دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين. - الصفحة 5
صفحة 5 من 5 الأولىالأولى 12345
النتائج 81 إلى 96 من 96
1اعجابات

الموضوع: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين.

  1. #81
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثمانون- القياس

    شروط حكم الأصل



    أولا: يشترط في حكم الأصل ما يلي:
    1- أن يكون ثابتا للأصل بغير قياس؛ إذْ لوثبت بالقياس على أصل آخر كان القياس الثاني لغوا للاستغناء عنه بالقياس على الأول رأسًا.
    مثال: لا يقاس الوضوء على الغسل في وجوب النية، والنية في الغسل إنما وجبت بالقياس على الصلاة بجامع أن كلا منها قربة، بل يقاس وجوب النية في الوضوء على الصلاة رأسا.
    فلا بد من ثبوت حكم الأصل إما بنص أو إجماع.
    2- أن لا يكون متعبدا فيه بالقطع، أي أن لا يجري فيما يطلب فيه اليقين كالعقائد، فهي يطلب فيها القطع واليقين، والحال أن القياس الفقهي لا يفيد سوى الظن.
    فما يتعبّد فيه بالعلم اليقيني لا يجوز إثباته بالقياس كإثبات حجيّة خبر الواحد بالقياس على قبول شهادة الشاهدين.
    وهذا الشرط محل نظر لأن القياس قد يفيد اليقين إذا علم حكم الأصل وعلمت العلة وتحقق وجودها في الفرع وقد تقدم أن القياس قد يجري في العقليات وهي يطلب منها اليقين.
    3- أن يكون مِن جنس حكم الفرع فيشترط كونه شرعيا إن كان المطلوب إثباته حكما شرعيا، وكونه عقليا إن كان المطلوب إثباته حكما عقليا، وكونه لغويا إن كان المطلوب إثباته حكما لغويا.
    4- أن يكون جاريا على سنن القياس وطريقته بأن يكون مشتملا على معنى يوجب تعديته من الأصل إلى الفرع.
    فإن لم يكن كذلك بأن خرج عن سنن القياس فلم يشتمل على المعنى المذكور فلا يقاس على محله وهو الأصل لخصوصيته في هذه الحالة.
    مثاله: شهادة خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، فلا يقاس عليه غيره وإن فاقه رتبة كالصدّيق رضي الله عنه لما روى أبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم: جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
    5- أن لا يكون دليله شاملا لحكم الفرع؛ فإنه إذا كان دليل حكم الأصل شاملا للفرع لم يكن بحاجة إلى قياس للاستغناء عنه بالنص.
    مثاله: لو استدل مستدل على ربوية البر بحديث مسلم: الطعام بالطعامِ مثلا بمثل. ثم قاس الذرة على البر بجامع الطعم، كان هذا القياس مستغنى عنه؛ لأن الطعام الوارد في النص شامل للذرة شموله للبر.
    6- أن يكون متفقا عليه بين الخصمين، وهذا معلوم من قانون المناظرة فمتى أراد أن يحتج زيد على عمرو بالقياس فلا بد أن يكون عمرو يسلم بثبوت حكم الأصل.

    ( شرح النص )


    الثاني: حُكمُ الأصلِ وشرطُهُ ثبوتُهُ بغيرِ قياسٍ ولو إجماعًا، وكونُهُ غيرَ مُتَعَبَّدٍ بهِ بالقطعِ في قولٍ، وكونُهُ من جنسِ حكمِ الفرعِ، وأنْ لا يَعْدِلَ عن سَنَنِ القياسِ، ولا يكونَ دليلُهُ شاملًا لحكمِ الفرعِ، وكونُهُ متفقًا عليهِ جزمًا بينَ الخصمينِ فقطْ في الأصحِّ.
    ......................... ......................... .........................
    ( الثاني ) من أركان القياس ( حُكمُ الأصلِ وشرطُهُ ثبوتُهُ بغيرِ قياسٍ ) إذ لو ثبت بقياس كان القياس الثاني لغوًا للاستغناء عنه بقياس الفرع فيه على الأصل في الأول كقياس التفاح على البرّ في الربوية بجامع الطعم، ثم قياس السفرجل على التفاح بجامع الطعم، وهو لغو للاستغناء عنه بقياس السفرجل على البر ( ولو إجماعًا ) فيثبت حكم الأصل به ولا يشترط النص من كتاب أو سنة، وقيل: شرط حكم الأصل ثبوته بالنص فلا يثبت بإجماع ( وكونُهُ غيرَ مُتَعَبَّدٍ بهِ بالقطعِ ) أي اليقين (في قولٍ ) مرجوح للإمام الغزالي؛ لأن الحكم الذي تعبد فيه باليقين إنما يقاسُ على محلِه ما يطلبُ فيه اليقين كالعقائد، والقياس لا يفيد اليقين، وردّ بأنه يفيده إذا علم حكم الأصل، وما هو العلة فيه، ووجودها في الفرع ( وكونُهُ من جنسِ حكمِ الفرعِ ) فيشترط كونه شرعيا إن كان المطلوب إثباته حكما شرعيا، وكونه عقليا إن كان المطلوب إثباته حكما عقليا، وكونه لغويا إن كان المطلوب إثباته حكما لغويا ( وأنْ لا يَعْدِلَ ) أي حكم الأصل ( عن سَنَنِ القياسِ ) فما عدل عن سننه أي خرج عن طريقه لا يقاس على محله لتعذر التعدية حينئذ كشهادة خزيمة بن ثابت وحده، فلا يقاس به غيره، وإن فاقه رتبة كالصديق رضي الله عنه ( و ) أن ( لا يكونَ دليلُهُ ) أي دليل حكم الأصل ( شاملًا لحكمِ الفرعِ ) للاستغناء به حينئذ عن القياس، مع أنه ليس جعل بعض الصور أصلا لبعضها أولى من العكس، كما لو استدل على ربوية البر بخبر مسلم: الطعام بالطعام مثلا بمثل. ثم قيس عليه الذرة بجامع الطعم فإن الطعام يشمل الذرة كالبر سواء ( وكونُهُ ) أي حكم الأصل ( متفقًا عليهِ جزمًا ) أي بلا خلاف وإلا احتيج عند منعه إلى إثباته فينتقل إلى مسألة أخرى غير المسألة التي عقد القياس لها، وينتشر الكلام ويطول ويفوت المقصود، وذلك ممنوع منه إلا أن يروم المستدل إثبات حكم الأصل فليس ممنوعا- وإن طال الكلام لأن الأثبات حينئذ مقصود له- كما يعلم مما سيأتي ( بينَ الخصمينِ فقطْ في الأصحِّ ) لأن البحث لا يعدوهما، وقيل: لا بد أن يكون متفقا على ثبوت حكم الأصل بين كل الأمة حتى لا يتأتى المنع أصلًا من أي أحد، وفيه بعد ظاهر. وهنا تنبيهان: الأول: أن القول بأن القياس التمثيلي- وهو القياس الفقهي- لا يفيد اليقين إطلاقا إنما تسرّب لبعض الأصوليين من المنطق الأرسطي ولا يساعده النظر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( .. فيقال‏:‏ تفريقهم بين قياس الشمول وقياس التمثيل، بأن الأول قد يفيد اليقين والثاني لا يفيد إلا الظن، فرق باطل، بل حيث أفاد أحدهما اليقين، أفاد الآخر اليقين‏.‏ وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن، فإن إفادة الدليل لليقين أو الظن ليس لكونه على صورة أحدهما دون الآخر، بل باعتبار تضمن أحدهما لما يفيد اليقين‏.‏ فإن كان أحدهما اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقينا، حصل به اليقين، وإن لم يشتمل إلا على ما يفيد الحكم ظنًا، لم يفد إلا الظن‏... )‏ الرد على المنطقيين ص 255.
    الثاني: القياس التمثيلي وإن احتج به في العقليات وإن أفاد اليقين في بعض الموارد إلا أنه هو وأخوه القياس الشمولي المنطقي لا يصح استعماله في حق القدوس العظيم جلّ وعلا بل يستعمل في حقه سبحانه قياس الأولى بأن يقال كل كمال ثبت بالدليل لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بالتنزه عنه. قال شيخ الإسلام: (.. وأعظم المطالب العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه،وهذا كله لا تنال خصائصه لا بقياس الشمول ولا بقياس التمثيل فإن الله تعالى لا مثل له فيقاس به ولا يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها فلهذا كانت طريقة القرآن وهي طريقة السلف والأئمة أنهم لا يستعملون في الإلهيات قياس تمثيل وقياس شمول تستوي أفراده بل يستعملون من هذا وهذا قياس الأولى فإن الله له المثل الأعلى.. ) درء تعارض العقل والنقل ج7 ص 318.




  2. #82
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الحادي والثمانون- القياس

    تكملة الكلام على حكم الأصل



    أولا: لا يشترط مع اتفاق الخصمين اختلاف الأمة. بيانه:
    قد تقدم أنه يشترط أن يكون حكم الأصل متفقا عليه بين الخصمين المتناظرين وأنه لا يشترط اتفاق الأمة على الصحيح، ولكن لا يعني هذا أنه من شرط حكم الأصل أن يكون الحكم مختلفا فيه بين كل الأمة بل يجوز أن يكون حكم الأصل مجمعا عليه، كما يجوز أن يكون متفقا عليه بين الخصمين دون كل الأمة.
    وقيل: يشترط مع اتفاق الخصمين في حكم الأصل اختلاف الأمة؛ لأنه إذا كان مجمعا عليه فلن يتمكن المانع من منع حكم الأصل أي أنه لن تكون هنالك مناظرة ومباحثة من أصله. وأجيب: بأن الخصمين مع اتفاقهما على حكم الأصل يجوز أن يختلفا في علة حكم الأصل فكل يعين علة غير العلة التي عينها الآخر فتجري بينهما المباحثة.
    ثانيا: إذا كان الحكم متفقا عليه بين الخصمين فإما أن يختلفا في تعيين العلة أو في وجودها. فهما حالتان:
    1- أن يختلفا في تعيين العلة وصورة المسألة أن يتفق الخصمان على حكم الأصل ولكن أحدهما يعلل ذلك الحكم بعلة، والآخر يعلله بعلة أخرى فهذا يسمى مركب الأصل.
    مثاله: اتفاق الشافعية والحنفية على أن حلي الصغيرة لا زكاة فيه، لكن العلة عند الشافعية كونه حليا مباحا، فقاسوا عليه حلي الكبيرة، والعلة عند الحنفية كونه حلي صغيرة لم تبلغ فلا يقاس عليه حلي الكبيرة.
    2- أن يختلفا في وجود العلة في الأصل وصورة المسألة أن يتفق الخصمان على حكم الأصل، ولكن العلة التي يثبتها المستدل يقول الخصم إنها غير موجودة في الأصل فهذا يسمى مركب الوصف.
    مثاله: اتفاق الشافعية والحنفية على أن من قال: فلانة التي أتزوجها طالق. أن الطلاق لايقع إذا تزوجها.
    والعلة في ذلك عند الشافعية تعليق الطلاق قبل ملكه. فقاسوا عليه ما لو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. فلا يقع الطلاق.
    أما الحنفية فمنعوا وجود العلة في الصورة الأولى وقالوا: هي تنجيز لا تعليق فلا يصح القياس المذكور، بمعنى أننا لو قلنا إن العلة هي تعليق الطلاق قبل ملكه كما قلتم فإننا لا نسلم بصحة القياس لعدم وجود العلة التي ذكرتموها في الأصل فإنه عندما يقول القائل فلانة التي أتزوجها طالق لا يوجد تعليق وشرط في كلامه فالعلة التي ذكرتموها لم تتوفر في الأصل.
    فهذان القياسان قياس مركب الأصل وقياس مركب الوصف لا ينهضان حجة على الخصم.
    أما في مركب الأصل فلتعيين كل منهما علة غير علة الآخر فبالتالي يمنع الخصم وجود العلة في الفرع فالحنفي يمنع وجود علة الصغر في حلي الكبيرة.
    وأما في مركب الوصف فلأن الخصم يمنع وجود العلة في الأصل أي أن الحنفي يمنع وجود التعليق في الأصل الذي هو فلانة التي أتزوجها طالق.

    ( شرح النص )


    والأصحُّ أَنَّهُ لا يُشترَطُ اختلافُ الأمَّةِ، فإنِ اتفقا عليهِ معَ منعِ الخصمِ أَنَّ عِلَّتَهُ كذا فمركَّبُ الأَصلِ، أو وجودَها في الأصلِ فمركّبُ الوصفِ ولا يقبلانِ في الأصحِّ.
    ......................... ......................... ......................... .
    ( والأصحُّ أَنَّهُ لا يُشترَطُ ) مع اشتراط اتفاق الخصمين فقط ( اختلافُ الأمَّةِ ) غيرهما في حكم الأصل، بل يجوز اتفاقهم على حكم الأصل كاتفاق الخصمين عليه، وقيل: يشترط اختلافهم فيه ليتأتى للخصم منعه، إذْ لا يتأتى له منع الحكم المتفق عليه بين الأمة، ويجاب: بأن المراد أن يتأتى للخصم منع حكم الأصل من حيث العلة، وإن لم يتأت له منعه من حيث هو لكونه مجمعا عليه ( فإنِ اتفقا عليهِ ) أي على حكم الأصل ( معَ منعِ الخصمِ أَنَّ عِلَّتَهُ كذا ) كما في قياس حلي البالغة على حلي الصبية في عدم وجوب الزكاة، فإن عدم وجوب الزكاة في حلي الصبية متفق عليه بيننا وبين الحنفي، والعلة فيه عندنا كونه حليا مباحا، وعنده كونه مال صبية ( فَـ ) القياس المشتمل على الحكم المذكور ( مركَّبُ الأَصلِ ) سمي به لتركيب الحكم فيه أي بنائه على علتي الأصل بالنظر للخصمين أي لابتناء الحكم على علتين يقول بإحداهما واحد وبالثانية آخر ( أو ) اتفقا على حكم الأصل مع منع الخصم ( وجودَها ) أي وجود العلة ( في الأصلِ ) كما في قياس: إنْ نكحت فلانة- كهند- فهي طالقٌ على فلانة التي أنكحها طالق، في عدم وقوع الطلاق بعد النكاح، فإن عدم وقوع الطلاق في الأصل -الذي هو فلانة التي أتزوجها طالق- متفق عليه بيننا وبين الحنفي، والعلة تعليق الطلاق قبل تملكه، والحنفي يمنع وجودها في الأصل ويقول هو تنجيز أى فلا يصح القياس المذكور لعدم العلة فى الفرع لأنه تعليق والأصل تنجيز ( فـ ) القياس المشتمل على الحكم المذكور ( مركّبُ الوصفِ ) سمي به لتركيب الحكم فيه أي بنائه على الوصف- وهو وجود العلة في الأصل- الذي منع الخصم وجوده في الأصل، كالمثال السابق فإن الحكم بوقوع الطلاق في الفرع الذي هو إن تزوجت فلانة فهي طالق مبني على وجود العلة التي هي تعليق الطلاق في الأصل الذي هو فلانة التي أتزوجها طالق، وظهر- من تفسر التركيب بالبناء- أن لفظ مركب في مركب الأصل ومركب الوصف هو بمعنى البناء أي ترتب شيء على آخر لا بمعنى التركيب الذي هو ضد الإفراد.تأمل ( ولا يقبلانِ ) أي القياسان المذكوران بمعنى لا ينهضان حجة على الخصم في باب المناظرة وإن كان لكل مجتهد أن يأخذ بما نهض حجة عنده سواء وافقه الخصم أو خالفه ( في الأصحِّ ) لمنع الخصم وجود العلة في الفرع في مركب الأصل، ولمنعه وجود العلة في الأصل في مركب الوصف، وقيل: يقبلان نظرا لاتفاق الخصمين على حكم الأصل في القياسين.





  3. #83
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثاني والثمانون- القياس

    المناظرة على علة حكم الأصل

    أولا: إذا سلّم الخصم أن علة الحكم هي ما ذكره المستدل فأثبت المستدل وجود العلة في الفرع، أو سلّم الخصم وجود العلة في الفرع فأثبت المستدل أنها هي علة الحكم انتهض الدليل على الخصم.
    مثال: لو سلم الخصم أن علة الربا في البر هي الطعم ولكنه لم يسلم وجودها في الأرز فمتى أثبت المستدل وجودها في الأرز انتهض القياس حجة على الخصم.
    مثال: لو سلم الخصم أن المطعومية موجودة في الأرز ولكنه لم يسلم أنها هي علة الربا في البر فمتى أثبت المستدل أنها هي علة الحكم انتهض القياس حجة على الخصم.
    ثانيا: إذا لم يتفق الخصمان على الأصل من حيث الحكم والعلة وأراد المستدل إثبات حكم الأصل أولا بدليل، ثم إثبات العلة بدليل آخر فالأصح قبول ذلك منه.
    وهذه المسألة تقدمت الإشارة إليها فقد ذكرنا أنه يشترط اتفاق الخصمين على حكم الأصل قبل المناظرة وإلا احتيج عند منعه إلى إثباته فينتقل إلى مسألة أخرى غير المسألة التي عقد القياس لها، وينتشر الكلام ويطول، ولكن يستثنى فيما لو أراد المستدل إثبات حكم الأصل وإثبات العلة معا فذلك جائز لأن إثبات المستدل الشيء بمنزلة اعتراف الخصم به.
    وقيل: لا يقبل، بل لا بد من اتفاقهما على الأصل أولا، صونا للكلام عن الانتشار.
    ثالثا: لا يشترط اتفاق الأمة على أن حكم الأصل معلل، ولا أن تكون العلة منصوصا عليها؛ إذْ لا دليل على اشتراط ذلك. وعليه يكفي إثبات التعليل بدليل وإثبات وجود العلة بدليل.
    وهذه المسألة قد تقدمت عند قولنا أنه لا يشترط الإجماع على وجود العلة في الأصل.










    ( شرح النص )

    وَلوْ سَلَّمَ العِلَّةَ فأثبتَ المستَدِلُّ وجودَها أَو سَلَّمَهُ الخصمُ انتهضُ الدليلُ، وإنْ لمْ يتفقا عليهِ وعلى عِلَّتِهِ ورامَ المستدِلُّ إثباتَهُ ثُمَّ العلةِ فالأصحُّ قَبولُهُ، والأصحُّ لا يُشترَطُ الاتفاقُ على أنَّ حكمَ الأصلِ مُعَلَّلٌ أَو النصُّ على العلةِ.
    .............................. .............................. .............................. ...........................
    ( وَلوْ سَلَّمَ ) الخصم ( العِلَّةَ ) للمستدل أي سلم أنها ما ذكره لكنه لم يسلم وجودها في الفرع ( فأثبتَ المستَدِلُّ وجودَها ) فيه ( أَو سَلَّمَهُ الخصمُ ) أي سلم وجودها في الفرع لكنه لم يسلم أن العلة ما ذكره فأثبت المستدل أنها هي العلة ( انتهضُ الدليلُ ) عليه لاعترافه بوجود العلة في الثاني أي فيما إذا سلم وجودها، وقيام الدليل عليه في الأول أي فيما إذا سلم الخصم أن العلة هي ما ذكره المستدل ( وإنْ لمْ يتفقا ) أي الخصمان ( عليهِ ) أي على الحكم ( و ) لا ( على عِلَّتِهِ ورامَ المستدِلُّ إثباتَهُ ) بدليل ( ثُمَّ ) إثبات ( العلةِ ) بطريق أي بمسلك من مسالك العلة ( فالأصحُّ قَبولُهُ ) في ذلك لأن إثباته بالدليل كاعتراف الخصم به، وقيل: لا يقبل بل لا بد من اتفاقهما على حكم الأصل وعلته صونا للكلام عن الانتشار ( والأصحُّ ) أنه ( لا يُشترَطُ ) في القياس ( الاتفاقُ ) أي الإجماع ( على أنَّ حكمَ الأصلِ مُعَلَّلٌ أَو النصُّ على العلةِ ) المستلزم لتعليله- لأنه متى نص على علة فيعني أن الأصل معلل لا تعبدي- إذْ لا دليل على اشتراط ذلك بل يكفي إثبات التعليل بدليل، وقيل: يشترط ذلك، وقد مر أنه لا يشترط الاتفاق على أن علة حكم الأصل كذا على الأصح، قال الشارح: وإنما فرقت كالأصل بين المسألتين لمناسبة المحلين يعني أن المسألة الأولى وهى عدم اشتراط الإتفاق على وجود العلة محلها الأصل لأنه محل وجود العلة فناسب ذكرها فى مباحث الأصل، والثانية وهى عدم اشتراط الإتفاق على أن حكم الأصل معلل محلها حكم الأصل لكونها من مباحثه فناسب ذكرها فيه.

  4. #84
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثالث والثمانون- القياس

    الفرع

    أولا: الفرع وهو: المحل المشبّه أي المقيس، كالنبيذ في قياسه على الخمر في الحرمة، وقيل: الفرع هو: حكم المحل المشبّه كالحرمة في المثال المذكور.
    ولا يتأتّى هنا أن يقال إنه دليل الحكم كما قيل في الأصل؛ لأن لحكم الأصل دليلا من نص أو إجماع، أما الفرع فدليله القياس، فلا يمكن أن يقال إن الفرع هو القياس أي لا يصح أن يقال إن أحد أركان القياس هو القياس نفسه، فذلك بمثابة من يقول في عد أركان الصلاة إن أركانها هي: النية، والقيام، والصلاة!.
    ثانيا: تقبل المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحكم الذي ذكره المستدل، أو بما يقتضي ضده، لا بما يقتضي خلافه.
    فهي ثلاث حالات:
    1- أن يستدل المستدل على حكم بإثبات علة فيقول المعترض هناك علة أخرى تقتضي نقيض الحكم الذي ذكرته.
    مثاله: أن يقول المستدل: مسح الرأس في الوضوء ركن فيسن تثليثه كغسل الوجه أي: يسن تثليث مسح الرأس قياسا على غسل الوجه بجامع الركنية فيهما.
    فيقول المعترض: هو مسح في الوضوء كمسح الخفّ فلا يسن تثليثه، أي: لا يسن تثليث مسح الرأس قياسا على مسح الخفّ بجامع المسحيّة فيهما.
    فهنا نلاحظ أن المستدل جاء بحكم وهو: يسن تثليث مسح الرأس، فعارض المعترض دليله بدليل آخر يثبت نقيض حكمه وهو: لا يسنّ تثليث مسح الرأس. فهذا النوع من المعارضة مقبول.
    2- أن يستدل المستدل على حكم بإثبات علة فيقول المعترض هناك علة أخرى تقتضي ضد الحكم الذي ذكرته.
    والنقيضان: لا يجتمعان ولا يرتفعان، والضدان: لا يجتمعان ولكنهما يرتفعان.
    مثاله: أن يقول المستدل: الوتر واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم فيجب كالتشهد في الصلاة أي: الوتر واجب قياسا على التشهد في الصلاة بجامع المواظبة النبوية عليهما.
    فيقول المعترض: الوتر مؤقّت بوقت صلاة مكتوبة- وهي العشاء- فيستحب كسنة الفجر أي: الوتر مستحب قياسا على سنة الفجر بجامع أن كلا منهما يفعل في وقت من أوقات الصلوات الخمس، ولم يعهد من الشارع وضع صلاتينِ واجبتين في وقت واحد.
    وهنا المستدل جاء بحكم وهو وجوب الوتر وعارضه المعترض بما يثبت استحباب الوتر، والواجب والمستحب ضدان، وهذا النوع من المعارضة مقبول أيضا.
    3- أن يستدل المستدل على حكم بإثبات علة فيقول المعترض هناك علة أخرى تقتضي خلاف الحكم الذي ذكرته.
    وضابط الخلافين أنهما متنافيان في حدّ ذاتيهما لا يستحيل اجتماعهما في ذات ثالثة كالسواد والحلاوة، فهما متنافيان في المعنى ولكن لا مانع من اجتماعهما في محل واحد كقطعة نستلة سوداء، وكالبياض والبرودة فهما متنافيان ولكن يتأتى اجتماعهما في ذات واحدة كالثلج.
    مثاله: أن يقول المستدل: اليمين الغموس قول يأثم قائله فلا يوجب الكفارة كشهادة الزور أي: لا تجب الكفارة في اليمين الغموس قياسا على شهادة الزور بجامع الإثم في كلّ.
    فيقول المعترض: اليمين الغموس قول مؤكِّدٌ للباطل يُظنّ به حقيقته فيوجب التعزير كشهادة الزور أي: يجب التعزيز في اليمين الغموس قياسا على شهادة الزور بجامع أن كلا منهما قول مؤكد للباطل.
    فهذه المعارضة غير مقبولة لأنه لا منافاة بين عدم وجوب الكفارة ووجوب التعزير لأنهما يجتمعان.
    ثالثا: إذا جاء المستدل بعلة وعارضه المعترض بعلة أخرى فيقبل في دفع المعارضة المذكورة ترجيح علة المستدل على علة المعترض ككون علته قطعية منصوصا عليها وعلة المعترض ظنية إلى غير ذلك من مرجحات القياس التي ستأتي إن شاء الله.
    رابعا: إذا جاء المستدل بعلة فلا يشترط أن يذكر معها علة الخصم ويدفعها بل يكفي عرض دليله بدون التعرض لدليل الخصم.
    وقيل: يجب لأن تمام الدليل لا يحصل إلا بدفع ما يعارضه.
    وأجيب: بأنه عند ذكر الدليل ابتداء لا يوجد ما يدفعه. نعم بعد أن يسمع المستدل اعتراض المعترض فعليه أن يتعرض لما اعترض به الخصم ويدفعه.












    ( شرح النص )

    الثالثُ: الفرعُ وهو: المحلُّ المشبّهُ في الأصحِّ، والمختارُ قَبولُ المعارضةِ فيه بمقتضى نقيضِ الحكمِ أو ضدِّهِ، ودفعُها بالترجيحِ، وأَنَّهُ لا يجبُ الإيماءُ إليهِ في الدليلِ.
    .............................. .............................. .............................. .............................
    ( الثالثُ ) من أركان القياس ( الفرعُ وهو: المحلُّ المشبّهُ ) بالأصل ( في الأصحِّ ) وقيل: حكم المحل المشبّه، ولا يأتي قول ثالث كالأصل بأنه دليل حكم الفرع؛ لأن دليله القياس فيلزم جعل الشيء ركنا من نفسه وهو مستحيل ( والمختارُ قَبولُ المعارضةِ ) وهي: مقابلة دليل المستدل بدليل ينتج ما يبطل مدعاه ( فيه ) أي في الفرع ( بمقتضى نقيضِ الحكمِ أو ضدِّهِ) أي بقياس مقتض للنقيض أو الضد، وقيل: لا يقبل وإلا لانقلب منصب المناظرة، إذ يصير المعترض مستدلا وبالعكس يصير المستدل معترضا، وذلك خروج عما قصد المتناظران بالمناظرة من معرفة صحة نظر المستدل في دليله إلى غيره وهو معرفة صحة نظر المعترض في دليله، قلنا: القصد من المعارضة هدم دليل المستدل لا إثبات مقتضى المعارضة- وهو استدلال المعترض على الحكم- المؤدي إلى ما مرّ من الانقلاب بمعنى أن المعترض يقصد بالمعارضة إبطال دليل الخصم وإن أدى بشكل غير مقصود إلى إثبات مدعاه بالاستدلال عليه، وصورة المعارضة في الفرع أن يقول المعترض للمستدل: ما ذكرتَ من الوصف وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي ثبوت نقيضه أو ضده، فالنقيض نحو: المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالوجه، فيقول المعارض: هو مسح في الوضوء فلا يسنّ تثليثه كمسح الخف، والضد نحو: الوتر واظب عليه النبيّ صلى الله عليه وسلّم فيجب كالتشهد، فيقول المعارض: هو مؤقت بوقت صلاة من الخمس فيسن كالفجر، وخرج بالمقتضى لنقيض الحكم أو ضده: المعارضة بالمقتضى لخلاف الحكم فلا يقدح لعدم منافاتها لدليل المستدل، كما يقال: اليمين الغموس قول يأثم قائله فلا يوجب الكفارة، كشهادة الزور، فيقول المعارض: هو قول مؤكد للباطل يظن به حقيقته فيوجب التعزير كشهادة الزور ( و ) المختار في دفع المعارضة المذكورة زيادة على دفعها بكل ما يعترض به على المستدل ابتداء. راجع رسالتي في شرح آداب البحث والمناظرة إن شئت ( دفعُها بالترجيحِ ) لوصف المستدل على وصف المعارض بمرجح مما يأتي في محله لتعين العمل بالراجح، وقيل: لا تدفع به ( و ) المختار بناء على القول بقبول الترجيح في دفع المعارضة ( أَنَّهُ لا يجبُ ) على المستدل ( الإيماءُ إليهِ ) أي إلى الترجيح بين علته وعلة خصمه أي التعرض إليه ( في ) أثناء عرض ( الدليلِ ) ابتداء- أي قبل أن يعارضه المعترض- لأن ترجيح وصف المستدل الذي جعله علة على وصف معارضه خارج عن الدليل، وقيل: يجب لأن الدليل لا يتم بدون دفع المعارض. قلنا: لا معارض حينئذ فلا حاجة إلى دفعه قبل وجوده.

  5. #85
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الرابع والثمانون- القياس

    شروط الفرع

    أولا: من شروط الفرع أن يوجد فيه تمام العلة التي في الأصل. توضيحه:
    إن العلة هي الجسر المشترك الذي بواسطته ينتقل الحكم من الأصل إلى الفرع فإذا لم توجد العلة فيه فلا قياس، وذلك كالإسكار في النبيذ في قياسه على الخمر.
    ثم إن العلة قد تكون مفردة وقد تكون مركبة فالعلة المفردة كالإسكار في الخمر، والعلة المركبة هي التي تتركب من أجزاء وذلك كتعليل وجوب القصاص: بالقتل، العمد، العدوان، لمكافئ، غير ولد، فهذه خمسة أوصاف جعلت بمجموعها علة للقصاص الواجب، ولهذا قلنا: أن يوجد فيه تمام العلة وذلك إشارة إلى العلة المركبة فإذا وجد في الفرع بعض من أوصاف علة الأصل لم يتعد الحكم من الأصل إلى الفرع.
    ثانيا: إن العلة مع اشتراط وجودها في الأصل والفرع إلا أنه ليس من شرط ذلك عدم وجود زيادة في القوة في الأصل أو الفرع وذلك كالإيذاء الذي هو علة النهي عن التأفيف فإن الفرع وهو الضرب تتواجد فيه العلة على نحو أقوى من الأصل.
    ثالثا: إن العلة قد تكون قطعية وقد تكون ظنية فالأولى هي العلة المنصوصة التي نصّ الشارع عليها أو أجمع العلماء عليها ككون علة تحريم الخمر هي الإسكار، والثانية هي التي ليس كذلك ككون علة الربا هي الطعم.
    رابعا: القياس قد يكون قطعيا وقد يكون ظنيا.
    فالقطعي هو: ما كانت علته قطعية وقطع بوجودها في الفرع.
    والظني هو: ما كانت علته مظنونة أو لم يقطع بوجودها في الفرع.
    والقياس القطعي يشمل:
    1- القياس الأولى وهو: ما يكون الفرع فيه أولى بالحكم من الأصل لقوة ظهور العلة فيه.
    وذلك كقياس الضرب على التأفيف.
    2- القياس المساوي وهو: ما تكون العلة فيه متساوية الظهور في الأصل والفرع.
    وذلك كقياس النبيذ على الخمر فإن الإسكار متساو فيهما.
    والقياس الظني يشمل القياس الأدون وهو: ما كانت العلة في الفرع أخفى منها في الأصل.
    وذلك كقياس التفاح على البر في باب الربا بجامع الطعم فيهما. ولاحتمال أن تكون العلة الكيل أو القوت أعتبر ذلك ظنيا.



    ( شرح النص )

    وشرطُهُ وجودُ تمامِ العِلَّةِ فيهِ، فإنْ كانتْ قطعيَّةً فقطْعِيٌّ أَوْ ظنيَّةً فظنيٌّ وأَدْوَنُ كتفاحٍ بِبُرٍّ بجامعِ الطعمِ.
    .............................. .............................. .............................. ............................
    ( وشرطُهُ ) أي الفرع ( وجودُ تمامِ العِلَّةِ ) التي في الأصل ( فيهِ ) أي في الفرع بلا زيادة قوة أو بها، كالإسكار في قياس النبيذ بالخمر، والإيذاء في قياس الضرب بالتأفيف فيتعدّى الحكم إلى الفرع فيهما ( فإنْ كانتْ ) أي العلة ( قطعيَّةً ) بأن قطع بكونها علة في الأصل وبوجودها في الفرع كالإسكار والإيذاء فيما مر ( فقطْعِيٌّ ) قياسها حتى كأن الفرع فيه شمله دليل الأصل، فإن كان دليل حكم الأصل ظنيا فحكم الفرع كذلك بمعنى أن كون القياس قطعيا لا يعني بالضرورة أن يكون الحكم مقطوعا به لأننا مع قطعنا بشمول حكم الأصل للفرع إلا أن نفس دليل الأصل قد يكون ظنيا كخبر الواحد، وإن كان دليل حكم الأصل قطعيا فحكم الفرع كذلك، والقطعي يشمل قياس الأولى والمساوي ( أو ) كانت ( ظنيّةً ) بأن ظن كونها علة في الأصل، وإن قطع بوجودها في الفرع ( فظنيٌّ وأَدْوَنُ ) أي فقياسها ظني وهو قياس الأدون ( كتفاحٍ ) أي كقياسه ( ببرٍّ ) في باب الربا ( بجامعِ الطعمِ ) فإنه العلة عندنا معاشر الشافعية في ربوية البر مع احتمال ما قيل: إنها القوت مع الإدخار أو الكيل، وليس في التفاح إلا الطعم فثبوت الحكم فيه أدون من ثبوته في البر المشتمل على الأوصاف الثلاثة بمعنى أن البر مطعوم مقتات مكيل فهو ربوي على كل الاحتمالات، والتفاح على احتمال واحد وهو كون العلة الطعم ومعلوم أن الثابت مع كل الاحتمالات أقوى من الثابت مع احتمال واحد.

  6. #86
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الخامس والثمانون- القياس

    تكملة شروط الفرع

    أولا: ومن شروط الفرع أن لا يُعَارض معارضة لا يمكن دفعها. كما مرت الإشارة إليه.
    ثانيا: أن لايقوم دليل قاطع على خلافه في الحكم. إذْ لا يعمل بالقياس مع قيام دليل قاطع كنص متواتر وإجماع قطعي على خلاف ما ينتج من القياس لأنه ظني فلا يقوى على معارضة القطعي.
    ثالثا: أن لا يقوم خبر الواحد على خلافه. لأن الخبر ولو كان خبر واحد يقدم في العمل على القياس.
    رابعا: أن يتحد حكم الفرع بحكم الأصل عينا أو جنسا.
    مثال الاتحاد في عين الحكم: قياس القتل بمثقَّلٍ- كالحجر- على القتل بمحدد- كالسيف- في ثبوت القصاص بجامع كونه قتلا عمدا عدوانا. فإن الحكم وهو ثبوت القصاص فيهما واحد.
    ومثال الاتحاد في جنس العلة: قياس بضع الصغيرة على مالها في ثبوت ولاية الأب أو الجد بجامع الصغر.
    فالحكم وهو ثبوت الولاية جنس لأن ولاية المال ليست عينها ولاية التزويج.
    فإذا اعترض معترض بعدم الاتحاد في الحكم فيدفعه المستدل ببيان الاتحاد.
    مثاله: أن يقيس الشافعي ظهار الذمي على ظهار المسلم في حرمة قربان المرأة.
    فيعترض الحنفي بمخالفة ظهار الذمي لظهار المسلم، فإن حرمة قربان المرأة بالنسبة للمسلم تنتهي بالكفارة، والكافر ليس من أهل الكفارة؛ إذْ لا يمكنه الصوم مثلا لعدم صحته من الكافر فلا تنتهي الحرمة في حقه بخلاف المسلم، فاختلف الحكم فلا يصح القياس
    فينفي الشافعي الاختلاف بأن الكافر يصح منه إعتاقه أو إطعامه مع الكفر كما يمكنه أن يسلم فيصوم، فالحكم متحد.
    خامسا: أن لا يتقدم حكم الفرع على حكم الأصل في الورود.
    مثاله: قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية مثلا، فهذا لا يصح؛ لأن مشروعية الوضوء متقدمة على مشروعية التيمم فيلزم عليه أن ثبوت النية للوضوء قبل تشريع التيمم لا دليل عليه فيكون تكليف المخاطب بالنية في الوضوء تكليفا بما لا يعلم.
    نعم إن كان ثمة دليل آخر لثبوت النية في الوضوء غير القياس لم يمتنع حينئذ قياس السابق على اللاحق لانتفاء المحذور.
    سادسا: لا يشترط في الفرع ما يلي:
    1- ثبوت حكم الفرع بالنص الإجمالي.
    بمعنى أن البعض اشترط أن يكون حكم الفرع ثابتا بالنص الإجمالي والقياس إنما يثبت بعض التفاصيل فإن لم يرد نص إجمالي بالفرع لم يصح القياس.
    مثاله: ميراث الجد مع الإخوة فلولا ورود ما يثبت أن الجد وارث من الورثة- كالإجماع- لما جاز قياس الجد على الأخ فيشارك الإخوة في الميراث.
    وردّ بأن العلماء من الصحابة وغيرهم قاسوا أمورا لم يرد بها نص لا جملة ولا تفصيلا.
    ومن ذلك قول الرجل لامرأته: أنت عليّ حرام. فقاسوه على الطلاق أو الظهار أو الإيلاء بحسب اختلافهم فيه.
    2- أن لا يوجد نص أو إجماع على حكم يوافق الحكم الحاصل بالقياس.
    وهذا اشترطه بعض العلماء لأنه إذا وجد نص أو إجماع فلا حاجة للقياس.
    وردّ بأنه لا مانع من اجتماع دليلين على مدلول واحد فيدل على الفرع بالنص والقياس.





















    ( شرح النص )

    وَأَنْ لا يُعارَضَ، ولا يقومَ القاطِعُ على خِلافِهِ، وكذا خبرُ الواحِدِ في الأصحِّ إلا لتجربةِ النظرِ، ويتحِدَ حكمُهُ بحكمِ الأصلِ، ولا يَتَقَدَّمَ على حكمِ الأصلِ حيثُ لا دليلَ لهُ، لا ثبوتُهُ بالنصِّ جملةً ولا انتفاءُ نصٍ أَو اجماعٍ يوافِقُ على المختارِ.
    .............................. .............................. .............................. .............................
    ( وَأَنْ ) أي وشرط الفرع ما ذكر- من وجود تمام العلة فيه- وأن ( لا يُعارَضَ ) الفرعُ معارضة لا يتأتى دفعها كما مرّت الإشارة إليه ( و ) أن ( لا يقومَ ) الدليل ( القاطِعُ على خِلافِهِ ) أي خلاف الفرع في الحكم؛ إذْ لا صحة للقياس في شيء مع قيام دليل قاطع على خلافه ( وكذا خبرُ الواحِدِ ) أي وأن لا يقوم خبر الواحد على خلافه ( في الأصحِّ ) لأن خبر الواحد مقدم على القياس في الأصح كما مرّ في بحث الخبر ( إلا لتجربةِ ) أي تمرين ( النظرِ ) من المستدل، فيجوز القياس المخالف لأنه صحيح في نفسه ولم يعمل به لمعارضة ما ذكر له، ويدل لصحته قولهم: إذا تعارض النص والقياس قدم النص، بمعنى أنه متى عارض الدليل القاطع القياس لم يصح العمل بالقياس ولكن يجوز من باب الرياضة الذهنية أن يقوم الناظر باستعمال القياس في باب المسائل وإن عارض خبر الواحد لا للعمل به؛ فإن القياس في نفسه صحيح بمعنى أن صورة القياس المشتملة على أركان القياس سليمة ولكن حصل التعارض فقدم الخبر، كما يحصل التعارض بين النصوص فيقدم بعضها على بعض فتأمل ( و ) أن ( يتحِدَ حكمُهُ ) أي الفرع ( بحكمِ الأصلِ ) في المعنى المقصود من القياس سواء بعين الحكم أو بجنسه، كما أنه يشترط في الفرع وجود تمام العلة فيه كما مرّ، فإن لم يتحد حكمه بحكم الأصل لم يصح القياس لانتفاء حكم الأصل عن الفرع، وجواب عدم الاتحاد في الحكم يكون ببيان الاتحاد فيه كما يعلم مما يأتي في محله- في مبحث القوادح- كأن يقيس الشافعي ظهار الذمي بظهار المسلم في حرمة وطء الزوجة، فيقول الحنفي: الحرمة في المسلم تنتهي
    بالكفارة، والكافر ليس من أهلها إذ لا يمكنه الصوم من خصال الكفارة لفساد نيته فلا تنتهي الحرمة في حقه، فاختلف الحكم، فلا يصح القياس، فيقول الشافعي: يمكنه الصوم بأن يسلم ثم يصوم ويصح إعتاقه وإطعامه مع الكفر اتفاقا، فهو من أهل الكفارة، فالحكم متحد، والقياس صحيح ( و ) أن ( لا يَتَقَدَّمَ ) حكم الفرع ( على حكمِ الأصلِ ) في الظهور للمكلف ( حيثُ لا دليلَ لهُ ) أي للفرع غير القياس على القول المختار، كقياس الوضوء بالتيمم في وجوب النية، وذلك بتقدير أن لا دليل للوضوء غير القياس فإنه تعبد بالوضوء قبل الهجرة، والتيمم إنما تعبد به بعدها؛ إذ لو جاز تقدم حكم الفرع للزم ثبوت حكمه حال تقدمه بلا دليل، وهو ممتنع لأنه تكليف بما لا يعلم، نعم إنْ ذكر إلزاما للخصم -لا استدلالا على الحكم- جاز كقول الشافعي للحنفي: -القائل بوجوب النية في التيمم دون الوضوء- هما طهارتان أنى يفترقان لاتحاد الأصل والفرع في المعنى وهو كونهما طهارة للصلاة، فإن كان له دليل آخر جاز تقدمه لانتفاء المحذور السابق وهو التكليف بما لا يعلم، وبناء على جواز تعدّد الدليل على مدلول واحد، وقيل: لا يجوز تقدمه وإن كان عليه دليل آخر ( لا ثبوتُهُ ) أي حكم الفرع ( بالنصِّ جملةً ) أي بالنص الإجمالي فلا يشترط على المختار وقيل: يشترط ويطلب بالقياس تفصيله فلولا العلم بورود ميراث الجدّ جملة لما جاز القياس في توريثه مع الإخوة والأخوات، وردّ اشتراط ذلك بأن العلماء قاسوا أنت عليّ حرام بالطلاق والظهار والإيلاء بحسب اختلافهم فيه أي هل حرمته كحرمة الطلاق كمذهب مالك، أو حرمته كحرمة الظهار فينتهي بكفارته كأحد القولين عن أحمد، أو كحرمة الإيلاء فيجب فيه كفارة يمين كالمرجح عند الشافعي، ولم يوجد فيه نص لا جملة ولا تفصيلا ( ولا انتفاءُ نصٍ أَو اجماعٍ يوافِقُ ) القياس في الحكم، فلا يشترط، بل يجوز القياس مع موافقة النص والإجماع أو أحدهما له ( على المختارِ ) بناء على جواز تعدّد الدليل، وقيل: يشترط انتفاؤهما وإن جاز تعدّد الدليل نظرا إلى أن الحاجة إلى القياس إنما تدعو عند فقد النص والإجماع، قلنا: أدلة حجية القياس مطلقة عن اشتراط ذلك والأصل عدم التقييد.

  7. #87
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس السادس والثمانون- القياس

    العلة

    أولا: الركن الرابع من أركان القياس العلة وقد اختلفوا في تفسيرها على أقوال:
    1- قول الأشاعرة: هي المعرّف للحكم، أي العلامة الدالّة عليه، فمعنى كون الإسكار علة لتحريم الخمر أنه علامة على حرمته.
    2- قول المعتزلة: هي المؤثر للحكم بذاته، بمعنى أن العلة كالقتل العمد العدوان توجب على الله تشريع الحكم كالقصاص، وهذا بناء على مذهبهم في كون الحكم تابعا للمصلحة والمفسدة.
    3- قول الغزالي: هي المؤثر للحكم بإذن الله تعالى، بمعنى أن الله أجرى العادة بأن يكون الحكم تابعا لتحقق العلة.
    4- قول الآمدي وأهل الحديث: هي الباعث على تشريع الحكم، ولذا عرفوها بأنها: وصف مشتمل على حكمة باعثة على تشريع الحكم. ثم كونها باعثة للشارع لا ينافي أنها تعرّف المكلف الحكم.
    وأشكل عليه أن الله تعالى منزّه عن الأغراض، وأجيب: بأن ما من تشريع للحق سبحانه إلا وخلفه حكمة، ومصلحة تعود للخلق لا له سبحانه كيف وهو الغني الحميد.
    ثانيا: حكم الأصل ثابت بالعلة. وقيل: بالنص.
    بمعنى أن حكم الأصل كالحرمة للخمر هل يعرف بالنص الذي بيّن الحكم أو يعرف بالعلة ؟
    قيل: بالنص فحرمة الخمر عرفت بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر... الآية.
    وقيل: عرفت بالعلة لأن النص وإن كان هو الدال على تحريم الخمر لكنه لوحده لا يكشف لنا أن الخمر أصل يقاس عليه، وإنما الذي عرفنا ذلك هو الإسكار فبما أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما عرفنا أن الخمر أصل يقاس عليه النبيذ.
    ثالثا: العلة قد تكون دافعة للحكم، وقد تكون رافعة له، وقد تكون دافعة ورافعة معا.
    1- الدافعة هي: التي تمنع ابتداء الحكم.
    مثاله: العدة للمرأة فإنها علة تدفع حل نكاح المرأة من غير زوجها، ولكنها لا ترفع النكاح كما لو وطئت الزوجة بشبهة- كأعمى ظن في نائمة أنها زوجته- فهذه عليها العدة ولكنها لا ترفع زواجها من زوجها. فظهر أن العدة دافعة لحلية النكاح وليست رافعة له.
    2- الرافعة هي: التي تمنع دوام الحكم.
    مثاله: الطلاق فإنه يرفع حل الاستمتاع، ولكن لا يمنع ابتداء الحكم كما لو عقد عليها مرة أخرى بعد طلاقها، فالطلاق علة رافعة غير دافعة.
    3- الدافعة الرافعة هي: التي تمنع ابتداء الحكم ودوامه معا.
    مثاله: الحدث فإنه يمنع ابتداء الصلاة ويمنع دوامها إذا طرأ في أثنائها.
    ( شرح النص )

    الرابِعُ: العِلَّةُ الأَصحُّ أَنَّها المعرِّفُ، وأَنَّ حكمَ الأصلِ ثابِتٌ بها، وقدْ تكونُ دافعةً للحكمِ أَو رافِعةً أَو فاعلةً لهما.
    .............................. .............................. .............................. .............................
    ( الرابِعُ ) مِن أركان القياس ( العِلَّةُ ) ويعبر عنها بالوصف الجامع بين الأصل والفرع، وفي معناها شرعا أقوال ( الأَصحُّ أَنَّها ) أي العلة ( المعرِّفُ ) للحكم لا المؤثر فيه ولا الباعث عليه، فمعنى كون الإسكار مثلا علة أنه معرف أي علامة على حرمة المسكر. وقالت المعتزلة: هي المؤثر بذاته في الحكم بناء على قاعدتهم من أنه يتبع المصلحة أو المفسدة، وقيل: هي المؤثر فيه بجعله تعالى لا بالذات، وقيل: هي الباعث عليه، وردّ بأنه تعالى لا يبعثه شيء. وفيه نظر كيف والله تعالى يقول: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( و ) الأصح ( أَنَّ حكمَ الأصلِ ثابِتٌ بها ) لا بالنص. وقالت الحنفية: ثابت بالنص؛ لأنه المفيد للحكم. قلنا: لم يفده بقيد كون محله أصلا يقاس به الذي الكلام فيه، والمفيد له العلة لأنها منشأ التعدية المحققة للقياس، فالمراد بثبوت الحكم بها معرفته بها لأنها معرفة له ( وقد تكونُ ) العلة ( دافعةً للحكمِ ) أي لتعلقه كالعدة فإنها تدفع حل النكاح من غير صاحبها ولا ترفع استمرار الزوجية كأن كانت عن شبهة ( أَو رافِعةً ) له كالطلاق فإنه يرفع حل التمتع ولا يدفعه لجواز النكاح بعده ( أَو فاعلةً لهما ) أي الدفع والرفع كالرضاع فإنه يدفع حل النكاح ويرفعه كما لو طرأ أثناء الزوجية كأن يعقد على رضيعة أجنبية ثم ترضعها أمه فتصير أخته من الرضاع فينفسخ العقد.

  8. #88
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس السابع والثمانون- القياس

    تعريف العلة

    أولا: تعرّف العلة بأنها: وصفٌ ظاهِرٌ منضبطٌ باعِثٌ للحكمِ.
    فقولنا: ظاهر أي بيّن كالإسكار في الخمر، لا خفيّا كالرضا فإنه لايعلل به المعاملات، لذلك ربطت بصيغ معينة مثل: بعت واشتريت ونحوهما لأنها ظاهرة منضبطة.
    وقولنا: منضبط أي محدد لا يختلف باختلاف الأفراد كالمسافة في القصر، بخلاف غير المنضبط كالمشقة.
    وقولنا: باعث للحكم أي يشتمل على حكمة تدعو إلى تشريع الحكم، أو معرّف للحكم على الخلاف الذي تقدّم.
    ثانيا: الوصف في تعريف العلة على أقسام هي:
    1- الوصف الحقيقي هو: ما يتعقل بنفسه من غير توقف على عرف أو لغة أو شرع. ومثاله الإسكار والقتل عمدا عدوانا.
    2- الوصف العرفي وهو: ما يكون مستفادا من العرف، كالخسة والشرف في الكفاءة في النكاح فإن مردها إلى العرف.
    3- الوصف اللغوي وهو: ما يكون مستفادا من اللغة، كتعليل حرمة النبيذ بأنه يسمى خمرا- كعصير العنب- لتخميره العقل. وهذا بناء على صحة القياس في اللغة. وفيه خلاف قد تقدم.
    4- الوصف الشرعي وهو: ما كان حكما شرعيا، كحرمة الانتفاع بالخمر هي علة بطلان بيع الخمر، وكحرمة النظر إلى شعر المرأة بالطلاق وحله بالنكاح هو علة وجود الحياة في الشعر.
    ثالثا: الوصف في تعريف العلة قد يكون مفردا كالإسكار وقد يكون مركبا كالقتل العمد العدوان لمكافئ غير ولد.
    رابعا: يشترط في العلة لأجل إلحاق الفرع بحكم الأصل بسببها أن تشتمل على حكمة تبعث المكلف على الامتثال وتكون صالحة لربط الحكم بها.
    كالقتل العمد العدوان لمكافئ علة القصاص، وقد اشتملت تلك العلة على حكمة ومصلحة هي حفظ النفوس؛فإن مَن علم أنه إذا قَتَلَ اقتُصَّ منه كفَّ عن القتل. وفي ذلك حفظ حياته وحياة مَن أراد قتله. قال تعالى: ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ). فيلحق حينئذ القتل بمثقَّل بالقتل بمحدّد في وجوب القصاص لاشتراكهما في العلة المشتملة على الحكمة المذكورة.
    خامسا: المانِع للعلةِ هو: وصفٌ وجوديٌّ يخلّ بحكمتِها. كالدين- على القول بأنه مانع من وجوب الزكاة وهو غير المعتمد عندنا- فإنه وصف وجودي يُخل بحكمة العلة؛ فإن ملك النصاب علة لوجوب الزكاة، والحكمة مواساة الفقراء. فإذا كان مالك النصاب مديونا لم يكن مستغنيا بما عنده؛ لاحتياجه إلى وفاء ما عليه من الدين. فكان الدين مخلا بتلك الحكمة.
    سادسا: لا يجوز التعليل بالحكمة إن لم تنضبط، ويجوز إذا انضبطت. كالسفر مسافة معينة هو علة إباحة القصر والفطر في رمضان، والحكمة هي دفع المشقة وهي غير منضبطة لاختلافها بحسب الأفراد فأنيط وعلق القصر والفطر بالسفر لا بالمشقة، فإن انضبطت جاز التعليل بها كحفظ النفوس يعلل به وجوب القصاص.
    ( شرح النص )

    وصفًا حقيقيًّا ظاهِرًا مُنضَبِطًا أَو عُرفيًّا مُطَّرِدًا، وكذا في الأصحِّ لُغَوِيًّا أَو حُكمًا شرعيًّا أَو مُركّبًا، وشُرِطَ للإلحاقِ بها: أَنْ تشتمِلَ على حكمةٍ تبعَثُ على الإمتثالِ وتصلُحُ شاهِدًا لإناطةِ الحكمِ، ومانِعُها وَصْفٌ وجوديٌّ يُخِلُّ بحِكمَتِها، ولا يجوزُ في الأصحِّ كونُها الحكمةَ إنْ لم تَنْضَبِطْ.
    .............................. .............................. .............................. .............................
    وتكون العلة ( وصفًا حقيقيًّا ) وهو: ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو لغة أو شرع ( ظاهِرًا مُنضَبِطًا ) لا خفيا أو مضطربا كالطعم في الربوي فإنه وصف حقيقي لكونه مدركا بالحس ( أَو ) وصفا ( عُرفيًّا مُطَّرِدًا ) أي لا يختلف باختلاف الأوقات كالشرف والخسة في الكفاءة في النكاح ( وكذا ) تكون ( في الأصحِّ ) وصفا ( لغويًّا ) كتعليل حرمة النبيذ بتسميته خمرا بناء على ثبوت اللغة بالقياس، وقيل: لا يعلل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي لأنه لا دخل للأمور اللغوية في الشرع ( أَو حُكمًا شرعيًّا ) سواء أكان المعلول كذلك أي حكما شرعيا كتعليل جواز رهن المشاع- أي الحصة غير المقسومة مع شريك آخر كربع عقار- بجواز بيعه، أم أمرا حقيقيا كتعليل ثبوت الحياة للشعر بحرمته بالطلاق وحله بالنكاح كاليد فإنها يحل لمسها بالنكاح ويحرم بالطلاق، وقيل: لا تكون حكما شرعيا ( أَو ) وصفا ( مُركّبًا ) كتعليل وجوب القود أي القصاص بالقتل العمد العدوان لمكافىء، وقيل: لا يكون الوصف المركب علة ( وشُرِطَ للإلحاقِ ) بحكم الأصل ( بها ) أي بسبب العلة ( أَنْ تشتمِلَ على حكمةٍ ) أي مصلحة مقصودة من شرع الحكم ( تبعَثُ ) أي تحمل المكلف حيث يطلع عليها ( على الإمتثالِ وتصلُحُ شاهِدًا ) أي دليلا ( لإناطةِ الحكمِ ) أي تعليق الحكم بالعلة كحفظ النفوس فإنه حكمة ترتب وجود القود على علته السابقة وهي القتل العمد العدوان لمكافئ؛ فإنَّ من علم أن من قَتَلَ اقتُصَّ منه انكفّ عن القتل، وقد لا ينكف عنه توطينا لنفسه على تلفها- إشارة إلى أن الحكمة هنا تقليل مفسدة القتل لا دفعها بالكلية إذْ قد يقدم الإنسان على القتل موطنا نفسه على تلفها- وهذه الحكمة تبعث المكلف من القاتل وولي أمره على امتثال الأمر الذي هو إيجاب القود بأن يمكن كل منهما وارث القتيل من القود، ويصلح شاهدا لإناطة وجوب القود بعلته، فيلحق حينئذ القتل بمثقل بالقتل بمحدد في وجوب القود لاشتراكهما في العلة المشتملة على الحكمة المذكورة ( ومانِعُها ) أي العلة (وَصْفٌ وجوديٌّ يُخِلُّ بحِكمَتِها ) كالدين- على القول بأنه مانع من وجوب الزكاة على المدين وهو مرجوح- فإنه وصف وجودي يخل بحكمة علة وجوب الزكاة وهي الاستغناء بملكه، إذ المدين لا يستغني بملكه لاحتياجه إلى وفاء دينه به (ولا يجوزُ في الأصحِّ كونُها الحكمةَ إنْ لم تَنْضَبِطْ ) كالمشقة في السفر لعدم انضباطها، فإن انضبطت كحفظ النفوس جاز كما رجحه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما لانتفاء المحذور، وقيل: يجوز مطلقا انضبطت العلة أو لا؛ لأنها المشروع لها الحكم، وقيل: لا يجوز مطلقا.

  9. #89
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثامن والثمانون- القياس

    التعليل بعلة عدمية

    أولا: لا يجوز التعليل بعلة عدمية في الحكم الثبوتي.
    بأن يقول الشارع مثلا: حكمت بكذا لعدم كذا، فيكون معللا الحكم الثبوتي الوجودي بانتفاء شيء.
    وصور التعليل أربع هي:
    1- تعليل الثبوتي بالثبوتي، كتعليل حرمة الخمر بالإسكار.
    2- تعليل الثبوتي بالعدمي، كتعليل ضرب السيد غلامه بعدم امتثاله.
    3- تعليل العدمي بالعدمي، كتعليل عدم صحة التصرف بعدم العقل.
    4- تعليل العدمي بالثبوتي، كتعليل عدم صحة التصرف بالإسراف.
    وهذه الصور جائزة عدا الثانية، فالمختار فيها عدم الجواز، وقيل: يجوز فيصح أن يقال: ضربَ فلانٌ عبدَهُ لعدم امتثاله، وأجيب: بمنع صحة التعليل بذلك وإنما يصح بالكف عن امتثاله وهو أمر ثبوتي، ولا يقال أيضا: قُتِلَ المرتدُ لعدمِ إسلامِهِ، بل لكفره.
    ثانيا: العدم نوعان:
    1- عدم مطلق وهو: عدم الوجود، أي هو مطلق من الإضافة إلى شيء، وهو الذي يقابل الوجود في قولنا: الممكن إما موجود أو معدوم أي اللاموجود.
    2- عدم نسبي وهو: عدم مضاف إلى شيء موجود، كعدم الحركة أو عدم العقل أو عدم الذكاء.
    ثالثا: الأمور الإضافية هي: نسبة يتوقف تعقلها على نسبة أخرى. كالأبوة فإن أبوة زيد لعمرو إذا أردت تعقلها فلا بد أن تتعقل معها البنوة فكلما تعقلت الأبوة تعقلت البنوة والعكس كلما تعقلت البنوة تعقلت الأبوة، وكذا قل في الفوقية والتحتية، والتقديم والتأخير.
    وقد اختلف المتكلمون والفلاسفة هل الإضافات عدمية لا وجود لها أو هي وجودية ؟
    فذهب المتكلمون إلى أنها أمور عدمية، وذهب الفلاسفة إلى أنها أمور وجودية.
    رابعا: لا خلاف في أنه لا يجوز تعليل الأمر الثبوتي بالعدم المطلق وإنما الخلاف في تعليله بالعدم النسبي.
    خامسا: قيل: لا يجوز تعليل الأمر الثبوتي بالأمر الإضافي لأنه عدمي- بناء على اختيار المتكلمين- فلا تعلل ولاية الإجبار بالأبوة مثلا لأنها عدمية، وقيل: يجوز تعليل ذلك لأن الأمر الإضافي وجودي لا عدمي- بناء على اختيار الفلاسفة-.
    سادسا: ما كان مركبا من وجود وعدم فهو عدمي فلو علل وجود شيء بعلة مركبة من شيئين أحدهما ثبوتي والآخر عدمي لم يصح.
    كما في تعليل وجوب الدية المغلظة في شبه العمد بأنه: قتل بفعل مقصود لا يقتل غالبا.
    ( شرح النص )

    وكونُها عدميَّةً في الثبوتيِّ.
    .............................. .............................. .............................. ............................
    ( و ) لا يجوز في الأصح وفاقا لابن الحاجب وغيره ( كونُها عدميَّةً ) ولو بعدمية جزئها أى جزء العلة بأن تكون مركبة من جزأين مثلا وأحدهما عدمي، كأن يعلل تعين الدية المغلظة فى شبه العمد بأنه قتل بفعل مقصود لايقتل غالبا، أو بإضافتها بأن يتوقف تعقلها على تعقل غيرها كالأبوة والبنوة فإن الإضافة من قبيل العدمي ( في ) الحكم الشرعي أو غيره ( الثبوتيِّ ) فلا يجوز: حكمت بكذا لعدم كذا مثل أن يقال: يجب قتل المرتد لعدم اسلامه، أو للأبوة أي حكمت بكذا للأبوة كتعليل ولاية الإجبار بالأبوة بناء على أن الاضافي عدمي كما سيأتي تصحيحه أواخر الكتاب- وسيأتي إن شاء الله تحقيقه- وذلك لأن العلة بمعنى العلامة يجب أن تكون أجلى من المعلل، والعدمي أخفى من الثبوتي، وقيل: يجوز كونها عدمية في الأمر الثبوتي لصحة أن يقال: ضربَ فلانٌ عبدَهُ لعدم امتثاله أمره. وأجيب: بمنع صحة التعليل بذلك، وإنما يصح بالكف عن امتثاله وهو أمر ثبوتي، والخلاف في العدم المضاف بخلاف العدم المطلق لا يجوز التعليل به قطعا أي بلا خلاف؛ لأن نسبته إلى جميع المحال على السواء، فلا يعقل كونه علة لشيء تأمل، ويجوز وفاقا تعليل الثبوتي بمثله كتعليل حرمة الخمر بالاسكار، والعدمي بمثله كتعليل عدم صحة التصرف بعدم العقل، والعدمي بالثبوتي كتعليل ذلك- أي عدم صحة التصرف- بالإسراف أي التبذير.

  10. #90
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس التاسع والثمانون- القياس

    ما يجوز التعليل به

    أولا: يجوز تعليل حكم شرعي بعلة لم نطلع على وجه الحكمة فيها، كما في تعليل الفقهاء ربوية البر بالطعم أو القوت والادخار أو الكيل. فإن كون العلة تشتمل على حكمة لا يلزم منه اطلاعنا على كل حكمة، لكن عدم اطلاعنا لا يلزم منه منع التعليل بتلك العلة التي لم تظهر لنا حكمتها.
    ثانيا: إذا كان الحكم مشتملا على علة نعرف حكمتها ولكن قطعنا بتخلف تلك الحكمة في بعض الجزئيات فلا يضر ذلك الحكم فهو ثابت بثبوت العلة.
    مثاله: السفر فهو علة القصر، والحكمة هي دفع المشقة، فإن انتفت المشقة في بعض صور السفر كمن يقطع مسافة القصر بالطائرة، فالحكم وهو جواز القصر ثابت في هذه الصورة؛ لأن السفر مظنة المشقة أي هو الموضع الذي يظن فيه وجود المشقة وإن قطع بانتفائها في صورة معينة اعتبارًا للغالب وإلغاءً للنادر، وعليه يجوز الإلحاق كإلحاق الفطر للصائم بالقصر بالمظنة وهي أن السفر مظنة المشقة المحوجة للفطر وإن عدمت المشقة في بعض الصور.
    وقال الجدليون- وهم الخلافيون وهو علم مدون يقارب ما ذكره الأصوليون في باب القياس، وما في علم المناظرة، ودلائله كلها من قبيل الجدل إذْ الغرض منه حفظ مدعى فقهي لإمام من الإئمة المجتهدين وإبطال نقيضه الذي هو مدعى الخصم- لا يثبت الحكم عند انتفاء الحكمة في تلك الصورة إذْ لا عبرة بالمظنة عند تحقق الانتفاء.
    ثالثا: يجوز التعليل بالعلة القاصرة. توضيحه:
    العلة إما أن تكون متعدية وإما أن تكون قاصرة.
    فالعلة المتعدية هي: التي توجد في غير المحل المنصوص عليه بالحكم، وذلك كالإسكار فإنه يوجد في المحل المنصوص عليه وهو الخمر، ويوجد في غيره كالنبيذ.
    والعلة القاصرة هي: التي لا توجد في غير المحل المنصوص عليه بالحكم، بل تكون قاصرة عليه لا تتعداه، وذلك كتعليل طهورية الماء بالرقة واللطافة مما هو مختص بالماء ولا يوجد في غيره.
    وقد اتفق العلماء على أن شرط القياس أن تكون العلة متعدية ليتعدى الحكم محل النص إلى غيره.
    وهل يجوز التعليل بالعلة القاصرة أم لا ؟
    الجمهور على أنه يجوز أن يعلل بالعلة القاصرة، والتعدية شرط للقياس، وليست شرطا للتعليل، فالتعليل كما يجوز بالمتعدية يجوز بالقاصرة.
    وللتعليل بها فوائد كثيرة منها:
    1- معرفة المناسبة بين الحكم ومحله، وهذا أدعى لقبول الحكم؛ لميل النفس إلى الحكم الذي تعرف فيه وجه المصلحة.
    2- معرفة اقتصار الحكم على محل النص، وانتفائه عن غيره، وهذا مهم جدا إذْ نمتنع بموجبه عن إلحاق أي أمر بمحلها.
    3- تقوية النص الدال على الحكم إذا كان النص غير قطعي. كأن يكون ظاهرا يحتمل التأويل فالتعليل يدفع الاحتمال في الظاهر فيجتمع النص على الحكم والعلة معا فتزيده قوة.
    رابعا: تكون العلة القاصرة في مواضع هي:
    1- أن تكون محل الحكم.
    مثاله: تعليل الربا في الذهب والفضة بالذهبية والفضية.
    2- أن تكون جزء محل الحكم الخاص به دون غيره.
    مثاله: تعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج من السبيلين؛ لأن الخروج منهما جزء معنى الخارج لأن معنى الخارج ذات ثبت لها الخروج. بمعنى أن العلة في المثال الأول وهي الذهبية والفضية نفس محل الحكم وهو الذهب والفضة، والعلة في المثال الثاني هي الخروج من السبيلين وهو جزء من مفهوم محل الحكم وهو الخارج من السبيلين.
    3- أن تكون وصفا لازما لمحل الحكم الخاص به دون غيره.
    مثاله: تعليل الربا في الذهب والفضة بكونهما أثمان الأشياء حيث يقال: قيمة هذا الشيء عشرة دنانير مثلا دون أن يقال قيمته عشرة ثياب مثلا وهذا بالنظر للأصل في العرف هو التقويم بهما.
















    ( شرح النص )

    ويجوزُ التَّعليلُ بما لا يُطَّلَعُ على حِكْمَتِهِ، ويثبُتُ الحكمُ فيما يُقْطَعُ بانتفائِها فيهِ للمَظِنَّةِ في الأصحِّ، والأصحُّ جوازُ التَّعليلِ بالقاصِرَةِ لِكونِها مَحَلَّ الحكمِ أَوْ جُزْءَهُ أَو وَصْفَهُ الخاصَّ، ومِن فوائدِها: معرفةُ المناسَبَةِ وتقويةُ النصِّ.
    .............................. .............................. .............................. ...........................
    ( ويجوزُ التَّعليلُ بما ) أي بشيء ( لا يُطَّلَعُ على حِكْمَتِهِ ) كتعليل الربوي بالطعم أو غيره كالقوت والإدخار أو الكيل (ويثبُتُ الحكمُ فيما ) أي في صورة ( يُقْطَعُ بانتفائِها ) أي انتفاء الحكمة ( فيهِ للمَظِنَّةِ ) أي من أجل ظن وجود تلك الحكمة في الجملة ( في الأصحِّ ) لجواز القصر بالسفر لمن ركب سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة- المراد قطعة من الزمن تسع سفره- بلا مشقة، وقيل: لا يثبت الحكم، وعليه الجدليون؛ إذْ لا عبرة بالمظنة عند تحقق انتفاء المَئِنَّة- بمعنى أنه يوجد عندنا مظنة الشيء ومئنته كالمشقة فهي حكمة القصر ولما كانت غير منضبطة أقيمت المظنة وهو السفر موضع المئنة وهي المشقة نفسها، فاعترض الجدليون بأنه لا عبرة بمظنة الشيء عند تحقق انتفائه، ورد عليهم بأن هذا منقوض بسفر الملك المرفّه فإنه يترخص اتفاقا فقد اعتبرت المظنة مع تحقق انتفاء المئنة- وعلى الأوّل يجوز الإلحاق للمظنة كإلحاق الفطر بالقصر فيما ذكر- وهو صورة ركوب السفينة-، فما مر من أنه يشترط في الإلحاق بالعلة اشتمالها على حكمة هو شرط في الجملة فلا يعترض بتخلفها في بعض الصور، أو هو شرط للقطع والجزم بجواز الإلحاق فلا ينافي أن الظن بجواز الإلحاق يحصل ولو تخلفت في بعض الصور فهذان جوابان، ثم ثبوت الحكم فيما ذكر- من المظنة- غير مطرد بل قد ينتفي كمن قام من النوم متيقنا طهارة يده- كأن لبس قفازين- فلا تثبت كراهة غمسها في ماء قليل قبل غسلها ثلاثا، بل تنتفي الكراهة وهو المذهب خلافا لإمام الحرمين ( والأصحُّ جوازُ التَّعليلِ بـ ) العلة ( القاصِرَةِ ) وهي التي لا تتعدى محل النص ( لِكونِها مَحَلَّ الحكمِ أَوْ جُزْءَهُ ) الخاص بأن لا توجد في غيره ( أَو وَصْفَهُ الخاصَّ ) بأن لا يتصف به غيره، فالأوّل كتعليل حرمة الربا في الذهب بكونه ذهبا وفي الفضة كذلك، والثاني كتعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما، والثالث كتعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما قيم الأشياء. وخرج بالخاص في الصورتين غير الخاص فلا قصور فيه أي تكون العلة متعدية حينئذ، كتعليل الحنفية نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بخروج النجس من البدن الشامل لما ينقض عندهم من دم الفصد والحجامة ونحوه فهو غير خاص بالخارج من السبيلين، وكتعليل ربوية البر بالطعم فإنه غير خاص بالبر فيوجد في الرز مثلا، وقيل: يمتنع التعليل بالقاصرة مطلقا لعدم فائدتها، وقيل: يمتنع إن لم تكن ثابتة بنص أو إجماع لعدم فائدتها ( و ) نحن لا نسلم ذلك بل ( مِن فوائدِها: معرفةُ المناسَبَةِ ) بين الحكم ومحله فيكون أدعى للقبول ( وتقويةُ النصِّ ) الدال على معلولها- وهو الحكم- بأن يكون ظاهرا لا قطعيا فيكون الحكم ثابتا بالنص والعلة معا.

  11. #91
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس التسعون- القياس

    تكملة ما يجوز التعليل به

    أولا: يجوز في الأصح التعليل باسم اللقب وهو: الاسم الجامد الذي لا ينبئ عن صفة مناسبة تصلح أن يضاف الحكم إليها. والمراد به العلم كزيد واسم الجنس كرجل والمصدر كضرب.
    مثاله: تعليل الشافعي نجاسة بول ما يؤكل لحمه من الحيوانات بأنه بول كبول الآدمي. فالبول لقب.
    ويصح التعليل بالمشتق المأخوذ من فعل كالسارق في قوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) وهو بمعنى قولهم: تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، فتعليق القطع بالسارق يدل على على علية ما منه الاشتقاق وهو السرقة فسبب القطع هو السرقة.
    ثانيا: يجوز أن يعلل حكم واحد بعلتين فأكثر.
    مثاله: الحدث فهو حكم معلل بأكثر من علة كالنوم، والخروج من السبيلين، ولمس البشرة، ومس الفرج، وكل منها ينقض الوضوء، فيجوز مثلا أن نعلل انتقاض طهارة زيد باللمس والمس معا إذا مسّ فرج زوجته فقد حصل لمس البشرة ومس الفرج.
    وقيل: لا يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين أو أكثر.
    وهذا الخلاف إنما هو في تعليل الحكم الواحد بالشخص، وأما الحكم الواحد بالنوع فيجوز تعدد علله بحسب تعدد أشخاصه بلا خلاف، كتعليل إباحة قتل زيد بالردة، وعمرو بالقصاص، وبكر بالزنا، وسعيد بترك الصلاة.
    وكتعليل نقض وضوء زيد بالنوم، وعمرو بالبول، وبكر بلمس بشرة المرأة الأجنبية، وسعيد بمس ذكره.
    ثالثا: يجوز تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة. فهو عكس المسألة السابقة.
    مثاله في الإثبات: تعليل وجوب قطع يدالسارق ووجوب الغرم إذا تلف المسروق بعلة واحدة وهي السرقة. فقد أثبتنا حكمين بعلة واحدة.
    ومثاله في النفي: تعليل حرمة الصوم والصلاة والطواف بالحيض. فقد نفينا صحة المذكورات بعلة واحدة وهي الحيض.
    وقيل: لا يجوز ذلك.






    ( شرح النص )

    وباسمِ لقبٍ، وبالمُشتَقِّ، وبعللٍ شرعيّةٍ وهوَ واقِعٌ، وعكسُهُ جائزٌ وواقِعٌ إثباتًا كالسَّرِقَةِ ونفيًا كالحيض.
    .............................. .............................. .............................. .............................
    ( و ) الأصح جواز التعليل ( باسمِ لقبٍ ) والمراد به الاسم الجامد كتعليل الشافعي نجاسة بول ما يؤكل لحمه بأنه بول كبول الآدمي، وقيل: لا يجوز ( و ) الأصح جواز التعليل ( بالمُشتَقِّ ) المأخوذ من فعل أي الفعل اللغوي وهو الحدث كالسارق في قوله تعالى: والسارق والسارقة.. الآية أو من صفة كأبيض فإنه مأخوذ من البياض وهو ليس بحدث، وقيل: يمتنع فيهما ( و ) الأصح جواز التعليل شرعا وعقلا للحكم الواحد الشخصي ( بعللٍ شرعيّةٍ ) اثنتين فأكثر مطلقا أي سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة؛ لأنها علامات ولا مانع من اجتماع علامات على شيء واحد ( وهوَ واقِعٌ ) كما في اللمس والمس والبول الموجب كل منها للحدث، وقيل: يجوز ذلك في العلل المنصوصة دون المستنبطة لأن الأوصاف المستنبطة الصالح كل منها للعلية يجوز أن يكون مجموعها العلة عند الشارع، وقيل: يمتنع شرعا مطلقا، وقيل: يمتنع عقلا وهو الذي صححه الأصل ( وعكسُهُ ) وهو تعليل أحكام- أي حكمين فأكثر- بعلة ( جائزٌ وواقِعٌ إثباتًا كالسَّرِقَةِ ) فإنها علة لوجوب القطع ولوجوب الغرم إن تلف المسروق ( ونفيًا كالحيض ) فإنه علة لعدم جواز الصوم والصلاة وغيرهما كالطواف.

  12. #92
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الحادي والتسعون- القياس

    شروط العلة

    أولا: من شروط العلة أن لا يكون ثبوتها متأخرا عن ثبوت حكم الأصل المقيس عليه. أي أنه لا بد أن توجد العلة فيترتب عليها الحكم، فمتى تأخر ثبوت العلة عن ثبوت حكم الأصل بأن ثبت الحكم أولا ثم ثبتت علته فسدت تلك العلة وبطل القياس.
    مثاله: أن يقول المستدل: عرقُ الكلبِ نجِسٌ كلعابِهِ.
    فيقول المعترض: أمنع أن عرق الكلب نجس.
    فيقول المستدل: لأنه مستقذر شرعا- أي يجب التنزه عنه- فكان نجسا كبوله.
    فيقول المانع: هذه العلة وهي الاستقذار ثبوتها متأخر عن ثبوت حكم الأصل وهي النجاسة؛ لأن الشيء إذا ثبتت نجاسته صار مستقذرا شرعا، فتعليل النجاسة بالاستقذار فاسد.
    ثانيا: الشرط السابق يجري سواء فسرت العلة بالباعث على الحكم أو المعرف له. بيانه:
    1- إذا فسرت العلة بالباعث على تشريع الحكم- على المختار- فإنه لا يصح أن يتأخر ثبوت العلة عن ثبوت حكم الأصل لأنه سيعني أن الحكم ثبت أولا بلا علة ثم ثبتت علته وهو باطل؛ لأن الفرض أن العلة هي الباعث على تشريع الحكم فكيف يثبت الحكم قبل علته هذا محال.
    2- إذا فسّرت العلة بالمعرف للحكم- على مختار الأشاعرة- فإنه لايصح أيضا أن يتأخر ثبوت العلة عن ثبوت حكم الأصل؛ لأن العلة هي المعرفة للحكم فإذا ثبت الحكم وعرف بغير علته للزم أن العلة عرّفت ما هو معروف أي يلزم تحصيل الحاصل وهو محال.
    وقال قوم: إذا فسّرت العلة بالمعرف فلا مانع من تأخر ثبوت العلة عن ثبوت الحكم، ولا مانع من تأخر المعرِّف عن المعرَّف فإن الحادث يعرّف القديم، فيقال: العالم دليل على وجود الصانع، وعليه صححوا قياس عرق الكلب على لعابه.








    ( شرح النص )

    وللإلحاقِ أَن لا يكونَ ثبوتُها متأخِرًا عنْ ثبوتِ حكمِ الأَصلِ في الأصحِّ.
    .............................. .............................. .............................. .............................
    ( و ) شرط ( للإلحاقِ ) بالعلة ( أَن لا يكونَ ثبوتُها متأخِرًا عنْ ثبوتِ حكمِ الأَصلِ في الأصحِّ ) سواء أفسرت بالباعث أم بالمعرف؛ لأن الباعث على الشيء لا يتأخر ثبوته عن ذلك الشيء، والمعرف لشيء لا يتأخر عنه وإلا لزم تعريف المعرَّف، وقيل: يجوز تأخر ثبوتها بناء على تفسيرها بالمعرف كما يقال عرق الكلب نجس كلعابه، لأنه مستقذر لأن استقذاره إنما يثبت بعد ثبوت نجاسته.

  13. #93
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثاني والتسعون- القياس

    عود العلة على الأصل بالإبطال

    أولا: ومن شروط العلة أن لا تعود على حكم الأصل الذي استنبطت منه بالإبطال؛ لأن الأصل منشؤها فإبطاله إبطال لها.
    مثاله: استنباط الحنفية من قوله صلى الله عليه وسلم: في أربعين شاةً شاةٌ. رواه أبو داود. أن العلة في وجوب دفع الشاة هي سد حاجة الفقير، فإن التعليل بذلك يفضي إلى جواز دفع قيمة الشاة فتسد به حاجة الفقير. وحينئذ لا يكون دفع الشاة واجبا، فكانت تلك العلة مبطلة لحكم النص الذي استنبطت منه وهو قوله: في أربعين شاةً شاةٌ.
    ثانيا: يجوز غالبا أن تخصصَ العلةُ النصَ الذي استنبطت منه.
    مثاله: قوله تعالى: ( أو لامستم النساء ) فظاهره يعم كل النساء، فإذا علل اللمس بمظنة الشهوة خرجت المحارم من النساء فلا ينتقض الوضوء بلمسهن لانتفاء العلة المذكورة.
    وقيل: لا يجوز أن تخصص العلة الأصل الذي استنبطت منه، ولهذا نقضوا الوضوء بلمس المحارم عملا بالعموم.
    وقولنا: غالبا خرج به تعليل نحو الحكم في خبر الشافعي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
    أي أن يباع اللحم كلحم شاة بحيوان، فيفضي إلى أن يباع مع اللحم غيره كعظم وشحم وجلد وصوف.
    فالحديث بظاهره يعم الحيوان الذي من جنس اللحم أو من غير جنسه فتعليل هذا الحكم بأنه بيع الربوي- اللحم- بأصله يقتضي جواز بيع اللحم بحيوان مأكول من غير الجنس كبيع لحم بقر بشاة مثلا. وهو أحد قولي الإمام الشافعي رحمه الله والقول الثاني وهو المعتمد أنه لا يجوز بيع اللحم بالحيوان بجنسه أو غير جنسه نظرا لعموم الخبر. فهنا على القول المعتمد لا تخصص العلة عموم النص.
    وأما إذا عادت العلة على النص بالتعميم فهو جائز اتفاقا.
    مثاله: تعليل النهي عن الحكم في حالة الغضب في قوله صلى الله عليه وسلم: لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان. متفق عليه. بتشويش الفكر الشامل لحالة الغضب وغيره من كل ما يشوش.







    ( شرح النص )

    وأَنْ لا تعودَ على الأصلِ بالإبطالِ، ويجوزُ عودُها بالتخصيص في الأصحِّ غالبًا.
    .............................. .............................. .............................. .............................
    ( و ) شرط للإلحاق بالعلة ( أَنْ لا تعودَ على الأصلِ ) الذي استنبطت منه ( بالإبطالِ ) لحكمه لأن الأصل منشؤها فإبطالها له إبطال لها كتعليل الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقير، فإن الدفع المذكور مجوز لإخراج قيمة الشاة وهو مفض إلى عدم وجوبها عينا بالتخيير بينها وبين قيمتها ( ويجوزُ عودُها ) أي العلة على الأصل ( بالتخصيص ) له ( في الأصحِّ غالبًا ) فلا يشترط عدم عودها عليه بالتخصيص كتعليل الحكم في آية: أو لامستم النساء. بأن اللمس مظنة التمتع أي التلذذ، فإنه يخرج من النساء المحارم فلا ينقض لمسهن الوضوء، وقيل: لا يجوز ذلك فيشترط عدم التخصيص، فينقض لمس المحارم الوضوء عملا بعموم الآية وهو أحد قولي الشافعي والقول الآخر عدم النقض وهو الذي رجحه الأصحاب، وخرج بالتخصيص التعميم فيجوز العود به قطعا بلا خلاف كتعليل الحكم في خبر الصحيحين: لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان. بتشويش الفكر فإنه يشمل غير الغضب أيضا، وخرج بقولي غالبا تعليل نحو الحكم في خبر النهي عن بيع اللحم بالحيوان بأنه بيع ربوي بأصله، فإنه يقتضي جواز البيع بغير الجنس من مأكول وغيره- كبيع لحم بقر بضأن ولحم ضأن بحمار- كما هو أحد قولي الشافعي، لكن أظهرهما المنع- أي الحرمة والبطلان- نظرا لعموم الخبر.

  14. #94
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثالث والتسعون- القياس

    معارضة العلة المستنبطة بمناف

    أولا: ومن شروط العلة أن لا تكون العلة المستنبطة معارَضَة من قبل الخصم بمعارِض مناف لمقتضاها بأن يقتضي أن موجود ذلك المنافي في الأصل.
    مثاله: قياس حليّ البالغة على حليّ الصغيرة في عدم وجوب الزكاة لأنه حليٌ مباحٌ. فالأصل هو حلي الصغيرة، والفرع هو حلي البالغة، وحكم الأصل هو عدم وجوب الزكاة، والعلة المستنبطة هي كونه حليا مباحا.
    فيعارضها الحنفي قائلا: إن العلة في عدم وجوب الزكاة في حلي الصغيرة هي كونه حلي صغيرة.
    فهذه العلة التي أبدأها الحنفي منافية لمقتضى علة المستدل لإنها لا تقتضي عدم وجوب الزكاة في حلي الكبيرة، وذلك المنافي -أي كونه حلي صغيرة- موجود في الأصل وهو حلي الصغيرة.
    ثانيا: وقع التمثيل للمسألة السابقة بمثال آخر وهو: قول الحنفي لا يجب تبييت النية في صوم رمضان والدليل عليه هو: أن صوم رمضان هو صوم مطلوب من كل مكلف على التعيين كالنفل- كعرفة فإنه مطلوب صيامه من كل مكلف على التعيين لأنه سنة عين- فيتأدى صومه بالنية قبل الزوال. فالأصل هو صيام النفل، والفرع هو صيام رمضان، والحكم هو صحة الصوم بنية قبل الزوال، والعلة هي كونه مطلوبا من كل مكلف على التعيين.
    فيعارضه الشافعي فيقول: إن العلة هي كونه صيام فرض فيحتاط فيه ولا يبنى على السهولة بخلاف النفل.
    وهذا المثال محل نقاش فإننا اشترطنا أن يكون المعارض المنافي موجودا في الأصل وهنا ليس كذلك فإن علة الشافعي وهي الفرضية التي عارض بها العينية على مكلف غير موجودة في الأصل وهو صوم النفل، فالمثال ليس مطابقا للمسألة.
    ثالثا: لا يشترط في العلة أن لا تكون معارضة من قبل الخصم بمعارض مناف لمقتضاها موجود في الفرع.
    وقيل: يشترط أن تكون العلة المستنبطة لا يعارضها الخصم بمناف موجود في الفرع، بأن تثبت في الفرع علة أخرى توجب خلاف الحكم الثابت فيه بالقياس على أصل آخر.
    مثاله: إذا قال الشافعي في مسح الرأس في الوضوء: هو ركن كغسل الوجه فيسن تثليثه. فالأصل هو غسل الوجه، والفرع هو مسح الرأس، وحكم الأصل هو سنية التثليث، والعلة الجامعة هي الركنية في الوضوء.
    فيعارضه الحنفي: بأن مسح الرأس كمسح الخف بجامع المسحية فلا يسن تثليثه.
    فهنا الوصف المعارض الذي أبداه الحنفي وهو كونه مسحا موجود في الفرع وهو مسح الرأس وهذا يقتضي أن الحكم في مسح الرأس هو عدم التثليث.



    ( شرح النص )

    وأنْ لا تكونَ المستنبَطَةُ مُعارضَةً بمنافٍ موجودٍ في الأصلِ.
    .............................. .............................. .............................. ...........................
    ( و ) شرط للإلحاق بالعلة ( أنْ لا تكونَ ) العلة ( المستنبَطَةُ ) وهي الحاصلة عن رأي المجتهد- وقيّدها بذلك؛ لأن العلة المنصوصة تلغي ما يعارضها- ( مُعارضَةً بمنافٍ ) لمقتضاها ( موجودٍ في الأصلِ ) أي المقيس عليه إذْ لا عمل للعلة- وعملها هو كون المنصوص عليه أصلا يلحق به غيره- مع وجود المعارض إلا بمرجح، ومثّل له بقول الحنفي في نفي وجوب التبييت في صوم رمضان: صوم عين-أي مطلوب من كل ذات من المكلفين- فيتأدى بالنية قبل الزوال كالنفل، فيعارضه الشافعي: بأنه صوم فرض فيحتاط فيه بخلاف النفل فيبنى على السهولة، وهو مثال للمعارِض في الجملة- فإنه معارضة بحسب ما يترتب على كل من العلتين- وليس منافيا ولا موجودا في الأصل- أما كونه غير موجود في الأصل فظاهر فإن الفرضية ليست موجودة في الأصل وهو صوم النفل، وأما كون الوصف غير مناف ففيه منع؛ لأن البناء على الاحتياط الذي هو مقتضى الفرضية ينافي البناء على السهولة الذي هو مقتضى قياس الحنفي-، وخرج بالأصل: الفرع فلا يشترط انتفاء وجود ذلك فيه لصحة العلة، وقيل: يشترط في الفرع أيضا، ومثل للمعارض الموجود في الفرع بقولنا معاشر الشافعية في مسح الرأس: ركن في الوضوء فيسن تثليثه كغسل الوجه، فيعارضه الخصم بقوله: مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخفين، وهو مثال للمعارض في الجملة وليس منافيا- وفيه نظر فإنه وإن كان لا منافاة بين العلتين أي كونه مسحا وكونه ركنا إذْ يمكن أن يجتمعا كما في مسح الرأس في الوضوء إلا أن بين مقتضى العلتين تنافيا فإن كونه مسحا يقتضي عدم استحباب التثليث وكونه ركنا يقتضي استحبابه- وإنما ضعّف هذا الشرط وإن لم يثبت الحكم في الفرع عند انتفائه؛ لأن الكلام في شروط العلة، وهذا شرط لثبوت الحكم في الفرع لا للعلة التي الكلام فيها- والخلاصة أن الشرط المذكور هو شرط في الفرع وليس شرطا في العلة ونحن الآن في تقرير شروط العلة فليس هذا موضعه - وإنما قيد المعارض بالمنافي لأنه قد لا ينافي كما سيأتي فلا يشترط انتفاؤه، ويجوز أن يكون هو- أي المعارض غير المنافي- علة أيضا بناء على جواز التعليل بعلل- وسيأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله-.

  15. #95
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الرابع والتسعون- القياس

    تكملة شروط العلة

    أولا: ومن شروط العلة المستنبطة أن لا تخالف من حيث الحكم المترتب عليها نصا أو إجماعا؛ لأن هذين يقدمان على القياس.
    مثال مخالفة النص قول الحنفية: المرأة مالكة لبضعها فيصح أن تزوج نفسها بغير إذن وليها قياسا على بيع سلعتها بجامع مطلق الملك.
    وهذا مخالف للنص الوارد في حديث أبي داود وغيره: أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها فنكاحها باطل.
    ومثال مخالفة الإجماع: ما لو قيست صلاة المسافر على صومه في عدم وجوب الأداء أثناء السفر بجامع السفر الشاق، فكما جاز للمسافر ترك الصيام ثم قضاؤه، يجوز له ترك الصلاة ثم يقضيها بعد إقامته.
    فهذا مخالف للإجماع على وجوب أداء الصلاة في السفر.
    ثانيا: ومن شروط العلة أن لا تتضمن العلة المستنبطة زيادة على النص أو الإجماع إذا كانت تلك الزيادة منافية لمقتضاه. بأن يدل النص مثلا على علية وصف ويزيد الاستنباط قيدا فيه منافيا للنص فلا يعمل بذلك الاستنباط؛ لأن النص مقدم عليه.
    مثاله: كما لو نصّ على أن عتق العبد الكتابي لا يجزئ لكفره، فيعلل عدم الجواز بأنه عتق كافر يتدين بدين.
    فهذا القيد وهو: يتدين بدين، ينافي حكم النص المفهوم منه وهو إجزاء عتق المؤمن المفهوم بالمخالفة، وعدم إجزاء عتق المجوسي المفهوم بالموافقة الأولى.
    بمعنى أن النص المفترض- عتق العبد الكتابي لا يجزئ لكفره- يدل على علية وصف وهو لا يجزئ لكفره، فجاء مَن أضاف قيدا في ذلك الوصف ينافي مقتضى النص أي حكمه فإن ذلك النص يدل دلالتين: يدل بمفهوم المخالفة على أن المؤمن يجزئ عتقه، وبمفهوم الموافقة الأولى على أن المجوسي لا يجزئ عتقه فإنه إذا كان الكتابي لا يجزئ عتقه فالمجوسي من باب أولى، بينما زيادة قيد يتدين بدين تنافي ذلك فإنها تدل على أن الكافر إذا لم يكن يتدين بدين يجوز عتقه.
    ثالثا: ومن شروط العلة أن تكون معينة، فلا يصح الإلحاق بوصف غير معين؛ لأن العلة هي أساس التعدية التي تحقق القياس الذي تستدل به، ويجب أن يكون الدليل معينا ليستدل به، فكذلك أساسه المحقق له وهو العلة يجب أن يكون معينا.
    وقال بعضهم: يجوز التعليل بالمبهم المشترك بين أمرين، إذْ يحصل المقصود بذلك، كأن يقال مثلا: يحرم الربا في البر للطعم أو للقوت.

    ( شرح النص )

    وأَنْ لا تُخالِفَ نصًّا أَوِ إِجماعًا، ولا تتضمَّنُ المستنبَطَةُ زيادةً عليهِ منافيةً مقتضاهُ، وأَنْ تَتَعَيَّنَ.
    .............................. .............................. .............................. ............................
    ( و ) شرط للالحاق بالعلة ( أَنْ لا تُخالِفَ ) أي العلة من حيث مقتضاها وهو الحكم المترتب عليها ( نصًّا أَوِ إِجماعًا ) يعني أن لا يكون ما تثبته العلة في الفرع حكما يخالف نصا أو اجماعا لتقدمهما على القياس، فمخالفة النص: كقول الحنفي المرأة مالكة لبضعها- أي فرجها- فيصح نكاحها بغير إذن وليها قياسا على بيع سلعتها بجامع مطلق الملك، فإنه مخالف لخبر أبي داود وغيره: أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل. ومخالفة الإجماع: كقياس صلاة المسافر على صومه في عدم الوجوب بجامع السفر الشاق، فإنه مخالف للإجماع على وجوب أدائها علي المسافر مع مشقة السفر ( و ) أن ( لا تتضمَّنُ ) العلة ( المستنبَطَةُ زيادةً عليهِ ) أي على النص أو الإجماع ( منافيةً مقتضاهُ ) أي حكمه بأن يدل النص مثلا على علية وصف ويزيد الاستنباط قيدا في الوصف منافيا للنص فلا يعمل بالاستنباط لتقدّم النص عليه ( و ) شرط للإلحاق بالعلة ( أَنْ تَتَعَيَّن ) أي يجب أن تكون وصفا معينا في الأصح، فلا تكفي المبهمة؛ لأن العلة منشأ التعدية المحققة- أي الموجِدة- للقياس الذي هو الدليل، ومن شأن الدليل أن يكون معينا، فكذا منشأ التعدية المحققة له -أي للدليل- وهي العلة، وقيل: يكفي المبهمة من أمرين فأكثر المشتركة بين المقيس والمقيس عليه كأن يقال: يحرم الربا فى البر للطعم أو القوت والإدخار أو الكيل.

  16. #96
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

صفحة 5 من 5 الأولىالأولى 12345

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •