دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين. - الصفحة 3
صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 96
1اعجابات

الموضوع: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين.

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الحادي والأربعون- مباحث الكتاب

    المُخَصِّص- تتمة المتصل



    أولا: ومن المخصصات المتصلة الشرط وهو: تعليق أمر بأمر كل منهما في المستقبل.
    نحو: أَكرمْ بني تميم إِنْ جاءوا. أي الجائين منهم.
    والشرط كالاستثناء في مسائله:
    1- في وجوب اتصال الشرط بالعام عادة فلا يضر نحو تنفس أو سعال، فإن انفصل بغير ذلك كان لغوا، ولا بد من الإتيان بنية الشرط قبل الفراغ من الصيغة كما تقدم في الاستثناء.
    2- في كونه عائدًا لكل المتعاطفات نحو: أَكرمْ طلبةَ العلمِ، وساعدْ أصحابَكَ، وأَحسنْ إلى الغرباءِ إنْ حضروا.
    3- في كونه يصح إخراج الأكثر به وبقاء الأقل نحو: أكرم بني تميم إن كانوا علماء، ومعلوم أن العلماء منهم أقل من عوامهم.
    ثانيا: ومن المخصصات الصفة المعتبر مفهومها نحو: أكرمْ بني تميم الفقهاء، خرج بالفقهاء غيرهم، وخرج بقولنا المعتبر مفهومها التي لم يعتبر مفهومها كالتي خرجت مخرج الغالب أو سيقت جوابا لسؤال أو حادثة كما تقدم في بحث المفهوم.
    والصفة كالاستثناء في المسائل الثلاث المذكورة في الشرط من الاتصال مع النية، والعود للكل في المتعاطفات نحو: وقفتُ على أولادي وأولادهم المحتاجين، وصحة إخراج الأكثر بها.
    ثالثا: ومن المخصصات الغاية نحو: أكرمْ بني تميم إلى أن يعصوا. أي فإن عصوا لا يكرمون.
    والمراد بالغاية هنا غاية تقدمها عموم يشملها لو لم تذكر كقوله تعالى: ( قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية ) فلو لم يذكر حتى يعطوا الجزية لوجب قتالهم على كل حال أعطوا الجزية أم لم يعطوها.
    وأما الغاية التي لايشملها العموم لو لم تذكر فليست للتخصيص بل لتحقيق العموم كما في قوله تعالى: ( سلام هي حتى مطلع الفجر ) فالليلة شاملة لجميع أجزائها وتنتهي بطلوع الفجر والفجر ليس جزءًا منها فهو غير داخل فيها سواء ذكرت الغاية أم لم تذكر لكن ذكرها أفاد أن الحكم يعم جميع أجزاء الليلة فلا يحتمل أن يكون المقصود بعضها.
    ومثل: قُطِعتْ أصابعُ فلانٍ من الخنصر إلى الإبهام، فالأصابع تشمل الكل ولو لم نذكر من الخنصر إلى الإبهام لبقي الشمول ولكن فائدته التنصيص على العموم.
    والغاية كالاستثناء في المسائل الثلاث المذكورة في الشرط من الاتصال مع النية، والعود للكل في المتعاطفات وصحة إخراج الأكثر بها.
    خامسا: البدل أي بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال مثال الأول: أكرم الناسَ العلماءَ منهم, أي أكرم الناس إن كانوا علماء، ومثال الثاني: أعجبني زيدٌ علمُهُ، أي تخصص الإعجاب بعلمه فقط دون لون بشرته أو جسمه أو ماله مثلا.

    ( شرح النص )


    والشَّرْطُ وهوَ: تعليقُ أمرٍ بأمرٍ كلٌّ منهما في المستقبَلِ أو ما يدُلُّ عليه، وهوَ كالاستثناءِ.
    والصِّفَةُ والغايةُ وهما كالاستثناءِ، والمرادُ غايةٌ صَحِبَها عمومٌ يشمَلُها ولمْ يُرَدْ بها تحقيقُهُ مثلُ: حتى يُعْطوا الجزيةَ، وأَمَّا مثلُ: حتى مَطلَعِ الفجرِ، وقُطِعَتْ أصابِعُهُ من الخِنصِرِ إلى الإِبهامِ فلتحقيقِ العمومِ.
    وبدلُ بعضٍ أو اشتمالٍ، ولم يذكرْهُ الأكثرُ
    .
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    ( و ) ثاني المخصصات المتصلة ( الشَّرْطُ ) والمراد به الشرط اللغوي لا الشرط الأصولي وهو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم ( وهو ) أي الشرط اللغوي ( تعليقُ أمرٍ بأمرٍ كلٌّ منهما في المستقبَلِ أو ما يدُلُّ عليهِ ) من صيغة نحو أكرم بني تميم إن جاءوا أي الجائين منهم، بمعنى أن الشرط يراد به أحد معنيين إما نفس التعليق المعنوي أو الصيغة اللفظية أي إن جاءوا في المثال السابق ( وهوَ ) أي الشرط المخصص ( كالاستثناءِ ) اتصالًا وعودا لكل المتعاطفات وصحة إخراج الأكثر به ( و ) ثالثها ( الصِّفَةُ ) المعتبر مفهومها كأكرم بني تميم الفقهاء خرج بالفقهاء غيرهم ( و ) رابعها ( الغايةُ ) كأكرم بني تميم إلى أن يعصوا خرج حال عصيانهم فلا يكرمون فيه ( وهما ) أي الصفة والغاية ( كالاستثناءِ ) اتصالًا وعودا، وصحة إخراج الأكثر بهما ( والمرادُ ) بالغاية ( غايةٌ صَحِبَها عمومٌ يشمَلُها ) أي يشمل تلك الغاية ظاهرا ( ولمْ يُرَدْ بها تحقيقُهُ ) أي تحقيق العموم بل أريد بها الإخراج ( مثلُ ) قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون إلى قوله ( حتى يُعْطوا الجزيةَ ) فإنها لو لم تأت لقاتلناهم أعطوا الجزية أم لا ( وأَمَّا مثلُ ) قوله تعالى: سلام هي ( حتى مَطلَعِ الفجرِ ) من غاية لم يشملها عموم صحبها، إذ طلوع الفجر ليس من الليلة حتى تشمله ( و ) مثل قولهم: ( قُطِعَتْ أصابِعُهُ من الخِنصِرِ إلى الإِبهامِ ) من غاية شملها عموم صحبها لو لم تذكر وأريد بها تحقيقه ( فلتحقيقِ ) أي فالغاية فيه لتحقيق ( العمومِ ) فيما قبلها لا لتخصيصه فتحقيق العموم في الأول أن الليلة سلام في جميع أجزائها، وفي الثاني أن الأصابع قطعت كلها، والفرق في المثالين أن الفجر أي الغاية لم يدخل في الليل أي في المغيّا، بخلافه في الثاني فإن الإبهام من الأصابع ( و ) خامسها ( بدلُ بعضٍ ) من كل كما ذكره ابن الحاجب كـقوله تعالى: لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ( أو ) بدل ( اشتمالٍ ) كما نقله مع ما قبله البرماوي عن أبي حيان عن الشافعي كأعجبني زيد علمه ( ولم يذكرْهُ ) أي البدل بشقيه ( الأكثرُ ) من الأصوليين بل أنكره جماعة منهم الشمس الأصفهاني.




  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثاني والأربعون- مباحث الكتاب

    المُخَصِّص- المنفصل



    المخصص المنفصل إما أن يكون بالعقل أو بالسمع أي النقل.
    أولا: التخصيص بالعقل مثاله : قوله تعالى: ( الله خالق كل شيء ) فالعقل يدرك أن المقصود ما عدا الله تعالى.
    ومثاله أيضا: قوله تعالى في الريح التي سخرها على قوم عاد: ( تدمر كل شيء ) فالعقل يدرك بواسطة المشاهدة بالبصر أن السماء مثلا لم تدمر.
    ثانيا: التخصيص بالسمع، والمراد به ما كان متوقفا على السمع من الكتاب والسنة وغيرهما وله أقسام هي:
    1- تخصيص الكتاب بالكتاب مثاله: قوله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فهذا عام في المطلقات سواء كن حوامل أم لا، فخص الحوامل بقوله تعالى: ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ).
    2- تخصيص السنة بالسنة مثاله: حديث البخاري: ( فيما سقت السماء العشر ) فهو عام في كثير الناتج وقليله، وقد خص بحديث الصحيحين: ( ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةٌ ).
    3- تخصيص الكتاب بالسنة مثاله: قوله تعالى: ( يوصيكم الله في أولادكم.. ) الآية. فهذا شامل للولد المؤمن والولد الكافر، فخص بحديث الصحيحين: ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ).
    4- تخصيص السنة بالكتاب مثاله: خبر مسلم: ( البكر بالبكر جلد مائة ) فهذا شامل للأمة، فخص بقوله تعالى: ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ).
    5- تخصيص الكتاب بالقياس مثاله: قوله تعالى: ( الزانية والزاني فاجلدوا .. ) الآية فهذا شامل للعبد وللأمة، فأما الأمة فخصت بقوله تعالى: ( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وأما العبد فمقيس عليها، فيكون تنصيف العذاب على العبيد الثابت بالقياس مخصص لقوله تعالى.. والزاني.
    6- تخصيص السنة بالقياس مثاله: خبر مسلم السابق: ( البكر بالبكر جلد مائة ) فهذا شامل للعبد، فخص منه العبد بالقياس على الامة.
    7- تخصيص المنطوق بمفهوم المخالفة مثاله: حديث ابن ماجه وغيره: ( إن الماء لا ينجسه شيء ) فهذا عام في كثير الماء وقليله، وورد في حديث أحمد والأربعة: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ) فإن مفهومه المخالف أن ما كان دون القلتين يحمل الخبث فيخص به عموم الحديث الأول ليكون الماء الذي لاينجسه شيء هو ما كان قلتين فأكثر بخلاف ما كان دونهما.
    8- تخصيص المنطوق بمفهوم الموافقة مثاله: خبر أبي داود والبخاري معلقا: ( لَيُّ الواجِدِ يحل عرضه وعقوبته ) أي حبسه وليّ الواجد أي مماطلة الموسر بالدين فهذا شامل للوالدين وغيرهما خص بغير الوالدين لمفهوم قوله تعالى: ( فلا تقل لهما أف ) فإنه إذا كان يحرم التأفيف فمن باب أولى يحرم حبسهما.

    ( شرح النص )


    ومنفَصِلٌ فيجوزُ في الأصحِّ التخصيصُ بالعقلِ، وتخصيصُ الكتابِ به، والسُّنةِ بها، وكلٍّ بالآخَرِ، وبالقياسِ، وبدليلِ الخطابِ، ويجوزُ بالفحوى.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    ( و ) القسم الثاني من المخصص ( منفَصِلٌ ) أي ما يستقل بنفسه من لفظ أو غيره وهو العقل ( فيجوزُ في الأصحِّ التخصيصُ بالعقلِ ) سواء أكان بواسطة الحس من مشاهدة وغيرها من الحواس الظاهرة أم بدونها فالأول كقوله تعالى في الريح المرسلة على عاد: تدمر كل شيء، أي تهلكه، فإن العقل يدرك بواسطة الحس أي المشاهدة ما لا تدمير فيه كالسماء، والثاني كقوله تعالى: خالق كل شيء، فإن العقل يدرك بالضرورة أنه تعالى ليس خالقا لنفسه ولا لصفاته الذاتية، وكقوله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فإن العقل يدرك بالنظر أن الطفل والمجنون لا يدخلان لعدم الخطاب، وقيل لا يجوز ذلك لأن ما نفي العقل حكم العام عنه لم يشمله العام إذ لا تصح إرادته، وبما تقرر علم أن التخصيص بالعقل شامل للحس كما سلكه ابن الحاجب، لأن الحاكم فيه إنما هو العقل فلا حاجة إلى إفراده بالذكر خلافا لما سلكه الأصل فإنه جعل المخصص المنفصل ثلاثة عقل وحس وسمع ( و ) يجوز في الأصح ( تخصيصُ الكتابِ به ) أي بالكتاب كتخصيص قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء، الشامل للحوامل ولغير المدخول بهنّ بقوله: وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ، وبقوله: يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ فما لكم عليهنّ من عدة تعتدونها، وقيل لا يجوز ذلك ( و ) يجوز في الأصح تخصيص ( السُّنةِ ) المتواترة وغيرها ( بها ) أي بالسنة كذلك كتخصيص خبر البخاري: فيما سقت السماء العشر، بخبر الصحيحين: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. وقيل لا يجوز ( و ) يجوز في الأصح تخصيص ( كلٍّ ) من الكتاب والسنة ( بالآخرِ ) فالأول كتخصيص آية المواريث الشاملة للولد الكافر بخبر الصحيحين: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم. فهذا تخصيص بخبر الواحد فبالمتواترة أولى، وقيل لا يجوز بخبر الواحد، والثاني كتخصيص خبر مسلم: البكر بالبكر جلد مائة. الشامل للأمة بقوله تعالى: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب. وقيل لا يجوز ذلك، ومن السنة فعل النبي وتقريره، فيجوز في الأصح التخصيص بهما، وذلك كأن يقول الوصال حرام على كل مسلم، ثم يفعله أو يقر من فعله ( و ) يجوز في الأصح تخصيص كل من الكتاب والسنة ( بالقياسِ ) المستند إلى نص خاص ولو خبر واحد كتخصيص آية الزانية والزاني الشاملة للأمة بقوله تعالى: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، وقيس بالأمة العبد، وقيل لا يجوز ذلك ( وبدليلِ الخطابِ ) أي مفهوم المخالفة كتخصيص خبر ابن ماجه وغيره: الماء لا ينجسه شيء، بمفهوم حديث: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. رواه أحمد والأربعة، وقيل لا يخصص مفهوم المخالفة المنطوق ( ويجوزُ ) التخصيص ( بالفحوى ) أي مفهوم الموافقة، كتخصيص خبر أبي داود وغيره: ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته. أي حبسه بمفهوم قوله تعالى: فلا تقل لهما أف، فيحرم حبسهما للولد وهو ما نقل عن المعظم من الأصحاب وصححه النووي.




  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثالث والأربعون- مباحث الكتاب

    مسائل في التخصيص



    أولا: الأصح أن عطف العام على الخاص لا يخصص العام.
    مثاله: لو قيل: لا يُقتَلُ الذميُّ بحربيّ ولا المسلم بكافر. فالحربي خاص، والكافر عام في كل كافر فيبقى هذا على عمومه في الأصح، وقيل: بل يخصص به ليكون المعنى: لا يقتل الذمي بحربي ولا يقتل المسلم بكافر حربي، ولذا أجازوا قتل المسلم بالذمي.
    وكذا عطف الخاص على العام لا يخصص العام المعطوف عليه في الأصح، كما في حديث أبي داود والنسائي المتقدم : ( لا يقتلُ مسلمٌ بكافر ولا ذو عهد في عهده ) أي بحربي فلا يقتضي هذا أن يكون الكافر خاصا أيضا بالحربي أي أن المعنى لا يقتل مسلم بكافر أي كافر كان ذميا أو حربيا بينما لا يقتل المعاهد بحربي.
    ثانيا: الأصح أن رجوع الضمير إلى بعض العام لايخصص ذلك العام.
    مثاله: قوله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ) فالضمير في بعولتهن يرجع إلى الرجعيات من المطلقات. وهذا خاص، والمطلقات في الأول عام في الرجعيات والبوائن. فيبقى هذا على عمومه، ولا يقتضي أن يراد بالمطلقات المأمورات بالتربص الرجعيات فقط.
    ثالثا: الأصح أن مذهب الراوي لايخصص النص العام الذي رواه ولو كان صحابيا. وقيل يخصصه إن كان صحابيا وإلا فلا.
    مثال ذلك حديث البخاري من رواية ابن عباس مرفوعا: ( مَنْ بدّل دينه فاقتلوه ) فهذا نص عام في المرتد رجلا كان أو امرأة. وروى ابن أبي شيبة والدارقطني في سننه عن ابن عباس قال: لا تقتل النساء إذا هن ارتددن. فمذهبه هذا لا يخصص عموم الحديث الذي رواه لأنه يكون فهما له.
    رابعا: الأصح أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصص ذلك العام بذلك البعض.
    مثاله: حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بشاة ميتة فقال: ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ) فقالوا: إنها ميتة. فقال: إنما حرم أكلها. وحديث الترمذي وغيره: (أيما إهاب دبغ فقد طهر ). فالأول خاص بإهاب الشاة الميتة، والثاني عام في إهاب كل ميتة, فعلى الأصح لايكون ذكر الشاة تخصيصا للنص العام بل يبقى على عمومه.
    فمتى ذكر الشارع لفظا عاما وحكم عليه بحكم ما، ثم حكم على فرد من أفراده بنفس الحكم فلا يكون تخصيصا للعام.
    خامسا: العام لا يقصر على المعتاد السابق وروده.
    مثاله: كما لو كانت عادة الناس تناول البر كقوت ثم ورد نهي عن بيع الطعام بنفس جنسه متفاضلا، فهل يقصر النهي على الطعام المعتاد وهو البر فيكون هو المنهي عنه دون غيره أو يبقى على عمومه؟ الأصح يبقى على عمومه.
    وكذا لا يقصر العام على غير المعتاد.
    مثاله: لو كانت عادة الناس جارية ببيع البر بجنسه متفاضلا ثم ورد نهي عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا، فهل يقصر النهي على غير البر المعتاد أو يبقى على عمومه ؟ الأصح يبقى على عمومه.
    والفرق في المسألتين أن المعتاد في الأولى غير داخل في العام؛ إذْ المعتاد هو تناول البر والعام هو البيع، أما الثانية فالمعتاد فيها داخل في العام لأنه البيع في النص والعادة.
    والقصد أن عادة الناس لا تؤثر في تخصيص العام على الأصح.
    سادسا: أن مثل قول الصحابي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا أو قضى بكذا لا يدل على العموم.
    مثاله: قول أبي هريرة رضي الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. رواه مسلم. فالغرر لفظ عام يعم كل أنواعه فقيل بالعموم، واعترض بأن أبا هريرة لم ينقل لنا لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم فيحتمل أن نهيه كان عن بيع غرر معين فلا يشمل كل بيع غرر. وأجيب بأن الصحابي ثقة عارف باللغة واستنباط الأحكام فلا ينقل لفظا عاما إلا وقد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على العموم. واعترض بأن قد يكون هذا بحسب اجتهاده وما ظهر له. والله أعلم.

    ( شرح النص )


    والأَصحُّ أَنَّ عطفَ العامِّ على الخاصِّ، ورجوعَ ضميرٍ إلى بعضٍ، ومذهبَ الرَّاوي، وذكرَ بعضِ أَفرادِ العامِّ لايُخَصِّصُ، وأَنَّ العامَّ لا يُقْصَرُ على المعتادِ ولا على ما وراءَهُ، وأَنَّ نحوَ: نَهَى عنْ بيعِ الغَرَرِ لايَعُمُّ.
    ......................... ......................... ......................... .......................
    ( والأَصحُّ أَنَّ عطفَ العامِّ على الخاصِّ ) وعكسه وهو عطف الخاص على العام لا يخصص العام، وقال الحنفي يخصصه أي يقصره على الخاص، مثال عطف العام على الخاص لو قيل: لا يُقتَلُ الذميُّ بحربيّ ولا المسلمُ بكافر. فالحربي خاص، والكافر عام في كل كافر فيبقى هذا على عمومه في الأصح، فالمسلم معطوف على الذمي وبكافر معطوف على بحربي بواسطة الواو في قوله ولا المسلم فهو من عطف المفردات عطف المسلم على الذمي وعطف بكافر على بحربي، ومثال عطف الخاص على العام حديث أبي داود والنسائي: لا يقتل مسلمٌ بكافرٍ ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ. أي بحربي، فالكافر عام، والحربي خاص فيبقى العام على عمومه، فذو عهد معطوف على مسلم وبحربي المقدر معطوف على بكافر ( و ) الأصح أن ( رجوعَ ضميرٍ إلى بعضٍ ) من العام لا يخصصه مثاله قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء. مع قوله بعده: وبعولتهن أحق بردهن. فضمير وبعولتهن للرجعيات بينما يشمل قوله والمطلقات الرجعيات والبوائن، وقيل: لا يشملهن ويؤخذ حكمهن من دليل آخر كالإجماع ( و ) الأصح أن ( مذهبَ الرَّاوي ) للعام بخلافه لا يخصصه ولو كان صحابيا، وقيل يخصصه مطلقا أي سواء كان الراوي صحابيا أم لا، وقيل يخصصه إن كان صحابيا، وذلك كخبر البخاري من رواية ابن عباس مرفوعا: من بدل دينه فاقتلوه. مع قوله إن صح عنه أن المرتدة لا تقتل ( و ) الأصح أن ( ذكرَ بعضِ أَفرادِ العامِّ) بحكم العام ( لا يخصِّصُ ) العام، وقيل يخصصه، مثاله خبر الترمذي وغيره: أيما إهاب دبغ فقد طهر. مع خبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلّم مر بشاة ميتة فقال: هلا أخذتم إهابها فدبتغموه فانتفعتم به. فقالوا إنها ميتة. فقال: إنما حرم أكلها
    ( و ) الأصح ( أَنَّ العامَّ لا يُقْصَرُ على المعتادِ ) السابق ورود العام ( ولا على ما وراءَهُ ) أي المعتاد بل يجري العام على عمومه فيهما، وقيل: يقصر على ذلك، فالأول: كأن كانت عادتهم تناول البر، ثم نهي عن بيع الطعام بجنسه متفاضلًا، فقيل: يقصر الطعام على البر المعتاد، والثاني: كأن كانت عادتهم بيع البر بالبر متفاضلًا، ثم نهى عن بيع الطعام بجنسه متفاضلًا، فقيل: يقصر الطعام على غير البر المعتاد، والأصح لا يقصر في الحالتين ( و ) الأصح ( أنَّ نحوَ ) قول الصحابي إنه صلى الله عليه وسلّم ( نَهَى عن بيعِ الغرر ِ) كما رواه مسلم من رواية أبي هريرة ( لا يَعُمُّ ) كل غرر وقيل يعمه لأن قائله عدل عارف باللغة واستنباط الأحكام الشرعية، فلولا ظهور عموم الحكم مما قاله النبي صلى الله عليه وسلّم لم يأت هو في الحكاية له بلفظ عام كالغرر، قلنا ظهور عموم الحكم بحسب ظنه ولا يلزمنا اتباعه في ذلك، إذ يحتمل أن يكون النهي عن بيع الغرر بصفة يختص بها فتوهمه الراوي عاما، ومثل نهيه عن شيء لو قال قضى رسول الله صلى الله عليم وسلم بكذا وجاء بلفظ عام فإنه يرد عليه الاحتمال.




  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الرابع والأربعون- مباحث الكتاب

    تكملة مسائل التخصيص



    الكلام الوارد جوابا لسؤال إمّا أن يكون مستقلا بإفادة المعنى- بأن لا يحتاج إلى ذكر السؤال- وإما أن لايستقل.
    أولا: جواب السؤال غير المستقل أي الذي لا يفيد بدون ذكر السؤال كنعم وبلى تابع للسؤال في عمومه وخصوصه؛ لأن السؤال معاد في الجواب.
    كما لو سئل: هل في الحبوب زكاة ؟ فقيل: نعم؛ فيعم كل حبّ، أو سئل: هل في الحنطة زكاة؟ فقيل: بلى فيختص بها.
    ثانيا: جواب السؤال المستقل إما أن يكون أعم من السؤال، وإما أن يكون اخص منه، وإما ان يكون مساويا.
    1- إن كان الجواب مساويا للسؤال في العموم والخصوص فأمره واضح أي في كونه تابعا للسؤال عموما وخصوصا.
    مثاله أن يقال: ماذا على مَن جامع في نهار رمضان ؟فيجاب: بأن مَن جامع في نهار رمضان فعليه كفارة. فواضح أن الجواب عام يشمل كل مجامع.
    ومثل أن يقال جامعتُ في نهار رمضان فماذا عليّ ؟ فيقال عليكَ إن جامعتَ في نهار رمضان كفارة. فهذا خاص.
    2- وإن كان الجواب أخص من السؤال فهذا إما أن يمكن معرفة حكم المسكوت عنه كما لو قال قائل: ماذا على مَن أفطر رمضان بغير عذر ؟ فيقال له: مَن جامع في نهار رمضان فعليه كفارة. فالجواب أخص من السؤال ولكن المفهوم من قوله: جامع أنه لا كفارة بغير الجماع. فهذا جائز.
    أو لم يمكن معرفة حكم المسكوت عنه فهذا غير جائز؛ لأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة.
    3- وإن كان الجواب أعم من السؤال فهي المسألة المعروفة بـ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
    مثاله حديث الترمذي وغيره: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء. فالسؤال خاص بماء بئر بضاعة والجواب عام فيعم كل ماء.
    ثالثا: صورة السبب قطعية.
    أي أن الصورة التي هي سبب ورود النص العام كماء بئر بضاعة في الحديث المتقدم قطعية الدخول في النص العام فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد.
    ويقرب من صورة السبب فتكون قطعية مثلها ما إذا ورد في القرآن خاص وتلاه في رسم المصحف عام للمناسبة بينهما فإنه يفهم منه أن ذلك الخاص داخل في الحكم العام قطعا.
    مثاله: قوله تعالى: ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت.. ) الآية فإنها نزلت في شأن اليهود الذين يكتمون الأمانة التي رعوها ببيان صفة النبي صلى الله عليه وسلم التي في كتبهم، ثم قال بعدها : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) فهذا عام في كل أمانة وتدخل أمانة بيان صفة النبي صلى الله عليه وسلم قطعا، فهي تشبه سبب النزول، مع أنهما لم يتحدا في النزول فقد ذكروا أن قوله تعالى إن الله يأمركم.. نزل بعد ست سنين من نزول قوله ألم تر..
    رابعا: إذا ورد نص عام وبعد وقت العمل بموجبه ورد خاص معارض له فإن هذا الخاص ناسخ للعام بالنسبة لما تعارضا فيه. وهذا يسمى بالنسخ الجزئي.
    مثاله قوله تعالى: ( اقتلوا المشركين ) ثم ورد النهي عن قتل أهل الذمة فإن هذا ينسخ الأمر بقتلهم الذي دل عليه عموم المشركين.
    فإن لم يكن الخاص ورد بعد وقت العمل بالعام لم يكن ناسخا له بل كان مخصصا له فتشمل هذه ما يلي:
    1- أن يرد الخاص بعد العام ولكنه يرد قبل دخول وقت العمل بالعام.
    2- أن يرد العام بعد الخاص أي أن يتقدم الخاص ثم يأتي بعده عام عكس ماسبق.
    3- أن يتقارن العام والخاص في الورود بأن عقبَ أحدهما الآخر.
    4- أن يجهل تاريخ المتقدم والمتأخر.
    ففي كل هذه الحالات يخصص الخاص العام.
    فإن قيل: فما الفرق حينئذ بين النسخ الجزئي وبين التخصيص ولمَ لمْ تعتبروا النسخ تخصيصا ؟
    قلنا: إن التخصيص بيان للمراد من العام- أي أن تلك الصورة الخاصة ليست مندرجة في الحكم العام- وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فإنا لو قلنا: إن النص الخاص الذي ورد بعد العمل بالعام مخصص للعام لكان فيه تأخير للبيان عن وقت الحاجة وهو وقت العمل بالنص، ولكن لو قلنا: هذا نسخ فهذا يعني أن المثال الخاص كان مندرجا في النص العام ثم نسخ وأخرج من العام، ففي التخصيص بيان أن الصورة الخاصة لم تدخل في العام، وفي النسخ دخول أولي فيه ثم إخراجها منه.
    خامسا: إذا ورد نصان كل منهما عام من وجه وخاص من وجه آخر وبينهما تعارض فإنه يصار حينئذ إلى الترجيح بينهما.
    مثاله: حديث البخاري: من بدل دينه فاقتلوه، مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء. رواه البخاري ومسلم.
    فالأول عام في الرجال والنساء خاص بأهل الردة، والثاني خاص بالنساء عام في الحربيات والمرتدات. فيصار إلى الترجيح وقد ترجح الأول بقيام القرينة على اختصاص الحديث الثاني بسببه وهن الحربيات فإنه صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة فى بعض غزواته فقال لم قتلت وهى لا تقاتل ونهى عن قتل النساء. كما في سنن أبي داود وغيره فعلم انه أراد بهن الحربيات.

    ( شرح النص )


    مسألةٌ: جوابُ السؤالِ غيرُ المستقلِ دونَهُ تابعٌ لهُ في عمومِهِ، والمستقلُ الأخصُّ جائزٌ إنْ أمكنَتْ معرفةُ المسكوتِ عنهُ والمساوي واضحٌ والأصحُّ أنَّ العامَ على سببٍ خاصٍّ معتبرٌ عمومُهُ، وأنَّ صورةَ السببِ قطعيةُ الدخولِ فلا تخصُّ بالاجتهادِ، ويقربُ منها خاصٌّ في القرآنِ تلاهُ في الرَّسْمِ عامٌّ لمناسبةٍ.
    مسألةٌ: الأصحُّ إنْ لمْ يتأخرْ الخاصُّ عن العملِ خَصَّصَ العامَّ وإلا نَسَخَهُ، وإنْ كانَ كلٌّ عامًا مِنْ وجهٍ فالتَّرجيحُ
    .
    ......................... ......................... ......................... ....................
    هذه ( مسألةٌ: جوابُ السؤالِ غيرُ المستقلِ دونَهُ ) أي دون السؤال كنعم وبلى وغيرهما مما لو ابتدىء به لم يفد ( تابعٌ لهُ ) أي للسؤال ( في عمومِهِ ) وخصوصه، لأن السؤال معاد في الجواب، فالأول كخبر الترمذي وغيره أنه صلى الله عليه وسلّم سئل عن بيع الرطب بالتمر؟ فقال: أينقص الرطب إذا يبس. قالوا: نعم. قال: فلا إذًا . فيعم كل بيع للرطب بالتمر سواء صدر من السائل أو من غيره، والثاني كقوله تعالى: فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم. فالكلام على خصوص أولئك المخاطبين فلا يعم غيرهم ( والمستقِلُّ ) دون السؤال ثلاثة أقسام: أخص من السؤال، ومساوٍ له، وأعم. فـ ( الأخصُّ ) منه ( جائزٌ إنْ أمكنتْ معرفةُ ) الحكم ( المسكوتِ عنهُ ) منه كأن يقول النبي صلى الله عليه وسلّم: مَن جامع في نهار رمضان فعليه كفارة كالمظاهِر. في جواب مَن أفطر في نهار رمضان ماذا عليه ؟ فيفهم من قوله جامع أن الإفطار بغير جماع لا كفارة فيه، فإن لم يمكن معرفة المسكوت عنه من الجواب لم يجز لتأخير البيان عن وقت الحاجة ( والمساوي ) له في العموم والخصوص ( واضحٌ ) في كونه يتبعه عموما وخصوصا مثال العموم: كأن يقال لمن قال: ما على من جامع في نهار رمضان؟ من جامع في نهار رمضان فعليه كفارة كالظهار، ومثال الخصوص: كأن يقال لمن قال: جامعت في نهار رمضان ماذا عليّ ؟ عليكَ إن جامعت في نهار رمضان كفارة كالظهار، وأما الأعم منه فمذكور في قولي: ( والأصحُّ أنَّ العامَّ ) الوارد ( على سببٍ خاصٍّ ) في سؤال أو غيره ( معتبرٌ عمومُهُ ) نظرا لظاهر اللفظ، وقيل: مقصور على السبب لوروده فيه سواء أوجدت قرينة التعميم أم لا. فالأول كقوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما. إذ سبب نزوله على ما قيل أن رجلاً سرق رداء صفوان بن أمية، فذكر السارقة قرينة على أنه لم يرد بالسارق ذلك الرجل فقط، والثاني - وهو ما لم توجد فيه قرينة التعميم- كخبر الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدريّ قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء. أي مما ذكر من الحيض ولحوم الكلاب والنتن وغيرها من النجاسات، وقيل: مما ذكر وهو ساكت عن غيره، وقد تقوم قرينة على الاختصاص بالسبب كالنهي عن قتل النساء في الصحيحين، فإن سببه أنه عليه الصلاة والسلام رأى امرأة حربية في بعض مغازيه مقتولة، وذلك يدل على اختصاصه بالحربيات فلا يتناول المرتدة ( و ) الأصح (أنَّ صورةَ السببِ ) التي ورد عليها العام ( قطعيةُ الدخولِ ) فيه أي في العام لوروده فيها ( فلا تخصُّ ) منه ( بالاجتهادِ ) وقيل: ظنية كغيرها فيجوز إخراجها منه بالاجتهاد. قال التقي السبكي والد تاج الدين السبكي: ( ويقربُ منها ) أي من صورة السبب حتى يكون قطعي الدخول على الأصح أو ظنيه على القول الثاني ( خاصٌّ في القرآنِ تلاهُ في الرَّسمِ ) أي رسم القرآن وإن لم يتله في النزول ( عامٌّ لمناسبةٍ ) بين التالي والمتلوّ كما في آية: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت. فإنها إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر حرّضوا المشركين على الأخذ بثأرهم، ومحاربة النبيّ صلى الله عليه وسلّم فسألوهم من أهدى سبيلا محمد وأصحابه أم نحن فقالوا: أنتم مع علمهم بما في كتابهم من نعت النبيّ صلى الله عليه وسلّم المنطبق عليه، وأخذ المواثيق عليهم أن لا يكتموه فكان ذلك أمانة لازمة لهم ولم يؤدّوها حيث قالوا للمشركين ما ذكر حسدا للنبيّ صلى الله عليه وسلّم، وقد تضمنت الآية أداء الأمانة التي هي بيان صفة النبيّ صلى الله عليه وسلّم وذلك مناسب لقوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها. فهذا عام في كل أمانة وذاك خاص بأمانة هي بيان صفة النبيّ صلى الله عليه وسلّم بما ذكر والعام تال للخاص في الرسم متراخ عنه في النزول لست سنين مدة ما بين بدر وفتح مكة. هذه ( مسألةٌ الأصحُّ ) أنه ( إنْ لمْ يتأخرْ الخاصُّ عن ) وقت ( العملِ ) بالعام المعارض له بأن تأخر الخاص عن ورود العام ولكن قبل دخول وقت العمل، أو تأخر العام عن الخاص، أو تقارنا بأن عقب أحدهما الآخر، أو جهل تاريخهما ( خَصَّصَ ) الخاص ( العامَّ ) وقالت الحنفية وإمام الحرمين العام المتأخر عن الخاص ناسخ له كعكسه، مثال العام: فاقتلوا المشركين. والخاص أن يقال: لا تقتلوا الذمي ( وإلا ) بأن تأخر الخاص عما ذكر ( نَسَخَهُ ) أي نسخ الخاص العام بالنسبة لما تعارضا فيه، وإنما لم يجعل ذلك تخصيصا، لأن التخصيص بيان للمراد بالعام وتأخير البيان عن وقت العمل ممتنع كما سيأتي ( و ) الأصح أنه ( إنْ كانَ كلٌّ ) من المتعارضين ( عامًا مِن وجهٍ ) خاصا من وجه (فالترجيحُ ) بينهما من خارج واجبٌ لتعادلهما تقارنا أو تأخر أحدهما أو جهل تاريخهما. وقالت الحنفية: المتأخر ناسخ للمتقدم. مثال ذلك خبر البخاري: من بدّل دينه فاقتلوه. وخبر الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلّم نهى عن قتل النساء. فالأوّل عام في الرجال والنساء خاص بأهل الردّة، والثاني خاص بالنساء عام في الحربيات والمرتدات، وقد ترجّح الأوّل بقيام القرينة على اختصاص الثاني بسببه وهو الحربيات.





  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الخامس والأربعون- مباحث الكتاب

    المطلق والمقيّد



    أولا: المطلق: لفظ دلّ على الماهيّة بلا قيد. نحو: أكرمْ رجلًا، فالرجل لفظ دل على ماهية هي الذكر البالغ من بني آدم، ولم يذكر معه قيد زائد يخصصه بحصة معينة من الرجل نحو: أكرم رجلًا مؤمنا أو عالما أو فقيرا ونحوه، فيكون الرجل مطلقا.
    وكذا إذا قيل: ( رجل- امرأة -ذئب- سيارة- ثلاجة- بيت- قميص- طائرة... ) كل هذه الألفاظ تدل على معنى ومفهوم كلي أي ماهية عارية عن كل قيد فتكون مطلقة ويسمى المطلق باسم الجنس أيضا.
    وقولنا: بلا قيد أي من وحدة أو كثرة أو غيرهما من القيود كالرجل يراد به حقيقته الذهنية مجردة من التقييد بكونه واحدا أو أكثر طويلا أو قصيرا مؤمنا أو كافرا بل ينظر إلى محض معناه وهو الذكر البالغ.
    فاحترزنا بقولنا بلا قيد عما يلي:
    1- المقيد بقيد التعيين الذهني وهو علم الجنس كأسامة فإنه ليس من المطلق.
    2- المقيد بقيد الوحدة الخارجية المعينة كزيد وهذا الرجل.
    3- المقيد بقيد الوحدة غير المعينة وهو النكرة كرجل.
    4- المقيد بقيد الكثرة المحصورة وهو اسم العدد كعشرين.
    5- المقيد بقيد الكثرة غير المحصورة أي المستغرقة لجميع الأفراد وهو العام كأكرم كل رجل.
    ثانيا: النكرة هي: لفظ دال على الماهية مع قيد الوحدة غير المعينة أي هي الفرد المنتشر والشائع في جنسه. كرجل.
    فالفرق بين المطلق والنكرة فرق اعتباري لا حقيقي لاتحادهما في نفس الأمثلة كرجل ورقبة وكتاب وسيارة، فلفظ رجل مثلا من حيث دلالته على محض معناه الذهني مطلقا من كل قيد حتى قيد الوحدة فهو مطلق، ومن حيث دلالته على فرد واحد خارجي غير معين أي على هذا الرجل أو ذاك فهو نكرة.
    ثالثا: المطلوب تحصيله في المطلق هو الماهية والوحدة ضرورية إذْ لا وجود للماهية المطلوبة بأقل من واحد.
    فإذا قيل: اعتقْ رقبةً، فالمطلوب تحقيق ماهية العتق ولا يوجد ذلك في الخارج إلا بعتق رقبة واحدة، فالمطلق يدل على الوحدة ولكن ليس بالمطابقة بل بالالتزام.
    رابعا: المقيّد هو: لفظ دال على الماهية مع قيد من القيود، نحو أكرم رجلًا عالما، واعتق رقبة مؤمنة، فالمقيد هو المطلق مع إضافة قيد عليه كقوله تعالى: ( فصيام شهرين متتابعينِ ).
    خامسا: الإطلاق والتقييد يجتعان في لفظ واحد بجهتين مختلفتين كقوله تعالى: ( فتحرير رقبة مؤمنة ) فهذا لفظ مقيد من جهة الدين ولكنه مطلق من جهة أخرى كالذكورة والأنوثة والصغر والكبر.
    سادسا: ذهب الأمدي وابن الحاجب وغيرهما من الأعلام إلى عدم التفريق بين المطلق والنكرة ولا حتى بالاعتبار فالمطلق عندهم هو: لفظ دال على واحد لا بعينه من أفراد الجنس. فهو موضوع للوحدة مطابقة لا التزاما.
    وكونه موضوعا للواحد حيث لم يثن اللفظ أو يجمع كرجلين ورجال نحو: أكرم رجلين، وأكرم رجالا فهو من المطلق الذي هو النكرة فإذا قيل أكرم رجلين أي اثنين غير معينين من الجنس وإذا قيل أكرم رجالا أي ثلاثة فأكثر غير معينين من أفراد الجنس.
    سابعا: المطلق والمقيّد كالعام والخاص، فما جاز تخصيص العام به جاز تقييد المطلق به، فيجوز تقييد الكتاب بالكتاب، وتقييد الكتاب بالسنة وبالقياس وبالمفهوم، ويجوز تقييد السنة بالسنة، وتقييد السنة بالكتاب وبالقياس وبالمفهوم.
    مثاله: قال تعالى: ( حرمت عليكم الميتة والدم ) قيد الدم بالمسفوح في قوله تعالى: ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ).

    ( شرح النص )


    المطلقُ والمقيَّدُ
    المختارُ أَنَّ المطلقَ ما دلَّ على الماهيةِ بلا قيدٍ.
    والمطلقُ والمقيَّدُ كالعامِّ والخاصِّ
    .
    ......................... ......................... ......................... ...............
    ( المطلقُ والمقيَّدُ ) أي هذا مبحثهما ( المختارُ أَنَّ المطلقَ ) ويسمى اسم جنس أيضا ( ما ) أي لفظ ( دلّ على الماهيةِ بلا قيدٍ ) من وحدة وغيرها فهو كلي، وقال الآمدي وابن الحاجب هو: ما دل على شائع في جنسه. ومذهبهم هذا هو الموافق لأهل العربية قال العلامة العطار: ... وبه تعلم ترجيح ما ذكره ابن الحاجب والآمدي وأن ما قالاه هو الموافق لأسلوب الأصوليين؛ لأن كلامهم في قواعد استنباط أحكام أفعال المكلفين، والتكليف متعلق بالأفراد دون المفهومات الكلية التي هي أمور عقلية فتدبر. اهـ وعلى مختار المصنف اللفظ في المطلق والنكرة واحد، والفرق بينهما بالاعتبار إن اعتبر في اللفظ دلالته على الماهية بلا قيد يسمى مطلقا واسم جنس أيضا، أو مع قيد الشيوع يسمى نكرة، والقائل بالقول الثاني ينكر اعتبار الأوّل في مسمى المطلق ( والمطلقُ والمقيَّدُ كالعامِّ والخاصِّ ) فيما مرّ فما يخص به العام يقيد به المطلق وما لا فلا؛ لأن المطلق عام من حيث المعنى فيجوز تقييد الكتاب به وبالسنة والسنة بها وبالكتاب، وتقييدهما بالقياس والمفهومين.



  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس السادس والأربعون- مباحث الكتاب

    حالات المطلق والمقيّد



    إذا جاء نص مطلق ولم يأت ما يقيده فأمره واضح يبقى على إطلاقه، وإذا جاء نص مقيد ولم يأت في موضع آخر مطلقا فأمره واضح أيضا وهو أن يعمل بالقيد، ولكن إذا جاء نص مطلق وفي موضع آخر مقيد فما هو العمل ؟ فهذه المسألة لها عدة حالات يختلف الجواب باختلافها وهي:
    أولا: اتحاد الحكم والسبب. ولهما في هذه الحالة صور:
    1- أن يكونا مثبتين. كأن يقال في كفارة الظهار في محل: اعتق رقبة، ويقال في محل آخر: اعتق رقبة مؤمنة، فهنا كلا النصين مثبتان والحكم فيهما واحد وهو وجوب عتق رقبة، وسببهما واحد وهو ظهار الزوجة. فالحكم ينظر فيه:
    إن ورد المقيد بعد دخول وقت العمل بالمطلق، فحينئذ يكون المقيد ناسخا للمطلق فيجب عتق رقبة مؤمنة.
    فإن لم يكن المقيد ورد بعد وقت العمل بالمطلق لم يكن ناسخا له بل كان مقيدا له فتشمل هذه ما يلي:
    أ- أن يرد المقيد بعد المطلق ولكنه يرد قبل دخول وقت العمل بالمطلق.
    ب- أن يرد المطلق بعد المقيد أي أن يتقدم المقيد ثم يأتي بعده مطلق عكس ماسبق.
    ج- أن يتقارن المطلق والمقيد في الورود بأن عقبَ أحدهما الآخر.
    د- أن يجهل تاريخ المتقدم والمتأخر.
    ففي كل ما سبق يحمل المطلق على المقيد أي يعمل بالمقيد فيجب عتق رقبة مؤمنة.
    2- أن يكون أحدهما مثبتا والآخر منفيا. كأن يقال في محل: اعتق رقبة، ويقال في محل آخر: لا تعتق رقبة كافرة، أو يقال: اعتق رقبة مؤمنة، وفي محل آخر: لا تعتق رقبة.
    وفي هذه الصورة يقيد المطلق بضد الصفة التي قيد بها المطلق، فيجب اعتاق رقبة مؤمنة وينهى عن اعتاق رقبة كافرة.
    3- أن يكونا منفيين أي غير مثبتين. كأن يقال في محل: لا تعتق مكاتبا، ويقال في محل آخر: لا تعتق مكاتبا كافرا. فيحمل المطلق على المقيد، وحاصله: أنه لايعتق مكاتبا كافرا.
    ويلاحظ أن المسألة في هذه الصورة تكون من قبيل العام والخاص لأن مكاتبا نكرة في سياق النهي فيعم، فتكون المسألة من باب تخصيص العام لا تقييد المطلق وإن عبر بهما مجازا.
    ثانيا: أن يتحد حكمهما ويختلف سببهما. مثل ما ورد في كفارة الظهار: ( فتحرير رقبة ) بالإطلاق، وفي كفارة القتل: ( فتحرير رقبة مؤمنة ) بالتقييد. فالحكم وجوب الرقبة في الحالتين والسبب في الأولى الظهار وفي الثانية القتل.
    فيحمل المطلق على المقيد قياسا أي تقيد كفارة القتل بالإيمان قياسا على كفارة الظهار والجامع هو حرمة سببهما وهو الظهار والقتل.
    وقالت الحنفية: لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف السبب فيهما فتجب رقبة مؤمنة في الظهار وتجوز الكافرة في القتل.
    ثالثا: أن يختلف حكمهما ويتحد سببهما. مثاله: ما ورد في التيمم من مسح اليدين بالإطلاق، وفي الوضوء بالتقييد إلى المرافق. فالسبب هنا واحد فيهما وهو الحدث، والحكم مختلف وهو المسح في التيمم والغسل في الوضوء.
    فيحمل المطلق على المقيد قياسا، بعلة جامعة بينهما، وهي هنا الحدث الموجب للحكمين المسح والغسل، فتقيد الأيدي في التيمم بالمرافق حملا لها على الأيدي في الوضوء المقيدة بالمرافق.
    وخالفت الحنفية أيضا فقالوا لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف السبب.
    رابعا: أن يختلف حكمهما وسببهما. كما في قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم اذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم ) فقيد الشاهدين بالعدل. وقال تعالى: ( والذين يظاهرون من نسائهم .. ) الآية فأطلق الرقبة، فالحكم في الأول الإشهاد وفي الثاني العتق، والسبب فيهما مختلف فهو في الأول الوصية وفي الثاني الظهار. فواضح أنه لا علاقة لأحدهما بالآخر فيبقى المطلق على إطلاقه.
    خامسا: أن يطلق في موضع ويقيد في موضع ثان بقيد ويقيد في موضع ثالث بقيد مختلف. فهذا له صورتان:
    1- ألا يكون المطلق أولى بالتقييد بأحدهما من حيث القياس بل يكون القيدان على السواء فيبقى المطلق على إطلاقه.
    مثاله: ما ورد في قضاء صيام رمضان: ( فعدة من أيام أخر ) بالإطلاق. وورد في كفارة الظهار ( فصيام شهرين متتابعين ) مقيدا بالتتابع. وورد في صيام التمتع بالحج: ( فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) بالتفريق.
    فالحكم واحد وهو وجوب الصيام ولكن السبب مختلف في كل منها فيعمل بكل حالة على ما ورد فيها من غير تقييد.
    2- أن يكون المطلق أولى بالتقييد بأحدهما من الآخر من حيث القياس بأن وجد الجامع بين المطلق وبين أحد المقيدين فإنه يقيد به حينئذ قياسا.
    مثاله: ما ورد في صيام كفارة اليمين بالإطلاق. وفي كفارة الظهار بالتتابع. وفي صيام التمتع بالتفريق. فيقيد صيام كفارة اليمين بما قيّد به صيام كفارة الظهار؛ لأن اليمين منهي عنه كالظهار بخلاف التمتع بالحج.
    وهذا المثال إنما هو على القول القديم للإمام الشافعي القائل بوجوب التتابع وإلا فالمذهب الجديد المفتى به لا يجب التتابع في صيام الكفارة لدليل آخر.

    ( شرح النص )


    وَأَنَّهما في الأَصحِّ إِنِ اتَّحَدَ حكمُهُما وسَبَبُهُ وكانا مثبتينِ فإنْ تأخَّرَ المقيَّدُ عن العملِ بالمطلقِ نَسَخَهُ وإلا قيَّدَهُ، وإنْ كانَ أحدُهما مثبتًا والآخرُ خلافَهُ قُيِّدَ المطلقُ بضِدِّ الصِّفَةِ، وإلا قُيِّدَ بها في الأصحِّ وهيَ خاصٌ وعامٌّ، وإنْ اختلفَ حكمُهُمَا أو سبَبُهُما ولمْ يكنْ ثَمَّ مُقَيَّدٌ بمتنافيينِ أَو كانَ أولى بأحدِهما قُيِّدَ قياسًا في الأصحِّ.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    ( وَأَنهما ) أي المطلق والمقيد ( في الأَصحِّ إِنِ اتَّحَدَ حكمُهُما وسَبَبُهُ ) أي سبب حكمهما ( وكانا مثبتينِ ) كأن يقال في كفارة الظهار في محل أعتق رقبة، وفي آخر أعتق رقبة مؤمنة (فإنْ تأخَّرَ المقيَّدُ ) بأن علم تأخره ( عن ) وقت ( العملِ بالمطلقِ نَسَخَهُ ) أي المطلق ( وإلا ) بأن تأخر المقيد عن وقت الخطاب بالمطلق دون العمل، أو تأخر المطلق عن المقيد، أو تقارنا، أو جهل تاريخهما ( قيَّدَهُ ) أي المطلق جمعا بين الدليلين، وقيل: يحمل المقيد على المطلق بأن يلغى القيد ( وإنْ كانَ أحدُهما مثبتًا والآخرُ خلافَهُ ) نحو: أعتق رقبة لا تعتق رقبة كافرة، أو أعتق رقبة مؤمنة لا تعتق رقبة ( قُيِّدَ المطلقُ بضِدِّ الصِّفَةِ ) في المقيد ليجتمعا فيقيد في المثال الأول بالإيمان، وفي الأخير بالكفر ( وإلا ) بأن كانا منفيين نحو: لا يجزىء عتق مكاتب لا يجزىء عتق مكاتب كافر ( قُيِّدَ ) المطلق ( بها ) أي بالصفة ( في الأصحِّ ) وقيل: يعمل بالمطلق ( وهيَ ) أي المسألة حينئذ ( خاصُّ وعامٌّ ) لعموم المطلق في سياق النفي الشامل للنهي ويكون المقيد مخصصا لا مقيدا. ويكون التعبير عنهما بالمطلق والمقيد مجازا في الاصطلاح كما ذكره العلامة العطار في حاشيته ( وإنْ اختلفَ حكمُهُمَا ) مع اتحاد سببهما كما في قوله تعالى في التيمم: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. وفي الوضوء: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق. وسببهما الحدث مع القيام إلى الصلاة أو نحوها وحكمهما مختلف من مسح المطلق وغسل المقيد بالمرفق ( أو ) اختلف ( سبَبُهُما ) مع اتحاد حكمهما ( ولمْ يكنْ ثَمَّ مُقَيَّدٌ ) في محلين ( بمتنافيينِ ) كما في قوله تعالى في كفارة الظهار: فتحرير رقبة. وفي كفارة القتل: فتحرير رقبة مؤمنة ( أو ) كان ثم مقيد بقيدين متنافيين، و ( كانَ ) المطلق ( أولى ) بالتقييد ( بأحدِهما ) من الآخر من حيث القياس كما في قوله تعالى في كفارة اليمين: فصيام ثلاثة أيام. وفي كفارة الظهار: فصيام شهرين متتابعين. وفي صوم التمتع: فصيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم ( قُيِّدَ ) المطلق بالقيد أي حمل عليه ( قياسًا في الأصحِّ ) فلا بد من جامع بينهما وهو في المثال الأول أي مثال التيمم والوضوء موجب الطهر وهو الحدث، وفي الثاني وهو مثال الظهار والقتل حرمة سببهما من الظهار والقتل، وفي الثالث وهو المقيد بقيدين متنافيين النهي عن اليمين والظهار فحمل المطلق فيه على كفارة الظهار في التتابع أولى من حمله على صوم المتمتع في التفريق لاتحادهما في الجامع، والتمثيل به إنما هو على قول قديم للشافعي وهو القول بوجوب التتابع في كفارة اليمين، أما القول الجديد في المذهب المفتى به فلا، وقال الحنفية لا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف الحكم أو السبب فيبقى المطلق على إطلاقه. أما إذا كان ثم مقيد في محلين بمتنافيين ولم يكن المطلق في ثالث أولى بالتقييد بأحدهما من حيث القياس كما في قوله تعالى في قضاء رمضان: فعدة من أيام أخر. وفي كفارة الظهار: فصيام شهرين متتابعين. وفي صوم التمتع: فصيام ثلاثة أيام في الحجّ وسبعة إذا رجعتم. فيبقى المطلق على إطلاقه لامتناع تقييده بهما لتنافيهما وبواحد منهما لانتفاء مرجحه، فلا يجب في قضاء رمضان تتابع ولا تفريق، ولو اختلف سببهما وحكمهما كتقييد الشاهد بالعدالة وإطلاق الرقبة في الكفارة لم يحمل المطلق على المقيد اتفاقا.




  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس السابع والأربعون- مباحث الكتاب

    الظاهر والمؤول



    أولا: الظاهر: لفظ يدل على معناه دلالة ظنية، أي راجحة، ويحتمل المعنى المرجوح.
    فلفظ أسد راجح في الحيوان المفترس المعروف ومرجوح في الرجل الشجاع. أي إن لم تكن قرينة.
    ثانيا: المؤول: لفظ حُمِلَ فيه الظاهر على المعنى المرجوح لدليل.
    كحمل الأسد على الرجل الشجاع في قولنا: رأيتُ أسدًا يحمل سيفا، لوجود القرينة.
    فالتأويل: حمل الظاهر على المعنى المرجوح.
    وهو صحيح إن كان لدليل، وفاسد إن كان لما يُظَنُّ دليلًا مع أنه في الواقع ليس كذلك أي لشبهة.
    أما إذا كان حمله على المرجوح لا لدليل ولا لما يظن دليلا فهو لَعِبٌ لا تأويلٌ.
    ثالثا: التأويل قسمان:
    1- قريب وهو: ما يترجح على الظاهر بأدنى دليل.
    كتأويل قوله تعالى: ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا .. ) الآية. فإنها بظاهرها تدل على الأمر بالوضوء حال التلبس بالقيام إلى الصلاة والدخول فيها. لكن الشرط يطلب تحصيله قبل التلبس بالمشروط.لذلك أوّلوا القيام بالعزم عليه.
    ونظيره قوله تعالى: ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) فإنها بظاهرها تدل على أن الأستعاذة بعد الفراغ من القراءة، بينما المراد هو إذا عزمتم على القراءة.
    2- بعيد وهو: ما لا يترجح على الظاهر بأدنى دليل بل يترجح عليه بدليل أقوى منه بحيث يقدم عليه. أي يعترف الخصم ببعده لكن ارتكبه لدليل عنده رجّحه.
    مثال: ورد في حديث الترمذي وغيره قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أسلم وله عشر نسوة: ( أَمسِكْ أربعًا وفارقْ سائرهن ) فظاهره أن يُبقِي أربعا ويفارق الباقيات، سواء عقد عليهن معًا أم مرتبًا؛ لأن ترك الاستفصال ينزل منزل العموم كما سبق ذكر هذا.
    وقال الحنفية: المراد ابتدئ العقد على أربع أي جدد العقد على أربع وذلك في حالة كونه عقد على العشرة معا، فإن كان تزوجهن مرتبا فإن المعنى أمسك الأربع الأوائل وفارق الباقيات.
    وهذا تأويل بعيد؛ لأن معنى الإمساك الاستدامة لا الابتداء. ثم يبعد أن يخاطب حديث عهد بالإسلام بأمسك ويراد ابتدئ وهو لا يعرف شروط النكاح مع حاجته إلى ذلك.
    مثال آخر: ورد في الكفارة قوله تعالى: ( فإطعام ستين مسكينا ) وظاهره واضح لا يحتاج لتأويل.
    وقال الحنفية: المعنى: فإطعامُ طعامِ ستين مسكينا، فأجازوا دفع ستين مدا من الطعام لمسكين واحد. وهذا بعيد؛ لأن فيه اعتبار شيء لم يرد في النص وهو تقدير ( طعام ) وإلغاء ما ورد من عدد المساكين، أي عدد من يعطى.
    مثال آخر: ورد في حديث أبي داود والترمذي: ( لاصيامَ لمنْ لمْ يُبيت النيّة من الليل ). فإنه يدل بظاهره على وجوب تبييت نية الصيام مطلقا.
    وقال الحنفية: المعنى: لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل إذا كان يقضي صياما أو نذر الصيام؛ لأنه يصح أن يصوم في غيرهما بنية في النهار.
    وهذا بعيد؛ لأن الصيام نكرة في الحديث ورد بعد نفي فيعم وإذا بنيت النكرة على الفتح كانت نصا في العموم كما هو الحال هنا. نعم ورد نص بجواز النية في النهار لصيام النفل خاصة.
    مثال آخر: ورد في حديث أبي داود والترمذي: ( ذكاة الجنين ذكاة أمه ). فظاهره أن ذكاة الأم هي ذكاة للجنين. أي يكتفى بذكاتها عن ذكاته فيما إذا وجد الجنين ميتا.
    وقال الإمام أبو حنيفة: المعنى: ذكاة الجنين كذكاة أمه. أي يجب أن يذكى إذا نزل الجنين حيا، فإن كان ميتا فلا يجوز أكله.
    وعند الإمام الشافعي وصاحبي أبي حنيفة الإمام أبي يوسف والإمام محمد بن الحسن الشيباني يجوز أكل الجنين الميت.
    ولا يخفى بعده واستغناء النص عن التقدير.

    ( شرح النص )

    الظاهِرُ والمؤولُ

    الظاهِرُ: ما دلَّ دلالةً ظنيّةً، والتأويلُ: حملُ الظاهرِ على المحْتَمَلِ المرجوحِ، فإنْ حُمِلَ لدليلٍ فصحيحٌ أَوْ لما يُظَنُّ دليلًا ففاسِدٌ أَو لا لشيءٍ فَلَعِبٌ، والأَوَّلُ قريبٌ وبعيدٌ كتأويلِ أَمْسِكْ بابتدئ في المعيِّةِ، وستيّنَ مسكينًا بستينَ مُدًّا، ولا صيامَ لمنْ لمْ يُبَيِّتْ بالقضاءِ والنَّذرِ، وذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمِّهِ بالتَّشبيهِ.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    ( الظاهِرُ والمؤولُ ) أي هذا مبحثهما ( الظاهِرُ ) لغة الواضح واصطلاحا ( ما ) أي لفظ ( دلَّ ) على المعنى ( دلالةً ظنيّةً ) أي راجحة بوضع اللغة أو الشرع أو العرف، يحتمل غير ذلك المعنى مرجوحا كما مر أوائل الكتاب الأول كالأسد راجح في الحيوان المفترس لغة مرجوح في الرجل الشجاع، والصلاة راجحة في ذات الركوع والسجود شرعا مرجوحة في الدعاء الموضوعة له لغة، والغائط راجح في الخارج المستقذر عرفا مرجوح في المكان المطمئن الموضوع له لغة، وخرج المجمل لتساوي الدلالة فيه، والمؤول لأنه مرجوح، والنص كزيد لأن دلالته قطعية ( والتأويلُ: حملُ الظاهرِ على المحْتَمَلِ المرجوحِ فإنْ حُمِلَ ) عليه ( لدليلٍ فصحيحٌ ) حمله ( أَوْ لما يُظَنُّ دليلًا ) وليس دليلا في الواقع ( ففاسِدٌ أَوْ لا لشيءٍ فَلَعِبٌ ) لا تأويل
    ( والأَوَّلُ ) أي التأويل قسمان ( قريبٌ ) يترجح على الظاهر بأدنى دليل نحو: إذا قمتم إلى الصلاة. أي عزمتم على القيام إليها وقوله: إذا قرأت القرآن. أي أردت قراءته ( وبعيدٌ ) لا يترجح على الظاهر إلا بأقوى منه أي بدليل أقوى من الظاهر ( كتأويلِ ) الحنفية ( أَمسِكْ ) من قوله صلى الله عليه وسلّم لغيلان لما أسلم على عشر نسوة: أمسك أربعا وفارق سائرهن. رواه الترمذي وغيره ( بابتدئ ) نكاح أربع منهن ( في المعيِّةِ ) أي فيما إذا نكحهن معا لبطلانه كالمسلم بخلاف نكاحهن مرتبا فيمسك الأربع الأوائل، ووجه بعده أن المخاطب بقوله أمسك قريب عهد بالإسلام لم يسبق له بيان شروط النكاح مع حاجته إلى ذلك، ولم ينقل تجديد نكاح منه ولا من غيره ممن أسلم مع كثرتهم وتوفر دواعي حملة الشرع على نقله لو وقع ( و ) كتأويل الحنفية ( ستيّنَ مسكينًا ) من قوله تعالى: فإطعام ستين مسكينا ( بستينَ مُدًّا ) بتقدير مضاف أي فإطعام طعام ستين مسكينا وهو ستون مدا فيجوز إعطاؤه لمسكين واحد في ستين يوما كما يجوز إعطاؤه لستين مسكينا في يوم واحد، لأن القصد بإعطائه دفع الحاجة ودفع حاجة الواحد في ستين يوما كدفع حاجة الستين في يوم واحد، ووجه بعده أنه اعتبر في النص ما لم يذكر فيه من المضاف وألغى فيه ما ذكر من عدد المساكين الظاهر قصده لفضل الجماعة وبركتهم وتظافر قلوبهم على الدعاء للمحسن ( و ) كتأويل الحنفية خبر أبي داود وغيره ( لا صيامَ لمنْ لمْ يُبَيِّتْ ) أي الصيام من الليل ( بالقضاءِ والنَّذرِ ) لصحة غيرهما بنية من النهار عندهم ووجه بعده أنه قصر للعام النص في العموم -حيث إن صيام نكرة مبنية على الفتح- على أمر نادر لندرة القضاء والنذر ( و ) كتأويل الإمام أبي حنيفة خبر أبي داود والترمذي ( ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمِّهِ بالتَّشبيهِ ) أي مثل ذكاتها أو كذكاتها فالمراد بالجنين الحي لحرمة الميت عنده وأحله صاحباه أبو يوسف والشيباني كالشافعي، ووجه بعده ما فيه من التقدير المستغنى عنه، إذْ أن الجنين خبر لما بعده أي ذكاة أم الجنين ذكاة له فيحل تبعا لها.





  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثامن والأربعون- مباحث الكتاب

    المجمل



    أولا: المجمل هو: ما لم تتضح دلالته من قول أو فعل. أي هو له معنى متردد بين شيئين فأكثر فيحتاج إلى بيان ليرتفع الإجمال، وملاك تحديد أن هذا الأمر مجمل أو لا هو عدم وجود ظهور له في أحد المعنيين، فمتى وجد الظهور فلا إجمال.
    مثال المجمل: المشترك كالقرء فإنه محتمل للطهر والحيض، فحمله الإمام الشافعي على الطهر، والإمام أبو حنيفة على الحيض، لما قام عندهما من الدليل الذي رفع الإجمال.
    ومثل قيامه صلى الله عليه وسلم من الركعة الثانية بلا تشهد. متفق عليه، فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم تركه متعمدا فيدل على جواز الترك أي أن التشهد ليس واجبا، ويحتمل أنه تركه ناسيا فلا يدل على أنه غير واجب.
    ثانيا: الإجمال له أسباب منها:
    1- الاشتراك. كالقرء. فكل مشترك مجمل ولكن ليس كل مجمل مشتركا.
    2- الإعلال. وذلك كلفظ مختار فإنه متردد بين أن يكون اسم فاعل أو اسم مفعول من الاختيار، فإن أصله مُخْتَيِر بكسر الباء فيكون اسم فاعل، أو مُخْتَيَر بفتح الباء فيكون اسم مفعول، وفي كلا الحالين تنقلب الياء إلى ألف لتحركها وانفتاح ما قبلها. ومثله مقتاد ومعتاد.
    3- تركيب اللفظ. كقوله تعالى: ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) فإن الذي بيده عقدة النكاح تركيب مجمل لأن كلا من ولي المرأة والزوج بيده عقدة النكاح.
    4- استثناء مجهول. وذلك كما في قوله تعالى: ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) فهذا المستثنى الذي لم يحله الله تعالى مجهول، فبالتالي لا ندري أي بهيمة الأنعام تحل وأيها تستثنى. ثم نزل البيان بقوله تعالى: ( حرمت عليكم الميتة والدم..) الآية.
    5- احتمال الحرف لمعان. وذلك كقوله تعالى: ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) فالواو في قوله: ( والراسخون ) متردد بين العطف والابتداء فإن حملناه على العطف كان الراسخون في العلم يعلمون تأويله، وإن حملناه على الابتداء كان المعنى: لايعلم تأويله إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به.
    6- مرجع الضمير. وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يمنع أحدكم جارَه أن يغرز خشبة في جدارِه ) رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم. فالضمير في جداره متردد بين أن يرجع إلى أحدكم وإن يرجع إلى جاره، فيحتمل أن يكون المعنى: لا يمنع أحدكم جاره أن يستخدم جدار جاره فيضع عليه خشبته، ويحتمل أن يكون المعنى: لا يمنع أحدكم جاره من استخدام جداره هو ووضع خشبته عليه، لأنه ماله وله أن يستعمله كما يشاء.
    7- مرجع الصفة. وذلك كقولنا: زيدٌ طبيبٌ ماهرٌ، فإن الصفة وهي ( ماهر ) يحتمل أن ترجع إلى زيد فيكون هو الماهر فتكون خبرا ثانيا لزيد، ويحتمل أن ترجع إلى طبيب، فيكون هو الماهر، أي طبه فهي نعت لطبيب، فهو مجمل بسبب تردده بين المهارة مطلقا وبين المهارة في الطب خاصة.
    ثالثا: الأصح أنه لا إجمال فيما يلي:
    1- قوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) قال الجمهور لا إجمال فيها؛ إذْ لو كان لكان الإجمال إما في القطع أو في اليد. أما القطع فحقيقته اللغوية إبانة شيء متصل فلا إجمال فيه، وأما اليد فحقيقتها العضو إلى المنكب فلا إجمال فيها.
    وقال بعض من الحنفية: هي من المجمل، فإن القطع يطلق على الإبانة وعلى الجرح. واليد تطلق على جميع العضو وعلى البعض إلى الكوع وإلى المرفقين. والجواب إن إطلاق القطع على الجرح مجاز فالظاهر هو المتعين، وإطلاق اليد على بعضها مجاز أيضا لكن قامت القرينة هنا على أن المراد البعض وهو إلى الكوع.
    2- قوله تعالى: ( حرمت عليكم أمهاتكم ) وقوله: (حرمت عليكم الميتة ) ونحو ذلك مما فيه تحريم العين، فالجمهور على أنه لا إجمال فيه، إذْ قد علم باستقراء كلام العرب أن مرادهم في مثل ذلك تحريم الفعل المقصود منه كالأكل في المأكولات واللبس في الملبوسات. وقال جماعة: هو مجمل لأنه لما لم يمكن حمل التحريم على الأعيان وهي الأمهات والميتة كان لابد من تقدير مضاف فلا يدرى هل المقصود تحريم أكل الميتة أو تحريم بيعها أو مسّها أو غير ذلك كما أنه في الأم يحتمل نكاحها ويحتمل تملكها وغير ذلك.
    وردّ قولهم بأن عرف الاستعمال قاض بإرادة النكاح من تحريم الأمهات والأكل من تحريم الميتة فلا إجمال.
    3- قوله تعالى: ( وامسحوا برؤوسكم ) فذهب بعضهم إلى أن المسح مجمل، وذلك لتردده بين مسح جميع الرأس ومسح بعضه على السواء، وردّ بأنه لا تردد فيه لأن المسح في الآية إنما هو لمطلق المسح الصادق بالقليل والكثير.
    4- روى ابن ماجه وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) وذكر في كتب الفقه والأصول بلفظ: رُفِع عن أمتي. ولم يثبت. فالحديث لا إجمال فيه. وقال بعضهم: هو مجمل؛ إذْ لا يصح رفع المذكورات مع وقوعها من أفراد الأمة فلا بد من تقدير شيء كرفع المؤاخذة أو العقوبة أو الضمان. ولا مرجح فهو مجمل. والجواب: أن المرجح موجود وهو العرف، فإنه يقتضي أن المراد رفع المؤاخذة.
    5- قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا نكاح إلا بوليّ ) رواه أبو داود والترمذي وحسّنه. قيل: إنه مجمل إذْ لا يصح نفي النكاح بدون ولي مع أنه موجود حسا فلا بد من تقدير شيء كنفي الصحة أو نفي الكمال ولا مرجح بدون بيان فهو مجمل. والجواب: تقدير نفي الصحة هو الأقرب إلى نفي الذات من نفي الكمال وذلك كاف في الترجيح.

    ( شرح النص )


    المجملُ: ما لمْ تتَّضِحْ دَلالَتُهُ، فلا إجمالَ في الأصحِّ في آيةِ السَّرِقةِ، ونحوِ: حُرِّمَتْ عليكُمُ الميتَةُ، وامْسَحُوا برؤوسِكم، ورُفِعَ عن أمتي الخطأُ، ولا نكاحَ إلا بوليٍّ، لوضوحِ دَلالةِ الكلِّ، بلْ في مثلِ: القرءِ، والنورِ، والجسمِ، والمختارِ، وقولِه تعالى: أَو يعفوَا الذي بيدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ، وإلا ما يُتلى عليكم، والراسخونَ، وقولِه عليهُ الصلاةُ والسلامُ: لا يمنعُ أحدُكُم جارَه أنْ يضعَ خَشَبَةً في جدارِه، وقولِكَ: زيدٌ طبيبٌ ماهِرٌ، والثلاثةُ زوجٌ وفردٌ.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    ( المجملُ: ما لمْ تتَّضِحْ دَلالَتُهُ ) من قول أو فعل كقيامه صلى الله عليه وسلّم من الركعة الثانية بلا تشهد لاحتماله العمد والسهو، وخرج المهمل إذ لا دلالة له، والمبيّن لاتضاح دلالته ( فلا إجمالَ في الأصحِّ في آيةِ السَّرِقةِ ) وهي: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما. لا في اليد ولا في القطع، وقيل مجملة فيهما؛ لأن اليد تطلق على العضو إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب، والقطع يطلق على الإبانة وعلى الجرح، ولا ظهور لواحد من ذلك، وإبانة الشارع من الكوع مبينة لذلك الإجمال الذي في اليد وفي القطع. قلنا: لا نسلم عدم ظهور واحد، لأن اليد ظاهرة في العضو إلى المنكب، والقطع ظاهر في الإبانة، وإبانة الشارع من الكوع دليل على أن المراد من اليد البعض فتكون الآية من قبيل الظاهر والمؤول لا من قبيل المجمل والمبين ( و ) لا في نحو: ( حُرِّمَتْ عليكُمُ الميتَةُ ) كحرمت عليكم أمهاتكم، وقيل مجمل. إذ لا يصح إسناد التحريم إلى العين لأنه إنما يتعلق بالفعل فلا بد من تقديره، وهو محتمل لأمور لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها فكان مجملًا. قلنا: المرجح موجود وهو العرف فإنه قاض، بأن المراد في الأول تحريم الأكل ونحوه، وفي الثاني تحريم التمتع بوطء ونحوه ( و ) لا في قوله تعالى: ( امْسَحُوا برؤوسِكم ) وقيل: مجمل لتردده بين مسح الكل والبعض، ومسح الشارع الناصية مبين لذلك. قلنا: لا نسلم تردده بين ذلك، وإنما هو لمطلق المسح الصادق بأقلّ ما ينطلق عليه الاسم وبغيره، ومسح الشارع الناصية من ذلك ( و ) لا في خبر- على تقدير ثبوته بهذا اللفظ-: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. وقيل: مجمل، إذ لا يصح رفعها مع وجودها حسا فلا بد من تقدير شيء وهو متردد بين أمور لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها فكان مجملا. قلنا: المرجح موجود وهو العرف فإنه قاض بأن المراد منه رفع المؤاخذة ( و ) لا في خبر الترمذي وغيره: لا نكاح إلا بولي. وقيل: مجمل، إذ لا يصح النفي لنكاح بلا ولي مع وجوده حسا فلا بد من تقدير شيء وهو متردد بين الصحة والكمال ولا مرجح لواحد منهما، فكان مجملا. قلنا: المنفي هو النكاح الشرعي أي عقد النكاح لا وجود صورته، وبتقدير تسليم ذلك- أي من عدم صحة نفي النكاح بلا ولي في الواقع- نقول: إن المرجح لنفي الصحة موجود وهو قربه من نفي الذات إذ ما انتفت صحته لا يعتد به، فيكون كالمعدوم بخلاف ما انتفى كماله ( لوضوحِ دَلالةِ الكلِّ ) كما مرّ بيانه فلا إجمال في شيء منه ( بلْ ) الإجمال ( في مثلِ القرءِ ) لتردده بين الطهر والحيض لاشتراكه بينهما، وحمله الشافعي على الطهر، والحنفي على الحيض لما قام عندهما من دليل ( و ) مثل ( النورِ ) لأنه صالح للعقل ونور الشمس مثلًا لتشابههما في الاهتداء بكل منهما. وفيه أن إطلاق النور على نور الشمس حقيقي وعلى نور العقل مجازي فلا إجمال فيه ( و ) مثل ( الجسمِ ) لأنه صالح للسماء والأرض مثلا لتماثلهما سعة وعددا. وفيه أن الجسم من المتواطئ وهو الكلي الذي ينطبق على مصاديقه بالتساوي كالإنسان يطلق على زيد وعمرو بالتساوي فحينئذ لا إجمال فيه ( و ) مثل ( المختارِ ) كمنقادٍ لتردده بين اسم الفاعل والمفعول بإعلاله بقلب يائه المكسورة أو المفتوحة ألفا ( و ) مثل ( قولِه تعالى: أَو يعفوَا الذي بيدِه عُقْدَةُ النِّكاحِ ) لتردده بين الزوج والولي وحمله الشافعي على الزوج ومالك على الولي لما قام عندهما من دليل ( و ) مثل قوله تعالى: أحلت لكم بهيمة الأنعام ( إلا ما يتلى عليكم ) للجهل بمعناه قبل نزول مبينه وهو حرمت عليكم الميتة.. الآية ويسري الإجمال إلى المستثنى منه وهو :أحلت لكم بهيمة الأنعام. لأننا لا ندري أي بهيمة الأنعام قد أحلت وأيها قد استثنيت ( و ) مثل قوله تعالى ( الراسخونَ ) من قوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به. لتردده بين العطف والابتداء وحمله الجمهور على الابتداء لما قام عندهم من دليل ( و ) مثل ( قوله عليه الصلاة والسلام ) في خبر الصحيحين وغيرهما ( لا يمنعُ أحدُكُم جارَه أنْ يضعَ خَشَبَةً في جدارِه ) لتردد ضمير جداره بين عوده إلى الجار أو إلى الأحد. وتردد الشافعي في القديم في المنع لذلك، والمذهب الجديد المنع من وضع الخشبة بدون إذن جاره لخبر الحاكم بإسناد صحيح في خطبة حجة الوداع: لا يحل لامرىء من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس ( و ) مثل ( قولِكَ: زيدٌ طبيبٌ ماهِرٌ ) لتردد ماهر بين رجوعه إلى طبيب وإلى زيد ( و ) مثل قولك ( الثلاثةُ زوجٌ وفردٌ ) فالحكم بالزوجية والفردية معا يراد به اتصاف أجزاء الثلاثة بهما فالاثنان زوج والواحد فرد فيكون الكلام صادقا، ويراد به- بالنظر لظاهر الكلام ومفهومه بغض النظر عن الواقع- أن الثلاثة تتصف بالزوجية والفردية معا فيكون الكلام كاذبا فللتردد بالنظر إلى مفهوم الكلام عدّ مجملا، وقد يقال: إن كذب الاحتمال الثاني قرينة ظاهرة على تعين حمل الكلام على الاحتمال الأول فلا إجمال.




  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس التاسع والأربعون- مباحث الكتاب

    مسائل في المجمل



    أولا: الأصح وقوع المجمل في الكتاب والسنة وقد تقدمت أمثلة لذلك.
    وقيل: لم يقع وناقشوا تلك الأمثلة فقيل: لا إجمال في قوله تعالى: ( يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) فإنه الزوج لأنه المالك للنكاح، وفي قوله تعالى: ( إلا ما يتلى عليكم ) إنه مقترن بتفسيره وهو ( حرمت عليكم الميتة.. ) الآية، وفي قوله تعالى: ( الراسخون في العلم ) إنه ظاهر في الاستئناف. وفي حديث: ( خشبة في جداره ) إنه ظاهر في عود الضمير إلى أحدكم لأنه المنهي عن المنع.
    ثانيا: اللفظ الوارد في لسان إذا كان له مسمى شرعي ومسمى لغوي كالصلاة والصوم يحمل على الشرعي، فلا إجمال في ذلك؛ لأن الوارد في لسان الشرع إنما هو لبيان الشرعيات لا اللغويات. كما مر بيانه في مبحث الحقيقة والمجاز.
    فإن ورد لفظ في لسان الشرع وتعذر حمله على المعنى الشرعي حقيقة فإنه يحمل على المجاز الشرعي بإيجاد علاقة بينه وبين المعنى الشرعي محافظة على المعنى الشرعي ما أمكن. وقيل: يكون مجملا لتردده بين الحقيقة اللغوية والمجاز الشرعي. وقيل: بل يحمل على المعنى اللغوي تقديما للحقيقة على المجاز.
    مثاله: حديث الترمذي وغيره: ( الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحلّ فيه الكلام ) فحمل الصلاة على الصلاة الحقيقية متعذر. فعلى القول الأول وهو الحمل على المجاز الشرعي يقال: الطواف كالصلاة أي في الطهارة والنية مثلا.
    وعلى القول الثاني مجمل يحتاج إلى بيان من خارج.
    وعلى القول الثالث يحمل على معنى الصلاة اللغوي وهو الدعاء؛ لاشتمال الطواف على الدعاء وإن كان غير واجب.
    ثالثا: إذا ورد لفظ عن الشارع له معنيان إن حُمِلَ على أحدهما أفاد معنى واحدا، وإن حمل على الآخر أفاد معنيين ليس المعنى الأول أحدهما فإنه يكون مجملا. وقيل: يحمل على ما له معنيان لكثرة الفائدة.
    مثاله: حديث مسلم: ( لا يَنْكِحُ المحرِمُ ولا يُنْكِحُ ) فالنكاح - بناء على أنه مشترك- له معنيان: الوطء والعقد، فإن حمل على الوطء أفاد في الحديث معنى واحدا وهو حرمة الجماع أي أن الرجل المحرم لا يطأ وأن المرأة المحرمة لا توطئ أي لا تمكن نفسها، وإن حمل على العقد أفاد معنيين وهما أن المحرم لا يعقد لنفسه ولا يعقد لغيره، فهنا يكون الحديث مجملا يحتاج لبيان لاحتماله الوطء والعقد. وقيل: يحمل على معنى العقد لأن له مدلولين فيكون أكثر فائدة.
    فإذا كان المعنى الأول أحد المعنيين عمل بالأول لأنه مذكور في كلا الحالتين، ويوقف الثاني.
    مثاله: حديث مسلم: ( الثيّب أحق بنفسها من وليّها ) فالأحقية صادقة بأمرين: الأول أن تعقد لنفسها لا غير، والثاني متضمن لمعنيين: أن تعقد لنفسها كالأول، وأن تأذن لمن يعقد لها ولا يجبرها. فيحمل على أن تعقد لنفسها لأنه مذكور في الحالتين كما قال به الإمام أبو حنيفة وكذا بعض أصحابنا في مكان لا ولي فيه ولا حاكم. وتبقى صورة أن تأذن لغيرها موقوفة.

    ( شرح النص )


    والأصحُّ وقوعُهُ في الكتابِ والسّنةِ، وأَنَّ المسمّى الشرعيَّ أوضحُ من اللغويِّ وقدْ مرَّ، وأَنَّهُ إِنْ تعذَّرَ حقيقةً رُدَّ إليهِ بتجوُّزٍ، وأَنَّ اللفظَ المستعملَ لمعنىً تارةً ولمعنيينِ ليسَ ذلكَ المعنى أحدَهما مجملٌ، فإنْ كانَ أحدَهما عُمِلَ به ووُقِفَ الآخرُ.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ......
    ( والأصحُّ وقوعُهُ ) أي المجمل ( في الكتابِ والسّنةِ ) للأمثلة السابقة منهما، ومنعه داود الظاهري، قيل: ويمكن أن ينفصل عنها بأن الأول ظاهر في الزوج لأنه المالك للنكاح. والثاني مقترن بمفسره، والثالث ظاهر في الابتداء، والرابع ظاهر في عوده إلى الأحد لأنه محط الكلام ( و ) الأصح ( أَنَّ المسمّى الشرعيَّ ) للفظ ( أوضحُ من ) المسمى ( اللغويِّ ) له في عرف الشرع لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشرعيات لا اللغويات، فيحمل على الشرعي، وقيل لا يحمل على الشرعي في النهي فقيل: هو مجمل، وقيل: يحمل على اللغوي ( وقد مرَّ ) ذلك في مسألة اللفظ إما حقيقة أو مجاز، وإنما ذكر هنا توطئة لقولي ( و ) الأصح ( أَنَّهُ إِنْ تعذَّرَ ) أي المسمى الشرعي لِلَفظ ( حقيقةً رُدَّ إليهِ بتجوُّزٍ ) محافظة على الشرع ما أمكن، وقيل: هو مجمل لتردده بين المجاز الشرعي والمسمى اللغوي، وقيل: يحمل على اللغوي تقديما للحقيقة على المجاز، مثاله خبر الترمذي وغيره: الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام. تعذر فيه مسمى الصلاة شرعا فيرد إليه بتجوّز بأن يقال: الطواف كالصلاة في اعتبار الطهر والنية ونحوهما كستر العورة، وقيل: يحمل على المسمى اللغوي وهو الدعاء بخير لاشتمال الطواف عليه فلا يعتبر فيه ما ذكر من الطهر والنية وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وقيل: مجمل لتردّده بين الأمرين ( و ) الأصح ( أَنَّ اللفظَ المستعملَ لمعنىً تارةً ولمعنيينِ ليسَ ذلكَ المعنى أحدَهما ) تارة أخرى ( مجملٌ ) لتردده بين المعنى والمعنيين، وقيل يترجح المعنيان لأنه أكثر فائدة ( فإنْ كانَ ) ذلك المعنى ( أحدَهما عُمِلَ به ) جزما لوجوده في الاستعمالين ( ووُقِفَ الآخرُ ) للتردد فيه، وقيل يعمل به أيضا لأنه أكثر فائدة مثال الأول خبر مسلم: لا يَنكح المحرم ولا يُنكح. بناء على أن النكاح مشترك بين العقد والوطء، فإنه إن حمل على الوطء استفيد منه معنى واحد، وهو أن المحرم لا يطء ولا يوطىء أي لا يمكن غيره من وطئه، أو على العقد استفيد منه معنيان بينهما قدر مشترك، وهما أن المحرم لا يعقد لنفسه ولا يعقد لغيره، ومثال الثاني خبر مسلم: الثيب أحق بنفسها من وليها. أي بأن تعقد لنفسها وهذا المعنى الواحد، أو بأن تعقد لنفسها أو تأذن لوليها فيعقد لها ولا يجبرها وهذا المعنيان، وقد قال تعقد لنفسها أبو حنيفة، وكذا بعض أصحابنا، لكن إذا كان في مكان لا وليّ فيه ولا حاكم وليس مطلقا.




  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الخمسون- مباحث الكتاب

    البيان


    أولا: البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي. والمراد بالحيّز الصفة أي إخراجه من صفة الإشكال إلى صفة الإيضاح. فما كان ظاهرا بنفسه من غير سبق إشكال كقوله تعالى: ( ولا تقربوا الزنى ) لايسمى إصطلاحا بيانا.
    مثاله: قوله تعالى: ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ) في بيان قوله تعالى: ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) والنص الأول يسمى مبيِّنا بالكسر، والثاني مبيَّنا بالفتح وهو المجمل الذي وقع فيه الإشكال.
    ثانيا: يجب بيان المجمل لمن يحتاجه.كمن يحتاجه للعمل كمن أمر بالصلاة يجب أن يبين له كيف يصلي، أو من يحتاجه للفتيا كرجل يفتي النساء في مسائل الحيض. أما مَن لا يحتاجه فلا يجب له البيان كبيان الحروف المقطعة أوائل السور. وقد تقدّم ما له علاقة بذلك.
    ثالثا: البيان قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل. فمثال القول كما في المثال السابق حرمت عليكم الميتة.. الآية.
    ومثال الفعل: بيانه صلى الله عليه وسلم الصلاة بفعله إذْ صلى وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري.
    رابعا: الأصح أن مظنون الورود كبعض خبر الآحاد يبين قطعي الورود كالقرآن والسنة المتواترة.
    كبيان قوله تعالى: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) بقوله صلى الله عليه وسلم: ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) متفق عليه.
    خامسا:
    إذا ورد نص مجمل وورد بعده قول وفعل كلاهما يصلح أن يكون بيانا للمجمل فهنا حالان:
    1- أن يتفق القول والفعل في الدلالة بلا زيادة من أحدهما أو نقصان فالمتقدم منهما هو المبيّن ويكون الثاني توكيدا له.
    كما لو قلنا إن في آية السرقة إجمالا- على القول الثاني- فيحتمل القطع من الكوع أو من المرفق أو من المنكب، فإذا فرضنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن القطع من الكوع، وقطع يد المخزومية التي سرقت من الكوع. رواه مسلم. فهنا السابق منهما ورودا قولا كان أو فعلا يكون هو المبيّن ويكون الثاني توكيدا له.
    2- أن لا يتفق القول والفعل في الدلالة بأن يزيد أحدهما على الآخر أو ينقص عنه فحينئذ يكون القول هو المبيّن ويكون الفعل خاصا به صلى الله عليه وسلم.
    مثل أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نزول قوله تعالى: ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) مَن يقرن الحج إلى العمرة فليطف لهما طوافا واحدا وليسع لهما سعيا واحدا، ثم يقرن الحج إلى العمرة ويطوف طوافين ويسعى سعيين. فالقول هو المبين سواء تقدم أم تأخر، ويكون طوافه صلى الله عليه وسلم وسعيه اثنين خاصا به ويكون مأمورا به وجوبا أو ندبا شدد عليه دون غيره.
    فإذا فرضنا العكس وهو أنه صلى الله عليه وسلم أمر بطوافين وسعيين للحج والعمرة، ثم قرن وطاف طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا فالقول أيضا هو المبين ويكون فعله خاصا به صلى الله عليه وسلم خفف عليه دون غيره.

    ( شرح النص )

    البيانُ: إخراجُ الشيء من حَيِّزِ الإشكالِ إلى حيِّز التجلي، وإنما يجبُ لِمَنْ أُريدَ فهمُهُ، والأَصحُّ أَنَّهُ يكونُ بالفعلِ.
    والمظنونَ يبيِّنُ المعلومَ، والمتَقَدِّمَ من القولِ والفعلِ هو البيانُ هذا إِنْ اتفقا، وإلا فالقولُ، وفِعْلُهُ مندوبٌ أَو واجِبٌ أَو تخفيفٌ.
    .
    ......................... ......................... ...........
    ( البيانُ ) بمعنى التبيين لغة الإظهار أو الفصل واصطلاحا ( إخراجُ الشيء من حَيِّزِ الإشكالِ إلى حيِّز التجلي ) أي الإيضاح فالإتيان بالظاهر من غير سبق اشكال لا يسمى بيانا اصطلاحا ( وإنما يجبُ ) البيان ( لِمَنْ أُريدَ فهمُهُ ) أي أريد منه أن يفهم المشكل لحاجته اليه بأن يعمل به أو يفتي به بخلاف غيره ممن لا يحتاجه لعمل أو فتيا فلا يجب ( والأَصحُّ أَنَّهُ ) أي البيان قد ( يكونُ بالفعلِ ) كالقول بل أولى، لأنه أدل بيانا لمشاهدته كبيان الصلاة بفعلها أمامهم، وقيل: لا يكون بالفعل لطول زمنه فيتأخر البيان به مع إمكان تعجيله بالقول وذلك ممتنع. قلنا لا نسلم امتناعه. والبيان بالقول كقوله تعالى: صفراء فاقع لونها. بيان لقوله: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، وبالفعل كخبر البخاري: صلوا كما رأيتموني أصلي. ففعله بيان لقوله تعالى: أقيموا الصلاة. وقوله: صلوا كما.. الخ. ليس بيانا، وإنما دل على أن الفعل بيان، ومن الفعل التقرير والإشارة والكتابة ( و ) الأصح أن ( المظنونَ) وهو خبر الآحاد ( يبيِّنُ المعلومَ ) وهو الكتاب والسنة المتواترة. وقيل: لا لأنه دونه فكيف يبينه. قلنا لوضوحه ( و ) الأصح أن ( المتَقَدِّمَ من القولِ والفعلِ هو البيانُ ) أي المبيّن والآخر تأكيد له ( هذا إِنْ اتفقا ) أي القول والفعل في البيان كأن طاف صلى الله عليه وسلّم بعد نزول آية الحج المشتملة على الطواف وهي قوله تعالى: وأذن في الناس بالحج إلى قوله وليطوفوا بالبيت العتيق. طوافا واحدا وأمر بطواف واحد ( وإلا ) بأن زاد الفعل على مقتضى القول، كأن طاف صلى الله عليه وسلّم بعد نزول آية الحج طوافين، وأمر بواحد، أو بأن نقص الفعل عن مقتضى القول كأن طاف واحدا وأمر باثنين ( فالقولُ ) أي فالبيان هو القول ( وفِعْلُهُ مندوبٌ أَو واجِبٌ ) في حقه صلى الله عليه وسلم دون أمته ( أَو تخفيفٌ ) في حقه إن نقص عنه سواء أكان القول متقدما على الفعل أو متأخرا عنه جمعا بين الدليلين، وقيل: البيان هو المتقدم منهما كما لو اتفقا، فإن كان المتقدم القول فحكم الفعل ما مر وهو أنه يكون واجبا أو مندوبا في حقه صلى الله عليه وسلم، وإن كان المتقدم الفعل فالقول ناسخ للزائد منه وطالب لما زاده عليه. قلنا: عدم النسخ أولى.



  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    8,738

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صفاء الدين العراقي مشاهدة المشاركة
    [CENTER]http://www.feqhweb.com/vb/showthread...ll=1#post77891


    الكلام النفسي واللفظي


    ذهب المتكلمون من الأشاعرة إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يتكلم بكلام لفظي صوتي مسموع بل هو متكلم بكلام نفسي توضيحه:
    إن كل متكلم يرتّب الكلام في نفسه قبل أن ينطق به، فذلك الكلام اللفظي المسموع يكشف عن وجود مثله في النفس فالذي في النفس كلام نفسي والذي في الخارج كلام لفظي.
    مثال: إذا أراد شخص أن يطلب ماء من شخص آخر فقبل أن يحرك لسانه قد قام بنفسه هذا المعنى فذلك المعنى النفسي الذي لا تختلف به اللغات هو الكلام النفسي.
    والله سبحانه تكلم بالقرآن والإنجيل والتوراة والزبور وصحف إبراهيم وموسى بكلام نفسي معنوي لا لفظي مسموع فكل تلك الألفاظ التي تتلى معانيها قائمة بنفسه سبحانه منذ الأزل قبل أن يخلق الخلق ويبعث الرسل.
    فخطاب الله المتعلق بفعل المكلفين هو كلامه النفسي الأزلي، والقرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها من الأدلة المعتبرة تكشف عن ذلك الخطاب الأزلي وتدل عليه لا أنها نفسه.


    فما ذهب إليه الأشاعرة في هذه المسألة أمر لا يقبله العقل ولا يسوغه الشرع، وذلك قولهم: إن كلام الله معنى واحد قائم بالنفس، يستوي فيه الأمر والنهي والخبر والإنشاء، وهذا في غاية العجب، ويلزم منه أن :قل هو الله أحد هي بعينها :تبت يدا أبي لهب وتب ،ولا تقربوا الزنا
    ثم قالوا عن هذا المعنى النفسي: إن عُبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة.
    ويلزم من هذا أن ما في القرآن من المعاني هو ما في التوراة والإنجيل، وهذا باطل يكفي في بطلانه مجرد تصوره، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وجمهور العقلاء يقولون: إن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام، نحن إذا عربنا التوراة والإنجيل لم يكن معناهما معنى القرآن، بل معاني هذا ليست معاني هذا، وكذلك (قل هو الله أحد) ليس هو معنى (تبت يدا أبي لهب) ولا معنى آية الكرسي ولا آية الدين. انتهى من مجموع الفتاوى 12/122.
    ثم هم يختلفون في المعبر من هو؟ فمنهم من يقول: المعبر هو جبريل، ومنهم من يقول: المعبر هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا مشابهة لمن قال عن القرآن: إنه قول البشر.
    والحاصل أن الذي أوقع الأشاعرة في هذا الانحراف العجيب إنكارهم أن الله تعالى يتكلم بكلام ملفوظ مسموع بحرف وصوت، واختراعهم لهذا الوهم المسمى بالكلام النفسي الذي اخترعوا له هذه الصفات الباطلة: معنى واحد، يستوي فيه الأمر والنهي...... ألخ
    وهذا مصير منهم إلى أن الله تعالى لا يتكلم حقيقة، إذ الكلام في لغة العرب هو اللفظ والمعنى، ومصير منهم إلى أن القرآن المتعبد بتلاوته مخلوق لم يتكلم به الله، وهذا ما صرح به بعض أئمتهم لكن قالوا: لا يقال هذا إلا في مقام التعليم، وهذا لدفع الشناعة عليهم، قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله- في روضة الناظر في مبحث الأمر: وزعمت فرقة من المبتدعة أنه لا صيغة للأمر، بناء على خيالهم أن الكلام معنى قائم في النفس، فخالفوا الكتاب والسنة وأهل اللغة والعرف، أما الكتاب فإن الله تعالى قال لزكريا : قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً [مريم : 10-11].
    فلم يسم إشارته إليهم كلاماً. وقال لمريم : فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً [مريم:26]. فالحجة فيه مثل الحجة في الأول.
    وأما السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عفا لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل به. وقال: وإذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين. ولم يرد بذلك ما في النفس.
    وأما أهل اللسان فإنهم اتفقوا عن آخرهم على أن الكلام: اسم وفعل وحرف.
    واتفق الفقهاء بأجمعهم على أن من حلف لا يتكلم فحدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه لم يحنث، ولو نطق حنث، وأهل العرف كلهم يسمون الناطق متكلماً ومن عداه ساكتاً أو أخرس.
    ومن خالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الناس كلهم على اختلاف طبقاتهم فلا يعتد بخلافه. انتهى كلام ابن قدامة.
    والله أعلم.
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الحادي والخمسون- مباحث الكتاب

    تأخير البيان


    أولا: البيان يكون لمجمل لم يتضح معناه، ولظاهر لم يرد ظاهره.
    فالأول: كمشترك يبين أحد معانييه، والثاني: كعام يبين تخصيصه، ومطلق يبين تقييده، ودال على حكم يبين نسخه.
    ثانيا: تأخير البيان لمجمل أو لظاهر غير مراد ظاهره عن وقت العمل غير واقع في الشريعة؛ فلا يوجد في الشريعة خطاب كلفنا بالعمل به إلا وقد بيّن.
    وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب فواقع في الأصح.
    وصورة المسألة: أن يرد خطاب مجمل ولا يرد معه البيان لعدم الحاجة إليه حينذاك إذْ أَن وقت العمل به لم يحن بعد، ثم يرد بعد ذلك بيانه متراخيا عنه.
    كما في إيجاب الله سبحانه الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج ولم يبين أوقاتها، ثم نزل جبريل عليه السلام فبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات. متفق عليه.
    ثالثا: وقع خلاف في جواز- لا في وقوع- تأخير البيان عن وقت الحاجة فقد أجازه قوم بناء على جواز التكليف بالمحال ابتلاء من الله تعالى، ومنعه قوم لأنه لا فائدة منه، وقد تقدم ما له صلة بالموضوع.
    رابعا: يجوز للرسول تأخير تبليغ ما أوحي إليه إلى وقت العمل فلا يبلغ حتى يحين وقت التكليف لأن وجوب المعرفة للعمل ولا حاجة إليه قبل العمل.
    وقال قوم: لا يجوز ذلك لأن الله تعالى يقول: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) أي على الفور بناء على أن الأمر للفور.
    خامسا: يجوز أن لا يعلم المكلف الموجود وقت الخطاب بوجود المخصص فيعلم بالنص العام ولا يعلم بالمخصِّص.
    كما وقع للسيدة فاطمة رضي الله عنها فقد جاءت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها مما تركه أبوها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعموم قوله تعالى: ( يوصيكم الله في أولادكم .. ) الآية. فاحتجّ أبو بكر بقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا نورث ما تركناه صدقة ) متفق عليه.
    فالبيان هنا لم يتأخر وإنما تأخر علم المكلف به.

    ( شرح النص )


    مسألةٌ: تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الفعلِ غيرُ واقِعٍ وإنْ جازَ، وإلى وقتِهِ واقِعٌ في الأصحِّ سواءٌ أكانَ للمبيَّنِ ظاهِرٌ أم لا.
    وللرسولِ تأخيرُ التبليغِ إلى الوقتِ، ويجوزُ أنْ لايعلمَ المكلفُ الموجودُ بالمخصِّصِ ولا بأنَّهُ مخصِّصٌ ولو على المنعِ
    .
    ......................... ......................... ......................... .........................

    هذه ( مسألةٌ ) في تأخير البيان ( تأخيرُ البيانِ ) لمجمل أو ظاهر لم يرد ظاهره ( عنْ وقتِ الفعلِ غيرُ واقِعٍ وإنْ جازَ ) وقوعه عند جمهور الأشاعرة ومنعه غيرهم ( و ) تأخيره عن وقت الخطاب ( إلى وقتِهِ ) أى وقت الفعل أي إلى الزمن الذي جعله الشارع وقتا لبدء الفعل جائز و ( واقِعٌ في الأصحِّ سواءٌ أكانَ للمبيَّنِ ظاهِرٌ ) وهو غير المجمل كعام يبين تخصيصه ومطلق يبين مقيده ودال على حكم يبين نسخه ( أمْ لا ) وهو المجمل كالمشترك يبين أحد معنييه مثلا، وقيل يمتنع تأخير البيان ولو إلى وقت الفعل لإخلاله بفهم المراد من النص وقت الخطاب لأنه في المجمل لا يتضح المراد منه وفي الظاهر يتبادر منه غير المقصود ( و ) يجوز ( للرسولِ ) صلى الله عليه وسلم ( تأخيرُ التبليغِ ) لما أوحى اليه من قرآن أو غيره ( إلى الوقتِ ) أى وقت العمل ولو على القول بامتناع تأخير البيان عن وقت الخطاب لانتفاء المحذور السابق عنه وهو إخلاله بفهم المراد من النص وقت الخطاب لأنه لم يبلغه بعد، ولأن وجوب معرفته إنما هو للعمل ولاحاجة له قبل العمل، وقيل: لا يجوز عل القول بامتناع تأخير البيان مطلقا لقوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك. أى فورا ( ويجوزُ أنْ لايعلمَ ) المكلف أي بعض المكلفين ( الموجودُ ) وقت الخطاب (بالمخصِّصِ ولا بأنَّهُ مخصِّصٌ ) أى يجوز أن لايعلم بوجود ذات المخصص، أو يعلم المخصص لكن لابوصف أنه مخصص مع علمه بذاته كأن يكون المخصص للنص هو العقل، فالدليل العقلي حاصل في الفطرة وإنما التقصير من جهة السامع لم يتنبّه له ( ولو على المنعِ ) أى يجوز ذلك ولو على القول بامتناع تأخير البيان، وقيل: لايجوز على القول بذلك بالنسبة للمخصص السمعي- من كتاب وسنة- لما فيه من تأخير إعلامه بالبيان. قلنا: المحذور إنما هو تأخير البيان وهو منتف هنا، وعدم علم المكلف بالمخصص بأن لم يبحث عنه تقصير منه فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ كل أحدٍّ بعينه بل بلغ البعض وقال: ليبلغ الشاهدُ الغائبَ. متفق عليه. أما العقل فاتفقوا على جواز أن يسمع الله المكلفَ العامَ من غير أن يعلمه بذات العقل بأنه ثمة مايخصصه وكولا إلى نظره، وقد وقع أن بعض الصحابة لم يسمع المخصص السمعي إلا بعد حين منهم السيدة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم طلبت ميراثها مما تركه أبوها لعموم قوله تعالى: يوصيكم الله فى أولادكم. فاحتج عليها أبو بكر رضي الله عنه بما رواه لها من خبر الصحيحين: لانورث ما تركناه صدقة. وبما تقرر علم أن قوله: ولو على المنع راجع الى المسألتين: أي مسألة جواز تأخير تبليغ الوحي إلى وقت العمل، ومسألة عدم علم المكلف بالمخصص.



  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثاني والخمسون- مباحث الكتاب

    النسخ



    أولا: النسخ: رفع حكم شرعي بدليل شرعي. كنسخ التوجه بالصلاة إلى بيت المقدس بقوله تعالى: ( فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ).
    فقولنا: رفع أي أن خطاب الله تعلق بالفعل بحيث لولا طريان الناسخ لكان الحكم باقيا مستمرا لكن الناسخ رفعه أي قطع تعلقه بالفعل.
    وقولنا: حكم شرعي خرج به الحكم العقلي كالبراءة الأصلية الثابتة بالعقل قبل إيجاب الأحكام بالشرع فإن رفعها بتشريع العبادة لا يعتبر نسخا لأنها لم تثبت بحكم شرعي وذلك كوجوب الزكاة فإنه رفع إباحة منعها الثابتة بالعقل قبل الشرع.
    وقولنا: بدليل شرعي يخرج به رفع الحكم عن الميت والمجنون والنائم بالموت والجنون والنوم فلا يسمى ذلك الرفع نسخا.
    ثانيا: يجوز نسخ بعض آيات القرآن إما تلاوة وحكما، أو تلاوة فقط، أو حكما فقط.
    مثال نسخ التلاوة والحكم معا: ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها: كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرّمن فنسخن بخمس معلومات.
    ومثال نسخ التلاوة فقط: ما رواه الشافعي وغيره عن عمر رضي الله عنه: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. فإنا قد قرأناها. والمقصود بالشيخ والشيخة المحصنان.
    ومثال نسخ الحكم فقط: قوله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ) فقد نسخ بقوله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ).
    ثالثا: يجوز نسخ الفعل قبل التمكن منه. بأن يطلب شيء من المكلف ثم قبل دخول وقت الفعل أو بعد دخوله وقبل مضي مقدار من الزمن يتسع لفعله ينسخ الطلب.
    ومثاله أمر الله سبحانه لإبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل ثم قبل أن يتمكن من الفعل نسخ وفدي بذبح عظيم.
    رابعا: القرآن والسنة ينسخ بعضهما البعض.
    فيجوز نسخ القرآن بالقرآن كما مر التمثيل بآيتي عدة الوفاة.
    ويجوز نسخ السنة بالقرآن كما مر التمثيل بنسخ التوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنة بالقرآن.
    ويجوز نسخ القرآن بالسنة متواترة وآحادا كنسخ الخبر الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره: لا وصيّة لوارث.لآية: ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إنْ ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين ).
    ويجوز نسخ السنة بالسنة المتواترة بمثلها وبالآحاد، والآحاد بمثلها وبالمتواترة ومن ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور ثم قوله بعد ذلك: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها. رواه مسلم.
    وحيث وقع نسخ للقرآن بالسنة فمع السنة قرآن عاضد لها يبين توافقهما كنسخ الوصية للوارث عضدها من القرآن آية المواريث يوصيكم الله في أولادكم... الآية.
    وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمع القرآن سنة أيضا كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بقوله تعالى: فول وجهك.. الآية معها من السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم واستقباله للكعبة الثابت بالتواتر.

    ( شرح النص )


    النسخُ: رفعُ حكمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ، ويجوزُ في الأَصحِّ نسخُ بعضِ القرآنِ، والفعلِ قبلَ التَّمَكُّنِ، ونسخُ السُّنَّةِ بالقرآنِ كهوَ بهِ، ونسخُهُ بها، ولم يقعْ إلا بالمتواترةِ في الأصحِّ، وحيثُ وقعَ بالسنة فمعها قرآنٌ عاضِدٌ لها، أَو بالقرآنِ فمعَهُ سُنَّةٌ.
    ......................... ......................... ......................... ......................... ..
    النسخ لغة: الإزالة كنسخت الشمس الظلّ أي أزالته، والنقل مع بقاء الأول كنسخت الكتاب أي نقلته، واصطلاحا ( رفعُ ) تعلق ( حكمٍ شرعيٍّ ) بفعل ( بدليلٍ شرعيٍّ ) والقول بأن النسخ: بيان لانتهاء أمد حكم شرعي. يرجع إلى ذلك فلا خلاف في المعنى. قال العلامة البرماوي: فإن قلتَ: سيأتي أن من أقسام النسخ ما ينسخ لفظه دون حكمه ولا رفع فيه لحكم. قلت: رفع اللفظ يتضمن رفع أحكام كثيرة كتعبد بتلاوته وإجراء حكم القرآن عليه من منع الجنب ونحوه من قراءته، ومسّ المحدث وحمله له وغير ذلك. وخرج بالشرعي أي المأخوذ من الشرع رفع البراءة الأصلية أي المأخوذة من العقل، وبدليل شرعي رفع الحكم كالصلاة بالموت والجنون والنوم فإن رفعها لعارض من العوارض وليس بدليل شرعي ( ويجوزُ في الأَصحِّ نسخُ بعضِ القرآنِ ) تلاوة وحكما، أو أحدهما دون الآخر والثلاثة واقعة. روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات. فهذا منسوخ التلاوة والحكم. وروى الشافعي وغيره عن عمر رضي الله عنه: لولا أن تقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة- أي المحصنان-إذا زنيا فارجموهما ألبتة. فإنا قد قرأناها. فهذا منسوخ التلاوة دون الحكم لأمره صلى الله عليه وسلّم برجم المحصن رواه الشيخان. وعكسه وهو نسخ الحكم دون التلاوة هو الكثير كقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول. نسخ بقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا. لتأخره في النزول عن الأول وإن تقدمه في التلاوة، وقيل: لا يجوز نسخ بعضه كما لا يجوز نسخ كله، وقيل: لا يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وعكسه وهو نسخ الحكم دون التلاوة ( و ) يجوز في الأصح نسخ ( الفعلِ قبلَ التَّمَكُّنِ ) منه بأن لم يدخل وقته أو دخل ولم يمض منه ما يسعه، وقيل لايجوز لعدم استقرار التكليف، قلنا: يكفي للنسخ وجود أصل التكليف فينقطع بنسخه، وقد وقع ذلك في قصة الذبيح فإن الخليل أمر بذبح ابنه عليهما الصلاة والسلام لقوله تعالى حكاية عنه:يا بنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك..الآية ثم نسخ ذبحه قبل التمكن منه بقوله: وفديناه بذبح عظيم ( و ) يجوز في الأصح ( نسخُ السُّنَّةِ بالقرآنِ ) كنسخ تحريم مباشرة الصائم أهله ليلا الثابت بالسنة بقوله تعالى:أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم. وقيل لا يجوز نسخ السنة بالقرآن لقوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم. جعله مبينا للقرآن فلا يكون القرآن مبينا لسنته. قلنا لا مانع لأنهما من عند الله قال تعالى: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ويدل للجواز قوله تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء (كهو ) أي كما يجوز نسخ القرآن ( بهِ ) أي بالقرآن جزما كما مرّ التمثيل له بايتي عدّة الوفاة ( و ) يجوز في الأصح ( نسخُهُ ) أي القرآن ( بها ) أي بالسنة متواترة أو آحادا قال تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم. وقيل: لا يجوز لقوله تعالى: قل ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي. والنسخ بالسنة تبديل من تلقاء نفسه، قلنا: ممنوع قال تعالى: وما ينطق عن الهوى. وقيل: لا يجوز نسخ القرآن بالآحاد لأن القرآن مقطوع والآحاد مظنون. قلنا: محل النسخ الحكم ودلالة للقرآن عليه ظنية ( و ) لكن نسخ القرآن بالسنة ( لم يقعْ إلا بالمتواترةِ في الأصحِّ ) فمع تجويزنا النسخ بالآحاد إلا أنه لم يقع مثال صحيح لذلك. وقيل وقع بالآحاد كنسخ خبر الترمذي وغيره: لا وصية لوارث. لآية: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية. قلنا: لا نسلم عدم تواتر ذلك ونحوه للمجتهدين الحاكمين بالنسخ لقربهم من زمن الوحي. ويجوز نسخ السنة المتواترة بمثلها والآحاد بمثلها وبالمتواترة، وكذا المتواترة بالآحاد على الأصح كما مرّ من نسخ القرآن بالآحاد ( وحيثُ وقعَ ) نسخ القرآن ( بالسنة فمعها قرآنٌ عاضِدٌ لها ) على النسخ يبين توافقهما لتقوم الحجة على الناس بهما معا، ولئلا يتوهم انفراد أحدهما عن الآخر، إذ كل منهما من عند الله ( أو ) وقع نسخ السنة ( بالقرآنِ فمعَهُ سُنَّةٌ ) عاضدة له تبين توافقهما لما مرّ، كما في نسخ التوجه في الصلاة إلى بيت المقدس الثابت بفعله صلى الله عليه وسلّم بقوله تعالى: فولّ وجهك شطر المسجد الحرام. وقد فعله صلى الله عليه وسلّم ونقل عنه بالتواتر.





  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثالث والخمسون- مباحث الكتاب

    مسائل في النسخ



    أولا: يجوز في الأصح نسخ القياس الموجود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بنص أو قياس أجلى من القياس الأول.
    مثال الأول: ما لو ورد نص بتحريم بيع الذرة متفاضلا، فيقاس عليها الأرز بجامع الطعم في كلّ، ثم يرد نص بجواز بيع الذرة متفاضلا، فهذا من قبيل نسخ القياس بالنص.
    ومثال الثاني: ما لو ورد نص بتحريم بيع الذرة متفاضلا، فيقاس عليها الأرز بجامع الطعم في كلّ، ثم يرد نص بجواز بيع البر متفاضلا، فيقاس عليه جواز بيع الأرز متفاضلا ورأينا أن العلة الجامعة بين البر والأرز أقوى منها بين الذرة والأرز، فيكون قياس الأرز على البر ناسخا للقياس الأول. ولا يخفى أن هذه الأمثلة مبنية على فرض صحتها لإيضاح القاعدة.
    ثانيا: ويجوز نسخ مفهوم الموافقة دون نسخ منطوقه إن تعرض النص لبقاء المنطوق، ويجوز العكس وهو نسخ المنطوق دون المفهوم إن تعرض النص لبقاء المفهوم.
    مثال الأول: كأن يقال: لا تشتم زيدًا فهذا منطوق يفهم منه حرمة ضربه، فإذا قيل بعد ذلك: لا تشتم زيدًا ولكن اضربه، فهنا نسخ مفهوم الموافقة مع التعرض لبقاء أصله المنطوق.
    ومثال الثاني: كأن يقال: لا تشتم زيدًا فهذا منطوق يفهم منه حرمة ضربه، فإذا قيل بعد ذلك: اشتم زيدًا لكن لا تضربه.
    فهنا نسخ المنطوق مع التعرض لبقاء المفهوم.
    ثالثا: يجوز نسخ النص بمفهوم الموافقة.
    كأن يقال: اضرب زيدًا، ثم يقال بعد ذلك: لا تقلْ لزيدٍ أفّ فيفهم منه حرمة ضربه، فيكون هذا المفهوم ناسخا للأمر الأول بضرب زيد.
    رابعا: يجوز نسخ مفهوم المخالفة دون أصله المنطوق، ولا يجوز العكس وهو نسخ المنطوق دون مفهوم المخالفة.
    مثاله: ما ورد في صحيح مسلم: ( إنما الماء من الماء ) فإن المفهوم منه عدم وجوب الغسل إذا لم يحصل إنزال. فهذا المفهوم منسوخ بحديث البخاري ومسلم: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ) شعبها الأربع يداها ورجلاها. فهنا نسخ مفهوم المخالفة دون أصله المنطوق وهو وجوب الماء من الماء. وقد يناقش في صحة المثال.
    وأما نسخ المنطوق دون مفهوم المخالفة فلا يجوز؛ لأن المخالفة تابعة للنص فترتفع بارتفاعه، ولا يرتفع هو بارتفاعها.
    خامسا: لا يجوز نسخ النص بمفهوم المخالفة. لضعف مفهوم المخالفة عن مقاومة النص.
    سادسا: لا يجوز نسخ النص بالقياس. لأن في جوازه تقديما له على النص.

    ( شرح النص )


    ونسخُ القياسِ في زمنِ النبيِّ بنصٍ أو قياسٍ أجلى، ونسخُ الفحوى دونَ أصلِهِ إنْ تُعُرِّضَ لِبقائِهِ وعكسُهُ، والنسخُ بهِ لا نسخُ النصِّ بالقياسِ، ويجوزُ نسخُ المخالفةِ دونَ أصلِها لا عكسُهُ، ولا النسخُ بها في الأصحِّ.
    ......................... ......................... ......................... ...................
    ( و ) يجوز في الأصح ( نسخُ القياسِ ) الموجود ( في زمنِ النبيِّ ) صلى الله عليه وسلّم ( بنصٍ أو قياسٍ أجلى ) من القياس المنسوخ به، فالأول كأن يقول صلى الله عليه وسلّم: المفاضلة في البرّ حرام لأنه مطعوم. فيقاس به الأرز، ثم يقول: بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا. والثاني كأن يأتي بعد القياس المذكور نص بجواز بيع الذرة بالذرة متفاضلا فيقاس به بيع الأرز بالأرز متفاضلا، وقيل: لا يجوز نسخ القياس لأنه مستند إلى نص فيدوم بدوامه، قلنا لا نسلم لزوم دوامه كما لا يلزم دوام حكم النص بأن ينسخ، وخرج بالأجلى غيره، فلا يكفي القياس الأدون لانتفاء المقاومة، ولا المساوي لانتفاء المرجح، وقيل: يكفيان ( و ) يجوز في الأصح ( نسخُ الفحوى ) أي مفهوم الموافقة بقسميه الأولى والمساوي ( دونَ أصلِهِ ) أي المنطوق ( إنْ تُعُرِّضَ لِبقائِهِ ) أي بقاء أصله ( وعكسُهُ ) أي نسخ أصل الفحوى المنطوق دون الفحوى إن تعرض لبقائه لأنهما مدلولان متغايران فجاز فيهما ذلك كما لو فرض نسخ تحريم الضرب دون تحريم التأفيف، والعكس كما لو فرض نسخ تحريم التأفيف دون الضرب، وقيل: لا يجوز ذلك لأن الفحوى لازم لأصله فلا ينسخ أحدهما دون الآخر لمنافاة ذلك للزوم بينهما، أما نسخهما معا فيجوز اتفاقا، فإن لم يتعرض للبقاء فعن الأكثر الامتناع بناء على أن نسخ كل منهما يستلزم نسخ الآخر ( و ) يجوز في الأصح ( النسخُ بهِ ) أي بالفحوى كأصله، وقيل: لا بناء على أنه قياس وأن القياس لا يكون ناسخا ( لا نسخُ النصِ بالقياسِ ) فلا يجوز في الأصح حذرا من تقديم القياس على النص وعلى هذا جمهور أصحابنا. ونقله أبو إسحاق المروزي عن نص الإمام الشافعي. وقال القاضي حسين: إنه المذهب، وقيل: وصححه الأصل يجوز لاستناده إلى النص فكأنه الناسخ ( ويجوزُ نسخُ ) مفهوم ( المخالفةِ دونَ أصلِها ) كنسخ مفهوم خبر مسلم: إنما الماء من الماء. بخبر الترمذي: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ( لا عكسُهُ ) أي لا نسخ الأصل دونها، فلا يجوز في الأصح؛ لأنها تابعة له فترتفع بارتفاعه ولا يرتفع هو بارتفاعها، وقيل: يجوز ( ولا ) يجوز ( النسخُ بها ) أي بالمخالفة ( في الأصحِّ ) لضعفها عن مقاومة النص، وقيل يجوز كما في المنطوق.



  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الرابع والخمسون- مباحث الكتاب

    تكملة مسائل النسخ



    أولا: لا يجوز نسخ الخبر.
    أي أن النسخ إنما يرد على الإنشاء كافعل كذا أو لا تفعل كذا ولا يرد على الخبر فإذا أخبر الشرع بخبر استحال أن يخبر بنقيضه ولا يقال إن هذا من باب النسخ لأنه يوهم الكذب.
    وقيل: يجوز النسخ في الخبر إن كان عن شيء متغير سيقع في المستقبل مثل أن يقال: سيكون كذا بعد شهر، فيجوز أن يتغير حاله فيقول لن يكون ذلك بعد شهر.
    والصواب لا يجوز لأن الله سبحانه يعلم كل شيء فتناقض الأخبار يوهم الكذب وهو محال في حق الله تعالى.
    ثانيا: يجوز النسخ في الإنشاء ولو كان خبرا في لفظه أو اقترن بما يدل على التأبيد.
    لأن النظر هو للمعنى وليس للفظ فإذا ورد إنشاء وتكليف بصيغة الخبر فهذا يصلح أن يدخله النسخ مثل قوله الله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فهذا وإن كان خبرا في صيغته لكن معناه هو ليتربصن فيقبل النسخ.
    ومثل الإنشاء إذا اقترن بلفظ قضى مثل: قضى ربكُ أن افعلوا كذا. أي أمر.
    وكذا إذا ورد الإنشاء بلفظ التأبيد أو نحوه نحو: صوموا أبدا أو صوموا حتما أو صوموا دائما، فكل هذه إنشاءات تقبل النسخ؛ لأن التأبيد قد يستعمل فيما لايراد به التأبيد وذلك كقول القائل: لازمْ غريمك أبدا، ويريد به إلى أن يقضيك دينك، وكذلك هنا يجوز أن يقيد الحكم بالتأبيد ونحوه ويريد به إلى وقت النسخ.
    ثالثا: يجوز نسخ طلب الإخبار بشيء وذلك بإيجاب الإخبار بنقيضه.
    أي يجوز أن يوجب الشارع على شخص الإخبار بشيء كأن يقول له: أخبرْ بقيام زيد، وقبل الإخبار بذلك ينسخه ويقول له: أخبرْ بعدم قيامِ زيد؛ لأن هذا من باب الإنشاء فيجوز أن يتغير حال زيد من القيام إلى القعود مثلا.
    وهنا مسألة مهمة وهي: هل يجوز أن يكلف الشارع أحدا بالإخبار بشيء لا يتغير كحدوث العالم ثم ينسخه بالتكليف بالإخبار بنقيضه؟
    قال كثيرون: لا يجوز لأنه تكليف بالكذب الصريح وهو لا يجوز.
    وقال آخرون: يجوز لأنه قد يدعو إلى الكذب مصلحة كإنقاذ حياة مسلم.
    رابعا: يجوز النسخ ببدل وبغير بدل.
    فالنسخ ببدل هو أن ينسخ الحكم القديم بحكم آخر جديد، وهذا الحكم الجديد قد يكون أخف من الحكم القديم، وقد يكون مساويا له، وقد يكون أثقل منه.
    مثال الأخف: نسخ العدة على الأرملة سنة كاملة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام.
    ومثال المساوي: نسخ التوجه إلى بيت المقدس، بالتوجه إلى الكعبة.
    ومثال الأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والفدية في بداية الإسلام في قوله تعالى: ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) بوجوب الصوم على من شهد الشهر في قوله تعالى: ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ).
    وأما النسخ بلا بدل فهو أن ينسخ الشارع الحكم السابق، دون أن يأتي بحكم جديد بدل عنه. فأجازه قوم وقالوا مع جوازه عقلا إلا أنه لم يقع شرعا، ومنع جوازه آخرون.

    ( شرح النص )


    ويجوزُ نسخُ الإنشاءِ ولو بلفظِ قضاءٍ أَوْ بصيغةِ خبرٍ أَو قُيِّدِ بتأبيدٍ أو نحوِهِ، والإخبارِ بشيءٍ ولو مما لا يتغيَّرُ بإيجابِ الإخبارِ بنقيضِهِ، لا الخبرِ وإنْ كانَ مما يتغيَّرُ، ويجوزُ عندنا النسخُ ببدلٍ أثقلَ وبلا بدلٍ ولم يقعْ في الأصحِّ.
    ......................... ......................... ......................... ......................
    ( ويجوزُ نسخُ الإنشاءِ ولو ) كان مقترنا ( بلفظِ قضاءٍ ) وقيل: لا يجوز بناء على أن القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير نحو: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. أي أمر ( أَوْ بصيغةِ خبرٍ ) نحو: والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء. أي ليتربصن نظرا للمعنى، وقيل: لا يجوز نظرا للفظ ( أَو قُيِّدِ بتأبيدٍ أو نحوِه ِ) كصوموا أبدا، صوموا حتما، صوموا دائما، وقيل: لا لمنافاة النسخ التقييد بذلك. قلنا لا نسلم كما يقال لازم غريمك أبدا أي إلى أن يعطي الحق وليس أبد الدهر ( و ) يجوز نسخ إيجاب ( الإخبارِ بشيءٍ ولو مما لا يتغيَّرُ بإيجابِ الإخبارِ بنقيضِهِ ) كأن يوجب الاخبار بقيام زيد ثم بعدم قيامه قبل الإخبار بقيامه لجواز أن يتغير حاله من القيام إلى عدمه، ومنعت المعتزلة وغيرهم ذلك فيما لا يتغير كحدوث العالم لأنه تكليف بالكذب فينزه الباري عنه، قلنا: قد يدعو إلى الكذب غرض صحيح فلا يكون التكليف به قبيحا بل حسنا، كما لو طالبه ظالم بوديعة عنده أو بمظلوم خبأه عنده فيجب عليه إنكاره، ويجوز له الحلف عنه ويكفر عن يمينه ( لا ) نسخ ( الخبر ِ) أي مدلوله فلا يجوز ( وإنْ كانَ مما يتغيَّرُ ) لأنه يوهم الكذب حيث يخبر بالشيء ثم بنقيضه، وذلك محال على الله تعالى، وقيل: يجوز في المتغير إن كان خبرا عن مستقبل بناء على القول بأن الكذب لا يكون في المستقبل لجواز المحو لله فيما يقدّره. قال الله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت ( ويجوزُ عندنا النسخُ ببدلٍ أثقلَ ) كما يجوز بمساوٍ وبأخف، وقال بعض المعتزلة: لا يجوز بالأثقل إذ لا مصلحة في الانتقال من سهل إلى عسر. قلنا: لا نسلم وقد وقع كنسخ وجوب الكف عن الكفار الثابت بقوله تعالى: ودع أذاهم. بقوله: اقتلوا المشركين ( و ) يجوز عندنا النسخ ( بلا بدلٍ ) وقال بعض المعتزلة: لا إذ لا مصلحة في ذلك. قلنا: لا نسلم ذلك ( و ) لكنه ( لم يقعْ في الأصحِّ ) وقيل: وقع كنسخ وجوب تقديم الصدقة على مناجاة النبي الثابت بقوله: إذا ناجيتم الرسول.. الآية. إذ لا بدل لوجوبه فيرجع الأمر إلى ما كان قبله مما دل عليه الدليل العام من تحريم الفعل إن كان مضرة أو إباحته إن كان منفعة. قلنا: لا نسلم أنه لا بدل للوجوب بل بدله الجواز الصادق هنا بالإباحة أو الندب فتبقى الصدقة مباحة أو مندوبة.




  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الخامس والخمسون- مباحث الكتاب

    مسائل متفرقة في النسخ



    أولا: أجمع المسلمون على جواز النسخ ووقوعه. وقال أبو مسلم الأصفهاني المعتزلي: النسخ جائز لكنه لم يقع. أما ما ذكرتم من الأمثلة فليس نسخًا، بل تخصيصًا، إذْ هو قصر الحكم على زمن؛ فإن الله تعالى يعلم أن هذا الحكم ينتهي في وقت كذا. وعلى هذا يكون خلاف الأصفهاني لفظيا، فما سميناه نسخا سماه تخصيصًا.
    ثانيا: إذا نسخ حكم الأصل لا يبقى حكم الفرع الذي قيس عليه.
    فإذا ثبت الحكم في عين وعرفنا علة الحكم ثم قسنا عليها غيرها مما يشاركها في هذه العلة فإنه إذا نسخ حكم الأصل يبطل حكم الفرع المقيس عليه إذْ بانتفاء حكم الأصل تنتفي العلة التي ثبت بها الفرع.
    مثاله: أن يرد النص بحرمة الربا فى البر، فيقاس عليه الأرز بجامع الإقتيات مثلا، ثم يرد نص بحل ذلك الربا فى البر فلا يبقى حينئذ حكم الأرز.
    ثالثا: كل حكم شرعي يقبل النسخ فيجوز نسخ كل التكاليف حتى وجوب معرفة الله سبحانه. هذا من حيث الجواز العقلي وأما من حيث الوقوع الشرعي فأجمع المسلمون أن ذلك لم يقع.
    ومنع الإمام الغزالي رحمه الله نسخ جميع التكاليف لأن العلم بنسخها جميعا يتوقف على ثبوت الناسخ لها وهو من خطاب الشرع أيضا فلا يتأتى القول بجواز نسخ الكل.
    ومنع المعتزلة نسخ وجوب معرفة الله لثبوته بالعقل. وهذا الفرع مبني على مسألة التحسين والتقبيح وقد تقدمت.
    رابعا: إذا علم النبي صلى الله عليه وسلم أن حكما ما قد نسخ فلا يثبت الناسخ في حق الأمة قبل تبليغه لهم لعدم علمهم به قبل التبليغ.
    خامسا: المختار أن الزيادة على النص ليست نسخا.
    بيانه:
    إذا ورد نص من الشارع بحكم ما، ثم ورد نص آخر فيه زيادة حكم جديد، فهذا الأمر الجديد له ثلاث صور:
    1- أن تكون الزيادة التي وردت فيه مستقلة لا علاقة لها بالنص السابق وليست من جنسه، كزيادة وجوب الزكاة بنص جديد على وجوب الصلاة بالنص القديم. وهذه الصورة لا خلاف بين المسلمين أنها ليست نسخا.
    2- أن تكون الزيادة التي وردت فيه مستقلة عن المزيد عليه إلا أنها من جنسه، كما لو زيدت صلاة على الصلوات الخمس، وهذه أيضا ليست بنسخ على ما ذهب إليه الجمهور لأنه ليس فيها رفع لحكم سابق، وإنما هو بيان لواجب جديد بأمر جديد.
    3- أن تكون الزيادة التي وردت فيه غير مستقلة عن المزيد عليه بل هي متعلقة به كما في قوله تعالى: ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) ثم جاءت السنة كما في البخاري ومسلم بزيادة التغريب عام على البكر. فهنا الزيادة مرتبطة بالحد وليست مستقلة عنه فهذه هي التي وقع فيها خلاف كبير بين العلماء.
    فذهب جمهور العلماء إلى أنها ليست نسخا لأن الزيادة لم ترفع الحكم السابق فهو لا يزال قائما وإنما زيد فيه، سواء كانت الزيادة زيادة جزء كما لو زيدت ركعة في صلاة أو جلدة في حد الزنا، أو زيادة شرط كما لو شرط في غسل اليد أن يبلغ العضد، أو زيادة صفة كزيادة الإيمان في رقبة الكفارة.
    وذهب الحنفية إلى أنها نسخ، وقالوا: نحن لا نجيز نسخ القرآن بحديث الآحاد لئلا يلزم نسخ اليقيني بالظني، وبناء عليه فلا نثبت التغريب في حد الجلد.
    ولهم فروع عديدة ردوا فيها أحاديث الآحاد بهذه الحجة وهي: أن هذا الحديث يزيد على النص، والزيادة على النص نسخ، ولا نسخ بحديث الآحاد للقرآن، فلا نأخذ بتلك الروايات.
    ومثل الزيادة على النص النقص منه، كما لو نقصت ركعة من الصلاة، أو نقص شرط كما لو نقص الوضوء من الصلاة، أو نقص صفة كما لو نقص الإيمان من كفارة القتل.
    فذهب الجمهور إلى أن النقص من النص يعتبر نسخا لمحل الزيادة فقط دون الكل.
    وذهب الحنفية إلى ان النقص يعتبر نسخا للكل بمعنى أن الحكم الأول المشتمل على الزيادة قد نسخ وثبت بدله الحكم الناقص.
    مثاله: إذا فرض أن المغرب نقص منها ركعة، فعند الحنفية أن الثلاثة قد ارتفعت إلى بدل وهو الاثنان، وعند الجمهور أن الذي ارتفع هو الركعة الثالثة فقط.

    ( شرح النص )


    مسألةٌ: النسخُ واقعٌ عندَ كلِّ المسلمينَ وسماهُ أبو مسلمٍ تخصيصًا، فالخُلْفُ لفظِيٌّ، والمختارُ أَنَّ نسخَ حكمِ أصلٍ لا يبقى مَعَهُ حكمُ فَرْعِهِ، وأَنَّ كلَّ شرعيٍّ يقبلُ النسخَ، ولم يقعْ نسخُ كلِّ التكاليفِ، ووجوبِ المعرفةِ إجماعًا، وأَنَّ الناسِخَ قبلَ تبليغِ النبيِّ الأمَّةَ لا يثبُتُ في حَقِّهِمْ، وأَنَّ زيادةَ جزءٍ أو شرطٍ أو صفةٍ على النص ليستْ بِنسخٍ، وكذا نَقْصُهُ.
    ......................... ......................... ......................... ....................
    هذه ( مسألةٌ النسخُ ) جائز ( واقعٌ عندَ كلِّ المسلمينَ ) إجماعا ( وسماهُ أبو مسلمٍ ) الأصفهاني من المعتزلة ( تخصيصًا ) إذْ هو قصر الحكم على زمن؛ فإن الله تعالى يعلم أن هذا الحكم ينتهي في وقت كذا ( فالخُلْفُ ) في نفيه النسخ ( لفظِيّ ) فما سميناه نسخا سماه تخصيصًا ( والمختارُ أَنَّ نسخَ حكمِ أصلٍ لا يبقى مَعَهُ حكمُ فَرْعِهِ ) لانتفاء العلة التي ثبت بها بانتفاء حكم الأصل، وقالت الحنفية يبقى لأن القياس مظهر لحكم الفرع لا مثبت فإذا نسخ الأصل بقي الفرع على ما دلّ عليه ( و ) المختار ( أَنَّ كلَّ شرعيٍّ يقبلُ النسخَ ) فيجوز نسخ كل التكاليف وبعضها حتى وجوب معرفة الله تعالى، ومنعت المعتزلة والغزالي نسخ كل التكاليف، ومنعت المعتزلة أيضا نسخ وجوب معرفة الله تعالى ( ولم يقعْ نسخُ كلِّ التكاليفِ ووجوبِ المعرفةِ ) أي معرفة الله تعالى ( إجماعًا ) فعلم أن الخلاف السابق إنما هو في الجواز أي العقلي ( و ) المختار ( أَنَّ الناسِخَ قبلَ تبليغِ النبيِّ ) صلى الله عليه وسلّم ( الأمَّةَ ) له ( لا يثبُتُ ) حكمه ( في حَقِّهِمْ ) لعدم علمهم به، وقيل: هو حكم قد تجدد فيثبت في حقهم ويستقر في الذمة، كالنائم وقت الصلاة، ولا يعني ذلك وجوب الامتثال فإنه متوقف على العلم، أما بعد التبليغ فيثبت اتفاقا في حق من بلغه وكذا من لم يبلغه إن تمكن من علمه ( و ) المختار وهو ما عليه الجمهور ( أَنَّ زيادةَ جزءٍ أو شرطٍ أو صفةٍ على النص ) كزيادة ركعة أو غسل عضد في الوضوء أو إيمان في رقبة الكفارة ( ليستْ بنسخٍ ) للمزيد عليه، وقالت الحنفية: إنها نسخ، ومنشأ الخلاف أن الزيادة هل رفعت حكما شرعيا أو لا ؟ فعندنا لا، وعندهم نعم نظرا إلى أن الأمر السابق بما دون الزيادة اقتضى تركها فالزيادة رافعة لذلك المقتضى، وبنوا على ذلك أنه لا يعمل بأخبار الآحاد في زيادتها على القرآن كزيادة التغريب على الجلد الثابتة بخبر الصحيحين بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد ( وكذا نَقْصُهُ ) أي نقص جزء أو شرط أو صفة من مقتضى النص كنقص ركعة أو وضوء أو الإيمان في رقبة الكفارة، فقيل: إنه نسخ لها إلى الناقص، وقال الجمهور: لا. والنسخ إنما هو للجزء أو الشرط أو الصفة فقط، لأنه الذي يترك لا للكل.




  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس السادس والخمسون- نهاية مباحث الكتاب

    طرق معرفة النسخ



    أولا: الطرق المقبولة في معرفة النسخ هي:
    1- الإجماع على أن هذا الحكم منسوخ بذاك، كإجماعهم على أن وجوب صوم يوم عاشوراء منسوخ بوجوب رمضان.
    2- النص من النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذا الحكم منسوخ بذاك.
    3- أن يتعارض الدليلان من كل وجه، ويعرف المتأخر منهما، فالمتأخر حينئذ هو الناسخ.
    ثانيا: طرق معرفة المتأخر من الدليلين ليحكم له بأنه ناسخ هي:
    1- الإجماع بأن تجمع الأمة على أن هذا متأخر عن ذاك.
    2- نص النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا متأخر عن ذاك.
    3- قول الرسول صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن كذا فافعلوه كما تقدم في حديث زيارة القبور.
    4- أن يوجد في النص ما يشير إلى أنه متأخر عنه كقوله تعالى: ( الآن خفف الله عنكم .. ) الآية.
    5- نقل الصحابي أن هذا متأخر عن ذاك؛ لأن هذا الأمر لا دخل فيه للاجتهاد وإنما هو نقل.
    6- النص من النبي صلى الله عليه وسلم على خلاف نص معروف قبل ذلك، كأن يقال في شيء معروف أنه حرام: هو مباح؛ لأن وصفه في الزمن الثاني بخلاف ما وُصِفَ به في الزمن الأول يستلزم تأخرّ مشروعيته.
    ثالثا: الطرق غير المقبولة في معرفة النسخ هي:
    1- موافقة أحد الحكمين للبراءة الأصلية.
    وصورة ذلك: أن يرد نص موجب لحكم ما، ونص آخر مبيح له، فالأول مخالف للبراءة الأصلية، والثاني موافق.
    فهذه الموافقة للبراءة الأصلية لا توجب للثاني أن يكون متأخرا عن الأول حتى يكون ناسخا له وذلك بأن يظن أن الحكم الأول الموجب جاء مخالفا للبراءة الأصلية، ثم جاء الثاني فأعاد الوضع إلى ما كان عليه موافقا لها.
    وذلك لأنه من المحتمل أن يكون الحكم الأول قد جاء موافقا للبراءة الأصلية، ثم جاء الثاني بعده مخالفا لها.
    مثاله: حكم الخمر على البراءة الأصلية حلها، ثم لو ورد نص بتحريمها فقيل: الخمر حرام. فهذا مخالف للبراءة الأصلية فلو ورد نص بحلها فقيل: الخمر حلال. فهذا موافق للبراءة الأصلية، والحال أنه لم يعلم تأخر أحدهما عن الآخر.
    فهنا لا يعتمد أن النص الموافق للبراءة ناسخ للنص المخالف للبراءة على الرغم من أن غالب الموافق متأخر عن المخالف.
    2- ورود آية بعد أخرى في ترتيب المصحف فلا يدل على أن الثانية ناسخة للأولى؛ لأن المصحف لم يرتب حسب النزول.
    3- تأخر إسلام الراوي للحديث فإنه لا يدل على أن ما رواه هو المتأخر؛ إذْ قد يروي عمن سمعه قبل ذلك.
    4- قول الصحابي أن هذا الحكم منسوخ بكذا لأن ذلك قد يكون اجتهادا منه وذلك غير ملزم لغيره. نعم إذا علم أن هذا الحكم منسوخ ولكننا جهلنا ناسخه فقال الصحابي: هذا ناسخه فإنه يقبل لضعف احتمال كونه حينئذ صدر عن اجتهاد.

    ( شرح النص )
    خاتِمَةٌ

    يتعيَّنُ النَّاسِخُ بتأخُّرِهِ، ويُعْلَمُ بالإجماعِ، وقولِ النبيِّ هذا ناسِخٌ أَو بعدَ ذاكَ، أَو كنتُ نهيتُ عَنْ كذا فافعلوهُ، أَو نَصِّهِ على خِلافِ النَّصِّ الأوَّلِ، أَو قولِ الراوِي: هذا متأخِرٌ، لا بموافقةِ أحَدِ النَّصَّينِ للأصلِ، وثبوتِ إحدى آيتينِ في المصحفِ، وتأخُّرِ إسلامِ الراوِي، وقولِهِ: هذا ناسِخٌ في الأصحِّ لا النَّاسِخُ.
    ......................... ......................... ......................... ...............
    هذه ( خاتِمَةٌ ) للنسخ يعلم بها الناسخ من المنسوخ ( يتعيَّنُ النَّاسِخُ ) لشيء ( بتأخُّرِهِ ) عنه ( ويُعْلَمُ ) تأخره ( بالإجماعِ ) على أنه متأخر عنه، أو أنه ناسخ له (وقولِ النبيِّ ) صلى الله عليه وسلّم ( هذا ناسِخٌ ) لذاك ( أو ) هذا ( بعدَ ذاكَ ) أو هو سابق عليه ( أَو كنتُ نهيتُـ ) ـكم ( عَنْ كذا فافعلوهُ، أَو نَصِّهِ ) صلى الله عليه وسلم ( على خِلافِ النَّصِّ الأوَّلِ ) أي أن يذكر الشيء بحكم على خلاف ما ذكره فيه أوّلا ( أَو قولِ الراوِي: هذا متأخِرٌ ) عن ذاك أو سابق عليه ( لا بموافقةِ أحَدِ النَّصَّينِ للأصلِ ) أي البراءة الأصلية فلا يعلم التأخر به في الأصح، وقيل: يعلم لأن الأصل مخالفة الشرع لها، فيكون المخالف سابقا على الموافق. قلنا: هذا مسلم في أغلب الموارد لكنه ليس بلازم لجواز العكس ( و ) لا ( ثبوتِ إحدى آيتينِ في المصحفِ ) بعد الأخرى فلا يعلم به التأخرية في الأصح، وقيل: يعلم لأن الأصل موافقة الوضع للنزول. قلنا لكنه غير لازم لجواز المخالفة كما مر في آيتي عدة الوفاة ( و ) لا ( تأخُّرِ إسلامِ الراوِي ) لمرويه عن إسلام الراوي للآخر فلا يعلم التأخر به في الأصح، وقيل: يعلم لأنه الظاهر. قلنا: لكنه بتقدير تسليمه غير لازم لجواز العكس ( و ) لا ( قولِهِ ) أي الراوي ( هذا ناسِخٌ ) فلا يكون ناسخا ( في الأصحِّ ) وقيل: يكون وعليه المحدِّثون لأنه لعدالته لا يقول ذلك إلا إذا ثبت عنده. قلنا ثبوته عنده يجوز أن يكون باجتهاد لا يوافق عليه ( لا ) بقوله هذا ( الناسخ ) لما علم أنه منسوخ وجهل ناسخه فيعلم به أنه ناسخ له لضعف احتمال كونه حينئذ عن اجتهاد فإننا نعلم النسخ يقينا وقول الصحابي عيّن لنا الناسخ.




  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس السابع والخمسون- السنة

    مقدمة



    أولا: السُّنَّةُ: أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله. وتقريراته من جملة أفعاله؛ إذْ هي كفه عن الإنكار، والكفّ فعل.
    ثانيا: الأنبياء معصومون عن كبائر الذنوب اتفاقا وكذا عن صغائر الذنوب المستقبحة كسرقة لقمة.
    وأما الصغائر غير المستقبحة فالجمهور على جوازها عليهم. وقيل: إنهم معصومون عنها ولو سهوا وأوّلوا كل النصوص التي ظاهرها وقوع الذنب منهم كقوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى ).
    ثالثا: لا يُقِرُّ النبي صلى الله عليه وسلم أحدا على باطل فسكوته على فعل دليل على جوازه شرعا للفاعل ولغيره.
    لا فرق بين أن يكون حال سكوته مستبشرا مسرورا أو لا، ولا فرق بين أن يكون الفاعل مسلما أو كافرا.
    رابعا: فعله صلى الله عليه وسلم غير محرم ولا مكروه وما فعله من مكروه بالنسبة لنا كالشرب قائما فإنما فعله لبيان الجواز فيكون صلى الله عليه وسلم فاعلا للطاعة ومبيّنا للشريعة.
    خامسا: أفعاله صلى الله عليه وسلم على عدة أنحاء هي:
    1- أفعاله الجبليّة كالقيام والقعود والنوم والأكل فهذه مباحة له ولأمته.
    2- ما تردد بين الجبلة والشرع كحجه راكبا فهل فعله بمقتضى الجبلة لكون الركوب هو الأيسر أو إنما فعله لكونه مطلوبا شرعا؟ فهذا يحمل على الندب. وقيل: على الإباحة.
    3- ما وقع بيانا لنص شرعي فهو يأخذ حكم المبيّن فإن كان بيانا للواجب كالصلوات الخمس فهو واجب في حقنا وإن كان بيانا للمندوب كصلاة الكسوف والخسوف كان مندوبا في حقنا.
    4- ما كان خاصا به كزيادته في النكاح على أربع فهذا لا يقتدى به لاختصاصه به.
    5- ما فعله من غير ما سبق وعلمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فأمته مثله.
    6- ما فعله وجهلت صفته فقيل: هو للوجوب في حقه وحقنا لأنه الأحوط، وقيل: هو للندب، وقيل: للإباحة.
    سادسا: تعلم صفة الفعل بعدة طرق منها:
    أ- التنصيص على الفعل أنه واجب أو مندوب أو مباح.
    ب- أن يسوي بين الفعل وبين فعل آخر معلوم الصفة، كأن يقول: هذا الفعل كالفعل الفلاني. وقد علم أنه مباح مثلا.
    ج- أن يقع الفعل بيانا لنص دال على وجوب أو ندب أو إباحة، فيكون حكمه حكم ذلك النص.
    سابعا: تعلم صفة الوجوب بخصوصها بعدة طرق منها:
    أ- العلامة الدالة على الوجوب، كالأذان والإقامة فإنه لا يؤتى بهما إلا في المكتوبة دون غيرها كالعيد والاستسقاء.
    ب- كونه في الأصل ممنوعا من فعله لإيذائه فلما فعله دل على أنه واجب كإقامة الحد وكالختان.
    ثامنا: تعلم صفة الندب بخصوصها إن فعل فعلا لقصد القربة من صلاة وصوم وذكر وغيرها ولا يوجد دليل على خصوص الوجوب، فإنه يكون مندوبا لأن الأصل عدم الوجوب.

    ( شرح النص )


    الكتابُ الثاني في السنةِ


    وهيَ: أَقوالُ النبيِّ وأَفعالُهُ. الأنبياءُ معصومونَ حتى عن صغيرةٍ سهوًا؛ فلا يُقِرُّ نبيُّنا أحدًا على باطلٍ، فسكوتُهُ ولو غيرَ مستبْشِرٍ على الفعلِ مطلقًا دليلُ الجوازِ للفاعِلِ ولغيرِهِ في الأصحِّ، وفعلُهُ غيرُ مكروهٍ، وما كانَ جِبِلِّيًا أَو مُتَرَدِّدًا أَو بيانًا أَو مُخَصَّصًا بهِ فواضِحٌ، وما سِواهُ إنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ فأُمَّتُهُ مِثْلُهُ في الأصحِّ، وتُعلَمُ بنصٍّ وتسويةٍ بمعلومِ الجهةِ ووقوعِهِ بيانا أَو امتثالًا لِدالٍّ على وجوبٍ أَو ندبٍ أَو إباحةٍ، ويَخُصُّ الوجوبَ أَمارتُهُ كالصلاةِ بأذانٍ وكونُهُ ممنوعًا لوْ لم يجبْ كالحدِّ، والنَّدْبَ مُجَرَّدُ قصدِ القُرْبَةِ، وإن جُهِلَتْ فللوجوبِ في الأصحِّ
    .
    ......................... ......................... ......................... ........................
    لما فرغ من الدليل الأول من أدلة التشريع وهو الكتاب شرع في الدليل الثاني فقال: ( الكتابُ الثاني في السنةِ وهيَ: أَقوالُ النبيِّ ) صلى الله عليه وسلّم ( وأَفعالُهُ ) ومنها تقريره لأنه كف عن الإنكار والكف فعل كما مر، وتقدمت مباحث الأقوال التي تشترك فيها السنة والكتاب، من الأمر والنهي والعام والخاص وغيرها، والكلام هنا في غير ذلك، ولتوقف حجية السنة على عصمة النبي بدأوا بها مع عصمة سائر الأنبياء زيادة للفائدة، وإلا فأصل هذا المبحث هو كتب العقائد فقال: ( الأنبياءُ ) عليهم الصلاة والسلام ( معصومونَ حتى عن صغيرةٍ سهوًا ) فلا يصدر عنهم ذنب لا كبيرة ولا صغيرة لا عمدا ولا سهوا، هكذا قال! والأكثر على جواز صدور الصغيرة عنهم إلا الدالة على الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بتمرة، وينبهون عليها لو صدرت ويوفقون للتوبة والإنابة، وإذا تقرر أن نبينا معصوم كغيره من الأنبياء ( فلا يُقِرُّ نبيُّنا) محمد صلى الله عليه وسلّم ( أحدًا على باطلٍ فسكوتُهُ ولو ) كان حال سكوته ( غيرَ مستبْشِرٍ ) أي غير مسرور ( على ) الإنكار على ( الفعلِ مطلقًا ) أي سواء صدر من مسلم أو من غيره، وممن إذا أنكر عليه يغريه ويدفعه إنكاره عليه على تكرار ذلك الفعل عنادا أو لا، وقيل: إلا فعل من يغريه الإنكار بناء على سقوط الإنكار عليه، وقيل: إلا الكافر بناء على أنه غير مكلف بالفروع ( دليلُ الجوازِ للفاعِلِ ) بمعنى الإذن له فيه؛ لأن سكوته صلى الله عليه وسلّم على الفعل تقرير له ( ولغيرِهِ في الأصحِّ ) وقيل: لا، لأن السكوت ليس بخطاب لفظي حتى يعمّ. قلنا هو كالخطاب أي في قوته فيعم ( وفعلُهُ ) صلى الله عليه وسلّم ( غيرُ مكروهٍ ) بالمعنى الشامل للمحرم ولخلاف الأولى لعصمته، ولقلة وقوع المكروه وخلاف الأولى من التقي من أمته فكيف يقع منه، ولا ينافيه وقوع المكروه بيانا لجوازه كشربه قائما، لأنه ليس مكروها حينئذ، بل واجب في حقه ( وما كانَ ) من أفعاله صلى الله عليه وسلم ( جِبِلِّيًا ) أي واقعا بجهة جبلة البشر أي خلقتهم كقيامه وقعوده وأكله وشربه ( أَو مُتَرَدِّدًا ) بين الجبلي والشرعي كحجه راكبا وجلسته للاستراحة في الصلاة ( أَو بيانًا ) كقطعه السارق من الكوع بيانا لمحل القطع في آية السرقة ( أَو مُخَصَّصًا بهِ ) كزيادته في النكاح على أربع نسوة ( فواضِحٌ ) حكمه وهو أن الرابع وهو المخصص به لسنا مخاطبين به، وأن غير الرابع من الثلاثة الأول دليل في حقنا، لأنه صلى الله عليه وسلّم بعث لبيان الشرعيات فيباح لنا في الأول وهو الجبلي، ويندب في الثاني وهو ما تردد بين الجبلي والشرعي، وقيل: يباح، ويندب أو يجب أو يباح بحسب المبيَّن في الثالث وهو ما فعله بيانا ( وما سِواهُ ) أي سوى ما ذكر من الأقسام الأربعة ( إنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ ) من وجوب أو ندب أو إباحة ( فأُمَّتُهُ مِثْلُهُ ) في ذلك ( في الأصحِّ ) عبادة كان أو لا. وقيل: مثله في العبادة فقط، وقيل: ليس مثله مطلقا في عبادة أو غيرها بل يكون كمجهول الصفة الذي سيأتي بعد قليل (وتُعلَمُ ) صفة فعله ( بنصٍّ ) عليها كقوله: هذا واجب مثلا ( وتسويةٍ بمعلومِ الجهةِ ) كقوله هذا الفعل مساوٍ لكذا في حكمه وكان قد علم حكمه من قبل ( ووقوعِهِ بيانا أَو امتثالًا لِدالٍّ على وجوبٍ أَو ندبٍ أَو إباحةٍ ) فيكون حكمه حكم المبين أو الممتثل وجوبا أو ندبا أو إباحة، وصورة البيان: أن لا تعلم صفة المأمور به فيفعله النبي لتعلم صفته كأن يطوف بعد إيجاب الطواف لتعلم صفته فنعلم وجوب هذا الطواف لكونه بيانا للواجب، وصورة الإمتثال: أن يكون المأمور به معلوما صفته لكن يأتي به لامتثال الأمر به كما لو تصدق بدرهم امتثالا لإيجاب التصدق فيعلم وجوب فعله حينئذ من وقوعه امتثالا للأمر بالتصدق ( ويَخُصُّ الوجوبَ ) أي يميزه عن غيره من الندب والإباحة ( أَمارتُهُ كالصلاةِ بأذانٍ ) لأنه ثبت باستقراء الشريعة أن ما يؤذن لها واجبة بخلاف غيرها، كصلاة العيد والخسوف ( وكونُهُ ) أي الفعل ( ممنوعًا ) منه (لوْ لم يجبْ كالحدِّ ) والختان فإنهما في الأصل ممنوعان لما فيهما من الأذية ( و ) يخص ( النَّدْبَ ) أي يميزه عن غيره من الوجوب والإباحة ( مُجَرَّدُ قصدِ القُرْبَةِ ) بأن تدل قرينة على أنه قصد بذلك الفعل القربة ولا دليل على الوجوب، وذلك كصلاة وصوم وقراءة ونحوها من التطوعات ( وإن جُهِلَتْ ) صفته أي حكمه ( فللوجوبِ في الأصحِّ ) في حقه وحقنا، لأنه الأحوط، وقيل: للندب لأنه المتحقق بعد الطلب، وقيل: للإباحة لأن الأصل عدم الطلب، وقيل بالوقف لتعارض الأدلة.




  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس الثامن والخمسون- السنة

    تعارض الفعل والقول



    إذا تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله فلهذه الحالة صور كثيرة منها:
    أولا: أن يدل دليل على تكرر مقتضى القول- بأن يطلب فعله متكررا وليس لمرة واحدة- وكان مقتضى ذلك القول مختصا به صلى الله عليه وسلم، وفعل فعلا مخالفا له.
    مثل أن يقول: صوم عاشوراء واجب عليّ كلَّ سنةٍ. ثم أفطر في سنة من السنين.
    فإن علم المتقدم والمتأخر، فالمتأخر ناسخ للمتقدم منهما، وإن جُهِل فيتوقف عن ترجيح أحدهما حتى يتبين التاريخ.
    ولا معارضة حينئذ في حق الأمة لأن مقتضى القول مختص به، وأما فعله فإن دل دليل على تأسينا به عملنا به، وإن لم يدل فالأمر واضح أن القول والفعل لا يتناولان الأمة.
    ثانيا: أن يكون مقتضى القول مختصا بالأمة وفعل فعلا مخالفا له.
    مثل أن يقول: يجب عليكم صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة من السنين، فلا تعارض في حقه صلى الله عليه وسلم لأنه ليس مخاطبا بهذا القول.
    أما في حقنا فإن دلّ دليل على التأسي بفعله فهنا يتعارض القول والفعل في حقنا فإن علمنا المتقدم والمتأخر فالمتأخر ناسخ للمتقدم منهما، وإن جهلنا نعمل بالقول على الأصح لأنه أقوى دلالة على الحكم من الفعل المجرد.
    وإن لم يدل دليل على التأسي بفعله فلا تعارض حينئذ فنعمل بمقتضى القول.
    ثالثا: أن يكون مقتضى القول شاملا للنبي صلى الله عليه وسلم وللأمة وفعل فعلا مخالفا له.
    مثل أن يقول: يجب عليّ وعليكم صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة من السنين.
    فإن علمنا المتقدم والمتأخر فالمتأخر ناسخ للمتقدم منهما، في حقه وفي حقنا.
    وإن جهلنا نعمل بالقول في حقنا، ونتوقف في حقه عليه الصلاة والسلام.
    هذا إن دلّ دليل على التأسي بفعله فإن لم يدل دليل على التأسي به فلا تعارض فنعمل بالقول.
    ولكن تستثنى حالة إذا كان شمول القول له ليس نصا بل ظاهرا كما لو قال: يجب على كل مسلم صوم عاشوراء في كل سنة- فهنا ظاهر الحكم شموله له ولكن ليس نصا كما في الحالة الأولى- وأفطر في سنة من السنين.
    فالفعل في هذه الحالة مخصص للقول في حقه عليه الصلاة والسلام، تقدم أو تأخر أو جهل التأريخ، فيكون الفعل مختصا به أي أنه غير داخل في عموم القول. ويكون القول هو الموجّه للأمة فنعمل به.

    ( شرح النص )


    وإذا تعارضَ الفعلُ والقولُ ودلَّ دليلٌ على تكَرُّرِ مُقتضاهُ فإنِ اختصَّ بهِ فالمتأَخِّرُ ناسِخٌ، فإنْ جُهِلَ فالوقفُ في الأصحِّ ولا تعارُضَ، وإنِ اختصَّ بنا فلا تعارُضَ فيهِ، وفينا المتأخِّرُ ناسِخٌ إنْ دلَّ دليلٌ على تأسِّينا، فإنْ جُهِلَ عُمِلَ بالقولِ في الأصحِّ وإنْ عَمَّنا وعَمَّهُ فحكمُهما كما مرَّ إلا أنْ يكونَ العامُ ظاهرًا فيهِ فالفعلُ مُخَصِّصٌ.
    ......................... ......................... ......................... ...........
    ( وإذا تعارضَ الفعلُ والقولُ ) أي تخالفا بتخالف مقتضيهما بأن يدل الفعل على أمر ويدل القول على خلافه ( ودلَّ دليلٌ على تكَرُّرِ مُقتضاهُ ) أي القول ( فإنِ اختصَّ ) القول ( بهِ ) صلى الله عليه وسلّم كأن قال: يجب عليّ صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة من السنين ( فالمتأَخِّرُ ) من الفعل أو القول إن علم ( ناسِخٌ ) للمتقدم منهما في حقه ( فإنْ جُهِلَ ) المتأخر منهما ( فالوقفُ ) عن ترجيح أحدهما على الآخر في حقه صلى الله عليه وسلم إلى تبين التاريخ ( في الأصحِّ ) لاستوائهما في احتمال تقدم كل منهما على الآخر، وقيل: يرجح القول، وقيل: يرجح الفعل ( ولا تعارُضَ ) في حقنا حيث دل دليل على تأسينا به في الفعل لعدم تناول القول لنا، وإن لم يدل دليل على تأسينا به في الفعل فلا يتوهم التعارض أصلا ( وإنِ اختصَّ ) القول ( بنا ) كأن قال: يجب عليكم صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة من السنين ( فلا تعارُضَ فيهِ ) أي في حقه صلى الله عليه وسلّم بين الفعل والقول لعدم تناوله له ( وفينا ) أي في حقنا ( المتأخِّرُ ) منهما بأن علم ( ناسِخٌ ) للمتقدم ( إنْ دلَّ دليلٌ على تأسِّينا ) به في الفعل ( فإنْ جُهِلَ ) المتأخر ( عُمِلَ بالقولِ في الأصحِّ ) وقيل: بالفعل، وقيل: بالوقف، فإن قيل: لم صححتم هنا العمل بالقول وفيما سبق صححتم الوقف ؟ قلنا: لأنا متعبدون فيما يتعلق بنا بالعلم بحكمه لنعمل به فالوقف لن يعين لنا العمل، بخلاف ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا ضرورة إلى الترجيح فيه فنتوقف إذْ هي حينئذ مسألة عملية بحتة ، فإن لم يدل دليل على تأسينا به في الفعل فلا تعارض في حقنا لعدم ثبوت حكم الفعل في حقنا ( وإنْ عَمَّنا وعَمَّهُ ) القول كأن قال: يجب عليّ وعليكم صوم عاشوراء في كل سنة، وأفطر في سنة من السنين ( فحكمُهما ) أي الفعل والقول (كما مرَّ ) مِنْ أن المتأخر منهما إن علم ناسخ للمتقدم في حقه، وكذا في حقنا إن دلّ دليل على تأسينا به في الفعل، وإلا فلا تعارض في حقنا، وإن جهل المتأخر فالأصح في حقه الوقف، وفي حقنا تقديم القول ( إلا أنْ يكونَ ) القول ( العامُّ ظاهرًا فيهِ ) صلى الله عليه وسلّم لا نصا، كأن قال: يجب على كل مكلف صوم عاشوراء في كل سنة وأفطر في سنة من السنين ( فالفعلُ مُخَصِّصٌ ) للقول في حقه فيختص الفعل به صلى الله عليه وسلم تقدم عل القول أو تأخر عنه أو جهل ذلك، ولا نسخ لأن التخصيص أهون منه لما فيه من إعمال الدليلين بخلاف النسخ.




  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    956

    افتراضي

    الدرس التاسع والخمسون- السنة

    الأخبار



    أولا: اللفظ المركب إما مهمل وإما مستعمل.
    والمهمل: ما لا يكون له معنى. وهو موجود وذلك كالمركب الذي يصدق عليه لفظ الهذيان كالذي يصدر من السكران، ولكنه ليس موضوعا لمعنى وهذا معلوم من كونه مهملا.
    والمستعمل- أي المركب الذي له معنى- موضوع على القول المختار، فقولك: قامَ زيدٌ كلام موضوع كما أن لفظتي زيد وقام موضوعتان اتفاقا، وهذا ما يسمى بالوضع النوعي وهو: تعيين اللفظ لا بخصوصه للمعنى بل في ضمن قاعدة كلية.
    بأن يقال: إن العرب وضعت هيئة الجملة الفعلية لكل من يصدر منه فعل فتنطبق هذه القاعدة على قام زيد وجاء عمرو ونحوهما، كما أنها وضعت هيئة الجملة الاسمية لكل اسم أسند إليه خبر فتنطبق هذه القاعدة على زيدٌ قائمٌ وعمروٌ جالسٌ ونحوهما.
    وقيل: إن الوضع للمفردات دون المركبات وهو المسمى بالوضع الشخصي وهو: تعيين اللفظ بخصوصه للمعنى. كوضع قام وزيد وسماء وأرض وماء ونحوها لمعانيها.
    ثانيا: الكلام: لفظ تضمّن اسنادًا مفيدًا مقصودًا لذاته. فخرج ما لم يتضمن اسنادا مثل قولك عند العدّ: واحد اثنان ثلاثة، كما خرج ما تضمن اسنادا مفيدا لكنه غير مقصود لذاته كصلة الموصول نحو: جاءَ الذي قامَ أبوه، فجملة قام أبوه وإن تضمنت اسنادا لكنه غير مقصودا لذاته بل لغرض توضيح معنى الاسم الموصول.
    وأما الكلام النفسي فهو: معنى قائم في النفس يعبر عنه باللفظ.
    وقد اختلف الناس في الكلام فقيل: هو يستعمل حقيقة في لغة العرب في اللفظي والنفسي، وقيل: هو حقيقة في النفسي مجاز في اللفظي على اعتبار أن الكلام في الفؤاد وإنما جعل القول عليه دليلا، وقيل: هو حقيقة في اللفظي مجاز في النفسي فمتى أطلق الكلام انصرف للفظي ولا يستعمل في النفسي إلا مقيدا كأن يقال: في نفسي كلام. وهذا هو الصحيح.
    ثم لا يخفى أن بحث الأصولي إنما هو عن الكلام اللفظي الذي يستنبط منه الأحكام.
    ثالثا: هنالك طريقتان للعلماء في تعريف الخبر والإنشاء وما يتفرع عنهما وهما:
    1- الطريقة الثنائية وهي التي عليها علماء البلاغة وهي المشهورة وحاصلها أن الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء.
    فالإنشاء هو: كلام يحصل به مدلوله في الخارج، والخبر: كلام لا يحصل به مدلوله في الخارج. توضيحه:
    إذا قلت لزيد: قمْ فإنك لا تخبر عن شيء بل أنت تطلب منه القيام، وطلب القيام الذي هو مدلول كلامك حصل بقولك تلك الجملة ( قمْ ) ولهذا يكون هذا النوع من الكلام لا يحتمل الصدق والكذب لأنك لا تحكي عن واقع. وله أقسام عديدة كالاستفهام والأمر والنهي والترجي، وإذا قلت: قامَ زيدٌ، فمدلول كلامك هو قيام زيد وهو لم يحصل بلفظك بل أنت تحكي عن حالة واقعية ولذلك يحتمل كلامك الصدق إن طابق الواقع والكذب إن لم يطابقه.
    2- الطريقة الثلاثية وهي التي عليها الإمام الرازي ومن تبعه وحاصلها أن الكلام ينقسم إلى طلب وإنشاء وخبر.
    فالكلام إما أن يدل على الطلب كالاستفهام والأمر والنهي وإما أن لا يدل على الطلب وهو إما أن لا يحتمل الصدق والكذب كالترجي والقَسَم وهو الإنشاء، وإما أن يحتمل الصدق والكذب وهو الخبر.
    رابعا: الخبر لا يخرج عن أن يكون صادقا أو كاذبا فلا واسطة بينهما، أي لا يوجد خبر لا صادق ولا كاذب. هذا هو القول الراجح الذي عليه أكثر العلماء.
    وقيل: بوجود الواسطة بينهما فقيل: الصادق ما كان مطابقا للواقع ومطابقا لاعتقاد المتكلم، والكاذب: ما كان غير مطابق للواقع وغير مطابق لاعتقاد المتكلم. وعلى هذا فالأمر يتبع الاعتقاد فإذا طابق الخبر الواقع ولم يعتقد المخبر مطابقته يكون واسطة.

    ( شرح النص )


    الكلامُ في الأَخْبارِ

    المركبُ إمَّا مُهْمَلٌ وليسَ موضوعًا وهوَ موجودٌ في الأصحِّ، أَو مستعمَلٌ والمختارُ أنَّهُ موضوعٌ. والكلامُ اللسانيُّ: لفظٌ تضمَّنَ إسنادًا مفيدًا مقصودًا لذاتِهِ، والنفسانِيُّ معنىً في النفسِ يُعَبَّرُ عنهُ باللسانيِّ، والأصحُّ عندنا أنَّهُ مشترَكٌ، والأصوليُّ إنما يتكلمُ فيهِ، فإنْ أفادَ بالوضعِ طلبًا فطلبُ ذكرِ الماهيةِ استفهامٌ وتحصيلِها أو تحصيلِ الكفِّ عنها أمرٌ أو نهيٌ ولو مِن ملتَمِسٍ وسائِلٍ، وإلا فما لا يحتملُ صدقًا وكذبًا تنبيهٌ وإنشاءٌ، ومحتمِلُهما خبرٌ، وقدْ يقالُ الإنشاءُ: ما يحصلُ بهِ مدلولُهُ في الخارجِ، والخبرُ خِلافُهُ، ولا مَخْرجَ لهُ عن الصدقِ والكذبِ لأنَّهُ إمَّا مطابقٌ للخارجِ أَو لا فلا واسِطةَ في الأصحِّ.
    ......................... ......................... ......................... ........................
    ( الكلامُ في الأَخْبارِ ) بفتح الهمزة جمع خبر ( المركبُ ) من اللفظ ( إمَّا مُهْمَلٌ ) بأن لا يكون له معنى ( وليسَ موضوعًا ) اتفاقا ( وهوَ موجودٌ في الأصحِّ ) كمدلول لفظ الهذيان فإنه لفظ مركب مهمل كضرب من الهوس أو غيره مما لا يقصد به الدلالة على شيء، ونفاه الإمام الرازي قائلا: إن التركيب إنما يصار إليه للإفادة، فحيث انتفت انتفى. فمرجع خلافه إلى أن مثل ما ذكر من لفظ الهذيان لا يسمى مركبا ( أَو مستعمَلٌ ) بأن يكون له معنى ( والمختارُ أنَّهُ موضوعٌ ) أي بالوضع النوعي، وقيل: لا والموضوع هو مفردات الكلام فقط ( والكلامُ اللسانيُّ: لفظٌ تضمَّنَ إسنادًا مفيدًا مقصودًا لذاتِهِ ) فخرج باللفظ: الخط والرمز والعقد والإشارة والنصب، وخرج بتضمن إسنادا المفرد كزيد، وبالمفيد غير المفيد كالنار حارة وتكلم رجل ورجل يتكلم لعدم الفائدة الجديدة على قول ابن مالك، وبالمقصود غير المقصود كالصادر من نائم، والمقصود لذاته المقصود لغيره كصلة الموصول نحو جاء الذي قام أبوه، فإنها مفيدة بالضم إلى الاسم الموصول مع ما معه مقصودة لإيضاح معناه ( و ) الكلام (النفسانِيُّ معنىً في النفسِ ) أي قائم بها ( يُعَبَّرُ عنهُ باللسانيِّ ) أي ما صدقاته كلفظ جاء زيدٌ يعبر به عما قام في النفس من معنى الجملة ( والأصحُّ عندنا ) أي عند كثير من الأشاعرة ( أنَّهُ ) أي الكلام ( مشترَكٌ ) بين اللساني والنفساني، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة. قال الإمام الرازي وعليه المحققون منا. وقيل: إنه حقيقة في النفساني مجاز في اللساني، واختاره الأصل. وقيل: إنه حقيقة في اللفظي مجاز في النفسي وهو المختار ( والأصوليُّ إنما يتكلمُ فيهِ ) أي في اللساني لأن بحثه فيه لا في المعنى النفسي ( فإنْ أفادَ ) أي ما صدق اللساني ( بالوضعِ طلبًا فطلبُ ذكرِ الماهيةِ ) أي فاللفظ المفيد لطلب ذكرها ( استفهامٌ ) نحو: ما هذا ؟ ومَن ذا أزيد أم عمرو ؟ ( و ) طلب ( تحصيلِها أو تحصيلِ الكفِّ عنها ) أي اللفظ المفيد لذلك ( أمرٌ أو نهيٌ ) نحو: قمْ ولا تقمْ ( ولو ) كان طلب تحصيل ذلك ( مِن ملتَمِسٍ ) أي مساوٍ للمطلوب منه رتبة ( وسائِلٍ ) أي دون المطلوب منه رتبة نحو: اغفر لي فإن اللفظ المفيد لذلك منهما يسمى أمرا ونهيا، وقيل: لا بل يسمى من الأول التماسا، ومن الثاني سؤالا ودعاء، وإلى الخلاف أشار بقوله ولو مِن.. فإنه يؤتى بلو هنا للإشارة إلى خلاف ( وإلا ) أي وإن لم يفد بالوضع طلبا (فما لا يحتمِلُ ) منه ( صدقًا وكذبًا ) في مدلوله ( تنبيهٌ وإنشاءٌ ) أي يسمى بكل منهما سواء أفاد طلبا باللازم كالتمني والترجي نحو: ليت الشباب يعود، ولعلّ الله يعفو عني، أم لم يفد طلبا نحو: أنت طالق ( ومحتمِلُهما ) أي الصدق والكذب من حيث هو ( خبرٌ ) وقد يقطع بصدقه أو كذبه لأمور خارجة عنه كخبر الله ورسوله صلى الله وعليه وسلم ( وقدْ يقالُ ) وهو للبيانيين ( الإنشاءُ ما ) أي كلام ( يحصلُ بهِ مدلولُهُ في الخارجِ ) كأنت طالق، وقمْ ولا تقم، فإن مدلولها من إيقاع الطلاق وطلب القيام وعدمه يحصل بالكلام لا بغيره، فالإنشاء بهذا المعنى أعم منه بالمعنى الأول لشموله الطلب بأقسامه السابقة من الاستفهام والأمر والنهي بخلافه بالمعنى الأول فإنه قسيم للطلب وللخبر فلا يشمل الاستفهام والأمر والنهي ( والخبرُ خِلافُهُ ) أي ما يحصل بغيره مدلوله في الخارج بأن يكون له خارج صدق أو كذب نحو: قام زيد فإن مدلوله أي مضمونه من قيام زيد يحصل بغيره، وهو محتمل لأن يكون واقعا في الخارج فيكون هو صدقا وغير واقع فيكون هو كذبا ( ولا مَخْرجَ لهُ) أي للخبر من حيث مضمونه ( عن الصدقِ والكذبِ لأنَّهُ إمَّا مطابقٌ للخارجِ ) فالصدق ( أَو لا ) فالكذب ( فلا واسطةَ ) بينهما ( في الأصحِّ ) وقيل بوجود الواسطة. وفي القول بها أقوال: منها قول عمرو بن بحر الجاحظ: الخبر إن طابق الخارج مع اعتقاد المخبر المطابقة فصدق، أو لم يطابقه مع اعتقاد عدمها فكذب، وما سواهما واسطة بينهما وهو أربعة: أن ينتفي اعتقاده المطابقة في المطابق بأن يعتقد عدم المطابقة، أو لم يعتقد شيئا، وأن ينتفي اعتقاده عدمها في غير المطابق بأن يعتقد المطابقة أو لم يعتقد شيئا، فلو قال: زيدٌ قائمٌ، وكان قائما واعتقد المخبر ذلك فهذا صدق، وإن كان واقعا غير قائم واعتقد المخبر عدم قيامه فهذا كذب، وإن كان قائما بالفعل ولكن اعتقد المخبر عدم قيامه أو لم يعتقد شيئا كأن كان شاكا فواسطة، وكذا إن كان غير قائم بالفعل ولكن اعتقد المخبر قيامه أو لم يعتقد شيئا فواسطة أيضا، فظهر أن للكلام ست حالات اثنتان منها صدق أو كذب وأربعة منها واسطة على قول الجاحظ.




صفحة 3 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •