس لتدارك ما فاته من الوقت، وإنما تسمى إعادة.
    والإعادة: فعلُ العبادةِ ثانيا في وقتها مطلقًا.
    كمن صلى الظهر منفردًا ثم أدرك جماعة يصلون الظهر فأعادها معهم فهذه تسمى إعادة لأنه فعل العبادة مرة ثانية في وقتها.
    وقولنا: مطلقًا أي سواء كانت الإعادة لعذر كوجود خلل في الأولى أو بدون عذر بأن رأى أن يعيدها مرة أخرى.
    والنسبة بين الأداء والإعادة هي العموم والخصوص المطلق لأن كل إعادة أداء لأنه يصدق على الإعادة تعريف الأداء وهو فعل العبادة في وقتها وليس كل أداء إعادة لأنه قد يصلي الشخص في الوقت مرة واحدة ولا يعيد.
    والرخصة هي: الحكمُ الشرعي المُتَغَيِّرُ من صعوبة على المكلَّف إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي.
    مثل أكل الميتة للمضطر، فالحكم الأصلي هو حرمة أكل الميتة ولكن تغير الحكم في حق المضطر رحمة بالعباد، فهنا أكل الميتة يسمى رخصة لأن الحكم قد تغير من الصعوبة وهو حرمة أكلها إلى السهولة وهو وجوب أكلها لعذر وهو الاضطرار مع قيام وبقاء السبب المقتضي للحرمة التي هي الحكم الأصلي وذلك السبب هو خبث الميتة.
    والرخصة أربعة أقسام:
    1- رخصة واجبة كأكل الميتة للمضطر فإنه يجب عليه أن يأكل كي ينقذ حياته من الموت.
    2- رخصة مندوبة كقصر الصلاة للمسافر فإنه يندب له القصر فإن أتم صلاته جاز.
    3- رخصة مباحة كبيع السَّلَم وهو بيع شيء موصوف في الذمة فإنه رخصة لأن الأصل في البيع أن يكون لشيء حاضر معين ولكنه أجيز لحاجة الناس إليه.
    4- رخصة خلاف الأولى كفطر مسافر في صوم واجب لا يضره، فإن الصوم حينئذ يكون مستحبا لقوله تعالى: وأن تصوموا خير لكم، والفطر خلاف الأولى.
    ولا تكون الرخصة محرمة أو مكروهة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه. رواه أحمد وغيره وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
    والعزيمة هي: الحكم الشرعي الذي لم يتغير أصلًا، أو تغير إلى صعوبة، أو إلى سهولة لا لعذر، أو لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي.
    كوجوب الصلوت فإن الحكم لم يتغير أصلًا.
    وكحرمة الاصطياد قبل الإحرام فإنه تغير إلى صعوبة لأنه كان مباحا قبل الإحرام بحج أو عمرة.
    وكحل ترك الوضوء لكل صلاة لمن لم يحدث، فإن الحكم الأصلي هو وجوب الوضوء لكل صلاة أحدث أو لم يحدث ثم تغير إلى جواز الصلاة بالوضوء الأول من غير وجود عذر دعا إلى هذا التغيير.
    وكإباحة الفرار أمام عشرة من الكفار فأكثر في القتال، فإنه كان يحرم الفرار لقلة المسلمين يومئذ، ثم تغير الحكم إلى الجواز مع عدم قيام السبب للحكم الأصلي لأن المسلمين كثروا، وإنما جوز ذلك لعذر وهو مشقة الثبات أمام العشرة.
    فالحكم الأصلي هو وجوب الثبات أمام عشرة من الكفار قد تغير إلى جواز عدم الثبات لعذر وهو المشقة، ولكن مع عدم بقاء سبب الحكم الأصلي فإن السبب في الحرمة وقتها هو قلة المسلمين، أما وقد كثروا فلم يبق الحكم كما كان.

    ( شرح النص )


    والأَصَحُّ أَنَّ الأَداءَ فِعْلُ العِبَادةِ أَوْ رَكْعَةٍ في وَقْتِها، وهُوَ زَمَنٌ مُقَدَّرٌ لها شَرْعًا، وأَنَّ القَضَاءَ فِعْلُها أَوْ إلا دُونَ رَكْعَةٍ بَعْدَ وَقْتِها تَدارُكًا لما سَبَقَ لفِعْلِهِ مُقْتَضٍ، وأَنَّ الإعادةَ فِعْلُها وَقتَها ثانيًا مُطْلَقًا.
    والحُكمُ إنْ تَغَيَّرَ إلى سُهُولةٍ لِعُذْرٍ معَ قيامِ السَّبَبِ للحُكمِ الأصليِّ فرُخْصَةٌ واجِبةٌ ومَنْدُوبةٌ ومُباحةٌ وخِلافُ الأَوْلى كأَكلِ مَيتَةٍ وقَصْرٍ بشَرطِهِ وسَلَمٍ وفِطْرِ مُسافرٍ لا يَضُرُّهُ الصُّومُ وإلا فَعَزِيمَةٌ
    .
    ......................... ......................... ......................... .........................
    لما كان الأداء والقضاء والإعادة والرخصة والعزيمة من أقسام الحكم الوضعي عند بعض العلماء ذكرها بعده فقال: ( والأَصَحُّ أَنَّ الأَداءَ فِعْلُ العِبَادةِ ) من صلاة وصوم وغيرهما، واجبة كانت أو مندوبة ( أَوْ ) فعل ( رَكْعَةٍ ) من الصلاة ( في وَقْتِها ) مع فعل البقية بعد الوقت، وقيل إن الأداء فعل كل العبادة في وقتها ففعل بعضها في الوقت ولو ركعة كاملة لا يكون أداء حقيقة، بل يكون قضاءً على قول بعض العلماء، أو يكون البعض الواقع في الوقت أداء والواقع بعده قضاء فتتصف الصلاة بهما معا على قول آخر لبعض العلماء ( وهُوَ ) أي وقت العبادة المؤداة ( زَمَنٌ مُقَدَّرٌ لها شَرْعًا ) موسعا كان أو مضيقا فإن لم تكن العبادة مؤقتة كالنفل المطلق فلا يسمى فعلها أداء ولا قضاء اصطلاحا ( و ) الأصح ( أَنَّ القَضَاءَ فِعْلُها ) أي العبادة كاملة ( أَوْ ) فعلها ( إلا دُونَ رَكْعَةٍ ) خرج به ما لو أدرك ركعة في الوقت فإنه أداء كما سبق ( بَعْدَ وَقْتِها تَدارُكًا لما سَبَقَ لفِعْلِهِ مُقْتَضٍ ) أي طلب، وخرج بالتدارك إعادة الصلاة المؤداة في وقتها بعد الوقت فإنه ليس من القضاء، وقيل إن القضاء يشمل ما لو أدرك بعض الصلاة ولو ركعة ( و ) الأصح ( أَنَّ الإعادةَ فِعْلُها ) أي العبادة ( وَقتَها ثانيًا مُطْلَقًا ) أي سواء أكان لعذر كوجود خلل في الأولى أو بدون عذر، وقيل الإعادة مختصة بوجود خلل في الأولى ( والحُكمُ ) الشرعي ( إنْ تَغَيَّرَ ) من صعوبة على المكلف ( إلى سُهُولةٍ ) كأن تغيّر من حرمة شيء إلى حله ( لِعُذْرٍ معَ قيامِ السَّبَبِ ) المقتضي على قول أهل الحديث أو المعرِّف على قول الأشاعرة ( للحُكمِ الأصليِّ فرُخْصَةٌ ) أي فالحكم السهل يسمى رخصة ( واجِبةٌ ومَنْدُوبةٌ ومُباحةٌ وخِلافُ الأَوْلى ) هذه أقسام الرخصة وقد مثّل لها على الترتيب بقوله ( كأَكلِ مَيتَةٍ ) للمضطر هذا مثال الرخصة الواجبة ( وقَصْرٍ ) من مسافر ( بشَرطِهِ ) كأن يكون سفره بلغ مسافة القصر، وهذا مثال الرخصة المندوبة ( وسَلَمٍ ) وهو بيع شيء موصوف في الذمة بلفظ السَلَم أو السلف، وهذا مثال الرخصة المباحة ( وفِطْرِ مُسافرٍ ) في زمن صيام واجب كرمضان ( لا يَضُرُّهُ الصُّومُ ) وهذا مثال الرخصة التي هي خلاف الأولى، فإن ضره الصوم فالفطر هو الأولى ( وإلا ) أي وإن لم يتغير الحكم كما ذكر بأن لم يتغير أصلا كوجوب المكتوبات، أو تغير إلى صعوبة كحرمة الاصطياد بالاحرام بعد إباحته قبله، أو تغير لسهولة لا لعذر كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية ما دام محافظا على وضوئه الأول بعد أن كان يجب الوضوء عند القيام لكل صلاة، أو تغير لعذر لا مع قيام السبب للحكم الأصلي كإباحة ترك ثبات واحد من المسلمين أمام عشرة من الكفار في القتال بعد أن كان محرما وسبب الحرمة قلتنا في بداية الإسلام، ولم تبق القلة حال الإباحة لكثرتنا حينئذ وعذر الإباحة مشقة الثبات المذكور لما كثرنا ( فَعَزِيمَةٌ ) أي فيسمى الحكم حينئذ عزيمة.





  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    http://www.feqhweb.com/vb/showthread...ll=1#post77993

    الدرس السابع- تابع المقدمات

    المقدمة الكلامية



    الدليل هو: ما يمكنُ التوصّلُ بصحيحِ النظرِ فيه إلى مطلوبٍ خبريٍّ.
    كالعَالَمِ فإن من نظر في حاله وعلم أنه ليس أزليا بل هو حادث بعد أن لمْ يكنْ توصّل إلى نتيجة أن العالم لا بد له من خالق.
    وكأقيموا الصلاة، فإن من نظر في حال هذه الآية وعلم أن لفظ أقيموا أمر توصل إلى أن الصلاة واجبة.
    فقولنا: ما يمكن التوصّل أي أن هذا شأن الدليل ولا يشترط أن يوصل بالفعل لأن مَن أعرض ولم ينظر فيه لن يصل.
    وقولنا: بصحيح النظر فيه أي بالنظر والفكر الصحيح فيه بأن يكون نظره في الدليل من الجهة التي من شأنها أن ينتقل الذهن بها إلى النتيجة وهو المسمى بوجه الدلالة، فإن من نظر في الدليل ولم يعرف وجه دلالته لن يصل للمطلوب.
    وقولنا: إلى مطلوب خبري أي إلى أمر تصديقي لا تصوري فما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب تصوري حدٌ لا دليل، واعلم أن الدليل عند الأصوليين يختلف عنه عند المناطقة، فعند المناطقة هو مجموع المقدمتين، وعند الأصوليين هو موضوع النتيجة، فإذا قيل: العالم حادث، وكل حادِثٍ لا بد له من محدث، فهذا هو الدليل عند المناطقة والنتيجة هي: العالم لا بد له من محدِث، أما عند الأصوليين فالدليل مفرد وهو العالَم ، ووجه الدلالة هو الحد الأوسط وهو الحدوث.
    والحدّ هو: ما يميّز الشيء عن غيره، وهو الجامع لأفراده المانع من دخول غير أفراده فيه، ويقال له: المطّرد المنعكس، فالمطرد هو المانع، والمنعكس هو الجامع، مثل: الصلاة: عبادة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
    والإدراك بلا حكم يسمى تصورًا ومع حكم يسمى تصديقا.
    نحو: الزنا حرام، فالحكم بثبوت الحرمة للزنا تصديق، وإدراك معنى الزنا لوحده أو الحرمة لوحدها تصور.
    والنظر هو: الفكر الموصل إلى العلم أو الظن أو الاعتقاد.
    والعلم هو: حكم جازم لا يقبل تغيّرًا. نحو: الله واحد.
    وقولنا: لا يقبل تغيرًا، أي لكونه نشأ عن موجِب وسبب يقتضيه فيكون موافقا للواقع، وقد يكون الموجب هو الضرورة نحو زيدٌ قائمٌ لمن رآه واقفًا، أو الدليل القاطع من: عقل كالحكم بأن العالم حادث، أو شرع كالحكم بأن الزنا حرام، أو عادة كالحكم بأن الحجر ليس بقوت.
    فإن لم يكن الحكم عن موجب مما ذكر فيسمى بالاعتقاد كاعتقاد المقلد سنية صلاة الوتر.
    وإن لم يكن مطابقا للواقع فيسمى جهلا مركبا كاعتقاد الملاحدة بقدم المادة، وأما الجهل البسيط فهو انتفاء العلم.
    وإن لم يكن الحكم جازما فهو الظن إن كان راجحا وهو الوهم إن كان مرجوحا وهو الشك إن كان متساويا.
    مثال الظن حكم الفقيه بأن القرء هو الطهر، فيكون إدراكه بأن القرء الحيض وهما، ومثال الشك لو استوى عنده الأمران.
    والسهو: الغفلة عن المعلوم الحاصل، فإذا نبه عليه تنبه له .
    وأما النسيان فهو: زوال المعلوم من الحافظة، فيستأنف طلبا جديدًا لتحصيله.

    ( مسائل )


    الأولى: اختلف الناس في العلم بالنتيجة الحاصل بعد النظر على أقوال:
    1- القول الأول للأشاعرة وهو أن قدرة الناظر لا تأثير لها في حصول النتيجة بل الله سبحانه يخلق النتيجة في قلب العبد عند النظر كما يخلق الري عند الشرب.
    وجمهورهم ذهبوا إلى أن العلم الحاصل عند النظر عادي لا يجوز تخلفه إلا خرقا للعادة كما تخلفت النار عن حرق إبراهيم عليه السلام، وذهب بعضهم إلى أن العلم بالنتيجة لازم للنظر لا يجوز تخلفه أبدًا.
    2- القول الثاني للمعتزلة أن قدرة الناظر أوجدت العلم بالمطلوب، وقالوا إن هذا العلم ضروري الحصول لازم عقلي للنظر يستحيل انفكاكه عنه، ويعرف مذهبهم بالتوليد وهو أن المرء خلق فعله وهو النظر، وعن النظر تولّد العلم، فالعلم بالنتيجة فعل للعبد بواسطة نظره، فالنظر فعل العبد الأول المباشر والعلم فعله الثاني غير المباشر.
    3- القول الثالث لأهل الحديث أن الله خلق بنظر العبد العلم بقلبه، كما يخلق بالنار الحرارة، فليس نظر العبد هو الخالق للعلم كما هو قول المعتزلة ولا أن نظر العبد لا مدخل له كما هو قول الأشاعرة، وأن العلم الحاصل بالنظر مما جرت سنة الله بخلقه فهو عادي كما فهم هذا من كلام الإمام في الرد على المنطقيين والله أعلم.
    الثانية: اختلفوا في العلم هل يقبل التفاوت أو لا بمعنى هل يوجد علم هو أقوى من علم آخر على قولين:
    1- القول الأول أنه لا يتفاوت فإن حقيقة العلم واحدة وهي حكم جازم مطابق للواقع عن موجِب فلا يختلف جزم ويقين عن جزم ويقين آخر، وبنوا عليه أن الإيمان الذي هو التصديق والمعرفة لا يتفاوت فلا يوجد إيمان أقوى من إيمان ولا يزيد الإيمان ولا ينقص فإن زيادته على اليقين لا تتصور ونقصانه عن اليقين يدخله بالكفر، نعم بعض المؤمنين أعمالهم الصالحة أكثر من الآخر هذا مسلم ولكنه خارج عما نحن فيه، وهو اختيار كثير من المتكلمين.
    2- القول الثاني أنه يتفاوت فإن العلم الضروري الأولي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين أقوى في الجزم من العلم النظري كالعلم بأن العالم حادث ولذا كان هنالك حق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين كمن أيقن بحلاوة العسل ولم يره أو رآه ولم يذقه أو رآه وذاقه، ولا ريب أن الإيمان يتفاوت في نفسه ويزيد وينقص عند أهل السنة والجماعة وتفصيل ذلك موكول لمحله.

    ( شرح النص )


    والدليلُ: ما يُمْكِنُ التوصّلُ بصحيحِ النظرِ فيهِ إلى مطلوبٍ خبريٍّ، والعلمُ عندنا عَقِبَهُ مُكْتَسَبٌ في الأصحِّ.
    والحدُّ: ما يُمَيِّزُ الشيءَ عنْ غيرِه، ويقالُ: الجامِعُ المانِعُ والمطَّرِدُ المنْعَكِسُ، والكلامُ في الأزلِ يسمى خِطابًا ويَتنوَّعُ في الأصحِّ.
    والنظرُ: فكرٌ يؤدي إلى علمٍ أو اعتقادٍ أو ظنٍّ.
    والإدراكُ بلا حكمٍ تصوّرٌ، وبهِ تصوّرٌ بتصديقٍ وهو الحكمُ، وجازِمُهُ: إن لم يقبلْ تغيّرًا فعلمٌ، وإلا فاعتقادٌ صحيحٌ إنْ طابَقَ، و إلا ففاسِدٌ، وغيرُ الجازمِ ظنٌّ ووهمٌ وشكٌّ لأنَّهُ راجِحٌ أو مرجوحٌ أو مساوٍ.
    فالعلمُ: حكمٌ جازِمٌ لا يقبلُ تغيِّرًا، فهوَ نظريُّ يُحَدُّ في الأصحِّ . قالَ المحققونَ : ولا يتفاوتُ إلا بكثرةِ المتَعَلَّقَاتِ .
    والجهلُ: انتفاءُ العلمِ بالمقصودِ في الأصحِّ ، والسهْوُ: الغَفْلَةُ عَنِ المعلومِ
    .
    .............................. .............................. .............................. ................
    اعتاد كثير من الأصوليين ذكر مقدمة كلامية منطقية يتعرضون فيها إلى تعريف العلم وتقسيمه إلى تصور وتصديق، وبيان ما يوصل إلى التصور وهو الحد وما يوصل إلى التصديق وهو الدليل، وما يتبع ذلك، وقد تابعهم صاحب جمع الجوامع وكذا مختصِره فقال: ( والدليلُ: ما ) أي شيء ( يُمْكِنُ التوصّلُ ) بالقوة وإن لم يتوصل بالفعل ( بصحيحِ النظرِ فيهِ ) بأن يعرف وجه الدلالة، وهذا قيد احترز به عن النظر الفاسد فإنه لا يوصل صاحبه ( إلى مطلوبٍ خبريٍّ ) أي تصديقي لا تصوري وسواء كانت النتيجة يقينية أو ظنية، وقيل إن الذي يوصل لنتيجة ظنية لا نسمه دليلا بل أَمارة ( والعلمُ ) بالمطلوب الحاصل ( عندنا ) أي عند الأشعرية ( عَقِبَهُ ) أي عقب صحيح النظر ( مُكْتَسَبٌ ) للناظر ( في الأصحِّ ) وقيل لا بل هو علم ضروري لا يمكن للنفس أن تدفعه، وواضح أن الخلاف بين القولين لفظي فهو علم مكتسب بالنظر إلى أن النظر الذي أوصل لهذا العلم مكتسب، وهو علم ضروري بالنظر إلى أن النتيجة الحاصلة بعد النظر تضطر النفس للاذعان بها ولا قدرة لها على دفعه، هذا وقد ذهب غير الأشاعرة إلى مذاهب بينت بعضها في الشرح ( والحدُّ ) عند الأصوليين ( ما يُمَيِّزُ الشيءَ عنْ غيرِه ) وأما عند المناطقة فلا يكفي التمييز بل لا بد أن يكون بجميع الذاتيات، والصحيح هو قول الأصوليين ونظار المتكلمين كما بسطه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفريد الرد على المنطقيين، وقد بينته باختصار في كتابي الواضح في المنطق فارجع إليه إن شئت ( ويقالُ ) أيضا الحد هو ( الجامِعُ ) لأفراده ( المانِعُ ) من دخول غيره ( و ) يقال أيضا الحد هو ( المطَّرِدُ المنْعَكِسُ ) فالمطرد هو الذي كلما وجد وجد المحدود فلا يدخل فيه شيء من غير أفراد المحدود فيكون مانعا، والمنعكس هو الذي كلما وجد المحدود وجد هو فلا يخرج عنه شيء من أفراد المحدود فيكون جامعا، ومؤدى التعاريف واحد ( والكلامُ ) النفسي ( في الأزلِ يسمى خِطابًا ) حقيقة بتنزيل المعدوم الذي سيوجد منزلة الموجود، وقال بعضهم لا يسمى خطابا، وإنما يسمى كذلك عندما يوجد المكلف ويسمع الخطاب ( ويَتنوَّعُ ) الكلام النفسي إلى أمر ونهي وخبر واستفهام وغيرها ( في الأصحِّ ) وقيل لا يتنوع الكلام النفسي لعدم من تتعلق به الأوامر والنواهي ونحوهما في الأزل فكيف يسمى أمرا مثلا ولا وجود للمأمور، بل تتنوع عند وجود المكلف، وقد تقدم أن الحق هو أن كلام الله تعالى لفظ ومعنى وهو بلا شك يتنوع إلى أمر ونهي وغيرهما ( والنظرُ: فكرٌ يؤدي ) أي يوصل ( إلى علمٍ أو اعتقادٍ أو ظنٍّ ) وإنما زاد الاعتقاد ليشمل الحد النظر الفاسد الذي يوصل صاحبه إلى اعتقاد أمر غير مطابق للواقع ( والإدراكُ بلا حكمٍ تصوّرٌ ) كتصور زيد وقائم من غير حكم بالنسبة بينهما ( و ) الإدراك المتقدم ( بهِ ) أي بالحكم أي معه لأن الباء هنا بمعنى مع ( تصوّرٌ بـ ) أي مع ( تصديقٍ وهو ) أي التصديق ( الحكمُ ) فقط، اعلم أننا إذا قلنا: زيدٌ قائمٌ، فيوجد عندنا أربعة أمور: 1- تصور معنى زيد، 2- تصور معنى قائم، 3- تصور معنى ثبوت القيام لزيد، 4- إذعان النفس بوقوع قيام زيد في الواقع وهو المسمى بالحكم، فإذا اتضح هذا فاعلم أن في التصديق مذاهب: الأول: أن التصديق هو الخطوة الرابعة فقط وهو الحكم، وأما الخطوات الثلاث المتقدمة عليه فهي شروط فيه والثاني: أن التصديق مركب من الخطوات الأربع فحينئذ يكون التصديق مخلوطا بالتصور دائما، وقد اختار الإمام زكريا الأنصاري المذهب الأول فتأمل فإن في عبارة المصنف نوع تعقيد ( وجازِمُهُ ) أي الحكم أي والحكم الجازم ( إن لم يقبلْ تغيّرًا ) بأن كان ناشئا عن سبب وموجب من ضرورة أو دليل قاطع فيكون مطابقا للواقع ( فعلمٌ ) كالحكم بأن العالم حادث ( وإلا ) أي وإن قبل التغير بأن لم يكن ناشئا عن ضرورة أو عن دليل قاطع ( فاعتقادٌ ) أي يسمى اعتقادًا لا علما وهو ( صحيحٌ إنْ طابَقَ ) الواقع كاعتقاد المقلدين بسنية صلاة الضحى ( وإلا ) أي وإن لم يطابق الواقع ( ففاسِدٌ ) كاعتقاد الملاحدة بقدم المادة وما استندوا عليه ليس أكثر من وهم وشبهة لا يرقى أن يسمى دليلًا، فتلخص أن الاعتقاد هو: الحكم الجازم الذي يقبل التغير، فإن علم المقلد قد يتغير بتغير من يقلده، وصاحب الاعتقاد الفاسد قد يتراجع عنه لظهور الحق له ( وغيرُ الجازمِ ظنٌّ ووهمٌ وشكٌّ لأنَّهُ ) أي غير الجازم إما ( راجِحٌ أو مرجوحٌ أو مساوٍ ) فالحكم الراجح ظن والحكم المرجوح وهم، وإذا تساوى الحكمان فشك ( فالعلمُ ) على ما ظهر من التقسيم ( حكمٌ جازِمٌ لا يقبلُ تغيِّرًا ) وإن شئت قل هو: حكم جازم مطابق للواقع عن موجِب ( فهوَ نظريُّ يُحَدُّ في الأصحِّ ) اختلف في العلم هل تصوره ضروري فلا يحتاج لتعريف كتصورنا معنى الجوع والعطش، أو نظري فيحتاج لتعريف؟ ذهب البعض إلى الأول وذهب البعض الآخر إلى الثاني وهو مختار المصنف ( قالَ المحققونَ ) جمع محقق وهو من يثبت الشيء بدليله ( ولا يتفاوتُ ) العلم ( إلا بكثرةِ المتَعَلَّقَاتِ ) اختلف في العلم هل يتفاوت بأن يكون بعضه أقوى من بعض بأن يكون علم العقل اليقيني وجزمه بشيء هو أقوى من علمه اليقيني وجزمه بشيء آخر فكلاهما جازمان ولكن بعضهما أقوى وأشد من الآخر ؟ ذهب البعض إلى أنه يتفاوت في نفسه، وذهب البعض الآخر إلى أنه لا يتفاوت في نفسه وإنما من حيث متعلَّقاته أي من حيث المعلومات التي يتعلق بها فالعلم بثلاثة مسائل هو أظهر من العلم بمسألتين، والعلم بمسألتين أظهر من العلم بمسألة واحدة، ولكن العلم والجزم في نفسه واحد لا يتفاوت ولا يوجد فيه أقوى وأضعف، واختار المصنف الثاني ونسبه إلى المحققين، والصواب خلافه كما علمت ( والجهلُ انتفاءُ العلمِ بالمقصودِ ) أي ما من شأنه أن يقصد فيعلم، ويشمل الحد ما لو لم يحصل إدراك من أصله وهو الجهل البسيط أو أدرك على خلاف ما هو عليه وهو الجهل المركب ( في الأصحِّ ) وقيل العلم إدراك المعلوم على خلاف ما هو عليه، فلا يصدق إلا على الجهل المركب دون البسيط ففيه قصور ( والسهْوُ الغَفْلَةُ عَنِ المعلومِ ) الحاصل فيتنبه له بأدنى تنبيه، والنسيان زوال المعلوم عن الحافظة فيستأنف طلبا جديدا لتحصيله.


  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس الثامن- تابع المقدمات

    مسائل متفرقة



    1- الحَسَنُ هو: فعلٌ يُمدح فاعله عليه، فيشمل: ( الواجب والمندوب )، والقبيح هو: فعلٌ يذمّ فاعله عليه، وهو الحرام.
    وما لا يمدح عليه ولا يذم واسطة بين الحسن والقبيح ويشمل بقية الأحكام وهي: ( المباح والمكروه وخلاف الأولى ).
    2- الفعل الذي يجوز تركه ليس بواجب، سواء أكان يجوز فعله كصوم المسافر، فإنه يجوز صومه، أم كان يمتنع الفعل كصوم الحائض فإنه يمتنع صومها شرعًا، فكلا الفعلين لا يوصفان بالوجوب لأن الواجب يمتنع في الشرع تركه، وهما لا يمتنع تركهما، وقال بعض الفقهاء الصوم على المسافر والحائض وذوي الأعذار واجب لوجوب القضاء، والخلاف لفظي راجع إلى اللفظ دون المعنى.
    3- المندوب مأمور به أي يسمى بذلك حقيقة لأن لفظ ( أَ- مَ- رَ ) يشمل الأمر بالواجب والامر بالمستحب، فيصح أن يقال بالمعنى الحقيقي إن الله أمرنا بسنة الفجر.
    4- التكليف هو:إلزام ما فيه كُلفة،أي مشقة والإلزام يرفع الاختيار فلا يشمل التكليف حينئذ سوى ( الواجب والحرام ) وقيل: التكليف: طلب ما فيه كلفة، أي بإلزام أو بدونه فيشمل ( الواجب والمندوب والحرام والمكروه وخلاف الأولى ).
    5- المباح إذا نظرنا إليه من حيث إنه مأذون بفعله فيكون جنسا يشمل الواجب والمندوب لأن كلا منهما مأذون بفعله، وإذا نظرنا إليه من حيث إنه مخير بين فعله وتركه فلا يكون جنسا للواجب لأنه لا تخيير فيه بل يجب فعله ولا يجوز تركه.
    6- المباح غير مأمور به في ذاته كما هو واضح لأنه ليس بواجب ولا مندوب، ولكن قد يعرض للشيء المباح ما ينقله لحكم آخر كالسكوت فهو مباح ولكن قد يسكت في موقف إذا تكلم فيه فإنه ينقذ مسلم من الهلاك فيكون سكوته حرامًا.
    7- الإباحة حكم شرعي لأنها تخيير بين الفعل والترك، وهذا التخيير يتوقف على إذن الشارع وقال بعضهم: لا لأن الإباحة انتفاء الحرج عن الفعل، وهو مستمر قبل ورود الشرع وبعده إلى أن يرد شرع بغير ذلك ولذا قالوا: الأصل في الأشياء الإباحة، والخلاف لفظي لأن القولين لم يتواردا على محل واحد فإن الإباحة بالمعنى الأول شرعية وبالمعنى الثاني عقلية.
    8- الوجوب لشي إذا نسخ بقي الجواز له لأن الوجوب يتضمن الإذن بالفعل مع المنع من الترك فإذا نسخ المنع من الترك بقي الإذن بالفعل أي عدم الحرج في الفعل والترك فيشمل الإباحة والندب والكراهة وخلاف الأولى، ولا دليل على تعيين أحدها، وقيل إذا نسخ الوجوب بقيت الإباحة وقيل الاستحباب، وقيل بل يعود الحكم إلى ما كان عليه قبل الوجوب.
    9- الأمر بشيء واحد من أشياء معينة يوجب واحدًا لا بعينه وهو ما يعرف بالواجب المخير كما في كفارة اليمين، قال تعالى: ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) فإذا فعلها كلها فينظر: فإن فعلها مرتّبة واحدة بعد الأخرى فالواجب هو أولها، وإن فعلها كلها معا فأعلاها ثوابا هو الواجب، وإن تركها جميعا يعاقب على أدناها عقابا يوم القيامة هذا إن عوقب ولم يغفر له.
    10- يجوز تحريم واحد لا بعينه من أشياء معينة كأن يقال: لا تفعل هذا أو ذاك وهذه المسألة افترضها الأصوليون، وجعلوها في مقابل الواجب المخير، وقالوا إذا وقع ذلك فعلى المكلف أن يترك فعل واحد منها، وله أن يفعل الباقيات.
    11- فرض العين هو: مُهِمٌ يُقْصَدُ تحصيلُهُ جزمًا مع النظرِ بالذاتِ إلى الفاعلِ، فقولنا: مهم: أي أمر يعتنى به كالصلوات الخمس، يُقصد: أي يطلب حصوله من المكلف، جزمًا: أي قصدًا جازمًا، احترز به عن السنة، مع النظر بالذات لفاعله: أي أن الطلب توجّه لكل مكلف، احترز به عن فرض الكفاية.
    وفرض الكفاية: مُهِمٌ يُقْصَدُ حصولُهُ جزمًا من غير نظرٍ بالذاتِ إلى الفاعلِ، فيجب على الكل ويسقط بفعل البعض أي أن الطلب توجّه للجميع فإن فعل البعض سقط الطلب، وذلك أن قصد الشرع هو حصول الفعل في الواقع لا يهم من يفعله ومن يتركه كصلاة الجنازة والأمر بالمعروف بخلاف فرض العين فلا يسقط بفعل البعض.
    وفرض العين أفضل من فرض الكفاية، لشدة اعتناء الشارع بقصد حصوله من كل مكلف.
    12- مَنْ شرعَ في فرض الكفاية لم يجب عليه إتمامُهُ، إلا في الجهاد وصلاة الجنازة والحج والعمرة، فمن شرع في تغسيل الميت مثلا جاز له تركه لشخص آخر ولم ينقلب في حقه فرض عين عندما شرع فيه.
    ويستثنى الجهاد لما فيه من كسر معنويات الجند بالانسحاب من الجيش، وصلاة الجنازة لما فيها من هتك حرمة الميت، والحج والعمرة لما تقدم من وجوب إتمام نفلهما فضلا عن فرضهما.
    13- سنة العين: مُهِمٌ يُقْصَدُ تحصيلُهُ بلا جزمٍ مع النظرِ بالذاتِ إلى الفاعلِ، كسنة الفجر والوتر.
    وسنة الكفاية: مُهِمٌ يُقْصَدُ تحصيلُهُ بلا جزمٍ من غير نظرٍ بالذاتِ إلى الفاعلِ، كابتداء السلام، وهي مطلوبة من الكل وتسقط بفعل البعض.
    وسنة العين أفضل من سنة الكفاية، ولا تتعين سنة الكفاية بالشروع فيها أي لا تنقلب سنة عين في تأكيد طلب إتمامها على من شرع فيها.
    ( شرح النص )


    مسألةٌ: الأصحُّ أَنَّ الحَسَنَ: ما يُمدحُ عليه، والقبيحُ: ما يُذَمُّ عليه، فما لا ولا واسِطَةٌ، وأنَّ جائِزَ التركِ ليسَ بواجبٍ، والخُلْفُ لفظِيٌّ، وأَنَّ المندوبَ مأمورٌ بهِ، وأنَّهُ ليسَ مكلَّفًا بهِ كالمكروهِ بناءً على أن التكليفَ إلزامُ ما فيهِ كُلْفَةٌ لا طَلَبُهُ، وأنَّ المباحَ ليسَ بجِنْسٍ للواجِبِ، وأنهُ في ذاتِه غيرُ مأمورٍ بِهِ، وأن الإباحةَ حكمٌ شرعِيٌّ، والخلفُ لفظِيٌّ، وأنَّ الوجوبَ إذا نُسِخَ بَقِيَ الجوازُ وهوَ عدمُ الحرجِ في الأصحِّ .
    مسألةٌ: الأمرُ بأحدِ أشياءَ يوجِبُهُ مبهمًا عندنا فإنْ فعلَها فالمختارُ: إنْ فعَلَها مُرَتَّبَةً فالواجب أَوَّلُها أو معًا فأعلاها، وإنْ تركها عُوقِبَ بأدناها، ويجوزُ تحريمُ واحدٍ مبهمٍ عندنا كالمخَيَّرِ.
    مسألةٌ: فرضُ الكفايةِ مُهِمٌّ يُقْصَدُ جَزمًا حصولُهُ مِنْ غيرِ نظرٍ بالذاتِ لفاعِلِهِ، والأصحُّ أنَّهُ دونَ فرضِ العينِ، وأنَّهُ على الكلِّ ويسقطُ بفعلِ البعضِ، وأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ بالشُّرُوعِ إلا جهادًا وصلاةً ووجنازة ًوحجًّا، وسُنَّتُهَا كفرضِها بإبدالِ جزمًا بضِدِّهِ.

    ......................... ......................... ......................... .......................
    هذه ( مسألةٌ ) في بيان صفة الفعل من حيث كونه حسنا أو قبيحا ( الأصحُّ أَنَّ الحَسَنَ: ما يُمدحُ عليه، والقبيحُ: ما يُذَمُّ عليه ) قد تقدم أن التحسين والتقبيح موقوف على بيان الشرع ولا دور للعقل، فإذا علم هذا فإن الفعل الذي حسّنه الشرع يكون حسنا، والفعل الذي قبحه الشرع يكون قبيحا، فالحسن هو الفعل الذي يمدح صاحبه عليه شرعا، فيشمل الواجب والمندوب، والقبيح هو الفعل الذي يذم صاحبه عليه شرعا، فلا يصدق إلا على الحرام ( فما لا ) يمدح عليه ( ولا ) يذم عليه ( واسِطَةٌ ) بين الحسن والقبيح، وهو يشمل المباح والمكروه وخلاف الأولى، وقيل: الحسن الفعل المأذون لصاحبه فيه، فيشمل الواجب والمندوب والمباح، والقبيح: ما نهي عنه شرعا، ولو كان النهي مستفادًا من أوامر الندب كما مرّ في خلاف الأولى فيشمل على هذا الحرام والمكروه وخلاف الأولى ولا توجد واسطة، وهذا ما اختاره صاحب الأصل أعني جمع الجوامع وقد اعتمد الإمام الأنصاري خلافه فتنبّه، فتلخص أن الواجب والمندوب يوصفان بالحسن، والحرام يوصف بالقبح، والبقية لا توصف لا بالحسن ولا القبح ( وأنَّ جائِزَ التركِ ليسَ بواجبٍ ) الواجب يتضمن الإذن بالفعل مع المنع من الترك، فكل ما يوصف بأنه يجوز تركه لا يسمى واجبًا، ونعني بما يجوز تركه أن الفعل غير واجب سواء أكان جائز الفعل مثل صوم رمضان للمسافر فإنه يجوز له أن يصوم، أو كان ممتنع الفعل مثل صوم الحائض، فنقول بما أننا يصح أن نقول إن الصيام يجوز تركه فلا نسمه واجبا، وقال بعض الفقهاء: يجب الصوم على ذوي الأعذار كالحائض والمسافر ووجوب القضاء عليهم يدل على ذلك، وأجيب بأن وجوب القضاء لا يدل على وجوب الأداء وكلامنا فيه ( والخُلْفُ لفظِيٌّ ) لأن ترك الصوم حال العذر جائز اتفاقا، والقضاء بعد زوال العذر واجب اتفاقا فلم يبق إلا الخلاف في اللفظ دون المعنى ( و ) الأصح ( أَنَّ المندوبَ مأمورٌ بهِ ) أي يسمى بذلك، وقيل لا يسمى وأن الواجب هو المأمور به، والخلاف مبني على أن مادة أَ مَ رَ هل هي حقيقة في الإيجاب فقط، أم في القدر المشترك بين الإيجاب والندب أي في الطلب، والصحيح أنها للقدر المشترك ( و ) الأصح ( أنَّهُ ) أي المندوب ( ليسَ مكلَّفًا بهِ كالمكروهِ ) فلا يشملهما لفظ التكليف وذلك ( بناءً على أن التكليفَ ) في الاصطلاح ( إلزامُ ما فيهِ كُلْفَةٌ ) أي مشقة من فعل أو ترك ( لا طَلَبُهُ ) أي طلب ما فيه كلفة، وقيل إن المندوب والمكروه مكلف بهما كالواجب والحرام وذلك بناء على أن التكليف هو طلب ما فيه كلفة فيشمل ما عدا المباح ( و ) الأصح ( أنَّ المباحَ ليسَ بجِنْسٍ للواجِبِ ) وذلك إذا قلنا: إن المباح هو ما خيّر بين فعله وتركه، فلا يندرج الواجب والمندوب تحت هذا التعريف، وقيل إن المباح جنس يشمل المخير فيه والواجب والمندوب وذلك إذا قلنا: إن المباح هو المأذون في فعله، ولا خلاف بين القولين في المعنى ( و ) الأصح ( أنهُ ) أي المباح ( في ذاتِه غيرُ مأمورٍ بِهِ ) فإنه ليس بواجب ولا مندوب وإنما قد يؤمر به لعارض، وقيل إنه مأمور به لأن المباح قد يتحقق به ترك الحرام فيتحقق بالسكوت مثلا ترك القذف فيكون السكوت واجبا، ولا خلاف في المعنى لأن مرده إلى أنه يكون واجبا لعارض وهذا مسلّم ( و ) الأصح ( أن الإباحةَ حكمٌ شرعِيٌّ ) لأنها التخيير بين الفعل والترك، وهو متوقف على الشرع، وقيل ليست حكما شرعيا لأن الإباحة هي انتفاء الحرج عن الفعل والترك وهذا موجود قبل الشريعة ومستمر بعدها، والخلاف لفظي لأنها بالمعنى الثاني لا تتوقف على نص من الشرع ( والخلفُ لفظِيٌّ ) في المسائل الثلاث وهي أن المباح ليس بجنس للواجب، وغير مأمور به في ذاته، وأن الإباحة حكم شرعي ( و ) الأصح ( أنَّ الوجوبَ إذا نُسِخَ بَقِيَ الجوازُ وهوَ ) أي الجواز المذكور ( عدمُ الحَرَجِ ) في الفعل والترك فيشمل المندوب والمباح والمكروه وخلاف الأولى ( في الأصحِّ ) لأنه لا دليل عندنا على تعيين أحد تلك المعاني، وقيل إذا نسخ الوجوب بقيت الإباحة، وقيل الاستحباب، وقيل بل يعود الحكم إلى ما كان عليه قبل الوجوب والخلاف حقيقي معنوي، هذه ( مسألةٌ ) في الواجب والحرام المخيرين ( الأمرُ بأحدِ أشياءَ ) معينة كما في كفَّارة اليمين ( يوجِبُهُ مبهمًا عندنا ) أي يوجب واحدًا لا بعينه وهو الواجب المخيّر، ونفى المعتزلة الواجب المخيّر لأن الجمع بين الوجوب والتخيير ممتنع وقالوا إن الواجب هو الكل ويسقط الوجوب بفعل واحد، وفي الحقيقة إنه لا مانع عقلا ولا عرفا أن يقول السيد لعبده يجب عليك فعل هذا أو هذا أيهما فعلت خرجت به عن العقوبة وإن تركتهما معا عاقبتك ( فـ ) على القول الصحيح من وجوب واحد مبهم ( إنْ فعلَها ) كلها أي الأشياء التي خير فيها ( فـ ) القول ( المختارُ ) هو التفصيل فيقال: ( إنْ فعَلَها مُرَتَّبَةً ) واحدة بعد الأخرى ( فالواجبُ أَوَّلُها ) فيثاب عليه ثواب الواجب ويثاب على البقية ثواب المندوب ( أو ) فعلها كلها ( معًا فأعلاها ) ثوابا هو الواجب في حقه ( وإنْ تركها ) كلها ( عُوقِبَ بأدناها ) عقابا يوم القيامة إن لم يغفر له ( ويجوزُ تحريمُ واحدٍ مبهمٍ ) من أشياء معينة كأن يقال: لا تتناول السمك أو اللبن أو البيض، فعلى المكلف أن يترك فعل أمر واحد باختياره وله أن يفعل الباقي ( عندنا ) خلافا للمعتزلة، وهذا ( كـ ) الواجب ( المخَيَّرِ ) فيحرم واحد لا بعينه، هذه ( مسألةٌ ) في فرض وسنة الكفاية ( فرضُ الكفايةِ ) أمر ( مُهِمٌّ يُقْصَدُ ) شرعا ( جَزمًا ) يخرج السنة ( حصولُهُ مِنْ غيرِ نظرٍ بالذاتِ لفاعِلِهِ ) وإنما ينظر إليه بالتبع لأنه لا يتأتى الفعل إلا بفاعل ( والأصحُّ أنَّهُ دونَ فرضِ العينِ ) في الفضل، وقيل إن فرض الكفاية أفضل ( و ) الأصح ( أنَّهُ ) فرضٌ ( على الكلِّ ويسقطُ بفعلِ البعضِ ) وقيل بل هو فرض على البعض ورجّحه الأصل ( وأنَّهُ ) أي فرض الكفاية ( لا يَتَعَيَّنُ بالشُّرُوعِ ) فيه أي لا يصير فرض عين على الشارع فيه ( إلا جهادًا وصلاةً وجنازة ًوحجًّا وعمرةً ) فتتعين بالشروع فيها ( وسُنَّتُهَا ) أي سنة الكفاية ( كفرضِها ) أي كفرض الكفاية فيما مر ولكن ( بإبدالِ جزمًا بضِدِّهِ ) فنقول في حدها: مهم يقصد تحصيله بلا جزم من غير نظر بالذات إلى فاعله.




  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس التاسع- تابع المقدمات

    الواجب الموسّع- مقدمة الواجب- اجتماع الأمر والنهي



    أولا: الواجب الموسّع.
    1- وقت الجواز للصلاة المكتوبة هو وقتٌ كامل لأدائها ففي أي جزء من هذا الوقت أُوقِعَتْ الصلاة فيه فقد وقعتْ اداءً لأن وقتها مُوَسّعٌ.
    ويجبُ على من أراد أن يؤخر الصلاة كالظهر عن أول الوقت أن يعزم بقلبه على أدائها في الوقت، فإن لم يعزم أثم.
    2- مَن ظنّ أنه لن يتمكن من فعل العبادة آخر الوقت لعارض ما فأخرّها أثِمَ وإن لم يتحقق ظنه، كالمحكوم عليه بالقتل وجب عليه أن يبادر وأن لا يؤخر إلى الوقت الذي يظن فوات الواجب فيه، فإن أخّر كان عاصيا ولو بان خلاف ظنه كأن عفي عنه أو أجّل ليوم آخر، ثم إن فعلها بعد ذلك اعتبرت أداءً لا قضاءً ما دام أنها وقعت في وقتها المقدر لها شرعا.
    3- مَنْ ظنّ أنه يتمكن من فعل العبادة آخر الوقت فأخّر فبان خلاف ظنه لم يأثم إلا في الفرض الذي وقته العمر كله، كمن أدرك وقت العشاء وأخّرها وهو يظن سلامته لآخر الوقت ثم أصيب بسكتة- نسأل الله العافية- فمات قبل أن يصلي فلا إثم عليه لأن التأخير جائز في حقه.
    ولكن يستثنى الفرض الذي وقته موسع جدا وهو العمر كله كالحج فإنه متى تمكن من فعله وأخّر ظنا لسلامته فمات أثم، لأنّا لو لم نقل بذلك لما وجب أبدًا إذْ كل من وجب عليه الحج له أن يؤخره حتى يموت وهو لم يحج، وحينئذ هو واجب موسع ولكن بشرط السلامة وهذه مجازفة كبيرة فالمتعين هو المبادرة على من استطاع إليه سبيلا فإن لم يبادر وتمكن من فعله قبل الموت فلا شيء عليه وإن مات أثم.
    ثانيا: مقدمة الواجب.
    1- الفعل المقدور للمكلف الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، ويسمى مقدمة الواجب كالوضوء فإنه لا يتم فعل الصلاة الا به فيكون واجبا بنفس الدليل الذي أوجب الصلاة، كما أنه واجب بدليل آخر عليه.
    واحترز بالمقدور عن غير المقدور كتمام العدد في وجوب صلاة الجمعة فإنه ليس إليه وغير مخاطب به، واحترز بالمطلق عن المقيد، وهو الذي لا يجب إلا بقيد من سبب أو شرط كالزكاة فلا تجب إلا بالنصاب، وكالحج فلا يجب إلا بالاستطاعة فلا يخاطب العبد بتحصيل النصاب والاستطاعة كي تجبان عليه، وإنما القاعدة السابقة الكلام فيها على فعل ثبت وجوبه وتقرر على المكلف ولكنه توقف إيقاعه في الواقع على تحصيل أمر ما فهل يجب ذلك الأمر الذي يسمى مقدمة الواجب أو لا يجب ؟
    والجواب يجب كمن أمر بالوضوء ولا ماء عنده وعنده ثمن الماء فيجب عليه شراؤه لأنه لا يتم الوضوء إلا به.
    2- لو لم يقدر شخص على ترك محرّم إلا بترك غيره من الجائز وجب الترك، فلو تزوج شخص من امرأة ولم يرها ثم سافرت إليه واختلطت زوجته بأجنبية ولم يميز بينهما وجب اجتناب قربان الاثنين إلى حصول التمييز، ولو طلق شخص إحدى زوجتيه ونسيها وجب اجتنابهما حتى يتذكر لأن ترك الحرام واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
    ثالثا: اجتماع الأمر والنهي.
    هل يجتمع الأمر والنهي في شيء واحد بأن يكون شيء واحد مأمورًا به وفي نفس الوقت منهيًا عنه؟
    والجواب إن اجتماع الأمر والنهي يكون على أنحاء:
    1- أن يكون الاجتماع في جهة واحدة، بأن يكون مأمورا به من جهة ومن نفس تلك الجهة هو منهي عنه، وهذا باطل يلزم عليه التناقض كأن يقال اجلس هنا كي لا تؤذي غيرك، ولا تجلس هنا كي لا تؤذي غيرك، فالأمر بالجلوس في محل ما لدفع الأذى، والنهي عن الجلوس في نفس المحل الأول لدفع الأذى، فاجتمع أمر ونهي من جهة واحدة وهو باطل.
    2- أن يكون الاجتماع في أكثر من جهة وبين الجهتين تلازم، كالأمر بصلاة النافلة المطلقة، والنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، فالأمر بالنافلة للتقرّب بالعبادة لله، والنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة لموافقة عبّاد الشمس في سجودهم، فالأمر له جهة والنهي له جهة أخرى ولكن بينهما ملازمة لأن الموافقة للكفار في السجود لا تتحقق بغير الصلاة فهي لازمة للصلاة غير منفكة عنها.
    3- أن يكون الاجتماع في أكثر من جهة وبين الجهتين انفكاك، كالأمر بالصوم للتقرّب بالعبادة لله والنهي عن الصوم يوم الجمعة كراهة الضعف عن كثرة العبادة في ذلك اليوم، فكل له جهة وبين الجهتين انفكاك لأن الضعف المذكور غير لازم فإنه كما يحصل بالصوم يحصل بغيره كقلة الأكل أو كثرة التعب في عمل دنيوي، فيصح الصوم.
    ومثله النهي عن الصلاة في المكان المغصوب، فالأمر بالصلاة له جهة، والنهي عن الغصب له جهة أخرى وهي التعدي على ملك الغير، وهذا المعنى غير لازم للصلاة فكما يتحقق الغصب في الصلاة يتحقق في الأكل والنوم مثلا في المكان المغصوب، فالصلاة صحيحة تجزئ عن القضاء مع معصية الغصب.
    فإذا علم هذا فقد قالوا: ( الأمرُ المطلقُ لا يتناولُ المكروهَ ) ويقصدون أن الأمر بشيء ما لا يندرج تحته طلب أي شيء منهي عنه تحريما أو كراهة ولا يجزئ فعل المنهي عن المأمور إن كان النهي له جهة واحدة أو جهتان متلازمتان، فمثلا قد أمر الشرع بصلاة النافلة فهل يشمل أمره هذا ركعتين في وقت النهي ؟ الجواب لا يشمل ولا تصح الصلاة.
    وهنا مسألتان:
    1- من دخل ملك غيره بغير إذنه فقد غَصَبَ ، فإن خرج تائبا فخطواته في الطريق نحو المخرج تكون واجبة لأن ما لا يتم الواجب الذي هو الخروج من المغصوب إلا به فهو واجب، وإن خرج غير تائب فخطواته تلك خطوات غاصب آثم.
    2- مَن سقط على جريح حوله جرحى إن استمر فوق الذي سقط عليه ولم يبرح من مكانه فسيقتله وإن تحرك وقع على جريح آخر لشدة الزحام فيقتله ولا يوجد مكان آخر ينتقل إليه غير ذاك فماذا يفعل؟
    والجواب: يستمر على ذلك الجريح ولا ينتقل لأن الضرر لا يزال بضرر آخر مثله أو أشد منه.
    ( شرح النص )


    مَسألةٌ: الأَصحُّ أَنَّ وقْتَ المكتوبةِ جوازًا وقتٌ لأدائِهَا، وأَنَّه يجبُ على المؤخِّرِ العزمُ، ومَنْ أَخَّرَ معَ ظنِّ فوتِهِ عصى، وأَنَّهُ إنْ بانَ خِلافُهُ وفَعَلَهُ فأداءٌ، وأَنَّ مَنْ أَخَّرَ معَ ظنِّ خِلافِهِ لمْ يَعْصِ بخِلافِ ما وقْتُهُ العُمْرُ كَحَجٍّ.
    مَسألةٌ: المقدورُ الذي لا يتِمُّ الواجِبُ المطلقُ إلا بِهِ واجِبٌ في الأصحِّ، فلو تَعَذَّرَ تَرْكُ مُحَرَّمٍ إلا بتركِ غيرِهِ وَجَبَ، أَو اشْتَبَهَتْ حَلِيلَةٌ بأجنَبِيَّةٍ حَرُمَتا، كما لو طلَّقَ مُعَيَّنَةً ثم نسيَها.
    مسألةٌ: مُطلَقُ الأمرِ لا يتناولُ المكروهَ في الأصحِّ، فإنْ كانَ له جِهِتانِ لا لزومَ بينهما تناوَلَهُ قطعًا في نهيِ التنزيهِ وعلى الأصحِّ في التحريمِ، فالأصحُّ صِحَّةُ الصلاةِ في مغصوبٍ، وأَنَّهُ لا يُثابُ عليهِ، وأَنَّ الخارِجَ من مغصوبٍ تائِبًا آتٍ بواجبٍ، وأَنَّ الساقِطَ على نحوِ جريحٍ يَقْتُلُهُ أَو كُفْأَهُ يستَمِرُّ .

    .............................. .............................. .............................. .............................
    هذه ( مسألةٌ ) في الواجب الموسّع ( الأَصحُّ أَنَّ وقْتَ ) الصلاة ( المكتوبةِ جوازًا ) وهو وقت الاختيار قيد أخرج به وقت الضرورة والحرمة لأن الكلام في المسألة على وقت الجواز ( وقتٌ لأدائِهَا ) ففي أي جزء منه أوقعت الصلاة فقد أوقعت في وقت أداء ولا يقيد الوجوب بأول ولا آخر، وقيل إن وقت الأداء هو آخر الوقت فإن فعلت في أول الوقت أو وسطه فهو تعجيل للطاعة كتعجيل دفع الزكاة قبل حلول الحول ( و ) الأصح ( أَنَّه يجبُ على المؤخِّرِ ) أي مريد تأخير الصلاة عن أول الوقت ( العزمُ ) في أول الوقت على الفعل في الوقت، وقيل لا يجب عليه العزم واختاره الأصل وهو خلاف معتمد المذهب الذي صححه الإمام النووي في المجموع ( ومَنْ أَخَّرَ ) الواجب الموسع ( معَ ظنِّ فوتِهِ ) أي فوت ذلك الواجب بنحو موت أو حيض كمن علمت أن عادتها أن تأتيها الحيضة آخر الوقت فلا يجوز لها تأخير الصلاة ( عصى ) لظنه فوت الواجب بالتأخير وإنما الأعمال بالنيات ( و ) الأصح ( أَنَّهُ إنْ بانَ خِلافُهُ ) بأن تبين خلاف ظنه ولم يمت أو تأتي المرأةَ الحيضة ( وفَعَلَهُ ) أي فعل الواجب قبل خروج وقته ( فـ ) فعله ( أداءٌ ) لأن العبرة بالوقت في الواقع وهو لم يخرج، وقيل: إن فعله قضاء لأنه فعله بعد الوقت الذي تضيّق بظنه وإن بان خلاف ظنه لأن العبرة بظنه ( و ) الأصح ( أَنَّ مَنْ أَخَّرَ ) الواجب الموسع ( معَ ظنِّ خِلافِهِ ) أي خلاف فوته بأن ظن عدم فوت الوقت بالتأخير ( لمْ يَعْصِ ) لأن التأخير جائز له فهو عكس المسألة التي قبلها ( بخِلافِ ما ) أي الواجب الذي ( وقْتُهُ العُمْرُ كَحَجٍّ ) فإن من أخّره بعد أن أمكنه فعله مع ظن عدم فوته كأنّ ظن سلامته من الموت إلى مضي وقت يمكنه فعله فيه ومات قبل فعله يعصي على الأصح، وقيل لا يعصي.
    هذه ( مَسألةٌ ) في مقدمة الواجب، الفعل ( المقدورُ ) للمكلف ( الذي لا يتِمُّ ) أي لا يوجد ( الواجِبُ المطلقُ إلا بِهِ واجِبٌ ) بنفس وجوب الواجب ( في الأصحِّ ) وقيل لا يجب بوجوبه بل بدليل خاص يدل عليه، واحترز بالواجب المطلق عن الواجب المقيد وجوبه بما يتوقف عليه كالزكاة وجوبها متوقف على ملك النصاب فلا يجب تحصيله ( فلو تَعَذَّرَ تَرْكُ مُحَرَّمٍ إلا بتركِ غيرِهِ ) من الجائز ( وَجَبَ ) ترك ذلك الغير الجائز لتوقف ترك المحرم الذي هو واجب عليه، كما لو اختلط طعام مائع مباح بطعام مائع محرّم فيجب عليه ترك الطعام المباح لأنه يتعذر تمييز الحلال عن الحرام ( أَو اشْتَبَهَتْ حَلِيلَةٌ ) لرجل من زوجة أو أمة ( بأجنَبِيَّةٍ حَرُمَتا ) وتبقى الحرمة إلى أن يميّز بينهما فتحل له حينذاك ( كما ) أي ومثله ما ( لو طلَّقَ مُعَيَّنَةً ) من زوجتيه مثلا ( ثم نسيَها ) أي نسى من طلق فإنهما يحرمان عليه وتبقى الحرمة إلى التمييز بينهما.
    هذه ( مسألةٌ ) في اجتماع الأمر والنهي ( مُطلَقُ الأمرِ لا يتناولُ المكروهَ في الأصحِّ ) بمعنى أن الأمر بشيء ما له أمثلة وجزئيات فهل يندرج تحته صورة منهي عنها فتكون صحيحة لأن الأمر يقتضي الصحة ؟ كما لو قال أب لابنه: ادرسْ واجباتك، وفي سياق آخر قال له يا بني: لا تبق مستيقظا إلى منتصف الليل، فالأمر بالدراسة من جزئياته الدراسة في منتصف الليل، فهل أمره بالدراسه يتناول تلك الحالة بحيث إنه إذا رآه يدرس في ذلك الوقت لن يعاقبه، ويكون الولد ممتثلًا، أو أن تلك الحالة غير مندرجة في أمره ؟ ذهب الجمهور إلى أن المنهي عنه لا يندرج تحت الأمر إذا كان لهما جهة واحدة أو جهتان بينهما تلازم، فإن لم يكن بينهما تلازم فتندرج صورة النهي في الأمر بحيث تجزئ وإن كانت مذمومة من جهة النهي عنها، كما في الصلاة في المكان المغصوب، وقوله: مطلق الأمر احترز به عن الأمر المقيد بغير المكروه فلا خلاف في عدم تناول الأمر له كما لو قيل: صل في غير وقت النهي، فمن الواضح أن الصلاة في وقت النهي تكون غير مندرجة حينذاك اتفاقا، وقوله المكروه أي كراهة تحريم أو كراهة تنزيه، وقوله في الأصح إشارة إلى قول بعض العلماء بأن المنهي عنه يندرج تحت الأمر المطلق ولذا صححوا الصلاة في أوقات النهي والجمهور عندهم أن هذه الصلاة باطلة ( فإنْ كانَ له ) أي للمكروه ( جِهِتانِ لا لزومَ بينهما ) كالصلاة في المكان المغصوب فإنها صلاة وغصب وكل منهما يوجد بدون الآخر فالصلاة توجد في مكان غير مغصوب والغصب يوجد بدون صلاة في ذلك المكان ( تناوَلَهُ ) مطلق الأمر ( قطعًا في نهيِ التنزيهِ ) كما في النهي عن الصلاة في الأمكنة المكروهة كالحمام فإن النهي للكراهة وليس للتحريم ولا يوجد تلازم بين الصلاة والكون في الحمام ويمكن أن يوجد أحدهما بدون الآخر كما هو ظاهر ( وعلى الأصحِّ في ) نهي ( التحريمِ ) كما في الصلاة في المكان المغصوب، وقيل لا يتناوله في هذه الحالة ( فالأصحُّ صِحَّةُ الصلاةِ في مغصوبٍ وأَنَّهُ لا يُثابُ عليهِ ) أي الأصح أن الصلاة تصح فرضا كانت أو نفلا ولكن لا يثاب عليها بسبب الغصب، وقال بعضهم يثاب عليها من جهة الصلاة ويعاقب عليها من جهة الغصب والعقاب قد يكون بحرمانه ثواب تلك الصلاة وقد يكون بغير ذلك، وقال الإمام أحمد رحمه الله لا تصح ويجب إعادتها ( و ) الأصح ( أَنَّ الخارِجَ من ) محل ( مغصوبٍ تائِبًا ) أي نادما على الدخول فيه عازما على أن لا يعود إليه في المستقبل ( آتٍ بواجبٍ ) لتحقق التوبة الواجبة بخروجه تائبا، وقال بعض المعتزلة هو آت بحرام لأن ذلك شغل ملك غيره بغير إذنه كالماكث ( و ) الأصح ( أَنَّ الساقِطَ على نحوِ جريحٍ ) بين جرحى ( يَقْتُلُهُ ) إن استمر عليه ( أَو ) يقتل ( كُفْأَهُ ) فإن لم يكن كفأه فينقلب عليه كما لو سقط على مسلم وبجنبه جريح كافر فينقلب على الكافر لأن إزهاق حياة مسلم أمر عظيم ( يستَمِرُّ ) عليه ولا ينتقل إلى كفئه لأن الضرر لا يزال بالضرر.


  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس العاشر- نهاية المقدمات

    المحكوم به



    أولا: التكليف بالمحال.
    المحال هو: الممتنع الوقوع، وهو على ثلاثة انواع:
    1- المحال لذاته أي الذي يحيل العقل وجوده كاجتماع النقيضين والضدين.
    2- المحال لغيره أي الذي لا يحيل العقل وجوده ولكن جرت العادة وسنن الله الكونية أن الإنسان لا يقدر عليه كحمل جبل.
    3- المحال لتعلق علم الله بعدم حصوله، كالإيمان من كافر علم الله أنه لن يؤمن، وإيمانه محال لأنه لو آمن لانقلب علم الله جهلًا- تعالى الله عن ذلك علو كبيرا - وهو محال.
    فأما المحال الثالث فقد اتفق العلماء على أن التكليف به جائز عقلا وواقع سمعًا؛ لأنه في ذاته وحقيقته ممكن عقلا ولكنه امتنع لعارض، فالإيمان مقدور عليه ولذا آمن غير ذلك الكافر، ولكن سبق علم الله الأزلي فيه أنه لن يؤمن، فالمسألة من باب القضاء والقدر لا من باب الأمر والنهي كما بيّنه الإمام ابن تيمية.
    واختلفوا في المحالين الأول والثاني جوازًا ووقوعا: فمن قائل بجوازه عقلا ووقوعه سمعا وهو باطل لقوله تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) ومنهم من أجازه عقلا ومنع وقوعه سمعا، ومنهم من منع جوازه عقلا لأنه لا فائدة من التكليف به كما منع وقوعه سمعا.
    مسألة: هل يشترط لصحة التكليف حصول الشرط الشرعي أو لا يشترط ؟
    والجواب: لا يشترط وذلك كالكفار فهم مخاطبون بفروع الشريعة، مع أن شرط وجوب الصلاة والصوم ونحوهما من الفروع هو الإسلام، فالشرط الشرعي للتكليف الذي هو الإيمان مفقود ومع ذلك يصح تكليفهم بالمشروط الذي هو الفروع، فيُعاقَب الكافر على ترك الفروع كما يعاقب على ترك الإيمان قال تعالى: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ).
    ثانيا: لا تكليفَ إلا بفعلٍ، والفعل ظاهر في الأمر كالصلاة والزكاة، وأما في النهي الذي يقتضي الترك فالمختار أن المنهي عنه هو كف النفس عن الفعل لا عدم الفعل، فإذا قيل: لا تزنِ فمعناه كف نفسك واصرفها عن أن تتوجه لفعل الزنا.
    وهنا مسألة ما هو الوقت الذي يتوجّه التكليف فيه بالفعل للمكلف ؟ فالصلاة مأمور بها ولكن متى يخاطب العبد بها ويتوجه له الطلب؟
    والجواب: التكليف يتعلق بالفعل قبل دخول وقته إعلاما للمخاطب باعتقاد وجوب إيجاد الفعل، وبعد دخول وقته إلزاما بفعله، ويستمر التكليف به حال المباشرة للفعل ولا ينقطع التكليف به إلا بعد الفراغ منه.
    كصلاة الظهر قبل الزوال يتعلق الأمر بها تعلقا إعلاميا بأن يعتقد المكلف وجوب إيجادها عند حلول وقتها، وبعد الزوال يتعلق الأمر بها تعلقًا إلزاميا بإيجاد الفعل، وحينما يباشر المكلف ويكبر للصلاة يستمر الأمر والإلزام بها إلى أن يفرغ منها صحيحة، فإذا فرغ منها انقطع الأمر بها.
    ثالثا: يصح تكليف شخص بفعل شيء في وقت ما مع علم الآمر أنه لن يتمكن من فعله لانتفاء شرط من شروط حصوله.
    مثل أن يكلف الله شخصًا بصوم يوم معين مع علمه سبحانه أن ذلك الشخص يموت قبل ذلك اليوم.
    ولولا صحة ذلك لما علمنا الآن أننا مكلفون بصوم رمضان القادم مثلا، مع احتمال حدوث مانع من موت أو غيره.
    رابعا: الحكم الشرعي قد يتعلق بأمرين فأكثر على الترتيب أو على البدل.
    ومعنى الترتيب: أن يتعلق الحكم بالأول ثم في ظرف معين يتعلق بالثاني، ومعنى البدل: أن يتعلق الحكم إما بهذا أو ذاك.
    فإن قيل: يتولى الإمارة زيدٌ فإن مات فعمرٌو، أو: يتولى الإمارة زيدٌ أو عمرٌو، فالأول على الترتيب والثاني على البدل.
    فالأول وهو ما تعلق به الحكم على الترتيب له ثلاثة أحوال:
    1- أن يحرم الجمع بينهما كأكل المذكاة والميتة، فالجواز تعلق بهما معا مرتبين فإن لم نجد المذكاة ننتقل للميتة في حالة الاضطرار ويحرم الجمع بينهما.
    2- أن يباح الجمع بينهما كالوضوء والتيمم، فإن التيمم إنما يجوز عند العجز عن الوضوء، وقد يباح الجمع بينهما كأن تيمم شخص لخوف بطء البرء من المرض، ثم تحامل على نفسه وتحمل المشقة وتوضأ، وجواز الوضوء إن لم يحصل ضرر.
    3- أن يستحب الجمع بينهما كخصال كفارة الجماع في نهار رمضان، فإن كلا منها واجب لكن وجوب الإطعام عند العجز عن الصيام ووجوب الصيام عند العجز عن الاعتاق ويسن الجمع بينها.
    والثاني وهو ما تعلق به الحكم على البدل له ثلاثة أحوال أيضا:
    1- أن يحرم الجمع بينهما، كتزويج المرأة من أحد كفأين، فيجوز تزويجها لهذا أو ذاك، ويحرم تزويجها من الاثنين معا.
    2- أن يباح الجمع بينهما،كما لو كان لزيد ثوبان يستر كل واحد منهما عورته، فالواجب التستّر بواحد ويباح التستر بهما معا.
    3- أن يستحب الجمع بينهما كما في خصال كفارة اليمين فإن الواجب على المكلف فعل خصلة واحدة يختارها لكن يندب أن يفعل الجميع.
    ( شرح النص )


    مَسألةٌ: الأَصحُّ جوازُ التكليفِ بالمحالِ مطلقًا، ووقوعُهُ بالمحالِ لتَعَلُّقِ علمِ اللهِ بعدمِ وقوعِهِ فقطْ، وجوازُهُ بما لمْ يحصلْ شرْطُهُ الشرعيُّ كالكافرِ بالفروعِ ووقُوعُهُ.
    مسألةٌ: لا تكليفَ إلا بفعلٍ، فالمكلَّفُ به في النهيِّ الكفُّ أي الانتهاءُ في الأصحِّ، والأصحُّ أَنَّ التكليفَ يتعَلَّقُ بالفعلِ قبلِ المباشَرَةِ بعدَ دخولِ وقْتِهِ إِلزامًا، وقبلَهُ إعلامًا، وأَنَّهُ يستمِّرُ حالَ المباشَرَةِ.
    مسألةٌ: الأصحُّ أَنَّ التكليفَ يصِحُّ معَ علمِ الآمِرِ فقطْ انتفاءَ شَرْطِ وقُوعِهِ عندَ وقْتِهِ، كأمرِ رجلٍ بصومِ يومٍ عُلِمَ مَوْتُهُ قبْلَهُ، وأَنَّهُ يعلَمُهُ المأمورُ أَثَرَ الأَمْرِ.
    خاتِمَةٌ: الحكمُ قدْ يتعلَّقُ على الترتيبِ أَوِ البَدَلِ فيحرُمُ الجمْعُ، أو يباحُ، أَو يُسَنُّ.

    .............................. .............................. .............................. ................
    هذه ( مسألةٌ ) في التكليف بالمحال ( الأَصحُّ جوازُ التكليفِ ) عقلا أي من حيث الجواز العقلي ( بالمحالِ مطلقًا ) أي سواءٌ أَ كان محالا لذاته كالجمع بين السواد والبياض، أم محالا لغيره كالطيران في الهواء بلا آلة، وقيل لا يجوز هذا التكليف ( و ) الأصح ( وقوعُهُ ) أي التكليف بالمحال في الشرع ( بالمحالِ لتَعَلُّقِ علمِ اللهِ ) تعالى ( بعدمِ وقوعِهِ ) لأنه ممكن في ذاته كالتكليف بالصلاة ممن علم أنه لن يصلي ( فقطْ ) أي دون المحال لذاته والمحال لغيره، وقيل يقع التكليف بالمحال لغيره لا ذاته، وقيل يقع التكليف به مطلقا، وليس بشيء، هذا وثمة فرق في الاصطلاح الأصولي بين: التكليف بالمحال، والتكليف المحال، فالأول يتعلق بشروط الفعل المأمور به هل يشترط فيه أن يكون مقدورا عليه أو يجوز بالمحال؟ وهو مسألتنا هنا، والثاني يتعلق بشروط الشخص المأمور هل يجوز تكليف الغافل والملجأ ؟ والجواب لا يجوز وقد تقدم الكلام على الثاني عند تعريف المكلّف ( و ) الأصح ( جوازُهُ ) أي التكليف ( بما لمْ يحصلْ شرْطُهُ الشرعيُّ ) فيجوز التكليف بالمشروط حال عدم الشرط ( كالكافرِ ) يجوز تكليفه ( بالفروعِ ) مع انتفاء شرطها الشرعي وهو الإيمان ( و ) الأصح ( وقُوعُهُ ) أي هذا النوع من التكليف فهو جائز عقلا وواقع سمعا.
    هذه ( مسألةٌ ) في المكلّف به ( لا تكليفَ إلا بفعلٍ ) يوقعه المكلف أما في الأمر فظاهر لأن المطلوب به فعل وأما في النهي ( فالمكلَّفُ به في النهيِّ الكفُّ ) وهو فعل من أفعال النفس ( أي الانتهاءُ ) عن المنهي عنه والانصراف عنه وذلك هو معنى كف النفس عنه ( في الأصحِّ ) وقيل هو انتفاء المنهي عنه أي العدم فلا يشترط أن يكون المكلف به فعلا ( والأصحُّ أَنَّ التكليفَ يتعَلَّقُ بالفعلِ قبلِ المباشَرَةِ ) له أي فعله والتلبس به ( بعدَ دخولِ وقْتِهِ إِلزامًا ) وهذا هو ما يسمى بالتعلّق الإلزامي أي التنجيزي والغرض منه امتثال المكلف ( وقبلَهُ ) أي قبل المباشرة له ( إعلامًا ) وهذا هو ما يسمى بالتعلّق الإعلامي والغرض منه اعتقاد المكلف وجوب الفعل عليه عند دخول وقته، وقيل لا يتعلّق التكليف بالمكلّف إلا عند المباشرة للفعل ( و ) الأصح ( أَنَّهُ ) أي التعلق الإلزامي بالفعل المطلوب به الامتثال ( يستمِّرُ حالَ المباشَرَةِ ) للفعل ولا ينقطع إلا بالفراغ منه، وقيل لا يستمر حال المباشرة للفعل.
    هذه ( مسألةٌ ) في التكليف بشيء مع انتفاء شرط وقوعه ( الأصحُّ أَنَّ التكليفَ ) بشيء ( يصِحُّ معَ علمِ الآمِرِ فقطْ انتفاءَ شَرْطِ وقُوعِهِ ) أي وقوع المأمور به ( عندَ وقْتِهِ، كأمرِ رجلٍ بصومِ يومٍ عُلِمَ مَوْتُهُ قبْلَهُ ) للآمِرِ فيصح أن يأمر الله سبحانه رجلا بصوم يوم وهو يعلم أنه سيموت قبله فشرط وقوع الفعل هو حياة المكلف وعقله وقدرته وقد علم أنها لا توجد في ذلك اليوم بسبب الموت قبله، وقد أمر الله سبحانه إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه وهو يعلم أنه لن يُقْدِرَهُ على ذبح ابنه، والغرض من التكليف هو ان يظهر قصد الامتثال، وقال قوم لا يصح التكليف مع العلم بانتفاء شرط الوقوع، ومعنى قوله فقط أن العلم مختص بالآمر، ويخرج ما لو علم المأمور أيضا أنه سينتفي شرط وقوعه فلا يصح التكليف حينذاك لانتفاء الفائدة من التكليف ( و ) الأصح ( أَنَّهُ ) أي التكليف ( يعلَمُهُ ) المكلف ( المأمورُ أَثَرَ ) أي عقب ( الأَمْرِ ) المسموع له فإذا قيل له: صمْ يوم كذا، علم عقب سماعه هذه الجملة أنه مكلف بالصيام في ذلك اليوم القادم، ولا يتوقف علمه على أن يأتي الزمن الذي يتمكن فيه من الامتثال، وقيل لا يعلمه حتى يأتي الزمن الذي يتمكن فيه من الامتثال لأنه قد لا يتمكن من فعله لموت أو عجز عنه، وهذه المسألة والخلاف فيها مفرع عما قبلها، فإننا إذا جرينا على أنه يصح ورود التكليف مع علمه سبحانه بانتفاء شرط الامتثال فمتى وردت علينا التكليف علمنا أننا مكلفون وإن كنا نجوّز أن نموت قبل التمكن، فصحّ علمنا بالتكليف قبل الوقت، وإذا جرينا على أنه لا يصح ذلك فمتى ورد علينا التكليف لم نعلم أننا مكلفون لاحتمال أن نموت مثلا قبل الوقت.
    هذه ( خاتِمَةٌ ) للمقدمات في بيان أن الحكم قد يكون على الترتيب أو البدل ( الحكمُ قدْ يتعلَّقُ ) بأمرين فأكثر ( على الترتيبِ أَوِ ) على ( البَدَلِ فيحرُمُ الجمْعُ أو يباحُ أَو يُسَنُّ ) في كل منهما فالحكم الترتيبي له ثلاثة أنواع: حرمة الجمع كأكل المذكاة والميتة، وإباحة الجمع كالوضوء والتيمم لمن يخاف بطء البرء من المرض، وسنية الجمع كخصال كفارة الوقاع في رمضان، والحكم البدلي له نفس الأنواع أيضا وهي: حرمة الجمع كتزويج المرأة من أحد كفأين، وإباحة الجمع كالتستر بأحد ثوبين، واستحباب الجمع كخصال كفارة اليمين.


  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس الحادي عشر- مباحث الكتاب

    مقدمة



    أولا: القرآن هو: اللفظ المنزّل على سيّدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم ، المُعجِزُ بسورةٍ منه، المُتَعبَّدُ بتلاوتِهِ. وهو من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس مشتملا على 114 سورة.
    ثانيا: البسملة أول كل سورة من القرآن الكريم، وهي مكتوبة في مصاحف الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
    ثالثا: القراءة تنقسم إلى قسمين: صحيحة وشاذة.
    فالقراءة الصحيحة قسمان:
    1- متواترة وهي قراءة القراء السبعة وهم:
    أ- عبدُ الله بن كثيرٍ المتوفي سنة 120 هـ.
    ب- نافع بن عبد الرحمن المتوفي سنة 169هـ.
    ج- عبد الله بن عامر المتوفي سنة 118 هـ.
    د- أبو عمرو بن العلاء المتوفي سنة 157 هـ.
    هـ- عاصِم بن أبي النَّجُودِ المتوفي سنة 127 هـ.
    و- حمزة بن أبي حبيب المتوفي سنة 156 هـ.
    ز- علي بن حمزة الكسائي المتوفي سنة 189 هـ.
    فالقراءة التي قرأ بها هؤلاء منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم نقلا متواترًا إلى أن وصلتنا كذلك.
    2- مستفيضة وهي قراءة القراء الثلاثة وهم:
    أ- أبو جعفر يزيد بن القعقاع المتوفي سنة 132 هـ.
    ب- يعقوب بن اسحاق المتوفي سنة 205 هـ.
    ج- خلف بن هشام المتوفي سنة 229 هـ.
    فالقراءة التي قرأ بها هؤلاء قراءة مستفيضة مشهورة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقاها الأئمة بالقبول ولكنها لم تبلغ مبلغ التواتر، والمشهور عن المتأخرين من القراء أنها متواترة أيضا وهو الذي سمعناه من شيوخنا.
    وأما القراءة الشاذة فهي ما عدا قراءة هؤلاء. والله أعلم.
    وحكم القراءة المتواترة والصحيحة أنها تثبت قرآنا ويقرأ بها في الصلاة.
    وأما الشاذة فهي لا تثبت قرآنا ولا يجوز القراءة بها لا في الصلاة ولا خارجها.
    وهنا مسألة وهي:
    هل القراءة الشاذة يثبت بها حكم شرعي ؟
    والجواب: نعم المختار أنها في حكم حديث الآحاد فإذا نقلت نقلا صحيحا ثبت الحكم بها على أنها كانت من باب التفسير للآية كقراءة عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيمانهما، ولذا وجب قطع يمين السارق لا شماله.
    رابعا: لا يجوز ورود لفظ لا معنى له في القرآن أو السنة، لأنه كالهذيان لا يليق بعاقل فكيف بالله ورسوله.
    خامسا: لا يجوز ورود لفظ في القرآن والسنة يراد به غير ظاهره إلا بدليل يبيّن المراد منه، كأن يأتي لفظ عام فيحمل على عمومه فإن جاء دليل خاص خصص به العام، وعرفنا حينئذ أن العام لم يرد به عمومه.
    سادسا: لا يجوز أن يبقى لفظ مجمل في القرآن والسنة كلفنا بالعمل به غيرَ مُبَيَّنٍ، والمجمل هو ما لم تتضح دلالته من قول أو فعل فإذا ورد لفظ مجمل في كتاب أو سنة لا بد أن يأتي ما يبين المراد منه كي يمكن أن نعمل به كقوله تعالى: ( وأقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ ) لا بد أن يرد ما يبين كيفية الصلاة والزكاة، فإن لم نكلف بالعمل به فقد يوجد ذلك كتفسير الحروف المقطعة أول السور.
    سابعا: النص الشرعي أربعة أقسام:
    1- قطعي الورود قطعي الدلالة.
    2- قطعي الورود ظني الدلالة.
    3- ظني الورود قطعي الدلالة.
    4- ظني الورود ظني الدلالة.
    والأول منها قطعي، والثلاثة الأخرى ظنية، والدليل الظني قد يفيد اليقين بما ينضمّ إليه من القرائن.
    مثاله: ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج وحرمة الزنا والخمر ونحوها، فإذا كان لفظ الآية لوحده قد يحتمل التأويل كما حصل للبعض في الخمر فإن ما انضم إليها من بيان الرسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل على ذلك مما شاهده الصحابة الكرام بأعينهم وعلموه ضرورة ونقل إلينا إلى يومنا هذا بالتواتر القطعي ينفي كل احتمال، ومثل هذا يقال في ظني الورود كما في كثير من السنة فإنه قد ينضم إلى الخبر ويحتف به من القرائن ما يجعل العالم يقطع بثبوته ككونه في الصحيحين وتلقي الأئمة له بالقبول.

    ( شرح النص )


    الكتابُ الأَوَّلُ في الكتابِ ومباحثِ الأقوالِ
    الكتابُ: القرآنُ وهو هنا: اللفظُ المنزَّلُ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم المعجِزُ بسورةٍ منهُ المتعبَّدُ بتلاوتِهِ، ومنهُ البسملةُ أوَّلُ كلِّ سورةٍ في الأصحِّ غيرِ براءةٍ، لا الشاذُّ في الأصحِّ، والسبْعُ متواتِرةٌ ولو فيما هوَ من قبيلِ الأداءِ كالمدِّ، وتحرُمُ القراءةُ بالشاذِّ، والأصحُّ أنَّهُ ما وراءَ العشَرَةِ، وأنَّهُ يجري مجرى الآحادِ، وأنَّهُ لا يجوزُ ورودُ مالا معنى لهُ في الكتابِ والسنَّةِ، ولا ما يُعْنَى بهِ غيرُ ظاهرِهِ إلا بدليلٍ، وأنَّهُ لا يبقى مجملٌ كُلِّفَ بالعملِ به غيرَ مُبَيَّنٍ، وأَنَّ الأدلةَ النقليَّةَ قدْ تفيدُ اليقينَ بانضمامِ غيرِها.

    .............................. .............................. .............................. ................
    بعد أن فرغ من المقدمة شرع في أول المقصود فقال ( الكتابُ الأَوَّلُ ) من الكتب التسعة ( في الكتابِ ) وهو القرآن ( ومباحثِ الأقوالِ ) المشتمل عليهما القرآن والسنة، لأن القرآن والسنة منهما أمر ونهي وعام وخاص ومطلق ومقيد ومجمل ومبين فيستدعي بيانها ( الكتابُ: القرآنُ وهو هنا ) أي في أصول الفقه، وهذا احتراز عنه في علم الكلام فيراد بالقرآن المعنى النفسي الذي تقول به الأشاعرة ( اللفظُ المنزَّلُ على محمدٍ صلى الله عليه وسلم ) يخرج المنزل على غيره كالتوراة والإنجيل ( المعجِزُ بسورةٍ منهُ ) كسورة الكوثر قيد يخرح الأحاديث القدسية ( المتعبَّدُ بتلاوتِهِ ) يخرج المنسوخ تلاوته نحو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ( ومنهُ ) أي ومن القرآن ( البسملةُ ) الثابتة ( أوَّلُ كلِّ سورةٍ في الأصحِّ ) لأنها مكتوبة بنفس خط السور في مصاحف الصحابة مع مبالغتهم في أن لا يكتب فيها ما ليس منه، وقيل ليست البسملة من القرآن، وأجمعوا على أن البسملة في قوله تعالى إنَّهُ من سليمانَ وإنهُ بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن ( غيرِ ) أول سورة ( براءةٍ ) فإنها لم تنزل بالبسملة ( لا الشاذُّ في الأصحِّ ) أي ليس الشاذ - و هو ما عدا العشرة مما نقل آحادًا ولم يستفض ولم تتلقه الأئمة بالقبول- من القرآن، وقيل من القرآن ( و ) القراءات ( السبْعُ ) المروية عن القراء السبعة وهم ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي ( متواتِرةٌ ) من النبي صلى الله عليه وسلم إلينا أي نقلها عنه جمع يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب لمثلهم إلى أن بلغنا ( ولو فيما هوَ من قبيلِ الأداءِ كالمدِّ ) ذكر العلامة ابن الحاجب رحمه الله إن المنقول عن القراء مما هو من قبيل جوهر اللفظ مثل مالك وملك فهذا متواتر جزما وما هو من قبيل أداء اللفظ وطريقة نطقه كالتفخيم والترقيق والمد مثل المد المتصل والمنفصل وأن هذا يمد ست حركات وهذا أربع حركات ليس من المتواتر، ولم يرتض العلماء قوله بل الجميع متواترٌ ( وتحرُمُ القراءةُ بالشاذِّ ) في الصلاة وخارجها لأنه ليس بقرآن على الأصح ( والأصحُّ أنَّهُ ) أي الشاذ ( ما وراءَ العشرَةِ ) من القراءات أي السبع السابقة وقراآت أبي جعفر ويعقوب وخلف، وقيل الشاذ ما وراء السبع، فالثلاثة الزائدة على هذا القول تحرم القراءة بها، وعلى الأصح هي كالسبع يجوز القراءة بها ( و ) الأصح ( أنَّهُ ) أي الشاذ ( يجري مجرى ) الأخبار ( الآحادِ ) في الاحتجاج والعمل بها لأن الشاذ منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من انتفاء خصوصية قرآنيته انتفاء عموم خبريته ( و ) الأصح ( أنَّهُ لا يجوزُ ورودُ ما ) أي لفظ ( لا معنى لهُ في الكتابِ والسنَّةِ ) لأنه لا يليق، وقيل يجوز، وليس بشيء ( و ) الأصح أنه ( لا ) يجوز أن يرد في الكتاب والسنة ( ما ) أي لفظ ( يُعْنَى بهِ ) أي يقصد به ( غيرُ ظاهرِهِ ) أي معناه الخفي ( إلا بدليلٍ ) يبيّن المراد منه كما في العام المخصوص فإن العام يحمل على عمومه قبل التخصيص فإذا جاء دليل خاص اتضح لنا حينئذ أن المراد من العام هو غير تلك الصورة التي وقع تخصيصها ( و ) الأصح ( أنَّهُ لا يبقى ) في الكتاب والسنة ( مجملٌ ) وهو ما لم تتضح دلالته ( كُلِّفَ بالعملِ به غيرَ مُبَيَّنٍ ) بأن لم تتضح دلالته إلى وفاته صلى الله عليه وسلم وهو لا يجوز لأن التكليف به يستدعي بيانه، فإن لم يكن أمر تكليف فلا ضير ببقائه على خفائه، وقيل يجوز أن يبقى المجمل على إجماله، وقيل لا يجوز أن يبقى مجمل مطلقا تعلق به عمل أو لا ( و ) الأصح ( أَنَّ الأدلةَ النقليَّةَ قدْ تفيدُ اليقينَ بانضمامِ غيرِها ) من مشاهدة وتواتر، كما في أدلة وجوب الصلاة فإن الصحابة علموا معانيها المرادة بالقرائن المشاهدة ونحن علمناها بواسطة نقل القرائن إلينا تواترًا، وقيل إن الإدلة تفيد اليقين مطلقًا ولو بدون قرائن، وقيل لا تفيده مطلقا ولو مع القرائن.


  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس الثاني عشر- مباحث الكتاب

    الدلالة


    الدلالة هي: فهم أمر من أمر آخر، كفهم وجود الخالق جلا وعلا من العالم، فالعالم دال ودليل، ووجود الخالق مدلول، والانتقال الذهني من الدال للمدلول هو الدلالة، فالدال هو: المفهِم لشيء آخر، والمدلول هو: الشيء المفهوم من شيء آخر.
    فإن كان الدال لفظا فالدلالة لفظية كدلالة لفظ زيد على ذات معينة، وإن كان الدال غير لفظ فالدلالة غير لفظية كدلالة الدخان المتصاعد في السماء على وجود نار.
    وكل من الدلالة اللفظية وغير اللفظية ينقسمان إلى ثلاثة أقسام هي: ( وضعية-طبعية- عقلية ).
    فالدلالة الوضعية هي: الحاصلة من الوضع والاصطلاح.
    كدلالة كل لغة على معانيها، وكمصطلحات العلوم من أصول وفقه ورياضيات وغيرها فإنها تدل على معانيها المصطلح عليها، وكوضع العلامات الدالة على الطريق، وإشارات المرور التي تم الاتفاق على أن كل لون منها يدل على حالة.
    والدلالة الطبعية هي: الحاصلة من طبع الشيء المجبول عليه أو من عاداته.
    كالصفرة فإن من طبع الإنسان اصفرار وجهه عند خوفه كاحمراره عند خجله، وكاقتضاء طبع بعض الناس أن يقول آخ عند الحس بالألم، وأف عند الضجر، وكعادة بعض الناس أن يضع أصبعه بين أعلى أذنه وحاجبه عند التفكير.
    والدلالة العقلية هي: الحاصلة بسبب التلازم العقلي بين شيئين، كدلالة الأثر على المؤثر والفعل على الفاعل فمتى رأينا أثر أقدام علمنا مسيرًا أو فقدان حاجة من البيت علمنا بوجود سارق وهكذا.
    ثم الدلالة اللفظية الوضعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي: ( مطابقة- تضمن- التزام ).
    فالمطابقة هي: دلالة اللفظ على تمام معناه الموضوع له.
    كدلالة لفظ الصلاة على تمام معناها وهو عبادة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
    والتضمن هو: دلالة اللفظ على جزء معناه الموضوع له، كدلالة لفظ الصلاة على الركوع مثلا.
    والالتزام هو: دلالة اللفظ على الخارج عن معناه الموضوع له، كدلالة لفظ الصلاة على الوضوء، فإن الوضوء معناه خارج عن معنى الصلاة ولكنه لازم له.
    ويسمى الدال ملزوما، والمدلول لازما، فالصلاة ملزومة والوضوء لازمها، وانتقال الذهن بينهما التزام.
    واللازم ينقسم - بحسب عمومه أو خصوصه- إلى قسمين: ( أعم- مساو ).
    فاللازم الأعم هو: الذي يوجد في الملزوم وغيره، كالزوجية فإنها لازمة للأربعة وتوجد في غيرها كالستة والثمانية.
    واللازم المساوي هو: الذي يوجد في الملزوم فقط ،كطلوع النهار فإنه لازم للشمس فقط، وهنا توجد الملازمة من الجانبين فكلما طلعت الشمس وجد النهار وكلما وجد النهار كانت الشمس طالعة.
    وينقسم اللازم أيضا- بحسب محل تحققه- إلى ثلاثة أقسام هي: ( ذهني فقط- خارجي فقط- ذهني وخارجي معا ).
    فاللازم الذهني هو: الذي يلزم في التصور والذهن فقط، كدلالة العمى على البصر فإن العمى متى تصور في العقل تصور معه البصر لأن العمى عدم البصر ولكن في العالم الخارجي لا يمكن أن يجتمع العمى والبصر في محل واحد.
    واللازم الذهني والخارجي هو: الذي يلزم في التصور والذهن وفي الواقع الخارجي أيضا.
    كدلالة الفعل على الفاعل والمفعول كالضرب فإن من تصور معناه وهو إيقاع شيء على شيء، تصور معه الضارب والمضروب، وكذلك في الواقع لا يوجد ضرب من دون ضارب ومحل يقع عليه الضرب.
    واللازم الخارجي هو: الذي يلزم في الواقع الخارجي فقط.
    كلزوم السواد للغراب فإن من تصور معنى الغراب وهو حيوان ناعق ولم يره لم يلزمه أن يتصوره أسود أو أبيض لأنه لا ترابط وتلازم ولكن في العالم الخارجي كل غراب أسود وكذا قل في لزوم البياض للثلج.
    وهنا مسألتان:
    الأولى: اتفقوا على أن دلالة اللفظ على معناه المطابق هي دلالة وضعية تؤخذ من اللفظ، ولكن اختلفوا في دلالة اللفظ على معناه التضمني والالتزامي فقيل: دلالة عقلية أي من أقسام الدلالة العقلية فبواسطة العقل ينتقل من معنى الشيء المطابق إلى جزئه ولازمه، والأظهر هو أن دلالة الالتزام لوحدها عقلية وأما دلالة التضمن فوضعية.
    الثانية: المعتبر في المنطق في دلالة الالتزام أن يكون اللزوم ذهنيا أو ذهنيا وخارجيا معا وأما اللزوم الخارجي فغير معتبر، وأما عند علماء الأصول فلا يشترط ذلك.
    ثم اللفظ وهو : الصوت المشتمل على بعض الأحرف ينقسم إلى قسمين ( مفرد - مركب ).
    فالمفرد هو: ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، كزيد فأجزاؤه وهي الزاي والياء والدال لا تدل على جزء من ذاته.
    والمركب هو: ما يدل جزؤه على جزء معناه، نحو غلام زيد فإن الغلام يدل على جزء المعنى وزيد يدل على جزء آخر.
    واللفظ المركب متى نقل إلى العلمية صار مفردا لأنه لم يعد يدل جزؤه على جزء معناه كعبد الله فهو مركب من كلمتين فإذا سمي به شخص صار مفردا وصارت كلماته الأصلية كالزاي والياء من زيد، وكأسماء العلوم مثل أصول الفقه وأصول الدين ومصطلح الحديث، فإذا أريد بها أسماء علوم مخصوصة فهي مفردة، وهي في الأصل مركبة من كلمتين.

    ( شرح النص )


    المنطوقُ والمفهومُ
    المنطوقُ: ما دلَّ عليهِ اللفظُ في محلِ النطقِ، وهوَ إنْ أَفادَ ما لا يحتمِلُ غيرَهُ كزيدٍ فنصٌّ، أَو ما يحتمِلُ بدَلَهُ مرجوحًا كالأسدِ فظاهِرٌ، ثُمَّ إنْ دلَّ جزؤُهُ على جزءِ معناهُ فمركَّبٌ، وإلا فمفردٌ، ودَلالَتُهُ على معناهُ مطابَقَةٌ، وعلى جُزئِهِ تَضَمُّنٌ، ولازمِهِ الذهنِيِّ التِزامٌ، والأُولَيَانِ لفظِيَّتانِ، والأَخِيرَةُ عقْلِيَّةٌ.

    .............................. .............................. .............................. ................
    دلالة النصوص على الأحكام الشرعية إما بالمنطوق أو بالمفهوم،وهو مبحث مهم ذكره المصنف بقوله:( المنطوقُ والمفهومُ ) أصل الكلام: هذا مبحثُ المنطوقِ والمفهوم، فحذف المبتدأ هذا، والمضاف مبحث، وأقيم المضاف إليه مقامه ( المنطوقُ ما ) أي معنى ( دلَّ عليهِ اللفظُ في محلِ النطقِ ) محل النطق هو مقام إيراد اللفظ والمعنى هو أن المنطوق هو معنى دل عليه اللفظ في مقام إيراد اللفظ، بمعنى أن المعنى يؤخذ من اللفظ ويستفاد منه بعكس المفهوم الذي هو معنى دل عليه اللفظ لا في محل النطق فهو غير منطوق به بل مسكوت عن بيانه، فقوله تعالى: فلا تقلْ لهما أُفٍّ، يدل على تحريم التأفيف بالمنطوق لأن هذا النص مستعمل في معناه المطابق، وتحريم الضرب يستفاد من المفهوم لأنه مسكوت عن بيانه ولم يذكر له لفظ بعينه كي يفيد هذا المعنى، وسيأتي مزيد تفصيل إن شاء الله ( وهوَ ) أي اللفظ الدال في محل النطق ( إنْ أَفادَ ما ) أي معنى ( لا يحتمِلُ ) أي اللفظ ( غيرَهُ ) أي غير ذلك المعنى ( كزيدٍ ) في نحو: جاءَ زيدٌ، فإن زيدًا مفيد للذات المشخصة من غير احتمال لغيرها ( فنصٌّ ) أي يسمى به ( أَو ) أفاد اللفظ ( ما ) أي معنى ( يحتمِلُ ) اللفظ ( بدَلَهُ ) أي بدل ذلك المعنى حال كونه ( مرجوحًا كالأسدِ) في نحو: رأيتُ اليومَ أسدًا، فإن الأسد مفيدٌ للحيوان المفترس مع احتمال أن يراد بدل ذلك المعنى الرجل الشجاع وهو معنى مرجوح لأنه معنى مجازي والأول حقيقي ( فظاهِرٌ ) أي يسمى به، أما المحتمل لمعنى مساو للآخر كالجون في نحو: ثوبُ زيدٍ جَوْنٌ، فإنه محتمل لمعنييه أي الأسود والأبيض على السواء فيسمى مجملا وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله ( ثُمَّ ) اللفظ ينقسم باعتبار آخر إلى مفرد ومركب لأنه ( إنْ دلَّ جزؤُهُ ) أي جزء لفظه ( على جزءِ معناهُ فمركَّبٌ ) تركيبا إسناديا كزيد قائم، أو إضافيا كغلام زيدٍ، أو تقييديا مثل الحيوانُ الناطِقُ، فإن الناطق صفة للحيوان مقيدة له لأنه إذا قيل الحيوان فقط لم يعلم أن المراد به الإنسان إلا إذا ذكر معه الناطق ( وإلا ) أي وإن لم يدل جزؤه على جزء معناه ( فمفردٌ ) كزيد ( ودَلالَتُهُ ) أي اللفظ ( على معناهُ مطابَقَةٌ ) كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق ( و ) دلالة اللفظ (على جُزئِهِ ) أي على جزء معناه ( تَضَمُّنٌ ) كدلالة الإنسان على الحيوان فقط أو الناطق فقط ( و ) دلالة اللفظ على ( لازمِهِ ) أي لازم معناه ( الذهنِيِّ ) سواء كان ذهنيا فقط أو ذهنيا وخارجيا معا، قيد احترز به عن اللازم الخارجي ( التِزامٌ ) كدلالة الإنسان على قابل التعلم، ثم هو تبع اصطلاح أهل المنطق ( والأُولَيَانِ ) أي دلالتا المطابقة والتضمن ( لفظِيَّتانِ ) أي مستفادتان من محض اللفظ الموضوع لمعنى ( والأَخِيرَةُ ) أي دلالة الالتزام ( عقْلِيَّةٌ ) لتوقفها على الانتقال من المعنى الموضوع له اللفظ إلى لازمه.


  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس الثالث عشر- مباحث الكتاب

    المنطوق والمفهوم



    المنطوق هو: المعنى الذي دلّ عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن،مثل قولك: جاءَ زيدٌ، فهو يدل على مجيء شخص معين، فالمعنى المدلول عليه بهذا اللفظ منطوق به لأن هذا اللفظ موضوع في لغة العرب لإفادة هذا المعنى.
    فإذا جاءَ نصّ ووجدنا المعنى المستفاد منه هو تمام ما وضع له اللفظ أو بعضه فهو المنطوق.
    ولكن ما هو الحال إذا كان المعنى المستفاد من اللفظ مأخوذًا بالالتزام ؟
    والجواب هو: أن دلالة الالتزام واسعة تشمل أقساما عدة هي:
    1- أن يدل اللفظ على كلمة محذوفة من النص وجودها ضروري ليستقيم الكلام.
    مثل: ( لا عملَ إلا بنيةٍ ) هذا اللفظ يدل بالدلالة الوضعية المطابقية على أنه لا يقع عمل في الواقع من غير أن يصاحبه نية، ولكنا نجد أن كثيرا من الأعمال تقع بغير نية شرعية تصحبه، فلا بد من تقدير كلمة صحيح أي لا عملَ صحيحَ إلا بنية، فهنا المعنى المطابق دلّ بالالتزام على تقدير كلمة صحيح، لأنا لو لم نقدره لصار الكلام كذبا.
    وتسمى هذه الدلالة بدلالة الاقتضاء.
    2- أن يدل اللفظ على أن الوصف الذي ترتّب عليه الحكم هو علة لذلك الحكم.
    مثل: ( القاتل لا يرِث ) فهذا اللفظ يدل بالمنطوق الصريح على أن من قتل مورثه يحرم من الإرث، ويدل بالالتزام على أن علة منع الوارث من إرثه هو القتل، فالمشتق ( قاتل ) عُلِّق عليه حكم المنع من الإرث، فدل على أن القتل علة للحكم، لأنه لو لم يكن علة له لصار الكلام معيبا، لأنه علق الحكم على وصف لا مدخل له فهو بمنزلة لو قال: الإنسان لا يرث أو المسلم لا يرث ونحو ذلك.
    ومثل: ( السارق تقطع يده ) فهذا اللفظ يدل بمنطوقه الصريح على وجوب قطع يد السارق، ويدل بالدلالة الالتزامية العقلية على أن السرقة علة القطع، وإلا لصار الكلام معيبا، ولصح بدل السارق والسارقة الرجل والمرأة تقطع يدهما.
    وتسمى هذه الدلالة بدلالة التنبيه والإيماء.
    3- أن يدل اللفظ على حكم غير مقصود ولكنه تابع ولازم لحكم آخر مقصود.
    أي أن يساق الكلام ليدل على معنى هو المقصود من اللفظ هو المنطوق به يتبعه حكم آخر غير مقصود لازم له .
    مثل: ( يحل الوطء للصائم في أي وقت من الليل ) فالمنطوق الصريح هو جواز الجماع للصائم طوال ليلة الصيام، ويلزمه صحة صيام المجنب، لأن من وطء ونزع عن الجماع قبل الفجر بلحظة يلزمه أنه لن يدرك ما يكفي من الوقت ليغتسل من الجنابة فيدخل الفجر وهو مجنب.
    ومثل قول أم المومنين عائشة رضي الله عنها: ( كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فيه ) متفق عليه، فمنطوقه الصريح هو فرك المني عن الثوب والصلاة فيه، ولازمه طهارة المني لأنه لو كان نجسا للزم غسله.
    وتسمى هذه بدلالة الإشارة وهي دلالة واسعة جدا تتباين فيها الأفهام تباينا شاسعا.
    4- أن يدل مفهوم اللفظ على حكم موافق للحكم المنطوق.
    وهو ما يسمى بمفهوم الموافقة أي أن يدل الحكم المنطوق على علة الحكم فيؤخذ من العلة حكما آخر موافقا للحكم المنطوق فإذا كان المنطوق تحريما مثلا كان المفهوم مثله وإذا كان إيجابا كان المفهوم مثله.
    مثل قوله تعالى: ( فلا تقل لهما أفٍّ ) فمنطوقه حرمة التأفيف ومفهومه حرمة الضرب والشتم ونحوهما، فهذا الحكم أخذ من المنطوق لاشتراكهما في علة التحريم وهي الإيذاء وهو في المفهوم أولى أي أن الضرب أولى بالتحريم من التأفيف ويسمى هذا النوع فحوى الخطاب.
    ومثل قوله تعالى: ( إنّ الذينَ يأكلونَ أموالَ اليتامى ظلمًا إنما يأكلونَ في بطونِهم نارًا وسيصلونَ سعيرا ) فيدل بمنطوقه على حرمة أكل أموال اليتامى، ويدل بمفهمومه الموافق على حرمة إحراق أموال اليتامى، لأن العلة هي إتلاف أموالهم، والمفهوم هنا مساو للمنطوق في الحكم ويسمى هذا النوع لحن الخطاب.
    5- أن يدل مفهوم اللفظ على حكم مخالف للحكم المنطوق.
    وهو ما يسمى بمفهوم المخالفة وهو ما يؤخذ من تخلف قيد من قيود الحكم.
    مثل: ( تجب الزكاة في الغنم السائمة ) فمنطوقه وجوب الزكاة في الغنم إذا كانت سائمة تأكل من حشائش الأرض، ومفهومه عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة.
    فإذا علم هذا فقد اتفق العلماء على أن ما دل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن يكون منطوقا، وما دل عليه بالموافقة أو المخالفة يكون مفهوما، واختلفوا في دلالة الاقتضاء والإشارة والتنبيه على ثلاثة أقوال:
    1- هي من دلالة المفهوم، فكل ما دلّ عليه اللفظ بالالتزام فهو من المفهوم.
    2- هي من دلالة المنطوق غير الصريح فالمنطوق ينقسم إلى صريح وهو ما دل بالمطابقة أو التضمن، وغير صريح وهو ما دل بالالتزام.
    3- هي ليست من المنطوق أو المفهوم بل هي قسم مستقل يسمى بتوابع المنطوق.
    مسألة: اختلف العلماء في كيفية استفادة مفهوم الموافقة من النص على قولين:
    1- إن الحكم مأخوذ بالقياس الأصولي كقوله تعالى: ( فلا تقلْ لهما أفٍّ ) نستخرج حرمة الضرب بالقياس بأن نعطي حكم الأصل وهو الحرمة إلى الفرع وهو الضرب لاتحادهما في علة الحكم وهو الإيذاء، ويسمى هذا النوع بالقياس الأولى لأن الحكم المأخوذ أولى من المنطوق فإن الضرب أشد تحريما لأنه أشد إيذاءً.
    2- إن الحكم مأخوذ من جهة اللغة لا بالقياس بأن يكون اللفظ دل عليه دلالة في غير محل النطق أي دلالة غير مباشرة وأمارة ذلك أن القياس يحتاج إلى نظر واستنباط وبحث عن العلة بينما العلة هنا وهي الإيذاء تفهم من اللغة ومن نفس النص فالعربي مباشرة يفهم أن النهي عن التأفيف للايذاء.
    فعلى القول الأول حكم الضرب مستخرجا بالقياس وعلى الثاني يكون مأخوذًا من لفظ الآية بالفحوى.

    ( شرح النص )


    ثُمَّ هِيَ إِنْ تَوَقَّفَ صِدْقُ المنْطُوقِ أَوْ صِحَّتُهُ على إِضمارٍ فَدَلالَةُ اِقْتِضاءٍ، وإِلا فَإِنْ دَلَّ على ما لمْ يُقْصَدْ فدَلالَةُ إِشارةٍ، وإِلا فدَلالَةُ إيماءٍ.
    والمفهومُ: ما دلَّ عليهِ اللفْظُ لا في مَحَلِّ النُّطْقِ، فإنْ وافقَ المنطوقَ فمُوافَقَةٌ ولو مُساوِيًا في الأصحِّ، ثمَّ فَحْوَى الخِطابِ إِنْ كانَ أَوْلى، ولَحْنُهُ إنْ كانَ مُساوِيًا، فالدَّلالَة مَفْهُومِيَّةٌ في الأصَحِّ. وإِنْ خَالَفَهُ فَمُخَالَفَةٌ.

    .............................. .............................. .............................. ................
    قد تقدّم أن المدلول من اللفظ نوعان: منطوق، ومفهوم، فالمنطوق هو: ما دلّ عليه اللفظ في محل النطقِ، فإذا قلتَ: جاءَ زيدٌ، فالمعنى الذي دلّ عليه اللفظ في مقام وحالة نطقك بهذه الجملة هو مجيء ذات مشخصة فيكون منطوقا، والمنطوق نوعان: صريح وهو ما دلّ عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن، وهو ثلاثة أقسام: نص كزيد في نحو: جاءَ زيدٌ، وظاهر كالأسد في نحو رأيتُ اليومَ أسدًا، ومجمل كجَوْن في نحو: ثوبُ زيدٍ جَوْنٌ، وغير صريح وهو ما دلّ عليه اللفظ بالالتزام، وهو ثلاثة أقسام: إقتضاء نحو: واسألْ القريةَ، أي أهلها لامتناع توجيه السؤال إلى البنايات، وإشارة نحو: أُحِلَّ لكمْ ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ، على صحة صيام من أصبح مجنبًا، وتنبيه نحو: الزانيةُ والزاني فاجلِدُوا كلّ واحدٍ منهما مائةَ جلدةٍ، على أن الزنا علة الجلد، فاتضح أن دلالة الالتزام هي التي تنقسم إلى ثلاثة أقسام، ولذا قال: ( ثُمَّ هِيَ ) أي دلالة الالتزام ( إِنْ تَوَقَّفَ صِدْقُ المنْطُوقِ أَوْ صِحَّتُهُ على إِضمارٍ ) أي على تقدير، مثال ما توقف صدق الكلام على مضمر إنما الأعمال بالنيات، أي صحتها، ومثال ما توقف صحة الكلام على إضمار واسأل القرية، أي أهلها، والفرق بين الصدق والصحة هو أن الأول في حال الإخبار عن شيء، والثاني في حال الإنشاء والطلب ( وإِلا ) أي وإن لم يتوقف صدق المنطوق ولا الصحة له على إضمار ( فَإِنْ دَلَّ ) اللفظ ( على ما لمْ يُقْصَدْ ) باللفظ أي أن المعنى الإشاري لم يقصد باللفظ بيانه، بخلافه في الإضمار فهو مقصود لتوقف الصدق والصحة عليه ( فدَلالَةُ إِشارةٍ ) أي يسمى بذلك ( وإِلا ) أي وإن لم يكن من الأول والثاني بأن دل اللفظ على ما قصد بيانه به ولم يتوقف على إضمار ( فدَلالَةُ إيماءٍ ) وتنبيه أي يسمى بذلك ( والمفهومُ: ما ) أي معنى ( دلَّ عليهِ اللفْظُ لا في مَحَلِّ النُّطْقِ ) أي لم يدل عليه اللفظ في مقام إيراد اللفظ بل ينتزع انتزاعا من السكوت عن بيانه نحو: إن جاءَك زيدٌ فأكرمه، فالمنطوق وهو وجوب إكرام زيد عند مجيئه أخذ من الألفاظ مباشرة، أما المفهوم وهو لا تكرم زيدًا إن لم يجئك فلم يؤخذ من الألفاظ مباشرة ( فإنْ وافقَ ) المفهومُ ( المنطوقَ ) في الحكم ( فمُوافَقَةٌ ) أي يسمى بذلك ويسمى مفهوم موافقة أيضا ( ولو ) كان المفهوم ( مُساوِيًا ) للمنطوق، وذلك أن مفهوم الموافقة نوعان أولى ومساو، فالأولى كتحريم ضرب الوالدين فهو أولى من التأفيق الذي ورد به النص، والثاني كتحريم إحراق أموال اليتامى فهو مساو لأكل أموال اليتامى الذي ورد به النص ( في الأصحِّ ) وقيل إذا كان المفهوم مساويا للمنطوق فلا يسمى مفهوم موافقة بل يسمى مفهوم مساواة واتفقوا على الاحتجاج به فالخلاف في التسمية فقط ( ثمَّ ) المفهوم الموافق يسمى ( فَحْوَى الخِطابِ إِنْ كانَ أَوْلى ) بالحكم من المنطوق ( ولَحْنُهُ ) أي لحن الخطاب ( إنْ كانَ مُساوِيًا ) للمنطوق في الحكم ( فالدَّلالَة ) على الموافقة ( مَفْهُومِيَّةٌ ) أي بطريق الفهم من اللفظ لا في محل النطق من غير حاجة إلى قياس ( في الأصَحِّ ) وقيل بل دلالته قياسية تؤخذ من القياس الشرعي كما أخذت حرمة النبيذ قياسا على الخمر بأن نقول الأصل هو التأفيف وحكمه هو التحريم وعلته هو الإيذاء فننقل حكم الأصل للفرع الذي هو الضرب لاشتراكهما في العلة، هذا وقد قال الإمام الجويني في البرهان ج2 ص 22: اختلف أرباب الأصول في تسمية ذلك قياسا فقال قائلون: إنه ليس من أبواب القياس وهو متلقى من فحوى الخطاب، وقال آخرون: هو من القياس، وهذه مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية اهـ ( وإِنْ خَالَفَهُ ) أي خالف المفهومُ المنطوقَ ( فَمُخَالَفَةٌ ) أي يسمى بذلك ويسمى مفهوم مخالفة أيضا.


  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس الرابع عشر- مباحث الكتاب


    مفهوم المخالفة


    قد تقدم أن مفهوم المخالفة هو ما يؤخذ من تخلف قيد من قيود الحكم، نحو: إن جاءَ زيدٌ فأكرمْهُ، فمجيء زيد هو قيد في الحكم الذي هو الإكرام، فإن لم يجئ فلا يجب إكرامه، أي أن الإكرام يدور مع المجيء فإن ثبت ثبت وان انتفى انتفى.
    ولمفهوم المخالفة شرط هو: ( أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت ).
    نحو: في الغنم السائمة زكاة، فالسائمة صفة وقيد للحكم وهو وجوب الزكاة؛ لأنّ السائمة لم تذكر إلا لنفي الحكم وهو وجوب الزكاة عن المعلوفة التي هي المسكوت عنه، فإن السائمة منطوق بها، والمعلوفة مسكوت عنها .
    فإن ظهر أن للمذكور فائدة غير نفي الحكم فالمفهوم ملغى لا يعمل به، وذلك في مواضع هي:
    1- أن يخرج اللفظ مخرج الغالب، بأن يكون ذكر القيد لا لأجل الاحتراز عن شيء ما بل لأن الغالب من أحواله هو ذلك مثل قوله تعالى: ( ولا تقتلوا أولادَكم خشيةَ إملاقٍ ) فالمشركون كانوا يقتلون أولادهم في الجاهلية خشية من الفقر هذا هو السبب في غالب حالات قتل الأولاد، فلم يذكر هذا لبيان أنه إذا كان قتل الأولاد ليس خشية الإملاق فهو غير محرم.
    2- أن يكون ترك ذكر المسكوت لخوف تهمة، كقول قريب عهد بالإسلام لغلامه بحضور المسلمين: تصدّق بهذا على أقربائي المسلمين، أي وغير المسلمين ولكنه لم يذكر ذلك خوفا من اتهامه بالنفاق فحينئذ لا يكون ذكر المسلمين للاحتراز.
    3- أن يكون المنطوق ذكر لموافقة الواقع، أي أنه ذكر لأجل أن الواقع هو ذلك لا للاحتراز كقولك لمن يؤذي جاره المسلم: لا تؤذي جارك المسلم، فلم ترد به الاحتراز وبيان جواز إيذاء الجار الكافر بل الكلام منصب على حالة محددة واقعية.
    4- أن يكون المنطوق ذكر جوابا لسؤال، كما لو قيل: هل تجب الزكاة في الغنم السائمة ؟ فأجيب: في الغنم السائمة زكاة فهذا الوصف أعني السائمة لا مفهوم له حينئذ لكونه خرج جوابا لسؤال فلا يدل هذا على أن غير السائمة لا زكاة فيها.
    5- أن يكون المنطوق ذكر بيانا لحكم حادثة معينة تتعلق به، كما لو قلتَ: لزيدٍ غنم سائمة، فقيل: في الغنم السائمة زكاة فهذا الوصف أعني السائمة لا مفهوم له حينئذ لكونه تعلّق بحادثة معينة، فلا يدل هذا على أن غير السائمة لا زكاة فيها.
    6- أن يكون المنطوق قد ذكره المتكلم لجهل المخاطب بحاله دون حكم المسكوت، كما لو قيل لمن يعرف أن صلاة النافلة تشرع قائما ولكن لا يعرف أنها تشرع جالسا فبين له الحكم فقيل: تشرع صلاة النافلة جالسا، فوصف الجلوس ليس للاحتراز بل لكونه يعلم أن المخاطب لا يجهل حكم صلاة النافلة قائما.
    7- أن يكون المسكوت عنه قد تركه المتكلم لجهله بحاله دون حكم المنطوق، كما لو جهل شخص حكم صلاة النافلة جالسا فقال: تشرع صلاة النافلة قائما، فلا يدل على عدم مشروعية الجلوس لأنه تكلم على حالة يعلمها وترك ما لا يعلمه.
    والجامع لهذه الشروط ونحوها هو: أن لا يظهر للقيد فائدة سوى نفي الحكم، فإن ظهر له فائدة أخرى ألغي المفهوم.
    مسألة: تلك الشروط وإن ألغت اعتبار مفهوم المخالفة إلا أنها لا تمنع إلحاق المسكوت بالمنطوق بواسطة القياس الأصولي.
    فمثلا خروج اللفظ مخرج الغالب يلغي مفهوم المخالفة نحو ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، فلا يدل على جواز قتلهم إذا كان لغير خشية إملاق فالمفهوم ملغى، ولكن لنا أن نقيس المسكوت عنه وهو ما كان لسبب آخر ككراهية الولد من تلك الأم على المنطوق وهو خشية الفقر ما دام أنه توجد علة القياس فإن العلة هنا هو تحريم إزهاق النفس بالباطل وهو متحقق في المنطوق والمسكوت بلا فرق.

    ( شرح النص )


    وَشَرْطُهُ أَلَّا يَظْهَرَ لتخصيصِ المنطوقِ بالذكرِ فائدةٌ غيرُ نفيِ حُكْمِ غيرِهِ، كَأَنْ خرجَ للغالِبِ في الأصحِّ، أَو لخوفِ تُهْمَةٍ، أَوْ لِمُوافَقَةِ الواقِعِ، أَوْ سُؤَالٍ، أَوْ لِحادِثَةٍ، أَو لجهلٍ بِحكمِهِ، أَوْ عَكْسِهِ، ولا يمنعُ قياسَ المسكوتِ بالمنطوقِ فلا يَعُمُّهُ المعروضُ، وقيلَ يَعُمُّهُ.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    قد تقدّم أن مفهوم المخالفة طريق للعلم بالحكم الشرعي ولكن ليس في كل مورد بل له شرطه بيّنه بقوله: ( وَشَرْطُهُ ) أي شرط مفهوم المخالفة ليكون معتبرا ( أَلَّا يَظْهَرَ لتخصيصِ المنطوقِ ) الذي هو القيد ( بالذكرِ فائدةٌ غيرُ نفيِ حُكْمِ غيرِهِ ) أي غير المنطوق وهو المسكوت، فإذا قيل: في الغنمِ السائمةِ زكاةٌ، يقال: الغنم منها المعلوفة ومنها السائمة فلأي غرض خصّ السائمة بالذكر ؟ الجواب: لنفي الزكاة عن المعلوفة فلم يظهر لذكر القيد هنا فائدة سوى نفي الحكم، فإن ظهرت فائدة غير ذلك ألغي المفهوم ولذا قال: ( كَأَنْ خرجَ ) القيد المذكور ( للغالِبِ ) بأن صرّح به المتكلم لأن الكثير الغالب من صوره مقيد بذلك القيد لا لأجل الاحتراز كما في قوله تعالى: وربائبكم اللآتي في حجوركم، والربائب جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غير زوجها الحالي، وقد وصفن بكونهن في حجور أي بيوت أزواج الأمهات لأجل أن الغالب في الربيبة أن تكون في حجر زوج أمها، فلا يدل هذا على مخالفة حكم من لم يكن في حجر الازواج لمن كنّ فيها ( في الأصحِّ ) وقيل إن هذا ليس بشرط ( أَو لخوفِ تُهْمَةٍ ) من ذكر المسكوت، كأن يقول حديث عهد بإسلام لغلامه بحضرة المسلمين: تصدق بهذا المال على المسلمين، فلا يعتبر مفهوم المسلمين ويمنع التصدق على الكفار؛ لأنه ترك ذكر غير المسلمين خوفا من أن يتهم بالنفاق ( أَوْ لِمُوافَقَةِ الواقِعِ ) كقوله تعالى: لا يتخذ المؤمنونَ الكافرينَ أولياءَ مِنْ دونِ المؤمنينَ، فإنها نزلت في قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فجاءت الآية ناهية عن هذه الحالة الواقعة من غير قصد التخصيص بها، فلا يقال يجوز موالاة الكفار مع المسلمين ( أَوْ ) لجواب ( سُؤَالٍ ) عن المذكور، كما لو فرض أن سائلا سأله صلى الله عليه وسلم: هل في الغنم السائمة زكاة ؟ فأجاب: في الغنم السائمة زكاة، فلا يكون لذكر السائمة مفهوم، لأن ذكرها في الجواب لمطابقة السؤال ( أَوْلـِ ) بيان حكم ( حادِثَةٍ ) تتعلق بالمذكور كما لو فرض أنه قيل بحضرته صلى الله عليه وسلم لفلان غنم سائمة، فقال: في الغنم السائمة زكاة، فلا يكون لذكر السائمة مفهوم، لأن ذكرها كان متعلقا بقضية معينة فلا يعم غيرها ( أَو لجهلٍ ) من المخاطب ( بِحكمِهِ ) أي حكم المنطوق دون المسكوت عنه، كما لو فرض أنه صلى الله عليه وسلم خاطب من يعلم حكم المعلوفة ويجهل حكم السائمة فقال: في الغنم السائمة زكاة، فلا يكون لذكر السائمة مفهوم، لأن تخصيصها بالذكر لكون المخاطب لا يجهل إلا إياها ( أَوْ عَكْسِهِ ) أي أو لجهل المتكلم بحكم المسكوت دون حكم المنطوق كقولك: في الغنم السائمة زكاة، وأنت تجهل حكم المعلوفة، فلا يكون لذكر السائمة مفهوم، لأن اقتصارك عليها لكونها هي المعلومة عندك، تنبيه: ظهر من قول المصنف: كَأَنْ خرجَ .. أن الكلام خرج مخرج التمثيل لا الحصر، فيشمل غيرها كما لو كان القيد للامتنان به أي ذكرَه لأنه هو محل الامتنان واظهار النعمة لا لأجل الاحتراز كقوله تعالى: لتأكلوا منه لحمًا طَرِيًّا، فلم يرد سبحانه بذكر وصف الطري الاحتراز عن اللحم غير الطري بل إظهار زيادة الامتنان به فإن اللحم الطري أحب للنفوس من القديد وهو اللحم الذي قطع وملح وعرض على الشمس والهواء فجف ويبس وكانوا يفعلون ذلك لغرض حفظه من التلف فلم يكن لهم ما أنعم الله به علينا من الثلاجات، والقاعدة هي أن لا يظهر للقيد فائدة سوى نفي الحكم، فإن ظهر له فائدة أخرى ألغي المفهوم ( ولا يمنعُ ) ما يقتضي تخصيص المذكور بالذكر مما تقدم ( قياسَ المسكوتِ بالمنطوقِ ) إذا كان بينهما علة جامعة، مثاله: لو قيل: هل في الغنم السائمة زكاة ؟ فأجيب: في الغنم السائمة زكاة، فهنا مفهوم السائمة ملغى، ولكن هل يجوز لنا أن نقيس المسكوت على المنطوق أعني المعلوفة على السائمة ؟ الجواب نعم لا مانع من ذلك، وهذا مبني على مسألة وهي: إذا ألغي مفهوم المخالفة هل يصير القيد لاغيا كأنه غير موجود أو لا يصير لاغيا بل يعتبر وجوده ولكن لا يؤخذ منه مفهوم ؟ فإذا أجيب: في الغنم السائمة زكاة، فهل نقول ألغي وصف السائمة فكأنه قال: في الغنم زكاة، واسم الغنم يعم السائمة والمعلوفة كما هو معلوم فيكون قد بين المتكلم حكم المعلوفة أيضا وأن فيها الزكاة، أو نقول لا نلغيه ويكون المتكلم قد بين أن في الغنم السائمة زكاة ولكنه لم يبين حكم المعلوفة فقد يكون فيها زكاة وقد لا يكون فنحتاج لدليل، فإذا قلنا بالأول وهو أن الاسم أي الغنم يعمه فأي حاجة لقياس المعلوفة على السائمة وهما مندرجان تحت لفظ واحد يعمهما، وإذا قلنا بالثاني وهو أن القيد غير ملغى وبالتالي لم يبين حكم المعلوفة بل هو مسكوت عنه فلنا إذا توفرت العلة الجامعة أن نقيس المسكوت على المنطوق وهذا هو الأصح ولذا قال: ( فلا يَعُمُّهُ ) أي المسكوتَ ( المعروضُ ) وهو اللفظ المقيد، فإذا قيل الغنم السائمة، فالغنم معروض أي موصوف والسائمة عارض أي وصف، والمعنى أن لفظ المعروض لا يتناول المسكوتَ، فنحتاج للقياس، وهذا هو الأصوب ( وقيلَ يَعُمُّهُ ) أي يعمُّ المسكوتَ المعروضُ؛ لأن قيد السائمة مثلا لما ألغي مفهومه اعتبر كأنه غير موجود فكأن المتكلم لم يذكره بل قال: في الغنم زكاة، فحينئذ لا نحتاج للقياس لاندراج المعلوفة تحت اسم الغنم.




  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس الخامس عشر- مباحث الكتاب

    أنواع مفهوم المخالفة



    1- الصفة وهي: كل لفظ مقيد لآخر، مما هو في المعنى وصف فيشمل: ( النعت النحوي- الإضافة- العلة- الظرف الزماني- الظرف المكاني-الحال- العدد ).
    مثال النعت النحوي: في الغنمِ السائمةِ زكاةٌ.
    ومثال الإضافة: في سائمةِ الغنمِ زكاةٌ.
    ومثال العلة: أعطِ السائلَ لحاجتِهِ أي المحتاج.
    ومثال الظرف الزماني: سافرْ يومَ الجمعةِ أي لا غيره من الأيام.
    ومثال الظرف المكاني: اجلسْ أمامَ فلانٍ أي لا في غيره من بقية الجهات.
    ومثال الحال: أحسنْ إلى العبدِ مطيعًا أي لا عاصيًا.
    ومثال العدد: امش ثلاثين خطوة أي لا أقل ولا أكثر.
    ثم الصفة قد تكون مناسبة للحكم، وقد تكون غير مناسبة للحكم، مثال الأولى: في الغنم السائمة زكاة، فإن السوم صفة مناسبة للحكم بوجوب الزكاة، لأن السوم يدل على خفة المؤنة والتكاليف على صاحب الغنم فناسب فرض الزكاة عليه، ومثال الثانية: كما لو قيل: في الغنمِ العُفْرِ زكاة، والعفر هي التي يعلو بياضها حمرة، فصار لونها كلون العَفَر من التراب، وهو معنى غير مناسب لوجوب الزكاة.
    2- الشرط نحو أكرمْ زيدًا إن جاءَك أي لا إن لم يجئك.
    3- الغاية نحو كل حتى يطلع الفجر أي لا بعده.
    4- تقديم المعمول نحو إياك نعبد وإياك نستعين أي دون غيرك.
    5- إنما نحو إنما العلم بالتعلم أي لا بغيره.
    6- النفي والاستثناء نحو لا غالب إلا الله.
    7- ضمير الفصل- وهو ما يفصل بين المبتدأ والخبر- نحو زيدٌ هوَ الرابحُ أي لا غيره.

    ترتيب أنواع مفهوم المخالفة


    بعض المفاهيم أعلى من بعض وأقوى دلالة فأعلاها:
    1- ما كان بالنفي والاستثناء مثل لا عالمَ إلا زيدٌ لسرعة تبادر المفهوم المخالف إلى الذهن حتى قال بعض العلماء إنه منطوق صراحة وليس من المفهوم.
    2- الغاية، وإنما.
    3- الشرط، وضمير الفصل.
    4- الصفة المناسبة.
    5- مطلق الصفة غير العدد.
    6- العدد.
    7- تقديم المعمول.
    وفائدة هذا الترتيب تظهر عند التعارض، فإذا تعارض مفهوم الغاية والشرط مثلا قدم الغاية، وكذا إن تعارض مفهوم الشرط والصفة قدم الشرط، وقس عليه الباقي.

    مفهوم اللقب


    المراد من اللقب هو: الاسم المعبِّر عن ذات، فيشمل: العلم واسم الجنس.
    فالعلم هو: اسم دل على معين، كزيد، فإذا قلنا جاءَ زيدٌ، فهل له مفهوم مخالف وهو أنه لم يجئ غيره؟ الجواب: لا.
    واسم الجنس هو: اسم دل على شائع في جنسه، كرجل وتراب وماء وشجرة ونحوها من النكرات، فإذا قلنا: في الغنمِ زكاة، فالغنم لقب فلا يدل على عدم وجوب الزكاة في غيرها من بقر وإبل.

    حجية مفهوم المخالفة


    مفهوم المخالفة حجة عند جمهور العلماء، وحجيته ثابتة بدلالة اللغة فإن المألوف في أساليب اللغة أن تقييد الحكم بقيد يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء ذلك القيد، ولذا فهم كثير من أئمة اللغة كأبي عبيدة من قوله صلى الله عليه وسلم: مَطَلُ الغنيِّ ظلمٌ. رواه البخاري ومسلم، أن مطل غير الغني ليس بظلم، والمطل هو المماطلة وعدم تسديد الدين، وهم إنما يقولون في مثل ذلك ما يعرفونه من لسان العرب، فظهر أن حجية مفهوم المخالفة ثابتة بلغة العرب وأن العرب من قديم كانوا يفهمونها ويحتجون بها من غير توقف على شرع أو على استدلال عقلي.

    ( شرح النص )


    وهوَ صِفَةٌ كالغنمِ السائِمَةِ، وسائِمَةِ الغنمِ، وكالسائِمَةِ في الأصحِّ، والمنفيُّ في الأوَّلَينِ معلوفةُ الغنمِ على المختارِ، وفي الثالثِ معلوفةُ النَّعَمِ، ومنهَا العِلَّةُ، والظرفُ، والحالُ، والشرطُ، وكذا الغايةُ، وتقديمُ المعمولِ غالبًا، والعددُ.
    ويفيدُ الحصرَ إنَّما بالكسرِ في الأصحِّ، وضميرُ الفصلِ، ولا وإلَّا الاستثنائيَّةُ، وهوَ أعلاها، فما قيلَ منطوقٌ كالغايةِ وإِنَّما، فالشَّرْطُ، فصِفَةٌ أُخرى مناسِبَةٌ، فغيرُ مناسبةٍ، فالعددُ، فتقديمُ المعمولِ.
    والمفاهيمُ حُجَّةٌ لغةً في الأصحِّ، وليسَ منها اللقَبُ في الأصحِّ.

    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    شرع في بيان أنواع مفهوم المخالفة فقال: ( وهوَ ) أي مفهوم المخالفة ( صِفَةٌ ) والمراد بها لفظ مقيد لآخر، فيشمل النعت النحوي وغيره كالحال والظرف ( كالغنمِ السائِمَةِ ) وهي نعت للغنم ( وسائِمَة الغنمِ ) وهي مضافة للغنم ( وكالسائِمَةِ في الأصحِّ ) أي يدخل في الصفة ما لو ذكر الصفة وحذف الموصوف فقال: في السائمة زكاة، وقيل لا يدخل فلا مفهوم له ( والمنفيُّ في ) المثالين ( الأوَّلَينِ ) وهما: الغنم السائمة، وسائمة الغنم ( معلوفةُ الغنمِ ) أي احترزنا بالغنم السائمة عن الغنم المعلوفة، وكذا احترزنا بسائمة الغنم عن معلوفة الغنم، فالمعنى فيهما واحد فمفهومهما أن لا زكاة في الغنم المعلوفة ( على المختارِ ) من أقوال العلماء، وقيل المنفي فيهما هو معلوفة النعم من بقر وإبل وغنم، فإذا قيل: في الغنمِ السائمة زكاة، دلّ على هذا القول أنه لا زكاة في البقر والإبل والغنم المعلوفة، وفيه بعد كما لا يخفى ( و ) المنفيّ ( في ) المثال ( الثالثِ ) وهو السائمة ( معلوفةُ النَّعَمِ ) فإذا قيل: في السائمةِ زكاة، كان المعنى أن في النعم السائمة زكاة، فدل بمفهومه على أنه لا زكاة في النعم المعلوفة ( ومنهَا ) أي ومن الصفة، اعلم أن بعضهم فسر الصفة بكل لفظ مقيد لآخر مما ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية، وبعضهم فسر الصفة بكل لفظ مقيد لآخر ولم يستثن فيشمل الشرط والاستثناء والغاية فكلها مندرجة في الصفة، وعليه جرى المصنف في المتن ( العِلَّةُ ) نحو: عاقبْ الرجلَ لإسائَتِهِ أي المسيء ( والظرفُ ) زمانا أو مكانا نحو: سافرْ غدًا أي لا في غيره من الأيام، واجلسْ أمامَ فلانٍ، أي لا في غيره من بقية جهاته ( والحالُ ) نحو أحسنْ إلى العبدِ مطيعًا أي لا عاصيًا ( والشرطُ ) نحو قوله تعالى: وإنْ كُنَّ أولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ، أي فغيرهن ممن لسن أولات حملٍ لا يجب الإنفاقُ عليهنّ ( وكذا الغايةُ ) في الأصح نحو قوله تعالى: فإنْ طلقَها فلا تحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَهُ، أي فإنْ نكحت زوجًا غيره حلت له، وقيل ما يفهم من الغاية ليس من مفهوم المخالفة بل هو من دلالة الإشارة فيكون منطوقا غير صريح وذلك لتبادره إلى الأذهان ( وتقديمُ المعمولِ ) على العامل في الأصح نحو قوله تعالى: إياكَ نعبدُ أي لا غيرك، وقيل لا يفيد الحصر وإنما أفاده في نحو إياك نعبد للقرينة وهي العلم بأن قائليه أي المؤمنين لا يعبدون غير الله ( غالبًا ) أي في غالب أحوال تقديم المعمول على العامل، وقد لا يفيد الحصر في بعض الصور نحو: القائدَ قتلتُ، مع أنك قد تكون قد قتلت غيره في المعركة ويكون الغرض من التقديم إفادة الاهتمام به لأن له شأنا خاصا استدعى تقديمه ( والعددُ ) في الأصح نحو قوله تعالى: فاجلدوهم ثمانينَ جلدةً أي لا أكثر ولا أقل، وقيل ليس العدد من مفاهيم المخالفة المعتبرة، ثم مما له مفهوم مخالف ما يفيد الحصر ولذا ذكره بقوله: ( ويفيدُ الحصرَ إنَّما ) لاشتمالها على نفي واستثناء تقديرًا نحو إنما إلهكم الله أي لا غيره، والإله هو المعبود بحق ( بالكسرِ ) لا بالفتح نحو قوله تعالى: اعلموا أَنما الحيوة الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ.. الآية، فليس القصد فيها إفادة حصر الدنيا بهذه الأشياء ( في الأصحِّ ) وقيل إن إنما بالكسر لا تفيد الحصر، وقوله في الأصحّ راجع إلى المسائل الأربع التي هي: الغاية، وتقديم المعمول، والعدد، وإنما ( وضميرُ الفصلِ ) نحو قوله تعالى: فاللهُ هوَ الوليُّ أي فغيره ليس بوليّ أي ناصر ( ولا وإلَّا الاستثنائيَّةُ ) نحو لا عالمَ إلا زيدٌ، وما قامَ إلا زيدٌ، منطوقهما نفي العلم والقيام عن غير زيد، ومفهومهما إثبات العلم والقيام لزيد، ومما يفيد الحصر نحو: العالمُ زيدٌ، وصديقي زيدٌ، مما عرّف فيه المسند والمسند إليه ( وهوَ ) أي الأخير وهو لا وإلا الاستثنائية ( أعلاها ) أي أعلى أنواع مفهوم المخالفة قوة حتى قيل إنه منطوق صراحة لسرعة تبادر فهمه إلى الأذهان، وأقول لعل القول بأنه منطوق صراحة هو الأصح إذْ يبعد أن تكون كلمة التوحيد لا إله إلا الله تدل على إثبات الإلوهية لله من طريق مفهوم المخالفة الذي هو أضعفها دلالة وخالف بعض العلماء في حجيته ( فما قيلَ ) فيه إنه ( منطوقٌ كالغايةِ وإِنَّما ) فقد قيل إن دلالتهما على المفهوم من المنطوق غير الصريح بدلالة الإشارة ( فالشَّرْطُ ) إذ لم يقل أحد إنه منطوق ( فصِفَةٌ أُخرى مناسِبَةٌ ) للحكم لأن بعض العلماء احتجوا بدلالة الشرط وخالفوا في اعتبار الصفة فما حصل فيه الخلاف يتأخر رتبته، وقيّد الصفة بأخرى للإشارة إلى أن لا و إلا الاستثنائية والغاية وإنما والشرط هي من الصفات في اصطلاح المصنف الذي تبع به الإمام الجويني رحمه الله، وقيّد بالمناسبة لحصول الخلاف في حجية غير المناسبة، مثال المناسبة في الغنم السائمة زكاة ( فـ ) صفة ( غيرُ مناسبةٍ ) نحو في الغنم السود زكاةٌ ( فالعددُ ) لإنكار كثير من العلماء لحجيته دون ما قبله ( فتقديمُ المعمولِ ) آخر المفاهيم لأنه لا يفيد الحصر في كل صورة كما مر، وفائدة هذا الترتيب تظهر عند التعارض، فإذا تعارض مفهوم الغاية والشرط مثلا قدم الغاية، وكذا إن تعارض مفهوم الشرط والصفة قدم الشرط، وقس عليه الباقي ( والمفاهيمُ ) المخالفة ( حُجَّةٌ لغةً ) أي من حيث دلالة اللفظ عليه، والمراد أنه حجة شرعا بدليل اللغة ( في الأصحِّ ) وقيل إنه حجة بدليل الشرع لا اللغة لمعرفة ذلك من تتبع موارد كلام الشارع، وقيل إنه حجة بدليل العقل وهو أنه لو لم ينف المذكور الحكم عن المسكوت لم يكن لذكره فائدة، وأنكر قوم كالإمام أبي حنيفة رحمه الله حجية مفهوم المخالفة كلها ( وليسَ منها ) أي من المفاهيم المخالفة ( اللقَبُ ) وهو ما عبر به عن الذات كالعلم كقوله تعالى محمد رسول الله فلا يدل على نفي الرسالة عن غيره ( في الأصحِّ ) كما قال به جماهير الأصوليين وقيل هو منها نحو: على زيدٍ حجٌّ أي لا على غيره، وأجيب أن دلالته على المفهوم في خصوص هذا المثال للقرينة.




  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    942

    افتراضي

    الدرس السادس عشر- مباحث الكتاب

    الموضوعات اللغوية



    أولا: الموضوعات اللغوية هي: الألفاظ الدالة على المعاني التي وضعت لها، كماء وشمس وأرض ونخلة وقرء ونحو ذلك.
    ومن لطف الله سبحانه بعباده حدوث هذه الموضوعات اللغوية ليعبر بها الإنسان عما في نفسه، وهي أكثر فائدة من الإشارة التي يشير بها الإنسان بيده أو رأسه ليشرح بها ما في نفسه، ومن المثال أي الشكل المصنوع من طين ونحوه على هيئة شيء ما ليدل عليه، ومن الرسم كرسم صورة فرس على جدار لتدل عليه؛ لأن هذه الأشياء تخص الموجودات الحسية، والألفاظ يعبر بها عن المحسوس والمعقول والموجود والمعدوم، وهي كذلك أيسر وأقل مؤنة لأنها تخرج مع النَّفَس الضروري للحياة.
    ثانيا: طريق معرفة اللغة إما النقل تواترا كالسماء والأرض والفرس لمعانيها المعروفة أو آحادا كمعرفة أن معنى الضرغام هو الأسد والقرء هو الحيض والطهر، وإما باستنباط العقل من النقلكاستنباط أن الجمع المعرف بأل دال على العموم، فقد عرف بالنقل جواز الاستثناء من الجمع المعرف بأل، فدل ذلك عقلا على لزوم تناوله للمستثنى منه حتى صحّ الاستثناء منه، ولا يعرف ذلك بمجرد العقل بل لا بد من النقل.
    ثالثا: اللفظ له معنى وللمعنى مصداق، كالإنسان فمعناه ومفهومه حيوان ناطق، ومصداقه – أي ما يصدق عليه في الخارج من الأفراد- زيد وعمرو وهند.
    والمصداق قد يكون لفظا كالكلمة فإن معناها قول مفرد ومصداقها زيد وقام وفي ونحو ذلك، فنحن هنا لا نقصد أن مصداق الكلمة هو ذات زيدٌ التي تقوم وتقعد وإنما نقصد مصداقها هو لفظ زيد المشتمل على الزاي والياء والدال.
    وقد يكون المصداق غير لفظ كإنسان فإن مصداقه ذوات نحو زيد وعمرو وهند، وهذا المصداق غير اللفظي تارة لا يمتنع مفهومه من الانطباق على أكثر من واحد كالإنسان، ويسمى كلياوتارة يمتنع مفهومه من الانطباق على أكثر من واحد كزيد، ويسمى جزئيا.
    والمصداق الذي هو لفظ تارة يكون مفردا سواء أكان مستعملا مثل الكلمة تصدق على ألفاظ مفردة دالة على معنى مثل زيد وجاء وهل، أم مهملا كأسماء حروف الهجاء مثل الباء فهو اسم لـ بَهْ، وكالتاء اسم لـ تَهْ فمصاديقها ألفاظ لكنها غير دالة على معنى.
    وتارة يكون مركبا سواء أكان مستعملا مثل الكلام فمصداقه زيدٌ قائمٌ، وقامَ زيدٌ، أم مهملا كالهذيان فإن معناه ألفاظ مركبة لا تدل على معنى كألفاظ السكران التي لا يعقل معناها.
    رابعا: الوضع: جعل اللفظ دليلًا على المعنى، كجعل لفظ الماء دليلا على السائل المعروف.
    ولا يشترط في الوضع وجود المناسبة بين اللفظ والمعنى عند وضعه له، بل الأمر موكول إلى اختيار الواضع، وقال عباد بن سليمان الصَّيْمَرِي من المعتزلة يشترط وجود مناسبة وإلا لما خص هذا اللفظ دون غيره بهذا المعنى، فعلى كلامه لا بد من وجود مناسبة خاصة بين لفظ نار ومعناه ولفظ ماء ومعناه وهكذا، فهم يرون أن في الحروف صفات معينة من قوة وضعف ورخاوة ويبوسة ونحو ذلك تقتضي أن الواضع حينما يركب الحروف ويجمع بينها لا يفعل هذا إلا لمناسبة فلا يصح أن يرفع حرفا ويضع مكانه آخر، وردّ بأنه قد يوضع اللفظ للشيء وضده كالقرء للحيض والطهر فكيف ناسب لفظ القرء ذلك.
    خامسا: للمعاني وجود في الذهن ووجود في الخارج، كالأسد فإن معناه الحيوان المفترس المعروف، وله أفراد في الخارج فهل اللفظ موضوع للمعنى الحاصل للشيء في أذهاننا أو للمصاديق الخارجية؟
    المختار أنه موضوع للمعنى الذهني، وقيل إنه موضوع للمعنى الخارجي.
    ولم يوضع لكل المعاني ألفاظ فمثلا الروائح كثيرة جدا يميزها الأنف ولم يوضع لكل رائحة اسم خاص بها بل يقال رائحة كذا كرائحة الورد والياسمين ورائحة المسك ونحو ذلك وهذا يكفي في التمييز بينها ولا نحتاج ألفاظا مستقلة.
    سادسا: المحكم هو: اللفظ المتضح معناه، سواء أكان نصا كزيد في جاءَ زيدٌ أم ظاهرًا كالأسد في رأيت اليوم أسدًا.
    والمتشابه: ما لم يتضح معناه، واختلفوا فيه فقال بعضهم: هو ما استأثر الله بعلمه ولا يعلمه أحد ولو كان من الراسخين في العلم، وقال بعضهم بل هو مما لم يستأثر الله بعلمه كالألفاظ المجملة والمحتملة لأكثر من معنى تخفى على بعض الناس ويعرفها غيرهم.
    سابعا: اللفظ الشائع بين عوام الناس وخواصهم لا يجوز أن يكون موضوعا في اللغة لمعنى خفي لا يدركه إلا الخواص من الناس، بل يجب أن يكون معلوما عند الجميع كالقيام والقعود والحركة.

    ( شرح النص )


    مسأَلَةٌ: مِن الألطافِ حُدُوثُ الموْضُوعاتِ اللغويةِ، وهيَ أفيدُ من الإشارةِ والمثالِ وأيسَرُ، وهيَ: ألفاظٌ دالّةٌ على معانٍ، وتُعْرَفُ بالنَّقْلِ، وباستنباطِ العقلِ منهُ، ومدلولُ اللفظِ معنىً جُزئيٌّ أو كليٌّ، أَو لفظٌ مفردٌ أو مركّبٌ، والوضعُ: جعلُ اللفظِ دليلَ المعنى، وإن لمْ يناسبْه في الأصحّ، واللفظُ موضوعٌ للمعنى الذهني على المختارِ، ولا يجبُ لكلِّ معنىً لفظٌ، بل لمعنىً محتاجٍ لِلَفْظٍ، والمحكَمُ: المتَّضِحُ المعنى، والمتَشَابِهُ غيرُهُ في الأَصَحِّ، وقَدْ يُوضِحُهُ اللهُ لبعضِ أَصفيائِهِ، واللفظُ الشائِعُ لا يجوزُ وضْعُهُ لمعنىً خَفِيٍّ على العَوَامِّ كقولِ مثبتي الحالِ: الحركةُ معنىً يوجِبُ تحرُّكَ الذاتِ.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    شرع في المقدمات اللغوية التي اعتاد الأصوليون ذكرها في علم الأصول فقال: ( مسأَلَةٌ مِن الألطافِ ) أي من الأمور التي لطف الله بها الناس وأحسن بها إليهم ( حُدُوثُ ) أي وجود ( الموْضُوعاتِ اللغويةِ ) ليتمكنوا بها من التعبير عما في أنفسهم ( وهيَ ) أي الموضوعات اللغوية ( أفيدُ ) في الدلالة على ما في النفس ( من الإشارةِ ) باليد أو الحاجب مثلا ( والمثالِ ) أي الشكل الذي يصنع من الطين ونحوه على صورة شيء ما؛ لأن الألفاظ تعم الموجود والمعدوم وهما يخصان الموجود المحسوس ( وأيسَرُ ) لأن الألفاظ تخرج مع النفَس الضروري للحياة بخلافهما فإنهما يحتاجان إلى كلفة ( وهيَ ) أي الموضوعات اللغوية ( ألفاظٌ دالّةٌ على معانٍ ) سواء المفرد كزيد والمركب كقام زيد ( وتُعْرَفُ ) أي الألفاظ الدالة على المعاني ( بالنَّقْلِ ) عن أهل اللغة تواترًا نحو السماء والأرض والحر والبرد لمعانيها المعروفة، أو آحادًا كالقرء للحيض والطهر ( وباستنباطِ العقلِ منهُ ) أي من النقل كاستنباط العقل أن الجمع المعرف باللام يدل على العموم لصحة الاستثناء منه ( ومدلولُ اللفظِ ) أي مصداقه، وإطلاق المدلول على المصداق شائع، والأصل إطلاقه على المفهوم الذي وضع له اللفظ ( معنىً جُزئيٌّ أو كليٌّ ) لأنه إن لم يمتنع أن يكون له أكثر من مصداق في الخارج فهو الكلي كجبل وإلا فجزئي كهذا الجبل ( أَو لفظٌ مفردٌ ) إما مستعمل كمصداق الكلمة كلفظ زيد وقام وفي، أو مهمل كمصداق أسماء حروف الهجاء كحروف جلس أي جه له سه ( أو ) لفظ ( مركّبٌ ) إما مستعمل كمصداق لفظ الخبر كقامَ زيدٌ أو مهمل كمصداق لفظ الهذيان ( والوضعُ: جعلُ اللفظِ دليلَ المعنى ) بحيث متى أطلق اللفظ فهم منه المعنى ( وإن لمْ يناسبْه ) أي لم يناسب اللفظ المعنى؛ فإن الموضوع للضدين كالجون للأسود والأبيض لا يناسبهما لفظ واحد ( في الأصحّ ) خلافا لعباد الصيمري القائل باشتراط المناسبة ( واللفظُ موضوعٌ للمعنى الذهني على المختارِ ) وقيل للخارجي ( ولا يجبُ ) أن يكون ( لكلِّ معنىً لفظٌ بلْ ) إنما يجب ( لمعنىً محتاجٍ لِلَفْظٍ ) إذْ أنواع الروائح مع كثرتها ليس لها ألفاظ لعدم انضباطها، ويُدل عليها بالتقييد كرائحة كذا، فليست محتاجة للألفاظ، بخلاف أسماء الأشياء مثلا ( والمحكَمُ ) من اللفظ ( المتَّضِحُ المعنى ) من نص أو ظاهر ( والمتَشَابِهُ غيرُهُ ) أي غير المتضح المعنى ولو للراسخ في العلم ( في الأَصَحِّ ) وقيل يعلمه الراسخون في العلم، والأصل في المسألة قوله تعالى: هوَ الذي أَنزلَ عليكَ الكتابَ منهُ آياتٌ محكماتٌ هنّ أمُّ الكتابِ وأُخَرُ متشابِهاتٌ فأمّا الذينَ في قلوبِهم زيغٌ فيتّبعونَ ما تشابَهَ منهُ ابتِغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلِهِ وما يعلمُ تأَويلَهُ إلا اللهُ والراسِخونَ في العلمِ يقولونَ آمنا بهِ كلٌّ منْ عندِ ربِّنا، فقد اختلف في الوقف على قوله سبحانه إلا الله فقيل هو تام، والراسخون استئناف لجملة جديدة وبالتالي الراسخون لا يعلمون تأويل المتشابه، وقيل، الراسخون معطوف على الله فهم يعلمون تأويله ( وقَدْ يُوضِحُهُ اللهُ ) أي المتشابه ( لبعضِ أَصفيائِهِ ) معجزة لنبي أو كرامة لولي، هذا وقد قالَ كثير من الأشعرية: إن المتشابه هو بعض آيات الصفات كقوله تعالى يد الله فوق أيديهم، فلا ندري ما يد الله، ولا يعلم تأويله إلا الله، بناء منهم على مذهبهم في التفويض، واختارَ الإمام ابن تيمية تبعا لغيره من السلف أن الوقف وإن كان تاما على لفظ الجلالة في قوله تعالى إلا الله إلا أن ذلك لا يعني أن الراسخين في العلم ليس عندهم تفسير معناه، وجعل من مصاديق المتشابه هو اللفظ المشترك الذي يحتمل أكثر من معنى في الآية فيتعلق به من في قلبه مرض ليفسره على غير مراد الله سبحانه كنحن وإنا في قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر، فتارة يراد بهما الجمع وتارة يراد بهما التعظيم، فيتعلق النصراني بمعنى الجمع ليقول إن الله ثلاثة -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا- ويترك صريح النصوص كقوله تعالى: وإلهكم إله واحد، وأما الراسخون في العلم فيعرفون مراد الله منه، وضمير الهاء في قوله تعالى: وما يعلمُ تأويلهُ، إما أن يكون راجعا إلى الكتاب أي ما يعلم تأويل الكتاب إلا الله، ويكون المراد بالتأويل حقيقة الشيء لا مجرد معناه وذلك كالغيب الذي أمرنا الله بالإيمان به كموعد يوم القيامة فهذا مما لا يعلمه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل واستأثر الله بعلمه، وإن كان الضمير راجعا إلى المتشابه أي ما يعلم المتشابه من الكتاب إلا الله كان ذلك كنصوص الوعد والوعيد ففيها أمور لا يعلم حقيقتها إلا الله فمثلا ما في النصوص من طعام الجنة والأنهار ونحو ذلك لسنا نعرف إلا الأسماء أما حقائق تلك الأشياء فلا يعلمها إلا الله كما قال تعالى: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، فلا يعلمها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فالتأويل في الآية لا يقصد به تفسير المعنى بل كنه الشيء وحقيقته وقدره ووقته ( واللفظُ الشائِعُ ) بين الخواص والعوام من الناس ( لا يجوزُ وضْعُهُ لمعنىً خَفِيٍّ على العَوَامِّ ) لامتناع تخاطبهم بما هو خفي عليهم لا يدركونه وإن أدركه الخواص، وذلك كالحركة فمعناها هو المعنى الظاهر وهو تحرك الذات وانتقالها لا ( كقولِ ) بعض المتكلمين ( مثبتي الحالِ ) وهو الواسطة بين الموجود والمعدوم ( الحركةُ معنىً يوجِبُ تحرُّكَ الذاتِ ) أي الجسم، توضيحه: إن الشيء إما أن يكون موجودا وإما أن يكون معدوما فلا وجود لواسطة بينهما، وقال بعض المتكلمين هنالك شيء يسمى بالحال هو لا موجود ولا معدوم، وذلك مثل العالمية والقادرية، فالذات الموجودة هي الموصوفة والصفة هي العلم والقدرة والنسبة بين الذات والصفة هي العالمية والقادرية وهي التي توجب لمحلها أن يكون عالما قادرا وهو حال متوسط بين الموجود والمعدوم، ومثل الحركة فهي معنى يوجب تحرك الجسم، بمعنى أن الحركة ليست هي نفس تحرك الجسم وانتقاله كما يفهم الناس بل هي معنى يقوم بالجسم يوجب لمحله أن يكون منتقلا، وذلك المعنى ليس أمرا موجودا ولا معدوما، فالناس تفهم من الحركة الانتقال وهم يقولون الحركة موضوعة في لغة العرب لمعنى يلزم منه الانتقال، والقول بالأحوال لا يصح فإن التقابل بين الوجود والعدم هو تقابل النقيضين اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان.



  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    39

    افتراضي

    الدرس السابع عشر- مباحث الكتاب

    واضع اللغة- تقاسيم الألفاظ


    أولا: في تحديد مَن هو واضع اللغة أقوالٌ فقيل: الواضع هو الله سبحانه وتعالى علّمها إلى عباده بوسيلة كالوحي إلى بعض أنبيائه فتكون توقيفية لقول الله تعالى: ( وعلّم آدم الأسماء كلها ) أي الألفاظ الشاملة للأسماء والأفعال والحروف لأن كلا منها اسم وعلامة على مسماه، وقيل: الواضع هم البشر فتكون اصطلاحية لا توقيفية، وتوقّف بعض العلماء ولم يرجح قولا.
    ثانيا: هل اللغة تثبت بالقياس ؟
    الجواب لا تثبت، فإذا اشتمل معنى اسم على وصف مناسب للتسمية، ووجد ذلك الوصف المناسب في معنى اسم آخر فلا يثبت للثاني الاسم الأول بالقياس عليه، كالخمر فهو اسم في اللغة للمسكر من ماء العنب بخصوصه وسمي خمرًا لتخميره أي تغطيته للعقل، ووجدنا أن المسكر من غير ماء العنب يسمى في اللغة نبيذًا، وفيه نفس الوصف المناسب للتسمية وهو تخمير العقل، فهل نقول يسمى النبيذ خمرًا أيضا قياسًا على الخمر ؟
    الجواب: لا يسمى، وعليه لمعرفة حكم النبيذ نحتاج لقياسه على الخمر قياسا شرعيا أصوليا.
    وقيل: تثبت اللغة بالقياس وعليه يسمى النبيذ خمرًا في اللغة فلا نحتاج للقياس الأصولي لمعرفة حكم النبيذ لأنه داخل في قوله تعالى: إنما الخمر والميسر .. الآية، فاتضح أن القياس اللغوي يثبت الاسم، والقياس الشرعي يثبت الحكم لا الاسم.
    ثالثا: إذا كان اللفظ واحدًا والمعنى واحدًا كزيد وإنسان، فهذا إن منع تصور معنى اللفظ وقوع الشركة فيه فجزئي كزيد، وإن لم يمنع تصور معنى اللفظ وقوع الشركة فيه فكلي كإنسان.
    والكلي إما أن يستوي معناه في أفراده فمتواطئ كإنسان، فإن حقيقته الحيوان الناطق، وهذا لا يختلف بالنسبة إلى أفراد جميع الإنسان، وإما أن يتفاوت معناه في أفراده فمُشَكِّككالأبيض فإن البياض في الثلج مثلا أقوى منه في العاج.
    وإذا كان اللفظ متعددًا والمعنى متعددًا فهو المباين مثل إنسان وجدار.
    وإذا كان المعنى واحدًا واللفظ متعددًا فهو المترادف مثل إنسان وبشر.
    وإذا كان اللفظ واحدًا والمعنى متعددًا فهو المشترك إن كان إطلاقه على كل واحد من المعنيين حقيقيا مثل: القرء للطهر والحيض فإنه يطلق على كل من الطهر والحيض حقيقة، وإن لم يكن يطلق على كل من المعنيين حقيقة كالأسد فإنه يطلق على الحيوان المفترس المعروف وعلى الرجل الشجاع فهو حقيقة في الأول مجاز في الثاني.
    رابعًا: العَلَمُ: لفظ عيّن مسماه بوضع، كزيد فإنه يعين ويشخّص رجلًا بعينه، وقوله: بوضع خرجت بقية المعارف فإنها تعيّن مسماها بالقرينة، فأنت مثلا إنما يعين مسماه بقرينة الخطاب لا بوضعه.
    والعلم نوعان: علم شخص، وعلم جنس، لأن التعيين إن كان خارجيا فهو علم شخص، وإن كان ذهنيا فعلم جنس.
    بيانه: إن اللفظ إن وضع لشخص واحد في الخارج فهو العلم الشخصي، وهذا هو التعيين الخارجي، وإن كان لم يوضع على واحد معين في الخارج ولكن تعين في الذهن بأن نظر للماهية من جهة خصوصها فعلم جنس، وذلك أن الماهية كماهية الأسد وهو الحيوان المفترس المعروف إن حضرت في ذهن الواضع ليضع في قبالها لفظا معينا فتارة ننظر إليها من جهة أنها حضرت في ذهن الواضع دون غيره وفي زمان معين فتصير بهذه القيود متشخصة، لأنها تختلف عن الماهية في ذهن شخص آخر وفي زمن آخر، وتارة ننظر إليها من جهة عمومها بقطع النظر عن تلك التشخيصات فإنها تصدق على كثيرين في الخارج، فالواضع وضع علم الجنس كأسامة للماهية بالاعتبار الاول، ووضع اسم الجنس كأسد بالاعتبار الثاني.
    فإن قيل وأي دليل على هذا الاعتبار ؟
    قلنا: إن العرب فرقت بين أسد وأسامة من جهة الأحكام اللفظية فاعتبروا أسامة معرفة فلا يصح أن يقال الأسامة كما لا يصح أن يقال الزيد بخلاف أسد يصح أن نقول الأسد، وكذلك يجيء الحال من علم الجنس والحال لا يكون صاحبها إلا معرفة فنقول هذا أسامة مقبلًا، ولا يصح أن نقول هذا أسدٌ مقبلًا، فدل ذلك التفريق اللفظي على الفرق المعنوي بينهما.
    والخلاصة أن علم الجنس كأسامة اسم للأسد لا يخص به واحد معين بل يطلق على كل أسد فالمفروض أن يعامل معاملة أسد ولكنهم عاملوه معاملة المعارف فتلمّس العلماء الفرق بينهما فذهبوا مذاهب عديدة.

    ( شرح النص )

    مسأَلَةٌ: المختارُ أَنَّ اللغاتِ توقِيفيَّةٌ، عَلَّمَها اللهُ بالوحْيِ، أو بِخَلْقِ أصواتٍ، أو عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ، وأَنَّ التَّوقيفَ مظنونٌ، وأَنَّ اللغةَ لا تثبتُ قياسًا فيما في معناهُ وصفٌ.
    مسأَلَةٌ: اللفظُ والمعنى إِنِ اتَّحَدا فإنْ منعَ تصوَّرُ معناهُ الشِّرْكةَ فجزئِيٌّ، وإلا فكليٌّ مُتَوَاطِئٌ إِنِ استَوَى، وإلَّا فَمُشَكِّكٌ، وإنْ تَعَدَّدَا فَمُبَايِنٌ، أَو اللَّفْظُ فَقَطْ فَمُرَادِفٌ، وعَكْسُهُ إِنْ كانَ حَقِيقةً فيهما فمُشْتَرَكٌ، وإلا فحقيقةٌ ومَجازٌ.
    والعلَمُ: ما عَيَّنَ مُسمَّاهُ بِوَضْعٍ، فإنْ كانَ تَعْيِيْنُهُ خارجِيًّا فَعَلَمُ شَخْصٍ، وإلَّا فَعَلَمُ جِنْسٍ.

    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    هذه ( مسأَلَةٌ ) في الواضع ( المختارُ أَنَّ اللغاتِ توقِيفيَّةٌ ) أي وضعها الله تعالى فوقفَ عباده عليها ( عَلَّمَها اللهُ ) عباده ( بالوحْيِ ) إلى بعض أنبيائه وهو الظاهر لأنه الطريق المعتاد في تعليم الله لخلقه ( أو بِخَلْقِ أصواتٍ ) في محل ما تدل على تلك اللغات فيسمعها بعض الناس ويلقنونها غيرهم فتنتشر ( أو ) خلق ( عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ ) في بعض العباد بأنها قصدت لتلك المعاني، وقيل إن اللغات اصطلاحية وضعها الخلق ( وأَنَّ التَّوقيفَ مظنونٌ ) أي أن القول بالتوقيف هو الراجح، قال العلامة الجوهري في حواشيه على لب الأصول: قد يقال لا حاجة إلى هذا بعد قوله في صدر البحث المختار أن اللغات توقيفية، وأما الأصل فلم يذكر الاختيار الأول فاحتاج إلى هذا. اهـ ( و ) المختار ( أَنَّ اللغةَ لا تثبتُ قياسًا فيما في معناهُ وصفٌ ) فإذا اشتمل معنى اسم على وصف مناسب للتسمية كالخمر أي المسكر من ماء العنب لتخميره أي تغطيته العقل، ووجد ذلك الوصف في معنى اسم آخر كالنبيذ أي المسكر من ماء غير العنب لم يثبت له بالقياس ذلك الاسم فلا يسمى النبيذ خمرًا، وقيل يثبت بالقياس فيسمى النبيذ خمرًا فيجب اجتنابه بآية إنما الخمر والميسر.. لا بالقياس على الخمر، وخرج بقوله: فيما في معناه وصف، ما لا وصف فيه مناسب للتسمية فلا يثبت بالقياس اتفاقا لانتفاء الجامع بينهما، وذلك كالأعلام، هذه ( مسأَلَةٌ ) في تقاسيم الألفاظ الموضوعة ( اللفظُ ) المفرد ( والمعنى إِنِ اتَّحَدا ) بأن كان كلّ منهما واحدًا ( فإنْ منعَ تصوَّرُ معناهُ ) أي معنى اللفظ المذكور ( الشِّرْكةَ ) فيه ( فجزئِيٌّ ) أي فذلك اللفظ يسمى جزئيا حقيقيا كزيد ( وإلا ) وإن لم يمنع تصور معناه الشركة فيه ( فكليٌّ ) أي فذلك اللفظ يسمى كليا ( مُتَوَاطِئٌ ) ذلك الكلي ( إِنِ استَوَى ) معناه في أفراده كالإنسانِ فإنه متساوي المعنى في أفراده من زيد وعمرو وغيرهما سمي متواطئا من التواطئ أي التوافق لتوافق أفراده في معناه ( وإلَّا ) أي وإن لم تستو أفراده في معناه بل تفاوتت كالنور فإنه في الشمس أقوى منه في المصباح ( فَمُشَكِّكٌ ) سمي به لتشكيكه الناظر فيه فإن الناظر إن نظر إلى أصل المعنى كالنور وجده متواطئا لاشتراك أفراده فيه، وإن نظر إلى جهة الاختلاف في أفراده بالقوة والضعف ونحوها وجده غير متواطئ ( وإنْ تَعَدَّدَا ) أي اللفظ والمعنى كالإنسان والفرس ( فَمُبَايِنٌ ) أي كل من اللفظين للآخر سمي مباينا لمباينة معنى كل منهما لمعنى الآخر ( أَو ) تعدد ( اللَّفْظُ فَقَطْ ) أي دون المعنى كالإنسان والبشر ( فَمُرَادِفٌ ) كل من اللفظين للآخر سمي مرادفا لمرادفته له أي موافقته له في معناه ( وعَكْسُهُ ) وهو أن يتعدد المعنى دون اللفظ كأن يكون للفظ واحد معنيان ( إِنْ كانَ ) أي اللفظ ( حَقِيقةً فيهما ) أي في المعنيين كالقرء للحيض والطهر ( فمُشْتَرَكٌ ) لاشتراك المعنيين فيه ( وإلا ) أي وإن لم يكن اللفظ حقيقة فيهما ( فحقيقةٌ ومَجازٌ ) كالأسد للحيوان المفترس وللرجل الشجاع ( والعلَمُ ما ) أي لفظ ( عَيَّنَ مُسمَّاهُ ) خرج النكرة فإنها لا تعين مسماها كرجل ( بِوَضْعٍ ) خرج بقية المعارف فإن كلا منها لم يعين مسماه بالوضع بل بالقرينة ( فإنْ كانَ تَعْيِيْنُهُ ) أي المسمى ( خارجِيًّا ) بحيث لا يصدق في الخارج إلا على فرد معين ( فَعَلَمُ شَخْصٍ ) فتعريفه هو: ما عيّن مسماه في الخارج بوضع، كزيد ( وإلَّا ) بأن كان تعيينه لمسماه في الذهن فقط ( فَعَلَمُ جِنْسٍ ) فتعريفه هو: ما عيّن مسماه في الذهن بوضع، كأسامة للأسد، وأما اسم الجنس فهو: ما وضع للماهية المطلقة، أي من غير تعيين في الذهن أو في الخارج، كأسد، وحاصل الفرق بين علم الجنس، واسم الجنس هو: أَن الماهية المستحضرة في الذهن لها جهة خصوص وجهة عموم، فجهة الخصوص فيها هي حضورها في ذهن الواضع في زمن معين، وهي تختلف بهذا الاعتبار عن حضورها في زمن آخر وفي ذهن شخص آخر، وجهة العموم فيها هي باعتبار صحة الشركة فيها وصدقها على متعدد، فإن نظر للماهية من جهة خصوصها فهي علم الجنس، وإن نظر إليها من جهة عمومها فهي اسم جنس، هذا من حيث المعنى أما من حيث الأحكام اللفظية فعلم الجنس معرفة له أحكام المعرفة واسم الجنس نكرة له أحكام النكرة.


    الموضوع الأصلي: http://www.feqhweb.com/vb/showthread...#ixzz4Rb4IlJEA


  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    39

    افتراضي

    الدرس الثامن عشر- مباحث الكتاب

    الاشتقاق- الترادف



    أولا: الاشتقاق هو: ردُّ لفظٍ إلى آخرَ لمناسبةٍ بينهما في المعنى والحروف الأصلية، كردّ الفعل واسم الفاعل والمفعول إلى المصدر لاشتقاقها منه نحو ضَرَبَ فإنه مشتق منْ ضَرْب الذي هو المصدر، فالحروف الأصلية وهي الضاد والراء والباء واحدة، وأصل المعنى واحد فإن ضَرَبَ معناه حدوث الضرب الذي هو المصدر في الزمن الماضي، فالمشتق هو ضَرَبَ وهو الفرع، والمشتق منه هو ضَرْب وهو الأصل.
    ومعنى رد لفظ إلى لفظ آخر هو أن تحكم بأن الأول مأخوذ من الثاني فيكون الأول فرعا والثاني أصلا له.
    ومعنى المناسبة في المعنى أن يكون في المشتق أصل المعنى الذي يدل عليه المشتق منه، كمعنى الضرب فإنه موجود في الفعل واسم الفاعل والمفعول وغيرها، فإن لم تكن بينهما مناسبة في المعنى فلا اشتقاق نحو ذَهَبَ وذَهَبٌ فإنهما وإن اتفقا في الحروف الأصلية إلا أنهما لم يتفقا في المعنى.
    ومعنى المناسبة في الحروف أن تكون حروف المشتق منه الأصلية موجودة في المشتق وبنفس الترتيب، ولا يضر وجود الزائد بينهما كالضارب فإنه مشتق من الضرب، وخرج بهذا القيد المترادفان كإنسان وبشر فإنهما وإن توافقا في المعنى لكنهما لم يتفقا في الحروف.
    ثانيا: المشتقّ قد يكون مطّرِدًا، وقد يكون مختصًا، مثال الأول اسم الفاعل ضارب فهو لكل من وقع منه الضرب، وكذا اسم المفعول مضروب لكل من وقع عليه الضرب، فلا يختصان بذات معينة، ومثال الثاني القارورة مشتقة من القرار لكنها لا تطلق إلا على الزجاجة المعروفة دون غيرها مما كان مقرًا للسوائل فهي مختصة بذات معينة، فلو وضع الماء في وعاء من الفخار مثلا فلا يسمى قارورة.
    ثالثا: مَن لمْ يقمْ به وصفٌ لم يجز أن يشتقّ له منه اسم، فلا يقال عالم إلا لمن قام به وصف العلم، ولا قادر لمن لم يقم به وصف القدرة وهكذا.
    رابعا: من قام به وصفٌ له اسم وجب اشتقاق اسم له من ذلك الوصف، كتسمية من قام به العلم عالما، ومن قام به الكرم كريما، ومن قام به وصف ليس له اسم لم يجز أن يشتق له منه اسم، وذلك مثل أنواع الروائح المختلفة لم يجعل لكل رائحة منها اسم فمن قامت به رائحة المسك مثلا قيل: له رائحة المسك ولم نجعل له اسما خاصا.
    خامسا: يشترط بقاء المشتق منه في اطلاق اسم المشتق عليه حقيقة، فإذا قلت عن زيد: إنه نائمٌ، فإن كان عند قولك هذا نائما بالفعل فالإطلاق حقيقي اتفاقًا لوجود المشتق منه الذي هو النوم، وإن كان قولك قبل حصول نومه أي أنه سينام فالإطلاق مجازيّ اتفاقًا، أما إذا كان نام واستيقظ فلا يسمى نائما حقيقة لانقضاء النوم، وقيل يسمى.
    ومن هنا كان اسم الفاعل حقيقة في حال التلبس بالمعنى لا حال النطق فإذا قلتَ: زيدٌ قائمٌ وهو حال نطقك ليس بقائم فهذا مجازٌ وإن كان متلبسا بالقيام بعد ذلك فهو حقيقة.
    هذا وهنالك شيء يسمى بالمصادر السيالة وهي التي تنقضي شيئا فشيئا فهذه صحة الإطلاق فيها منظور إلى بقاء آخر جزء منها فمثلا الكلام ينقضي شيئا فشيئا فإذا تكلم شخص لمدة ساعة فهو متكلم فإذا انتهى من آخر كلامه فلا يعد متكلما فلا نشترط بقاء الكلام كله لأنه لا يمكن لأنه أصوات تنقضي شيئا فشيئا، ومثل الصلاة تنقضي شيئا فشيئا فالمصلي يسمى مصليا ما دام يصلي فإذا فرغ من السلام لم يعد مصليا.
    سادسا: ليس في المشتق إشعار بخصوصية الذات، فالأسود مثلا ذات متصفة بالسواد هذا فقط ما يفيده ولا تعرض له من كون الأسود جسما أو غيره، إذ لو أشعر لكان معنى قولنا الأسود جسم، الجسم المتصف بالسواد جسمٌ، وهذا لا يصح لعدم إفادته.
    سابعا: الترادف واقع في اللغة وفي النصوص الشرعية، وأن كلًا من المترادفين يقع مكان الآخر فلك مثلا أن تستعمل لفظ الإنسان بدل لفظ البشر وبالعكس إلا إذا كان اللفظ مما تعبدنا به كألفاظ القرآن الكريم فليس لأحد أن يقول الطريق بدل الصراط في الفاتحة مثلا.
    ثامنا: ليس من الترادف الحد مع المحدود نحو الإنسان حيوان ناطق، لأن المحدود دال على الماهية إجمالا والحد دال على الماهية تفصيلا فهما متغايران.
    وليس من الترادف نحو حَسَن بَسَن وعطشان نطشان وفلان فلتان، من كل لفظ ثان لا معنى له وإنما ذكر لتقوية المعنى الأول.


    ( شرح النص )

    مسأَلَةٌ: الاشتقاقُ: ردُّ لفظٍ إلى آخرَ لمناسبةٍ بينهما في المعنى والحروفِ الأصليَّةِ، وقد يطّرِدُ كاسمِ الفاعلِ، وقد يختصُّ كالقارورةِ، ومَنْ لمْ يَقُمْ بهِ وصْفٌ لمْ يُشْتَقَّ لهُ مِنْهُ اسمٌ عندَنا، فإنْ قامَ بهِ ما لهُ اسمٌ وجَبَ وإلا لمْ يَجُزْ، والأصحُّ أَنَهُ يُشْتَرَطُ بقاءُ المشتقِّ منهُ في كونِ المشتقِّ حقيقةً إنْ أَمكنَ وإلا فآخِرُ جزءٍ، فاسمُ الفاعلِ حقيقةٌ في حالِ التَّلَبُّسِ لا النُّطْقِ، ولا إشعارَ للمشتقِّ بخصوصيَّةِ الذَّاتِ.
    مسألَةٌ: الأصحُّ أَنَّ المرادِفَ واقِعٌ، وأَنَّ الحدَّ والمحدودَ، ونحْوَ حَسَنْ بَسَنْ ليسَا مِنْهُ، والتَّابِعُ يُفِيدُ التَّقْوِيَةَ، وأنَّ كُلًّا من المرادِفَينِ يقعُ مكانَ الآخَرِ
    .
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    هذه ( مسأَلَةٌ ) في الاشتقاق ( الاشتقاقُ ردُّ لفظٍ ) وهو المشتق الذي هو الفرع ( إلى ) لفظ ( آخرَ ) وهو المشتق منه الذي هو الأصل ( لمناسبةٍ بينهما في المعنى ) بأن يكون معنى الثاني محفوظا في الأول ( والحروف الأصليَّةِ ) بأن تكون فيهما بنفس الترتيب، وذلك كاشتقاق ضارب من الضرب ( وقد يطّرِدُ ) المشتق ( كاسمِ الفاعلِ ) نحو ضارب لكل من وقع عليه الضرب ( وقد يختصُّ ) بشيء ( كالقارورةِ ) مشتقة من القرار للزجاجة المعروفة دون غيرها مما هو مقر للمائع كإناء الفخار ( ومَنْ لمْ يَقُمْ بهِ وصْفٌ لمْ يُشْتَقَّ لهُ مِنْهُ ) أي من الوصف أي لفظه ( اسمٌ عندَنا ) خلافا للمعتزلة القائلين بأنه سبحانه عالم بلا علم وقادر بلا قدرة، وقالوا هو متكلم بمعنى أنه خالق الكلام من غير أن يصدر منه بل صدر من محل آخر كالشجرة التي سمع منها موسى عليه السلام كلام الله، وهو باطل ( فإنْ قامَ بهِ ) أي بالشيء ( ما ) أي وصف ( لهُ اسمٌ وجَبَ ) الاشتقاق لغة من ذلك الاسم لمن قام به الوصف كاشتقاق العالم من العلم لمن قام به معناه ( وإلا ) أي وإن لم يقم به ذلك بأن قام به ما ليس له اسم كأنواع الروائح إذْ لم يوضع لها أسماء استغناء عنها بالتقييد كرائحة كذا كما مر ( لمْ يَجُزْ ) الاشتقاق ونكتفي بالتقييد كقولنا هو له رائحة المسك ( والأصحُّ أَنَهُ يُشْتَرَطُ بقاءُ ) معنى ( المشتقِّ منهُ ) في المحل ( في كونِ المشتقِّ حقيقةً ) أي يشترط لإطلاق لفظ المشتق على محل بقاء معنى المشتق منه في ذلك المحل ( إنْ أَمكنَ ) بقاء ذلك المعنى كالقيام فما دام الشخص متصفا بالقيام فيقال عليه هو قائم لا قبل ذلك الزمن أو بعده ( وإلا ) أي وإن لم يمكن بقاء ذلك المعنى في المحل ( فـ ) المشترط أن يبقى ( آخِرُ جزءٍ ) منه كالتكلم فهو لا يبقى لأنه أصوات تنقضي شيئا فشيئا فالمعتبر بقاء آخر جزء من الكلام لصدق وصف المتكلم على الشخص، وقيل لا يشترط بقاء المشتق منه فيسمى حقيقة بالمشتق بعد انقضائه ( فـ ) من أجل اشتراط بقاء معنى المشتق منه أو بقاء آخر جزء منه كان ( اسمُ الفاعلِ حقيقةٌ في حالِ التَّلَبُّسِ ) بالمعنى أو جزئه الأخير ( لا ) حال ( النُّطْقِ ) بالمشتق فقط، فقوله تعالى: والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما يقصد بالسارق والسارقة من اتصف بالسرقة حال تلبسه بها، لا حال نطق النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية وقت النزول فقط، فإذا قلنا: زيدٌ سارق وهو حال قولنا متلبس بالسرقة فهذا حقيقة، وإذا سرق بعد عام فهو سارق حقيقة أيضا وإن لم نقل عنه حينذاك إنه سارق لأن العبرة هو الاتصاف بالسرقة في أي وقت لا في حال النطق فقط فافهم.
    ( ولا إشعارَ للمشتقِّ بخصوصيَّةِ الذَّاتِ ) التي دل عليها من كونها جسما أو غيره لأن قولك مثلا: الأسودُ جسمٌ، صحيح ولو أشعر الأسود فيه بالجسمية لكان معنى كلامك هو: الجسم ذو السواد جسمٌ وهو غير صحيح لأنه لا فائدة فيه، والخلاصة أن المشتق وإن قالوا عنه إنه يدل على ذات ووصف فهو يدل على ذات مبهمة غير معينة بكونها جسما أو حجرًا أو شجرًا أو غيره ( مسألَةٌ ) في المترادف ( الأصحُّ أَنَّ ) اللفظ ( المرادِفَ ) لآخر ( واقِعٌ ) في اللغة والشريعة، وقيل هو غير واقع في اللغة، وقيل هو واقع في اللغة منتف في كلام الشارع ( و ) الأصح ( أَنَّ الحدَّ والمحدودَ ) كالحيوان الناطق والإنسان ( ونحْوَ حَسَنْ بَسَنْ ) أي الاسم وتابعه كعطشان نطشان وشيطان ليطان ( ليسَا مِنْهُ ) أي ليسا من المرادف لعدم اتحادهما في المعنى أما الأول فلأن الحد يدل على الماهية تفصيلا، والمحدود يدل على الماهية إجمالا فهما متغايران، وأما الثاني فلأن التابع لا يفيد معنى بدون متبوعه لذلك لا يستعمل وحده، ومن شأن كل مترادفين إفادة كل منهما المعنى وحده، وقيل إن الحد والمحدود ونحو حسن بسن من المترادفين ( والتَّابِعُ يُفِيدُ التَّقْوِيَةَ ) فبسن يفيد تقوية حسن في المعنى وإلا لما كان لذكره فائدة في الكلام ( و ) الأصح ( أنَّ كُلًّا من المرادِفَينِ يقعُ مكانَ الآخَرِ ) في الكلام، فلك أن ترفع أحد المترادفين وتضع الآخر مكانه نحو حضر الليث مكان حضر الأسد، وقيل لا يجوز وقوع أحد المرادفين مكان الآخر.


    الموضوع الأصلي: http://www.feqhweb.com/vb/showthread...#ixzz4Rb4kvK8D

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    39

    افتراضي

    الدرس التاسع عشر- مباحث الكتاب

    المشترك- الحقيقة والمجاز



    أولا: المشترك - وهو اللفظ الواحد ذو المعنى المتعدد - واقع في الكلام اسما كالقرء للحيض والطهر، وفعلا كعسعس لأقبل وأدبر، وحرفا كالباء للإلصاق والسببية وغيرهما.
    ثانيا: يصح في اللغة أن يستعملَ المتكلمُ المشتركَ في معنييه معا في كلام واحد مجازًا كقولك: عندي عينٌ، وتريد الباصرة والذهب مثلا، وسواء ذكر المشترك بلفظ مفرد كعين أو بلفظ جمع كعيون نحو عندي عيون وتريد الباصرتين والذهب مثلًا.
    ثالثا: يصح في اللغة مجازًا إطلاق لفظ مع إرادة معناه الحقيقي ومعناه المجازي معًا كقولك: رأيت الأسد، وتريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع، ومنه قوله تعالى: ( وافعلوا الخيرَ ) يعم الواجبات والمندوبات، فإن صيغة افعل حقيقة في الوجوب مجاز في الندب، فيكون استعمال افعلوا في الأمرين مجازًا والقرينة في الآية هو أن الخير يشمل الواجب والمندوب.
    رابعا: يصح في اللغة إطلاق لفظ مع إرادة معنييه المجازيين معًا كقولك: واللهِ لا أشتري، وتريد السومَ في البيع، والشراء بواسطة وكيل.
    خامسا: الحقيقة: لفظ استعمل فيما وُضِعَ له أوَّلًا، كاستعمال لفظ الأسد في الحيوان المفترس المعروف، خرج بقولنا: المستعمل المهمل، وبما وضع له الغلط كقولك: خذ هذا القوس مشيرا إلى حمار، وبأولًا المجاز لأنه لم يوضع له ابتداءً.
    سادسا: تنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: لغوية، وعُرفية، وشرعية.
    فتكون لغوية إذا وضعها أهل اللغة كالأسد للحيوان المعروف.
    وتكون عرفية إذا وضعها أهل العرف العام كالدابة لذوات الأربع من الحيوانات، وهي في أصل اللغة لكل ما يدب على وجه الأرض، أو وضعها أهل العرف الخاص كالفاعل والمفعول عند النحاة، وكذلك سائر المصطلحات العلمية والصناعية فكلها من قبيل العرفية الخاصة.
    وتكون شرعية إذا وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة.
    سابعا: الحقيقة اللغوية والعرفية واقعتان في الكلام، وأما الشرعية فقد قال قوم لم تقع والصلاة مثلا مستعملة في معناها اللغوي الذي هو الدعاء لكن الشارع اشترط لصحتها أمورًا من التلاوة والركوع والسجود وغيرها، فهي باقية على معناها اللغوي، وقال جمهور العلماء بأنها واقعة سواء أكانت في الفروع كالصلاة والصوم، أم في الاعتقاد كالإيمان فإن معناه في اللغة التصديق، ومعناه في الشرع هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان.
    ثامنا: المجاز: لفظ استعمل فيما وُضِعَ له ثانيًا لعلاقة، كاستعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع، خرج بقولنا: المستعمل المهمل، وبما وضع له الغلط، وبثانيا الحقيقة لأنها بوضع أول، وهو واقع في اللغة وفي الكتاب والسنة.
    تاسعا: علم من قولهم في تعريف المجاز فيما وضع له ثانيا أنه لا بد من وضع أول، ولكن هل يجب أن يكون اللفظ المتجوَّز فيه قد استعمل أولا على وجه الحقيقة قبل استعماله على وجه المجاز ؟ فهل يجب اذا وضع الأسد للحيوان المعروف أن يستعمل فيه بهذا المعنى أولا قبل أن يتجوّز فيه ويستعمل للرجل الشجاع ؟ فيه خلاف: فقيل يجب استعماله في المعنى الحقيقي قبل التجوز فيه، وهو الأشهر، وقيل لا يجب.
    عاشرا: يعدل المتكلم عن الحقيقة إلى المجاز لأسباب كثيرة منها:
    1- ثقل اللفظ الحقيقي وخفة اللفظ المجازي، مثل الخَنْفَقِيقِ بمعنى الداهية والمصيبة العظيمة التي تصيب الإنسان، فيعدل عن ذلك اللفظ الثقيل إلى لفظ آخر كالموت مثلا فإن معناه الحقيقي زوال الروح عن الجسد، فيقال: زيدٌ وقع في الموت مجازًا عن الداهية.
    2- بشاعة اللفظ الحقيقي، مثل اللفظة الموضوعة للخارج من الإنسان عند التغوّط، فيعدل عنها إلى الغائط، وهو في الأصل المكان المنخفض.
    3- الجهل باللفظ الحقيقي فيعبر عنه بلفظ آخر مجازي، مثل لو جهل المتكلم أن الرطب من النبات يسمى في اللغة خَلى فيعبر عنه بالحشيش مع علمه أنه موضوع لليابس فيكون استعماله فيه مجازًا باعتبار ما يؤول إليه.
    4- بلاغة المجاز، مثل اشتعلَ الرأسُ شيبا، فإنه أبلغ من شِبْتُ.
    5- كون المجاز أشهر من الحقيقة، مثل: الراوية فإنها في الظرف الذي يحمل به الماء أشهر من معناها الحقيقي وهو البعير ونحوه من الدواب التي يحمل عليها الماء.
    6- كون المجاز يتعلق به غرض لفظي دون الحقيقة، مثل لو قيل في وصف رجل غبي يكثر من الكلام: هو عجول ثرثار، وأكول حمار، فالسجع بين الحمار والثرثار مقصود للمتكلم ولا يحصل لو عبر بدل الحمار بالغبي أو البليد.

    ( شرح النص )


    مسأَلَةٌ: الأَصحُّ أَنَّ المشترَكَ واقِعٌ جوازًا، وأَنَّهُ يَصِحُّ لغةً إطلاقُهُ على معنيَيْهِ معًا مجازًا، وأَنَّ جَمْعَهُ بِاعتبارِهما مَبْنِيٌّ عليهِ، وأَنَّ ذلكَ آتٍ في الحقيقةِ والمجازِ، وفي المجازَيْنِ، فنَحْوُ: افعلُوا الخيرَ، يَعُمُّ الواجِبَ والمندوبَ.
    الحقيقةُ: لفظٌ استُعْمِلَ فيما وُضِعَ لهُ أَوَّلًا، وهيَ لُغَوِيَّةٌ وعُرْفِيَّةٌ وَوقَعتا، وشَرْعِيَّةٌ، والمختارُ وقوعُ الفرعِيَّةِ منها لا الدِّيْنِيَّةِ.
    والمجازُ: لفظٌ استُعْمِلَ بِوَضْعٍ ثانٍ لِعَلاقَةٍ، فيجبُ سبْقُ الوضْعِ جزمًا لا الاستعمالِ في الأَصحِّ، وهوَ واقِعٌ في الأَصَحِّ، ويُعْدَلُ إِليهِ لِثِقَلِ الحقيقةِ أَو بشاعَتِها أَو جهلِها أَو بلاغَتِهِ أَو شُهْرَتِهِ أَو غيرِ ذلكَ
    .
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    هذه ( مسأَلَةٌ ) في المشترك ( الأَصحُّ أَنَّ المشترَكَ ) بين معنيين فأكثر ( واقِعٌ ) في الكلام ( جوازًا ) لا وجوبا، كالقرء للطهر والحيض، وعسعس لأقبل وأدبر، ومِن للابتداء والتبعيض وغيرهما، وقيل هو غير واقع في الكلام، وقيل يجب وقوعه في الكلام ( و ) الأصح ( أَنَّهُ ) أي المشترك ( يَصِحُّ لغةً إطلاقُهُ على معنيَيْهِ معًا ) بأن يرادا بلفظ مشترك من متكلم واحد في وقت واحد كقولك: عندي عينٌ وتريد الباصرة والجارية، وقيل لا يصح ذلك في اللغة ( مجازًا ) لأنه لم يوضع لهما معا بل لكل منهما منفردا ( و ) الأصح ( أَنَّ جَمْعَهُ ) أي المشترك ( بِاعتبارِهما ) أي باعتبار معنييه ( مَبْنِيٌّ عليهِ ) أي على ما ذكر من صحة إطلاق اللفظ المشترك المفرد على المعنيين معا، أي أنه إذا صححنا جواز إطلاق نحو عندي عينٌ على الباصرة والجارية، فيصح إطلاق عندي عيونٌ على الباصرتين والجارية مثلا، فالمسألة الثانية مبنية على الأولى، وقيل لا تنبني عليها فيجوز أن نمنع استعمال المشترك المفرد في معنييه ونجيز استعمال المشترك الجمع في معنييه ( و ) الأصح ( أَنَّ ذلكَ ) أي ما ذكرته من صحة إطلاق اللفظ على معنييه معا مجازًا ( آتٍ في الحقيقةِ والمجاز ) فيصح أن يطلق لفظ ويراد به معنياه الحقيقي والمجازي معا كقولك: رأيت أسدًا تريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع فيكون مجازًا، وقيل لا يجوز ذلك ( و ) آت أيضا ( في المجازَيْنِ ) فيصح إطلاق لفظ واحد وإرادة معنييه المجازيين معا كقولك: واللهِ لا أشتري وتريد بالشراء السوم والشراء بالوكيل وكلا المعنيين مجاز لأن المعنى الحقيقي للشراء هو مباشرة الشراء بالنفس، وإذا علم صحة إطلاق اللفظ على حقيقته ومجازه معا ( فنَحْوُ ) قوله تعالى ( افعلُوا الخيرَ يَعُمُّ الواجِبَ والمندوبَ ) حملا لصيغة افعل على الحقيقة والمجاز من الوجوب والندب بقرينة كون الخير شاملا للوجوب والندب ( الحقيقةُ لفظٌ استُعْمِلَ ) خرج المهمل ( فيما وُضِعَ لهُ ) خرج الغلط ( أَوَّلًا ) خرج المجاز ( وهيَ لُغَوِيَّةٌ ) بأن وضعها أهل اللغة كالأسد للحيوان المفترس ( وعُرْفِيَّةٌ ) بأن وضعها أهل العرف العام كدابة لذوات الأربع أو الخاص كالفاعل للاسم المعروف عند النحاة ( وَوقَعتا ) في الكلام خلافا لقوم أنكروا وقوع العرفية العامة ( وشَرْعِيَّةٌ ) بأن وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المعروفة ( والمختارُ وقوعُ الفرعِيَّةِ منها ) أي من الشرعية وهي المتعلقة بفروع الدين كالصلاة والصوم ( لا الدِّيْنِيَّةِ ) أي المتعلقة بأصول الدين، فالمصنف اختار أن الألفاظ الشرعية في باب أصول الدين مستعملة في معناها اللغوي كالإيمان فإن معناه في اللغة هو التصديق، وهو في الشرع تصديق القلب، وإن اعتبر الشارع في الاعتداد به التلفظ بالشهادتين من القادر، وهذا بناء على مذهب الأشاعرة الذين يقولون إن ماهية الإيمان هي تصديق القلب فقط، وأما النطق فهو شرط على القادر وقيل ليس بشرط، وأما العمل فخارج عن حقيقة الإيمان وليس هو شطرا ولا شرطًا، وهو خلاف مذهب السلف القائل بأن حقيقة الإيمان مركبة من ثلاثة أركان تصديق ونطق وعمل فهذه ذاتيات للإيمان، وقال قوم إن الحقيقة الشرعية لم تقع في الكلام وتحمل ألفاظ الشرع على المعنى اللغوي مع شروط ضمها إليه الشارع ( والمجازُ ) اللغوي ( لفظٌ استُعْمِلَ ) خرج المهمل ( بِوَضْعٍ ) خرج الغلط ( ثانٍ ) خرجت الحقيقة ( لِعَلاقَةٍ ) بين ما وضع له أولا وما وضع له ثانيا، كالعلاقة بين الأسد والرجل الشجاع وهي المشابهة بينهما في الشجاعة، وخرج العلم المنقول كالفضل فإنه وضع أولا واستعمل كمصدر بمعنى الزيادة ثم نقل وجعل اسما لرجل فهذا ليس من المجاز لعدم وجود علاقة بين المنقول منه والمنقول إليه ( فيجبُ سبْقُ الوضْعِ جزمًا لا الاستعمالِ في الأَصحِّ ) أي أنه ظهر من تعريف المجاز أنه لا بد من وضع أولا لمعنى ما ثم يستعمل في معنى آخر مجازي ولكن هل يجب أن يكون اللفظ المتجوَّز فيه قد استعمل أولا على وجه الحقيقة قبل استعماله على وجه المجاز ؟ فيه خلاف: فقيل يجب استعماله في المعنى الحقيقي قبل التجوز فيه، وهو الأشهر، وقيل لا يجب فيكفي أن يوضع الأسد للحيوان المعروف وإن لم يستعمل فيه وهو اختيار المصنف وفيه نظر ( وهوَ ) أي المجاز ( واقِعٌ ) في اللغة وفي الشرع ( في الأَصَحِّ ) وقيل هو غير واقع في اللغة وغير واقع في الشرع، وقيل هو واقع في اللغة وغير واقع في الشرع ( ويُعْدَلُ إِليهِ ) أي ويعدل عن الحقيقة إلى المجاز ( لِثِقَلِ الحقيقةِ ) على اللسان كالخَنْفَقِيقِ للداهية يعدل عنه إلى الموت مثلا ( أَو بشاعَتِها ) كاللفظ الدال على الخارج من بطن الإنسان يعدل عنه لبشاعته إلى الغائط وهو المكان المنخفض من الأرض ( أَو جهلِها ) للمتكلم أو المخاطب فيعدل عن اللفظ الحقيقي المجهول إلى المجاز المعلوم ( أَو بلاغَتِهِ ) أي بلاغة المجاز نحو زيد أسد فإنه أبلغ من شجاع ( أَو شُهْرَتِهِ ) أي شهرة اللفظ المجازي دون المعنى الحقيقي كالراوية فإنها في ظرف الماء أشهر من الدابة التي يستقى عليها الماء ( أَو غيرِ ذلكَ ) من الأغراض كمراعاة السجع.


    الموضوع الأصلي: http://www.feqhweb.com/vb/showthread...#ixzz4Rb549ASI

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    39

    افتراضي

    الدرس العشرون- مباحث الكتاب

    مسائل المجاز



    أولا: ليس المجاز هو الغالب على اللغات بل الأكثر في الكلام هو الحقيقة.
    ثانيا: لا يعوّل على المجاز إذا كان حمل اللفظ على حقيقته مستحيلًا، مثاله: إذا قال السيد لعبد أكبر منه سنا: هذا ابني، فإن الحقيقة هنا مستحيلة فكيف يكون الابن أكبر من أبيه، فيكون لفظه هذا لاغيًا، ولا يترتب عليه أي حكم؛ لأن هذا الشخص القائل هو من آحاد الناس فلا توجد ضرورة لتصحيح كلامه بحمله على المجاز بل نعده لغوا من الكلام.
    ثالثا: المجاز والنقل كلّ منهما خلاف الأصل، والأصل هو الحقيقة والمنقول منه، فإذا احتمل لفظ معناه الحقيقي والمجازي فالأصل حمله على معناه الحقيقي، وإذا احتمل لفظ معناه اللغوي ومعناه الشرعي أو العرفي المنقول من المعنى اللغوي فالأصل حمله على المعنى اللغوي نحو: رأيت أسدًا وصليّتُ، أي رأيت حيوانا مفترسا ودعوت الله بالسلامة منه، فالأسد احتمل معناه الحقيقي والمجازي الذي هو الرجل الشجاع فحملناه على الحقيقي لأنه هو الأصل، والصلاة احتملت معناها اللغوي ومعناها الشرعي الذي هو العبادة المخصوصة وهي منقولة من المعنى اللغوي، فحملناها على المعنى اللغوي لأنه هو الأصل.
    رابعا: المجاز والنقل أولى من الاشتراك، فإذا أطلق لفظ يحتمل أن يراد به المجاز أو النقل كما يحتمل أن يكون مشتركا بين معنيين فالأولى حمله على المجاز أو النقل دون الاشتراك؛ لأن المجاز أكثر ورودا في الكلام من الاشتراك، والحمل على الأكثر أولى، ولأن حمله على النقل لا يمنع العمل به، بخلاف حمله على الاشتراك فإنه لا يعمل به إلا بقرينة تعين أحد معنييه.
    مثال احتمال المجاز والاشتراك: لفظ ( النكاح ) فإنه حقيقة في العقد على المرأة مجاز في الوطء عند قوم، وحقيقة مشتركة في كلا المعنيين عند آخرين، وحمله على المجاز أولى من الصيرورة إلى الإشتراك.
    ومثال احتمال النقل والاشتراك: لفظ ( الزكاة ) فإنه منقول إلى الزكاة الشرعية، ويحتمل أن يكون مشتركا بين المعنى الحقيقي للزكاة وهو النماء والمعنى الشرعي وهو ما يُخرَج من المال، فحمله على النقل أولى.
    خامسا: التخصيص أولى من المجاز والنقل، فإذا احتمل كلام أن يكون فيه تخصيص ومجاز، أو احتمل تخصيصا ونقلا، فالأولى حمله على التخصيص.
    مثال احتمال التخصيص والمجاز: قوله تعالى: ( ولا تأكلوا مما لمْ يُذْكَرْ اسمُ اللهِ عليهِ ) فإنه يحتمل أن يكون نهيا عن أكل ما لم يُسَمَّ اللهُ عليه عند ذبحه، ويخصّ منه الناسي فيجوز أكل ذبيحته، ويحتمل أن يكون المقصود هو النهي عن الأكل عما لم يذبح أصلا، على اعتبار أن الذبح يقارن التسمية غالبا، فأطلقت التسمية وأريد بها الذبح مجازًا، فالمصير إلى التخصيص أولى.
    ومثال احتمال التخصيص والنقل: قوله تعالى: ( وأَحلَّ اللهُ البيعَ ) فقيل: المراد بالبيع معناه اللغوي وهو المبادلة مطلقا ولكن خص منه الفاسد مما لم يستوف الشروط الشرعية، فيكون البيع في الآية عاما مخصوصا، وقيل هو منقول إلى المعنى الشرعي وهو البيع الصحيح المستجمع شروط الصحة، فهذا حمله على التخصيص أولى.
    سادسا: الإضمار أولى من النقل، كقوله تعالى: ( وَحرَّمَ الرِّبا ) فالربا في اللغة الزيادة وهي لا توصف بحل ولا حرمة فكان لا بد من تأويل في الآية فقيل هنالك إضمار والمعنى وحرمَ الله أخذ الزيادة، فالمضمر هو الأخذ، والربا المراد به معناه اللغوي، وقيل بل هو منقول إلى المعنى الشرعي وهو عقد الربا أي حرم الله عقد الربا، فالمصير إلى الإضمار أولى من النقل.
    سابعا: الإضمار مساو للمجاز، مثل قول السيد لغلامه الأصغر منه سنا: هذا ابني، فإنه يحتمل أن يكون عبر عن العتق بالبنوة؛ لأن من ولد له من أمته فإنه حر كأبيه، فيكون السيد عبر عن العتق بالبنوة مجازا فيعتق العبد بهذا اللفظ، ويحتمل أن يكون في الكلام إضمار ويكون المضمر هو مثل أي هذا مثل ابني في العطف والحنوّ، فلا يعتق العبد بهذا، والإضمار يساوي المجاز لأن كلا منهما يحتاج إلى قرينة فيكون اللفظ مجملا فلا يحمل على واحد من الأمرين حتى يدل عليه دليل، وقد رجح الأول وهو عتقه لمرجح آخر وهو أن الشارع يتشوّف إلى العتق.

    ( شرح النص )


    وَالأَصحُّ أَنَّهُ ليسَ غالبًا على الحقيقةِ، ولا معتمدًا حيثُ تستحيلُ، وهُوَ والنَّقْلُ خلافُ الأصْلِ، وأَولى من الاشتراكِ، والتخصيصُ أولى منهما، والأَصحُّ أَنَّ الإضمارَ أولى مِنَ النقلِ، وأَنَّ المجازَ مساوٍ للإضمارِ.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    ( وَالأَصحُّ أَنَّهُ ) أي المجاز ( ليسَ غالبًا على الحقيقةِ ) في اللغات بل الأكثر فيها هو الحقيقة، وقيل هو الغالب عليها في كل لغة ( و ) الأصح أن المجاز ( لا ) أي ليس ( معتمدًا ) أي معولا عليه في ترتب الأحكام ( حيثُ تستحيلُ ) الحقيقة، فاللفظ إنما يصار للمجاز فيه إذا أمكنت حقيقته لا إذا استحالت خلافا للإمام أبي حنيفة رحمه الله حيث قال فيما لو قال سيد لعبد أكبر منه سنا هذا ابني إنه يحمل على لازم البنوة وهو العتق فيعتق ذلك العبد بقول سيده هذا ابني صونا للكلام عن الإلغاء، وأجيب بأنه لا ضرورة في تصحيحه أصلا لأنه ليس من كلام الشارع بل هو من كلام آحاد الناس فلا يترتب عليه العتق ( وهُوَ ) أي المجاز ( والنَّقْلُ ) الحاصل بالحقيقة الشرعية والعرفية لأنهما منقولان كما هو معلوم من المعنى اللغوي ( خلافُ الأصْلِ ) الراجح فإذا احتمل لفظ معناه الحقيقي والمجازي فالأصل حمله على الحقيقي لعدم الحاجة فيه إلى قرينة، وإذا احتمل لفظ معناه المنقول عنه والمنقول إليه فالأصل حمله على المعنى المنقول عنه استصحابا للمعنى الموضوع له اللفظ أولا، مثالهما: رأيتُ أسدًا وصليتُ، أي رأيت حيوانا مفترسا ودعوت الله بالسلامة منه، ويحتمل أن المراد بالأسد الرجل الشجاع وبالصلاة الصلاة الشرعية وحمله على الحقيقة وعدم النقل هو الأولى ( و ) المجاز والنقل ( أَولى من الاشتراكِ ) فإذا أطلق لفظ يحتمل أن يراد به المجاز أو النقل كما يحتمل أن يكون مشتركا بين معنيين فالأولى حمله على المجاز أو النقل دون الاشتراك؛ كلفظ النكاح فإنه حقيقة في العقد على المرأة مجاز في الوطء عند قوم، وحقيقة مشتركة في كلا المعنيين عند آخرين، وحمله على المجاز أولى من الصيرورة إلى الإشتراك، وكلفظ الزكاة فإنه منقول إلى الزكاة الشرعية، ويحتمل أن يكون مشتركا بين المعنى اللغوي للزكاة وهو النماء والمعنى الشرعي وهو ما يُخرَج من المال، فحمله على النقل أولى ( والتخصيصُ أولى منهما ) أي من المجاز والنقل فإذا احتمل كلام أن يكون فيه تخصيص ومجاز، أو احتمل تخصيصا ونقلا، فالأولى حمله على التخصيص، كقوله تعالى: ولا تأكلوا مما لمْ يُذْكَرْ اسمُ اللهِ عليهِ فإنه يحتمل أن يكون نهيا عن أكل ما لم يُسَمَّ اللهُ عليه عند ذبحه، ويخصّ منه الناسي فيجوز أكل ذبيحته، ويحتمل أن يكون المقصود هو النهي عن الأكل عما لم يذبح أصلا، على اعتبار أن الذبح يقارن التسمية غالبا، فأطلقت التسمية وأريد بها الذبح مجازًا، فالمصير إلى التخصيص أولى، وكقوله تعالى وأَحلَّ اللهُ البيعَ فقيل: المراد بالبيع معناه اللغوي وهو المبادلة مطلقا ولكن خص منه الفاسد مما لم يستوف الشروط الشرعية، فيكون البيع في الآية عاما مخصوصا، وقيل هو منقول إلى المعنى الشرعي وهو البيع الصحيح المستجمع شروط الصحة، فهذا حمله على التخصيص أولى ( والأَصحُّ أَنَّ الإضمارَ أولى مِنَ النقلِ ) كقوله تعالى وَحرَّمَ الرِّبا فالربا في اللغة الزيادة وهي لا توصف بحل ولا حرمة فكان لا بد من تأويل في الآية فقيل هنالك إضمار والمعنى وحرمَ الله أخذ الزيادة، فالمضمر هو الأخذ، والربا المراد به معناه اللغوي، وقيل بل هو منقول إلى المعنى الشرعي وهو عقد الربا أي حرم الله عقد الربا، فالمصير إلى الإضمار أولى من النقل، وقيل إن النقل أولى من الإضمار ( و ) الأصح ( أَنَّ المجازَ مساوٍ للإضمارِ ) لأن كلا منهما يحتاج إلى قرينة فيكون اللفظ مجملا فلا يحمل على واحد من الأمرين حتى يدل عليه دليل مثل قول السيد لغلامه الأصغر منه سنا: هذا ابني، فإنه يحتمل أن يكون عبر عن العتق بالبنوة مجازا فيعتق العبد بهذا اللفظ، ويحتمل أن يكون في الكلام إضمار ويكون المضمر هو مثل أي هذا مثل ابني في العطف والحنوّ، فلا يعتق العبد بهذا، فظهر بذلك الفرق بين قوله لمن هو أكبر منه سنا هذا ابني، وبين قوله ذلك لمن هو أصغر منه سنا، فإنه في الصورة الأولى الحقيقة مستحيلة، بخلاف الثانية فإنها ممكنة وإذا أمكنت الحقيقة أمكن مراعاة المجاز، هذا وقيل: إن المجاز أولى من الإضمار، وقيل إن الإضمار أولى من المجاز.
    تنبيهان: الأول: هذه الخمسة أعني: الاشتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص تعرف بأنها مخلّات الفهم لأن المتكلم حينما يستعملها يختل فهم السامع في مراد المتكلم فإنها جميعا خلاف الأصل فمثلا إذا استعمل اللفظ المشترك تحير في المراد من معنييه، فإذا تعارضت فيما بينها فهنالك عشر صور: تعارض الاشتراك مع النقل، تعارض الاشتراك مع المجاز، تعارض الاشتراك مع الإضمار، تعارض الاشتراك مع التخصيص، تعارض النقل مع المجاز، تعارض النقل مع الإضمار، تعارض النقل مع التخصيص، تعارض المجاز مع الإضمار، تعارض المجاز مع التخصيص، تعارض الإضمار مع التخصيص، والمصنف بين بعضها صراحة وبين بعضها بدلالة الالتزام بيانه: يؤخذ من سرد كلامه ما يلي: التخصيص أولى من المجاز والمجاز أولى من الاشتراك، فيكون التخصيص أولى من الاشتراك لأن الأولى من أولى من شيء هو أولى من ذلك الشيء، ويؤخذ من قوله إن المجاز مساو للإضمار أن التخصيص أولى من الإضمار لأنه إذا كان: أ أولى من ب، وب = ج، يكون أ أولى من ج، ويؤخذ من قوله الإضمار أولى من المجاز والمجاز أولى من الاشتراك أن الإضمار أولى من الاشتراك، ويؤخذ من قوله المجاز مساو للإضمار والإضمار أولى من النقل أن المجاز أولى من النقل لأنه إذا كان أ = ب، وب أولى من ج، يكون أ أولى من ج فتأمل.
    الثاني: حينما يحصل تعارض بين هذه الأمور ونقول يقدم كذا على كذا أو أن كذا يساوي كذا يعني هذا أن هذه هي القاعدة العامة ولكن قد تخالف هذه القاعدة حيث وجد مرجح في بعض الصور والأمثلة، فمثلا: قد قالوا إن الإضمار مساو للمجاز ومع هذا رجحوا في قول السيد لغلامه الأصغر منه سنا هذا ابني، أنه يعتق وذلك لمرجح آخر وهو تشوف الشارع إلى العتق فافهم حتى لا تتعارض عليك القاعدة مع بعض الفروع الفقهية.


    الموضوع الأصلي: http://www.feqhweb.com/vb/showthread...#ixzz4Rb5EfxU3

صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •