تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 21

الموضوع: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    22

    افتراضي تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع
    الحمد لله رب العالمين , الرحمن الرحيم , والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين , وعلى آله وصحبه أجمعين ......... أما بعد :
    فقد أكثر ابن تيمية الكلام عن مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع , في مواطن كثيرة من كتبه , وبحث هذه المسألة من وجوه كثيرة , فهو تارة يذكر أقوال الناس فيها , وتارة يناقش بعضها ويبين مواطن الغلط فيها , وتارة يصرح بإنكار ذلك التقسيم ويحكم عليه بالبدعة , وتارة يستعمله في حال التقرير والبيان .
    وهذا التنوع والإكثار تسبب في الاشتباه والاضطراب في تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع , وتحديد موقفه الصحيح من هذا الانقسام , ولهذا اختلف الناظرون في كلامه , فمنهم من ينسب إليه القول بإنكار ذلك التقسيم وأنه ممن يحكم عليه بالبدعة ومن ثم البطلان , ومنهم من خَلُص إلى أن لابن تيمية في هذه المسألة قولان , ومنهم من توصل إلى أن ابن تيمية غير منكر لأصل تقسيم الدين إلى أصول وفروع , وإنما ينكر الأقوال التي قيلت في ضابط كل قسم والأحكام التي رتبت عليه .
    ولما كان الأمر كان احتاج قوله في هذه المسألة إلى تحرير وبيان , وهذا التحرير إنما يكون بتتبع أقواله واستقرائها في كتبه أولاً , ثم اعتبار أصوله وقواعده التي اعتمد عليها في بناء أفكاره وأقواله وآرائه ثانياً , فهذان الأمران بهما يتحقق المنهج الصحيح في نسبة الأقوال إلى العلماء ممن لم ينص على قوله صراحة , وذلك أن نسبة قول ما إلى عالم من العلماء لا بد فيه من مجموع أمرين هما :
    الأمر الأول : جمع كلامـه في المسـألة التي يراد بحثها , وتقرير مدلولاتها ومفهوماتها .
    والأمر الثاني : اعتبار أصوله التي اعتمدها والقواعد التي قررها في كتبه .
    فبهذين الأمرين يستطيع القاصد لتحرير قولٍ معين لإمام ما أن يتوصل إلى قوله الحقيقي بإذن الله تعالى , وهذا ما أرجو أن يكون البحث التزمه .
    وكلام ابن تيمية في تقسيم الدين إلى أصول وفروع يحتاج إلى تحرير أمرين هما :
    الأمر الأول : تحرير موقفه من أصل الانقسام .
    الأمر الثاني : تحرير الضابط الصحيح لكل من أصول الدين وفروعه .
    ولأجل هذا فإن البحث سيتكون مفرع إلى فرعين كل فرع معقود لتحرير أمر من الأمرين السابقين .
    الفرع الأول
    تحرير رأي ابن تيمية في أصل تقسيم الدين إلى أصول وفروع
    الناظر في كلام ابن تيمية فيما يتعلق بتقسيم الدين إلى أصول وفروع من حيث قبوله له أو رده يجد أن كلامه منقسم إلى قسمين : الأول : كلام يدل على أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع تقسيم صحيح مقبول من حيث الأصل , والثاني : كلام يمكن أن يُفهم منه أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع منكر وبدعة ومردود , ولأجل هذا فإن الفرع الأول لا بد أن يقسم إلى مسألتين هما :
    المسألة الأولى
    كلام ابن تيمية الذي يدل على أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع صحيح مقبول
    عند التأمل في كلام ابن تيمية وفي أصوله ومواقفه من المصطلحات الحادثة يدرك المرء أنه غير منكر لأصل تقسيم الدين إلى أصول وفروع هكذا بإطلاق , وأنه لا يصح إطلاق القول بأن ابن تيمية ممن يحكم على ذلك التقسيم بالبطلان والبدعية , بل الذي يدل عليه كلامه أنه ممن يقول بانقسام الدين إلى ذلك التقسيم , وأنه من المعتبرين له , وأن جهة البطلان عنده في هذا التقسيم ليست راجعة إلى أصله , وإنما إلى تفاصيله المذكورة له إما من جهة الضابط أو من جهة الحكم المرتب عليه , وأن جميع إنكارات ابن تيمية لتقسيم الدين إلى أصول وفروع راجعة إلى هذين الأمرين أو أحدهما كما سيأتي تحريره .
    ومما ينبغي أن ينبه عليه هنا أن البحث إنما هو في بيان موقفه من حيث القبول والرد فقط , بحيث يحرر قول ابن تيمية في هذا التقسيم هل يقبله أم لا ؟, وأما كونه يرى أنه هو الأفضل أو أنه يدعو إلى إبقائه في العلوم الإسلامية أو غير ذلك , فهذا ليس غرضا للبحث هنا .
    والذي يدل من كلامه على كونه يرى صحة تقسيم الدين إلى أصول وفروع أمور كثيرة منها :
    الأمر الأول : استعماله لتقسيم الدين إلى أصول وفروع في مقام التقرير والتأصيل , ومن كلامه في ذلك :
    1- قوله :" فصل : في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميع الدين أصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله فإن هذا الأصل هو أصل أصول العلم والإيمان ..." الفتاوى (19/155) , فابن تيمية هنا استعمل مصطلح أصول الدين وفروعه في مقام تأصيل كمال الدين وكمال تبليغه , فلو كان مصطلحا منكراً أو مبدعاً من أصله لما استعمله هكذا بإطلاق من غير تنبيه على خطأه له كان خطأ .
    2- ومن ذلك قوله :" أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولا أو قولا وعملا , كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد , أو دلائل هذه المسائل .
    أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر , إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس , وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه , وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه والحكمة التي هي سنة رسول الله التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب " الفتاوى (3/295) , فابن تيمية هنا قسم أصول الدين إلى قسمين - مسائل ودلائل - وذكر أفراد كل نوع , وقرر أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ كل ذلك , وأن الصحابة لم يكن يخفى عليهم شيء من ذلك , فلو كان تقسيم الدين إلى أصول وفروع غير صحيح عنده فكيف استعمله وذكر أقسامه وبين منزلته وأحواله من غير تنبيه إلى كونه بدعة أو خطأ .
    3- ومن ذلك قوله :" والمقصود هنا التنبيه على أن القرآن اشتمل على أصول الدين التي تستحق هذا الاسم , وعلى البراهين والآيات والأدلة اليقينية بخلاف ما أحدثه المبتدعون والملحدون " الفتاوى (19/169) , فهو هنا بين أن ثمة أحكاما ودلائل في الشريعة تستحق أن تسمى أصول الدين , وأن الشرع قد بينها ووضحها , وهذا التقرير دليل على إقراره بهذا التقسيم واعتباره له .
    4- ومن ذلك قوله :" والقرآن مملوء من ذكر وصف الله بأنه أحد وواحد , ومن ذكر أن إلهكم واحد , ومن ذكر أنه لا اله إلا الله ونحو ذلك , فلابد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك فإن معرفته أصل الدين وهو أول ما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إليه الخلق وهو أول ما يقاتلهم عليه , وهو ما أمر رسله أن يأمروا الناس به " الفتاوى (17/353) ,
    5- ومن ذلك قوله :" فالدين ما شرعه الله ورسوله وقد بين أصوله وفروعه ومن المحال أن يكون الرسول قد بين فروع الدين دون أصوله " الفتاوى (4/56) .
    6- ومن ذلك قوله عن المتكلمين :" ولو اعتصموا بالكتاب والسنة لاتفقوا كما اتفق أهل السنة والحديث فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم" درء التعارض (10/306) .
    الأمر الثاني : تصريحه بأن اسم أصول الدين اسم عظيم وأنه غير منكر , وإنما المنكر المعنى الذي ذكره له المتكلمون , فقد قال في معرض نقاشه للمتكلمين :" كما أن طائفة من أهل الكلام يسمى ما وضعه أصول الدين , وهذا اسم عظيم , والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم , فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك , قال المبطل : قد أنكروا أصول الدين , وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين , وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين , وهي أسماء سموها هم وآباؤهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان , فالدين ما شرعه الله ورسوله , وقد بين أصوله وفروعه" الفتاوى (4/56) , وهذا الكلام منه يدل على أن الإشكال عنده في ما فسر به اسم أصول الدين , لا في الاسم نفسه فهو اسم شريف مقبول .
    الأمر الثالث : تعامله مع لفظ أصول الدين وفروعه على أنه لفظ مجمل , غدا محتملاً لمعاني متعددة منها ما هو صواب وهو ما اعتبره الشرع , ومنها ما هو خطأ وهو ما اعتبره أهل الكلام , ومن ذلك قوله بعد أن ذكر بعض العقائد الكلامية :" فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده .
    وأما الدين الذي قال الله فيه :" أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" , فذاك له أصول وفروع بحسبه .
    وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن الرسول" درء التعارض (1/41) .
    الأمر الرابع : تقريره للضابط الصحيح لكل من أصول الدين وفروعه , ومن ذلك قوله :" وأصل هذا ما قد ذكرته في غير هذا الموضع أن المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية وإن سميت تلك مسائل أصول وهذه مسائل فروع , فان هذه تسمية محدثة قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين , وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب لاسيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة .
    وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها . ....بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول والدقيق مسائل فروع" الفتاوى (6/56) . ووجه الدلالة من هذا النص هو أنه بين أن إطلاق أصول الدين على المسائل الخبرية فقط أو المسائل الاعتقادية فقط إطلاق خاطئ لم يكن معروفا عند المتقدمين , ثم بين أن أصول الدين أوسع مما ذكر أولئك المتكلمون , وهذا يدل على أن الإشكال عنده فيما حدد به ذلك التقسيم لا في أصل التقسيم .
    المسألة الثانية
    كلامه الذي فُهم منه أنه ينكر أصل التقسيم
    ثمة أقول لابن تيمية فَهِم منها بعض الناظرين في كلامه أنه ممن ينكر تقسيم الدين إلى أصول وفروع , وأن هذا التقسيم تقسيم مبتدع غير صحيح , وقد استندوا في نسبة هذا القول إلى ابن تيمية إلى عدة أقول له أهمها ثلاثة أقوال , هي :
    1- قوله :" ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع , بل جعل الدين قسمين أصولا وفروعا لم يكن معروفا في الصحابة والتابعين .... , ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة " الفتاوى (13/125) .
    2- ومن ذلك قوله :" فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان , سواء كان في المسائل النظرية أو العملية , هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام .
    وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها .
    فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع , فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان , ولا أئمة الإسلام , وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع , وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم , وهو تفريق متناقض , فانه يقال لمن فرق بين النوعين : ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها ؟ , وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع ؟ , فان قال : مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هي مسائل العمل , قيل له : فتنازع الناس في محمد هل رأى ربه أم لا, وفى أن عثمان أفضل من على أم على أفضل , وفى كثير من معاني القرآن وتصحيح بعض الأحاديث هي من المسائل الاعتقادية والعلمية ولا كفر فيها بالاتفاق......" الفتاوى (23/346) .
    3- ومن ذلك قوله :" وأصل هذا ما قد ذكرته في غير هذا الموضع أن المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية وإن سميت تلك مسائل أصول وهذه مسائل فروع , فان هذه تسمية محدثة قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين , وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب لاسيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة ... " الفتاوى (6/56) .
    ولكن هذه الأقوال لا يصح الاعتماد عليها في نسبة القول بإنكار تقسيم الدين إلى أصول وفروع إلى ابن تيمية , وذلك لعدة أمور , هي :
    الأمر الأول : أن نسبة إنكار تقسيم الدين إلى أصـول وفـروع إليه فيها مصادرة لـكلامه الـذي فيه الإقـرار بصـحة التقسيم , والذي هو في بعضه يقارب درجة الصراحة .
    الأمر الثاني : أن منهج ابن تيمية في التعامل مع المصطلحات الحادثة يأبى أن يكون موقفه هو الإنكار لانقسام الدين إلى أصول وفروع , وبيان ذلك : أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع يعتبر اصطلاحا من المصطلحات , وباستقراء تعامل ابن تيمية مع المصطلحات الحادثة يظهر أنه يفرق بين نوعين منها , هما :
    النوع الأول : المصطلحات الحادثة في الأبواب التوقيفية , التي لا تؤخذ إلا من النصوص , كأسماء الله تعالى وصفاته , فهذه لا تقبل من جهة لفظها , وأما معناها فإنه لا بد أن يستفهم عنه فإن ذكر معنى صحيح قبل وإلا فلا
    النوع الثاني : المصطلحات الحادثة في الأبواب الاجتهادية , ومن أشهر تلك الأبواب التقسيمات العلمية , كالتقسيمات التي يذكرها العلماء في كتب الفقه وأصوله وكتب العقائد وغيرها , فهذه التقسيمات ليست توقيفية بحيث يشترط فيها أن يأتي في النصوص ذكر لألفاظها , وإنما يشترط فيها توفر أمرين فقط , هما :
    1- أن تكون مستقيمة في المعنى .
    2- ألا تكون متضمنة لما هو مخالف للشريعة .
    فكل تقسيم علمي توفر فيه هذان الأمران فإنه تقسيم صحيح مقبول , لا يصح أن ينكر , وإلا فسننكر تقسيمات العلماء المذكورة في المصنفات العلمية .
    وعلى فهذا فإنه لا يصح إنكار تقسيم الدين إلى أصول وفروع في أصله ؛ لأنه داخل في التقسيمات العلمية التي بابها باب الاجتهاد .
    الأمر الثالث : أن النصوص التي اعتمد عليها من نسب إلى ابن تيمية إنكار تقسيم الدين إلى أصول وفروع لا تدل على ذلك , وهذا يظهر بالتأمل في سياقاتها وتراكيبها .
    وبيان ذلك : أن يقال : إن النص الأول ليس فيه إنكار لأصل التقسيم , وإنما فيه إنكار لبعض التعاملات الخاطئة معه , فابن تيمية ذكر هذا النص في سياق تأصيله لمسألة التصويب والتخطئة , وهل الإنسان يأثم في خطأه بعد اجتهاده أم لا ؟ , وقرر أن من استفرغ وسعه في الاجتهاد فإنه لا يأثم ولا فرق في ذلك بين مسائل أصول الدين وفروعه , ولا بين المسائل الخبرية والعلمية , وقرر أن هذا هو مذهب المتقدمين من الصحابة ومن بعدهم , ونبه على أنهم لم يكونوا يفرقون في مسائل التصويب بين ما كان يفعله المتكلمون في التفريق بين أصول الدين وفروعه أو بين مسائل خبرية ومسائل عملية , وهذا ما يدل عليه سياق كلامه , وفي هذا يقول بعد ذكر لحكم المخطئ في اجتهاده وأنه لا يأثم :" وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال في الأصول والفروع , ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع , بل جعل الدين قسمين أصولا وفروعا لم يكن معروفا في الصحابة والتابعين , ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين إن المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم لا في الأصول ولا في الفروع , ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة وأدخله في أصول الفقه من نقل ذلك عنهم وحكوا عن عبيد الله بن الحسن العنبرى أنه قال كل مجتهد مصيب ومراده انه لا يأثم" الفتاوى (13/125) , فهذا النص ليس فيه إنكار لأصل التقسيم وإنما فيه أن ابتداء التقسيم كان من المعتزلة , وهذا ليس مناطا لإبطال التقسيمات العلمية , وغاية ما يريد أن يقول إن الصحابة ومن بعدهم لم يكونوا يتعاملون مع مسائل التصويب والتخطئة بناءا على تقسيم الدين إلى أصول وفروع فقط .
    وأما بالنسبة للنص الثاني فسياق كلامه لم يكن في بيان حكم تقسيم الدين إلى أصول وفروع , وإنما في بيان حكم المخطئ في الاجتهاد ومتى يحكم بكفره ومتى يحكم بإثمه , وقرر أن المجتهد لا يحكم بكفره ولا بإثمه ما دام قد بذل جهده في الاجتهاد ولا فرق في ذلك بين ما يسمى أصول دين أو فروعه أو ما يسمى مسائل خبرية أو مسائل عملية , ثم نبه على أن السلف لم يكونوا يتعاملون في مسائل التصويب بناءا على تقسيم الدين إلى أصول وفروع كما كان يفعل المتكلمون , نبه على أن هذا التعامل الذي يفعله المتكلمون لم يكن معروفا عند الصحابة ومن بعدهم ولهذا لم يريبوا عليه الأحكام التي رتبها عليه المتكلمون , وهذا هو الذي يدل عليه سياق كلامه لمن تأمله .
    ومما ينبغي أن ينبه عليه هنا هو أن ابن تيمية لا يعتمد في إبطال تقسيم الدين إلى أصول وفروع على أنه لم يكن معروفا عند الصحابة ؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لأنكر كل التقسيمات التي يذكرها الفقهاء وغيرهم في كتبهم لأنها كلها لم تكن موجودة عند الصحابة , فهو إذن إنما ينكر الأحكام التي رتبها المتكلون على تقسيم الدين إلى أصول وفروع , وهذا أمر صحيح .
    وأما بالنسبة للنص الثالث فهو مثل النصوص السابقة ليس فيه إلا إنكار الأحكام التي رتبها المتكلمون على تقسيم الدين إلى أصول وفروع , وأن هذه الأحكام لم تكن معروفة عند الصحابة ومن بعدهم , فكل من رتب حكما في التصويب والتخطئة بناءا على ما ذكره المتكلمون في تقسيم الدين إلى أصول وفروع فقد أتى بشيء لم يكن الصحابة تعرفه , ولكن هذا الكلام ليس فيه إنكار لأصل التقسيم , ولا يصح أن يؤخذ منه أن ابن تيمية ممن ينكر تقسيم الدين إلى أصول وفروع .
    وخلاصة ما سبق : أن ابن تيمية لا ينكر تقسيم الدين إلى أصول وفروع , وإنما ينكر فيه أمرين هما :
    1- الظوابط التي ذكرت له .
    2- الأحكام التي رتبت على هذا التقسيم .
    يتبع : الفرع الثاني : ضابط أصول الدين وفروعه عند ابن تيمية .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    487

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    شكرا لك ... بارك الله فيك ...

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    45

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    ننتظرك أيها الشيخ الفاضل

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    الدولة
    مصر - محافظة الشرقية - مدينة الإبراهيمية
    المشاركات
    1,610

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    جزاك الله خيرًا؛ وإنا منتظرون

  5. #5
    سليمان الخراشي غير متواجد حالياً عضو مؤسس
    تاريخ التسجيل
    Sep 2006
    المشاركات
    1,304

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    بارك الله فيك ..

    وتُنظر رسالة د سعد الشثري - وفقه الله - " الأصول و الفروع : حقيقتهما ، الفرق بينهما ، و الأحكام المتعلقة بهما : دراسة نظرية تطبيقية " . فقد أوضح حقيقة قول شيخ الإسلام - رحمه الله - .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    752

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    هــذا تفصيل مطول ورائع حول هـــذه المسألة ومــا يتعلق بهــا من أحكام شرعية.
    يقول صاحب كتاب البــلاغ المبين : ( ... أخطأ خلق كثير من الناس في عصرنا هذا فهم كلام شيخ الإسلام في ترك التفرقة في مسائل الخطأ بين المسائل الخبرية والمسائل العملية ونحن هنا نضع جميع النقاط على جميع الحروف بخصوص هذه المسألة حتى يزول الإشكال بالاستفصال، ومصدر الخطأ ثلاث مواضع.
    الموضع الأول: مسألة أصول الدين أو أصل الدين.
    الموضع الثاني: مسألة القطع والتواتر والمعلوم من الدين بالضرورة.
    الموضع الثالث: مسألة الفرق بين الخطأ في الخبريات والخطأ في العمليات إثباته مطلقًا أو نفيه مطلقًا أو القول بالتفصيل.
    المسألة الأولى: أصول الدين أو أصل الدين
    فيقول البعض افتراء على الشيخ أن شيخ الإسلام يقول لا يوجد في الإسلام أصل وفروع ويزيدون هم بأن من قال بوجود الأصل والفروع فهو مبتدع، والحقيقة: أن منكر ذلك هو المبتدع وأن الشيخ لم ينكر ذلك بل قرره مرارًا وتكرارًا وقال إن أصل الدين هو أن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئًا وأن أصل الدين هو توحيد العبادة المتضمن والمستلزم لتوحيد الاعتقاد وأن هذا هو دين الأنبياء وهو الإسلام العام وهو الدين الواحد الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد، فالدين الواحد هو التوحيد والشرائع المتنوعة هى بمثابة الأمهات المختلفة، فالدين الواحد بين الأنبياء هو التوحيد وأما الشرائع فمتنوعة مختلفة من التوراة إلى الإنجيل إلى القرآن يحل الله ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يخافه ويطيعه ممن يعصيه والدين الذي لا يقبل الله غيره هو التوحيد وإخلاص العبادة لله عزوجل وكما قرر شيخ الإسلام فإن مسائل الأصول الكبار هى مسائل التوحيد والنبوات والقدر والمعاد والصفات، أما الأصول التي أنكر أن تكون أصولاً فهى ما ألزم به المعتزلة وغيرهم من المتكلمين الناس بتعليمه وجعله من الدين الذي لا يصح الإيمان بدونه وهو من العقليات التي لم يوجبها الله ورسوله ولا تعلمها أصحابه ولا ألزموا بها الناس.
    الأمر الثاني: تكفيرهم مخالفيهم بخطئهم في العقليات دون الشرعيات والمفروض أن يكون التكفير بما نصت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنه كفر... وهذه بعض النقول في ذلك مع أن هذا الموضوع قد سبق بيانه.
    يقول شيخ الإسلام في ذلك : ( وقوله تعالى :" أمـر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين " أمر مع القسط بالتوحيد الذي هو : عبادة الله وحده لا شريك له وهذا أصل الدين وضده الذنب الذي لا يغفر. قال تعالى: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " وهو الدين الذي أمر الله به جميع الرسل وأرسلهم به إلى جميع الامم قال تعالى : " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " ، وقال تعالى :" ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " ، وقال تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، وقال تعالى :" يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون " ولهذا ترجم البخاري في صحيحه " باب ما جاء في أن دين الأنبياء واحد"، وذكر الحديث الصحيح في ذلك وهو الإسلام العام الذي اتفق عليه جميع النبيين قال نوحٌ عليه السلام : " وأمـرت أن أكـون مـن المسلمين " ، وفي قصة إبراهيم :" إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ، وقال موسى: " يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين " وقال تعالى : " قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون " ، وفي قصة بلقيس: " رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين " ، وقال تعالى :" إنا أنزلنا التوارة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا " ، وهذا التوحيد الذي هو أصل الدين هو أعظم العدل وضده وهو الشرك أعظم الظلم كما أخرج الشيخان في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال لما أنزلت هذه الآية : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه فقال: ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح :" إن الشرك لظلم عظيم " ) إهـ الفتاوى الكبرى، ج1، مسألة 234، ص 348.
    ويقول شيخ الإسلام : ( وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والثواب والمعاد وغير ذلك وجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط. إلى أن يقول: الرسل لا يخبرون بمحالات العقول بل بمحارات العقول فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته) إهـ ( ) درء تعارض العقل والنقل، ج1، ص 83، بهامش منهاج السنة (بتصرف)..
    ويقول: ( فأجبت الحمد لله ربِّ العالمين. أما المسألة الأولي فقول السائل: هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين وإن لم ينقل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا؟ سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة، فإن المسائل التي هى من أصول الدين التي تستحق أن تسمي أصول الدين، أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه لا يجوز أن يقال لم ينقل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فيها كلام، بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين، ثم إنها مما يحتاج إليه الدين ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين: إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها الدين فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة. وكلا هذين باطل قطعًا وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين، وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعًا، فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما يشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه، وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات، وإنما هى جهليات. وجهله بالأمرين يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو واقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلاً عن عامتهم، وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها ويجب أن تذكر قولاً أو تعمل عملاً كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد، أو دلائل هذه المسائل.
    أما القسم الأول: فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بيَّنه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه وكتاب الله الذي نقله الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه والحكمة التي هى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب والحمد لله الذي بعث فينا رسولاً من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة. إلى أن يقول: وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصًا في عقله وسمعه ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا:" وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير " ، وإن كان ذلك كثيرًا في كثير من المتفلسفة والمتكلمة وجهَّال أهل الحديث والمتفقهة والصوفية.
    وأما القسم الثاني: وهو دلائل هذه المسائل الأصولية فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين أو المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما ينبني عليه صدق المخبر معقولات محضة فقد غلطوا في ذلك غلطًا عظيمًا، بل ضلوا ضلالاً مبينًا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هى بطريق الخبر المجرد بل الأمر ما عليه سلف الأمة أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه بيَّن من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدِّر أحد من هؤلاء قدره ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه) أهـ. الفتاوى الكبرى، ج1 ، ص 12.
    ويقول( ): ( وهذا باب واسع عظيم جدًا ليس هذا موضعه، وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل ما يستحق أن يكون أصول الدين، وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين وإن أدخلت فيه مثل هذه المسائل والدلائل الفاسدة مثل نفي الصفات والقدر ونحو ذلك من المسائل ومثل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هى صفات الأجسام القائمة بها، إما الأكوان وإما غيرها وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل
    إلى أن يقول : والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفي صفات الربِّ مطلقًا أو نفي بعضها لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها والدليل يجب طرده فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به وهو أيضًا في غاية الفساد والضلال ولهذا التزموا القول بخلق القرآن وإنكار رؤية الله في الآخرة وعلوه على عرشه إلى أمثال ذلك من اللوازم التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم، فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده وأما الدين الذي قال الله فيه: " أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله " ، فذاك له أصول وفروع بحسبه، وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات، تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين، فهو موروث عن الرسول. وأما من شرع دينًا لم يأذن به الله، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ) أهـ. درء تعارض العقل والنقل، بهامش منهاج السنة، ج1، ص 19
    المسألة الثانية: القطع والتواتر والمعلوم من الدين بالضرورة
    أما المعلوم من الدين بالضرورة فهناك معلوم من الدين بالضرورة يعلمه العامة والخاصة ويكفر جاحده، وهناك معلوم من الدين بالضرورة يعلمه العلماء ويجب الرجوع إليهم فيه قبل مخالفته.
    يقول شيخ الإسلام :( وإذا قدر أنه لم يتعارض قطعي وظني لم ينازع عاقل في تقديم القطعي، لكن كون السمعي لا يكون قطعيًا دونه خرط القتاد، وأيضًا فإن الناس متفقون على أن كثيرًا مما جاء به الرسول معلوم بالاضطرار من دينه كإيجاب العبادات وتحريم الفواحش والظلم وتوحيد الصانع وإثبات المعاد وغير ذلك، وحينئذ فلو قال قائل إذا قام الدليل العقلي القطعي على مناقضة هذا فلابد من تقديم أحدهما، فلو قدم هذا السمعي قدح في أصله وإن قدم العقلي لزم تكذيب الرسول فيما علم بالاضطرار أنه جاء به. وهذا هو الكفر الصريح فلابد لهم من جواب عن هذا، والجواب عنه أنه يمتنع أن يقوم عقلي قطعي يناقض هذا، فتبين أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي ) . أهـ. درء تعارض العقل والنقل، ج1 ، ص 42.
    ويقول :( والوجه الثاني: أن يقال كل من له أدني معرفة بما جاء به النبيّ صلى الله عليه وسلم يعلم بالاضطرار أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بهذه الطريقة طريقة الأعراض، ولا نفي الصفات أصلاً لا نصًا ولا ظاهرًا، ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا ولا ذكر أن الخالق ليس فوق العالم ولا مباينًا له أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا ذكر ما يفهم منه ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا، بل ولا نفي الجسم الاصطلاحي ولا ما يرادفه من الألفاظ، ولا ذكر أن الحوادث يمتنع دوامها في الماضي والمستقبل أو في الماضي لا نصًا ولا ظاهرًا، ولا أن الربَّ صار الفعل ممكنًا له بعد أن لم يكن ممكنًا ولا أنه صار الكلام ممكنًا بعد أن لم يكن ممكنًا ولا أن كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه ونحو ذلك أمور مخلوقة بائنة عنه وأمثال ذلك مما يقوله هؤلاء لا نصًا ولا ظاهرًا، بل علم الناس خاصتهم وعامتهم بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يذكر ذلك أظهر من علمهم بأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة وأن القرآن لم يعارضه أحد، وأنه لم يفرض صلاة إلا الصلوات الخمس وأنه لم يكن يؤخر صلاة النهار إلى الليل وصلاة الليل إلى النهار، وأنه لم يكن يؤذن له في العيدين والكسوف والاستسقاء، وأنه لم يرض بدين الكفار ولا المشركين ولا أهل الكتاب قط، وأنه لم يسقط الصلوات الخمس عن أحد من العقلاء، وأنه لم يقاتله أحد من المؤمنين به لا أهل الصفة ولا غيرهم، وأنه لم يكن يؤذن بمكة ولا كان بمكة أهل صفة ولا كان بالمدينة أهل صفة قبل أن يهاجر إلى المدينة، وأنه لم يجمع أصحابه قط على سماع كف ولا دف، وأنه لم يكن يقصر شعر كل من أسلم أو تاب من ذنب، وأنه لم يكن يقتل كل من سرق أو قذف أو شرب، وأنه لم يكن يصلي الخمس إذا كان صحيحًا إلا بالمسلمين لم يكن يصلي الفرض وحده ولا في الغيب، وأنه لم يحجب في الهواء قط، وأنه لم يقل رأيت ربِّي في اليقظة لا ليلة المعراج ولا غيرها، ولم يقل إنَّ الله ينزل عشية عرفة إلى الأرض وإنما قال ينزل إلى السماء الدنيا. إلى أن يقول: وأمثال ذلك مما يعلم العلماء بأحواله علمًا ضروريًا أنه لم يكن ومن روى ذلك عنه وأخذ يستدل على ثبوت ذلك علموا بطلان قوله بالاضطرار كما يعلمون بطلان قول السفسفطائية، وأنهم لم يشتغلوا بحل شبههم وحينئذ فمن استدل بهذه الطريقة أو أخبر الأمة بمثل قول نفاة الصفات كان كذبه معلومًا بالاضطرار أبلغ مما يعلم كذب من ادعي هذه الأمور المنتفية عنه وأضعافها وهذا مما يعلمه من له أدني خبرة بأحوال الرسل فضلاً عن المتوسطين فضلاً عن الوارثين له العالمين بأقواله وأفعاله) . إهـ. درء تعارض العقل والنقل، ص 56
    ويقول في نفس الكتاب : ( الوجه الثالث عشر: أن يقال الأمور السمعية التي يقال أن العقل عارضها كإثبات الصفات والمعاد ونحو ذلك هى مما علم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها، وما كان معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام امتنع أن يكون باطلاً مع كون الرسول صلى الله عليه وسلم رسول الله حقًا فمن قدح في ذلك وادعى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجئ به كان قوله معلوم الفساد بالضرورة من دين المسلمين.
    الوجه الرابع عشر: أن يقال أن أهل العناية بِعلم الرسول صلى الله عليه وسلم العالمين بالقرآن وتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لهم بإحسان والعالمين بأخبار الرسول والصحابة والتابعين لهم بإحسان عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ومراده ما لا يمكنهم دفعه عن قلوبهم ولذلك كانوا كلهم متفقين على ذلك من غير تواطؤ ولا تشاعر كما اتفق أهل الإسلام على نقل حروف القرآن ونقل الصلوات الخمس والقبلة وصيام شهر رمضان وإذا كانوا قد نقلوا مقاصده ومراده عنه بالتواتر كان ذلك كنقلهم حروفه وألفاظه بالتواتر، ومعلوم أن النقل المتواتر يفيد العلم اليقيني سواء كان التواتر لفظيًا أو معنويًا كتواتر شجاعة خالد وشعر حسان وتحديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وفقه الأئمة الأربعة وعدل العمرين ومغازى النبيّ صلى الله عليه وسلم مع المشركين وأهل الكتاب وعدل كسري وطب جالينوس ونحو سيبويه، يبين هذا أن أهل العلم والإيمان يعلمون من مراد الله ورسوله بكلامه أعظم مما يعلمه الأطباء من كلام جالينوس ونحو سيبويه، فإذا كان من ادعي من كلام سيبويه وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل العلم بالطب والنحو والحساب من كلامهم كان قوله معلوم البطلان، فمن ادعي في كلام الله ورسوله خلاف ما عليه أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلانًا وفسادًا، لأن هذا معصوم محفوظ.
    وجماع هذا أن يعلم أن المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيئان: ألفاظه وأفعاله ومعاني ألفاظه ومقاصده بأفعاله وكلاهما منه ما هو متواتر عند العامة والخاصة، ومنه ما هو متواتر عند الخاصة، ومنه ما يختص بعلمه بعض الناس وإن كان عند غيره مجهولاً أو مظنونًا أو مكذوبًا به، وأهل العلم بأقواله كأهل العلم بالحديث والتفسير المنقول والمغازي والفقه يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم ممن لم يشركهم في علمهم، وكذلك أهل العلم بمعاني القرآن والحديث والفقه في ذلك يتواتر عندهم من ذلك ما لا يتواتر عند غيرهم من معاني الأقوال والأفعال المأخوذة عن الرسول كما يتواتر عند النحاة من أقوال الخليل وسيبويه والكسائي والفراء وغيرهم ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند كل من أصحاب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد وداود وأبي ثور وغيرهم من مذاهب هؤلاء الأئمة ما لا يعلمه غيرهم، ويتواتر عند أتباع رؤوس أهل الكلام والفلسفة من أقوالهم ما لا يعلمه غيرهم ويتواتر عند أهل العلم بنقد الحديث من أقوال شعبة ويحيى بن سعيد وعلى بن المديني ويحيى ابن معين وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وأبي حاتم والبخاري وأمثالهم في الجرح والتعديل ما لا يعلمه غيرهم بحيث يعلمون بالاضطرار اتفاقهم على تعديل مالك والثوري وشعبة وحماد بن زيد والليث بن سعد وغير هؤلاء، وعلي تكذيب محمد بن سعيد المصلوب ووهب بن وهب القاضي وأحمد بن عبد الله الجوباري وأمثالهم». أهـ. درء تعارض العقل والنقل، ج1، ص 112
    من هنا يتضح:
    بطلان القول بأنه لا يوجد معلوم من الدين بالضرورة، وأنه أمر نسبي بل هناك ما يتواتر ويكون معلومًا من الدين بالضرورة أو بالاضطرار عند العامة، وما يتواتر ويكون معلومًا من الدين بالضرورة عند الخاصة، فإذا أخذ من جهتهم صار معلومًا لغيرهم بعلمهم، وإذا لم يؤخذ عن جهتهم سقط عذر المعرض عن ذلك إذا أخطأ فيه.
    المسألة الثالثة: الفرق بين الأصول والفروع
    ويوجد في الأصول والفروع ما هو معلوم من الدين بالضرورة عند العامة وعند الخاصة والذي يجب أن يعلمه العامة أو من هو منهم من جهة الخاصة ليعلمه علمًا ضروريًا بعلمهم له علمًا ضروريًا، ولكن الأصول تتميز عن الفروع هنا بفارق مهم جدًا وهو أن العقائد لا يجوز أن يتجدد منها للخلف ما لم يكن واجبًا على السلف بخلاف الفروع فقد تتجدد الحوادث ويقع للمتأخر فيها ما لم يقع للمتقدم، فالأصول لا تدخلها الاجتهاديات، أما الفروع فتدخلها الاجتهاديات، ولذلك نجد إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل الذي يقول: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ينقل عن الصحابة عدة أقوال قد تكون مختلفة أحيانًا اختلافًا بينًا ويقررها أقوالاً في مذهبه وذلك في الفروع ولا نجد له عن الصحابة في الأصول إلا قولاً واحدًا، لأن الصحابة كانت لهم أقوال مختلفة في الفروع وكان قولهم واحدًا في الأصول، ولذلك عابوا على المتكلمين إعراضهم عن المنقول إلى معقولاتهم التي عارضوا بها المنقول عن الصحابة وأولوا لها القرآن.
    فقالـوا:
    ما باله حتى السواك أبانه وقواعد الإسلام لم تتقرر
    ولذلك فكل ما لم يبين من العقائد في عصر النبوة فلا حاجة إلى اعتقاده ولا الخوض فيه لأن الأمة قد أجمعت على أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة سواء كان إلى معرفته سبيل أم لا، وسواء كان حقًا أم لا وخصوصًا إذا أدى الخوض فيه إلى التفرق المنهي عنه " وخضتم كالذي خاضوا " فيكون في إيجابه إيجاب ما لم ينص على إيجابه ويؤدي إلى المنصوص على تحريمه وهو الافتراق، وما تبين من العقائد في عصر النبوة نقله الصحابة ونقله أهل السنة والأثر، ولذلك نجـد قولهم واحدًا فيه لا اختلاف بينهم لا من حيث الجملة ولا التفاصيل وتجد الاختلاف الكثير عند من أعرض عن المنقول إلى المعقول يقول صاحب كتاب " إيثار الحق على الخلق":
    ( ومما يصلح للاستدلال به في هذا المقام قوله تعالى: " وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها " فلولا أن كتابها هو موضع الحجة عليها في أمور الدين ومهماته ما اختص بالدعاء إليه ونحوها قوله تعالى:" الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان " فجعل الكتاب في بيان الدين وحفظه وتمييز الحق من الباطل كالميزان في بيان الحقوق الدنيوية وحفظها، بل جعل الحق مختصًا به بالنص والميزان معطوفًا عليه بالمفهوم أي والميزان بالحق. وقال بعد الأمر بوفاء الكيل والوزن: " لا نكلف نفساً إلا وسعها " لأنه يحتاج إلى المعاملة بالكيل والوزن وإن وقع التظالم الخفي في مقادير مثاقيل الذر أو أقل منه، ولم يقل ذلك بعد الأمر بلزوم كتابه واتباع رسله، لأنه لا حاجة ولا ضرورة إلى البدعة في الاعتقاد. وأما الفروع العملية فلما وقعت الضرورة إلى الخوض فيها بالظنون لم يكن فيها حرج بالنص والإجماع فتأمل ذلك فإنه مفيد». أهـ. إيثار الحق علي الخلق، ص 111.
    وإذا كان الرجوع إلى عمل الصحابة مطلوب في الفروع العملية وإن دخلتها الاجتهاديات واختلفت فيها أقوالهم وأعمالهم وفتاواهم فإنه مطلوب في العقائد قطعًا، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية " ما أنا عليه وأصحابي" وقال عنها أنها الجماعة، فالجماعة هى ما كان عليه وأصحابه صلى الله عليه وسلم وهى النجاة، فمن أعرض عن ذلك كان مذمومًا هالكًا وليس مجتهدًا مثابًا ولا متأولاً مغفورًا له خطؤه، وإذا كان التأكيد أكثر في هذا الشأن على الأصول الاعتقادية، بل هى الأصل وغيرها تبع لها، فليس ذلك راجعًا إلى أن هذه عقلية لا يعذر فيها، وهذه شرعية يعذر فيها كما يقول المتكلمون، ولكن لأن هذه لامجال فيها للاجتهادات فلاحاجة ولا ضرورة لاعتقاد البدعة وهذه تتجدد فيها الحوادث فيقع للمتأخر فيها ما لم يقع للمتقدم وهذه قد قضت الضرورة إلى الخوض فيها بالظنون فرفع فيها الحرج بخلاف الأولى التي لا توجد حاجة فيها إلى اعتقاد ما لم يبين في عصر النبوة ولا الخوض فيه. ولذلك قال عبد الله بن مسعود عن العقائد اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. وليس هذا هو الشأن في الاجتهاديات ولذلك قال مالك: ـ وهو إمام أهل الأثر ـ للرجل الذي جاء يجادله أرأيت إن غلبتني، قال: تتبعني، قال: فإن غلبتك، قال: أتبعك، قال: فإن جاء آخر فغلبنا قال: نتبعه، قال مالك: أرى الدين واحدًا وأراك أكثرت التنقل. وقال: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا لجدله ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ؟!
    ونكتة الموضوع أن العقائد ما نص عليه الشارع فقد نص عليه، وما سكت عنه سكت عنه مع وجود المقتضى للتشريع، أما الاجتهاديات فقد يسكت الشارع مع عدم وجود المقتضى للتشريع وقت التشريع ثم يوجد بعد انقضاء وقت التشريع مثل جمع المصحف فلا يكون الفعل بدعة بل مصلحة مرسلة وخصوصًا أنه معقول المعنى اجتهادي تضافرت قواعد الشرع على إثباته، أما الأصول فلا يتجدد لها مقتضيات للتشريع بعد انقضاء الرسالة فمازاد أو نقص عن ذلك بعد إكمال الدين صار بدعة، ولذلك نجد مالكًا يتوسع في المصالح المرسلة ولا يخرج عن المنقول في العقائد قيد أنملة.
    والمصادر المعصومة ثلاثة: الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو ما نقل عن الصحابة فمن خرج عن ذلك لم يكن معذورًا في خطئه ولا مثابًا في اجتهاده، ولذلك يقول أحمد: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن خرج عن ذلك خرج من السنة إلى البدعة ومن المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، والهالك ليس مثابًا على اجتهاده ولا معذورًا في خطئه. ولننظر إلى الفروع العملية، كيف اختلفت فيها أقوال أهل السنة والأثر في دائرة المشروع، وكيف اتفقت مذاهبهم في الأصول، بل للحق والدقة أنه ليس لهم مذاهب في الأصول بل هو مذهب واحد إجمالاً وتفصيلاً وهذه أمثلة ولنبدأ أولا بالفروع العملية:
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ يقول بعد كلام: ( ومثل طوائف الفقه من الحنفية والمالكية والسفيانية والأوزاعية والشافعية والحنبلية والداوودية وغيرهم مع تعظيم الأقوال المشهورة عن أهل السنة والجماعة لايوجد لطائفة منهم قول انفردوا به عن سائر الأمة وهو صواب بل ما مع كل طائفة منهم من الصواب يوجد عند غيرها من الطوائف وقد ينفردون بخطأ لايوجد عند غيرهم، لكن قد تنفرد طائفة بالصواب عمن يناظرها من الطوائف كأهل المذاهب الأربعة قد يوجد لكل منهم أقوال انفرد بها، وكان الصواب الموافق للسنة معه دون الثلاثة لكن يكون قوله قد قاله غيره من الصحابة والتابعين وسائر علماء الأمة بخلاف ما انفردوا به ولم ينقل عن غيرهم فهذا لايكون إلا خطأ، وكذلك أهل الظاهر كل قول انفردوا به عن سائر الأمة فهو خطأ، وأما ما انفردوا به عن الأربعة وهو صواب فقد قاله غيرهم من السلف. وأما الصواب الذي ينفرد به كل طائفة من الثلاثة فهو كثير لكن الغالب أن يوافقه عليه بعض أتباع الثلاثة وذلك كقول أبي حنيفة بأن المحرم يجوز له أن يلبس الخف المقطوع وما أشبهه كالجمجم والمداس وهو وجه في مذهب الشافعي وغيره، وكقوله بأن طهارة المسح يشترط لها دوام الطهارة دون ابتدائها، وقوله أن النجاسة تزول بكل ما يزيلها وهذا أحد الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد ومذهب مالك، وكذلك قوله بأنها تطهر بالاستحالة، ومثل قول مالك بأن الخمس مصارفه مصرف الفئ وهو قول في مذهب أحمد فإنه عنه روايتان في خمس الركاز هل يصرف مصرف الفئ أو مصرف الزكاة، وإذا صرف مصرف الفيء فإنما هو تابع لخمس الغنيمة، ومثل قوله بجواز أخذ الجزية من كل كافر جازت معاهدته لا فرق بين العرب والعجم ولا بين أهل الكتاب وغيرهم فلا يعتبر قط أمر النسب بل الدين في الذمة والاسترقاق وحل الذبائح والمناكح وهذا أصح الأقوال في هذا الباب، وهو أحد القولين في مذهب أحمد فإنه لا يخالفه إلا في أخذ الجزية من مشركي العرب ولم يبق من مشركي العرب أحد بعد نزول آية الجزية، بل كان جميع مشركي العرب قد أسلموا. ومثل قول مالك أن أهل مكة يقصرون الصلاة بمني وعرفة وهو قول في مذهب أحمد وغيره، ومثل مذهبه في الحكم بالدلائل والشواهد وفي إقامة الحدود ورعاية مقاصد الشريعة وهذا من محاسن مذهبه ومذهب أحمد قريب من مذهبه في أكثر ذلك. ومثل قول الشافعي أن الصبي إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ لم يُعد الصلاة وكثير من الناس يعيب هذا على الشافعي وغلطوا في ذلك، بل الصواب قوله وهو وجه في مذهب أحمد وقوله تفعل ذوات الأسباب في وقت النهي وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وكذلك قوله بطهارة المني كقول أحمد في أظهر الروايتين، ومثل قول أحمد في نكاح البغي لا يجوز حتى تتوب، وقوله أن الصيد إذا جرح ثم غاب أنه يؤكل ما لم يوجد فيه أثر آخر وهو قول في مذهب الشافعي، وقوله بأن صوم النذر يصام عن الميت بل وكل المنذورات تفعل عن الميت، ورمضان يطعم عنه وبعض الناس يضعف هذا القول وهو قول الصحابة ابن عباس وغيره ولم يفهموا غوره، وقوله أن المحرم إذا لم يجد النعلين والإزار لبس الخفين والسراويل بلا قطع ولا فتق فإن هذا كان آخر الأمرين من النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وقوله بأن مرور المرأة والكلب الأسود والحمار يقطع الصلاة، وقوله بأن الجدة ترث وابنها حي، وقوله بصحة المساقاة والمزارعة وما أشبه ذلك وإن كان البذر من العامل على إحدى الروايتين عنه وكذلك طائفة من أصحاب الشافعي، وقوله في إحدى الروايتين أن طلاق السكران لا يقع وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة والشافعي، وقوله أن الوقف إذا تعطل نفعه بيع واشترى به ما يقوم مقامه وفي مذهب أبي حنيفة ما هو أقرب إلى مذهب أحمد من غيره وكذلك في مذهب مالك، وكذلك قوله في إبدال الوقف كإبدال المسجد بغيره ويجعل الأول غير مسجد كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي مذهب أبي حنيفة ومالك يجوز الإبدال للحاجة في مواضع، وقوله بقبول شهادة العبد، وقوله بأن صلاة المنفرد خلف الصف يجب عليه فيها الإعادة، وقوله في أن فسخ الحج إلى العمرة جائز مشروع بل هو أفضل، وقوله بأن القارن إذا ساق الهدي فقرانه أفضل من التمتع والإفراد كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم ومثل قوله إن صلاة الجماعة فرض على الأعيان). أهـ. ( ) منهاج السنة، ج3، ص 44-46
    وبعض هؤلاء الأئمة يأخذ بقول الصحابي والتابعي في الفروع العملية ويجعل أقوال الصحابة والتابعين وإن تعددت أقوالاً أو أوجهًا في مذهبه، والبعض الآخر لا يأخذ ولا حرج في ذلك، فلا حرج في خلاف الصحابي والتابعي هنا إذا كان الاعتماد على نصوص الكتاب والسنة ومن قرأ في الفروع العملية علم أن أقوال الصحابة والتابعين متعددة ليست قولاً واحدًا. وأما الأصول الاعتقادية فقولهم قول واحد فالخروج عنه أو مخالفته بدعة. ما ينفرد به أبو حنيفة ويكون وجهًا في مذهب الشافعي وهو صواب هل يكون الوجه الآخر في مذهب الشافعي باطل أم خطأ كلا قد يكون راجحًا أيضًا، وقد يكون مرجوحًا وما ينفرد به أبو حنيفة وهو صواب وهو أحد الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد ومالك هل يكون القولان الآخران في مذهب أحمد ومالك باطلان أم خطأ كلا بل ربما كانا أرجح أو متساويين في الرجحان أو مرجوحين عن القول الذي وافق قول أبي حنيفة.
    وكذلك ما يقوله مالك وهو أحد القولين في مذهب أحمد أو هو قول في مذهب أحمد، وكذلك ما يقوله الشافعي وهو وجه في مذهب أحمد أو إحدى الروايتين عن أحمد أو كقول أحمد في أظهر الروايتين عنه الأقوال الأخرى في مذهب أحمد كلها حق وصواب قد تكون أرجح أو متساوية في الرجحان أو أقل في الرجحان فتكون مرجوحة ولكنها ليست باطلة ولا خطأ، وكذلك ما يقوله أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة والشافعي أو قالت به طائفة من أصحاب الشافعي أو هو قول في مذهب الشافعي، فإن الرواية الأخرى في مذهب أحمد والأقوال والأوجه الأخرى في مذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو مالك صحيحة مقبولة شرعية، وإذا كان ثَمَّ راجح أو مرجوح، وقد يصير الراجح مرجوحًا والمرجوح راجحًا لبعض الظروف والملابسات وباعتبار المآلات والنظر إلى مقاصد الشريعة، وقد يكون الحكمان باقيان يُعمل بكل في مناسبته ليس ثمة خطأ وإذا كان ثمة خطأ فليس ثمة بدعة، وإذا كانت ثمة زلة لعالم فلا يثبت عليها ولا ينافح عنها ولا يطلبون من غيرهم المتابعة عليها، فإذا تنبهوا رجعوا وإن لم يتنبهوا إليها غفرها الله لهم لأنهم كلهم قد قال بلسان الحال أو المقال إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي هذا عرض الحائط، فإذا كان صوابًا فمن الله ورسوله وإذا كان خطأ فهو من الشيطان، وهذا هو شأن الفروع العملية بخلاف الأصول الاعتقادية، فإنها قول واحد ومذهب واحد ليس فيها أقوال ولا مذاهب ولا راجح ولا مرجوح ولا تغير في الأحكام لتجدد القضايا وتغير الزمان.
    يقول الشاطبي عن الاختلاف المرحوم : ( ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثاني لا القصد الأول، فإن الله تعالى حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف.
    وقد نقل المفسرون عن الحسن في هذه الآية أنه قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرهم. يعني لأنه في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها بقطع العذر، بل لهم فيه أعظم العذر، ومع أن الشارع لما علم أن هذا النوع من الاختلاف واقع، أتي فيه بأصل يُرجَعُ إليه، وهو قول الله تعالى: " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " الآية. فكل اختلاف من هذا القبيل حكم الله فيه أن يرد إلى الله، وذلك رده إلى كتابه، وإلي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وذلك رده إليه إذا كان حيًّا وإلي سنته بعد موته، وكذلك فعل العلماء رضي الله عنهم إلا أن لقائل أن يقول: هل هم داخلون تحت قوله تعالى: " ولا يزالون مختلفين " أم لا؟ والجواب: أنه لا يصح أن يدخل تحت مقتضاها أهل هذا الاختلاف من أوجه:
    الأول: أن الآية اقتضت أن أهل الاختلاف المذكورين مباينون لأهل الرحمة لقوله " : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك " فإنها اقتضت قسمين: أهل الاختلاف، والمرحومين، فظاهر التقسيم أن أهل الرحمة ليسوا من أهل الاختلاف وإلا كان قسم الشيء قسيمًا له ولم يستقم معنى الاستثناء.
    والثاني: أنه قال فيها : " ولا يزالون مختلفين " فظاهر هذا أن وصف الاختلاف لازم لهم حتى أطلق عليهم لفظ اسم الفاعل المشعر بالثبوت، وأهل الرحمة مبرءون من ذلك، لأن وصف الرحمة ينافي الثبوت على المخالفة، بل إن خالف أحدهم في مسألة فإنما يخالف فيها تحريًا لقصد الشارع فيها، حتى إذا تبين له الخطأ فيها راجع نفسه وتلافي أمره، فخلافه في المسألة بالعرض لا بالقصد الأول، فلم يكن وصف الاختلاف لازمًا ولا ثابتًا، فكان التعبير عنه بالفعل الذي يقتضي العلاج والانقطاع أليق في الموضع.
    والثالث: أنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض الرحمة وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان رضي الله عنهم ، بحيث لا يصح إدخالهم في قسم المختلفين بوجه، فلو كان المخالف منهم في بعض المسائل معدودًا من أهل الاختلاف ـ ولو بوجه ما ـ لم يصح إطلاق القول في حقه: أنه من أهل الرحمة وذلك باطل بإجماع أهل السنة.
    والرابع: أن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربًا من ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجًا من قسم أهل الرحمة.
    وبيان كون الاختلاف المذكور رحمة ما روى عن القاسم بن محمد قال: لقد نفع الله باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة. وعن ضمرة بن رجاء قال: اجتمع عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد فجعلا يتذاكران الحديث ـ قال ـ فجعل عمر يجيءُ بالشيء يخالف فيه القاسم ـ قال ـ وجعل القاسم يشق ذلك عليه حتى يتبين ذلك فيه فقال له عمر: لا تفعل فما يسرني باختلافهم حمر النعم وروى ابن وهب عن القاسم أيضًا قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلفون، لأنه لو كان قولاً واحدًا لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدي بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سنة ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه، لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، لأن مجال الاجتهاد ومجالات الظنون لا تتفق عادة ـ كما تقدم ـ فيصير أهل الاجتهاد مع تكليفهم باتباع ما غلب على ظنونهم مكلفين باتباع خلافهم، وهو نوع من تكليف ما لا يطاق وذلك من أعظم الضيق. فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة، للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في قسم " من رحم ربك " فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها والحمد لله.
    وبين هاتين الطريقين ـ يقصد الإختلاف في أصل الدين والإختلاف في الفروع العلمية ـ واسطة أدنى من الرتبة الأولى وأعلى من الرتبة الثانية، وهى أن يقع الاتفاق في أصل الدين ويقع الاختلاف في بعض قواعده الكلية، وهو المؤدي إلى التفرق شيعًا. فيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف، ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم أن أمته تفترق على بضع وسبعين فرقة، وأخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وشمل ذلك الاختلاف الواقع في الأمم قبلنا، ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم بالنار،وذلك بعيد من تمام الرحمة). أهـ. الاعتصام، ج2، ص 168.
    ويقول الإمام الشاطبي في الاعتصام، ج2 ، ص 172 : ( وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالمختلفين في الآية أهل البدع، وأن من رحم ربك أهل السنة، ولكن لهذا الكتاب أصل يرجع إلى سابق القدر لا مطلقًا، بل مع إنزال القرآن محتمل العبارة للتأويل، وهذا لابد من بسطه فاعلموا أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديات الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة الخائضين في لجتها العظمى العالمين بمواردها ومصادرها.
    والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثاني على ذلك، وإنما وقع اختلافهم في القسم المفروغ منه آنفًا، بل كل خلاف على الوصف المذكور وقع بعد ذلك فله أسباب ثلاثة قد تجتمع وقد تفترق) .
    يلخصها الشاطبي في الجهل واتباع الهوى والتصميم على اتباع العوائد ولزم فيها تفصيلات أخرى سنذكرها كما وقعت تاريخيًا والغالب على البدع أنها مقصورة على المخالفات في الأصول الاعتقادية والمسائل التعبدية ولا تدخل في المسائل العملية الفروعية إلا من هذه الأوجه:
    1- إذا اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فأفتوا بغير علم فضلُّوا وأضلوا ”اتباع الجهال“
    2- أخذ الشريعة على تشهي الأغراض، والأخذ بالحيل واتباع المتشابه.
    3- التقليد المذموم.
    4- رد أحاديث الآحاد وعليها جملة الشريعة.
    5- القول في الشرع بالاستحسان والظنون والاشتغال بالمعضلات ورد الفروع بعضها إلى بعض دون ردها إلى أصولها فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل وفي الاشتغال بهذا تعطيل السنن والتذرع إلى جهلها مع التعمق في القياس والإعراض عن السنن.
    6- شيوع المعاصي واختلال القيم ووضع المعاصي على مضاهاة التشريع فإن المعصية إذا وضعت على مضاهاة التشريع صارت بدعة .الاعتصام، ج2.
    فإن دخول شوب التشريع يجعل المعصية بدعة والتشريع المطلق كفر ممن شرعه وممن أمضاه وممن رضيه وقبله وتابع عليه.
    وإذا تأملت هذه الأمور الستة المذكورة وجدتها راجعة إلى خلل في أصول الفقه أو أصول الاعتقاد فعادت إلى الأصول مرة ثانية، وأصول الفقه هى الأصول العملية، وأصول الاعتقاد هى الأصول الاعتقادية. ومن هذه الأوجه أدخل فيها الإمام الشاطبي الابتداع وبدون هذه الأوجه لا يدخلها الابتداع بمجرد خلاف الصحابة أو عدم الأخذ برأي الصحابي أو التابعي في الاجتهاد إذا كان المجتهد يجتهد على نصوص الكتاب والسنة على وفق أصول الاجتهاد، أما الأصول والعبادات فالخروج فيها عما كان عليه السلف الصالح بدعة لمجرد المخالفة، لأن الفروع العملية معقولة المعنى تدخلها المصالح المرسلة والمسائل الاعتقادية والعبادية لا تدخلها المصالح المرسلة ولا حاجة فيها تدعو إلى اعتقاد البدعة أو العمل بها فالمخالفة فيها بدعة.
    يقول الشاطبي : ( الثاني: أن البدع تنقسم إلى ما هى كلية في الشريعة وإلي جزئية، ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليا في الشريعة كبدعة التحسين والتقبيح العقليين وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارًا على القرآن وبدعة الخوارج في قولهم لا حكم إلا لله وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعًا من فروع الشريعة دون فرع بل تجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية). أهـ. الاعتصام، ج2، ص 59.
    ويقول: ( وأما الراسخون في العلم فليسوا كذلك، وماذاك إلا باتباعهم أم الكتاب وتركهم الاتباع للمتشابه. وأم الكتاب يعم ما هو من الأصول الاعتقادية أو العملية، إذ لم يخص الكتاب ذلك ولا السنة، بل ثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» وفي الترمذي تفسير هذا بإسناد غريب عن غير أبي هريرة، فقال في حديثه «وأن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاثة وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: من هى يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي». والذي عليه النبيّ وأصحابه ظاهر في الأصول الاعتقادية والعملية على الجملة لم يخص من ذلك شيء دون شيء، وفي أبي داود «وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهى الجماعة» وهى بمعنى الرواية التي قبلها، وقد روى ما يُبين هذا المعنى ذكره ابن عبد البر بسند لم يرضه وإن كان غيره قد هون الأمر فيه أنه قال: «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال». فهذا نصٌ على دخول الأصول العملية تحت قوله «ما أنا عليه وأصحابي» وهو ظاهر فإن المخالف في أصل من أصول الشريعة العملية لا يقصر عن المخالف في أصل من الأصول الاعتقادية في هدم القواعد الشرعية». أهـ. الموافقات، ج4، ص 177.
    وليس معنى هذا تصويب المجتهدين في الفروع، بل الشريعة على قول واحد في الأصول الاعتقادية والفروع العملية، وإن كانت هناك مسائل يدق فيها النظر وتتجاذبها أصول تتردد بينها فمن قوي عنده من المجتهدين إلحاقها بأحد الجانبين ألحقها به، ومن قوى عنده إلحاقها بالجانب الآخر ألحقها به، ومن ذلك ما يقوله ابن رشد في ”بداية المجتهد“ في بيوع الشروط والثنيا: «واختلف العلماء من هذا الباب في بيع وإجارة معًا في عقد واحد فأجازه مالك وأصحابه، ولم يجزه الكوفيون ولا الشافعي لأن الثمن يرون أنه يكون حينئذ مجهولاً. ومالك يقول: إذا كانت الإجارة معلومة لم يكن الثمن مجهولاً وربما رآه الذين منعوه من باب بيعتين في بيعة وأجمعوا على أنه لا يجوز السلف والبيع كما قلنا، واختلف قول مالك في إجازة السلف والشركة فمرة أجاز ذلك ومرة منع؛ وهذه كلها اختلف العلماء فيها لاختلافها بالأقل والأكثر في وجود علل المنع فيها المنصوص عليها فمن قويت عنده علة المنع في مسألة منعها ومن لم تقو عنده أجازها وذلك راجع إلى ذوق المجتهد لأن هذه المواد يتجاذب القول فيها إلى الضدين على السواء عند النظر فيها، ولعل في أمثال هذه المواد يكون القول بتصويب كل مجتهد صوابًا لهذا ذهب بعض العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير». أهـ.
    هذا شأن الفروع العملية فكيف يكون شأن الأصول الاعتقادية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن محنة الإمام أحمد في موضوع خلق القرآن : ( مذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، ومن خالف ذلك كان مبتدعًا عند أهل السنة والجماعة، فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة ومتنازعون في إجماع من بعدهم، وأحمد بن حنبل وإن كان قد اشتهر بإمامة السنة والصبر في المحنة فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولاً، بل لأن السنة التي كانت موجودة معروفة قبله علمها ودعا إليها وصبر على ما امتحن به ليفارقها، وكان الأئمة قبل قد ماتوا قبل المحنة فلما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المائة الثالثة على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله وهو المذهب الذي ذهب إليه متأخروا الرافضة، وكانوا قد أدخلوا معهم من أدخلوه من ولاة الأمر فلم يوافقهم أهل السنة والجماعة حتى هددوا بعضهم بالقتل وقيدوا بعضهم وعاقبوهم بالرهبة والرغبة، وثبت أحمد بن حنبل على ذلك الأمر حتى حبسوه مدة ثم طلبوا أصحابهم لمناظرته فانقطعوا معه في المناظرة يومًا بعد يوم، ولما لم يأتوا بما يوجب موافقته لهم وبين خطأهم فيما ذكروا من الأدلة وكانوا قد طلبوا أئمة الكلام من أهل البصرة وغيرهم مثل أبي عيسي محمد بن عيسي برغوث صاحب حسين النجار وأمثاله ولم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط بل كانت مع جنس الجهمية من المعتزلة والنجارية والضرارية وأنواع المرجئة، فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزلي لكن جهم أشد تعطيلاً لأنه ينفي الأسماء والصفات، والمعتزلة تنفي الصفات وبشر المريسي كان من المرجئة لم يكن من المعتزلة بل كان من كبار الجهمية، وظهر للخليفة المعتصم أمرهم وعزم على رفع المحنة حتى ألحَّ عليه ابن أبي دؤاد يشير عليه أنك إن لم تضربه وإلا انكسر ناموس الخلافة، فضربه فعظمت الشناعة من العامة والخاصة فأطلقوه، ثم صارت هذه الأمور سببًا في البحث عن مسائل الصفات وما فيها من النصوص والأدلة والشبهات من جانبي المثبتة والنفاة وصنفت الناس في ذلك مصنفات وأحمد وغيره من علماء أهل السنة والحديث مازالوا يعرفون فساد مذهب الروافض والخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة لكن بسبب المحنة كثر الكلام ورفع الله قدر هذا الإمام فصار إمامًا من أئمة أهل السنة وعلمًا من أعلامها لقيامه بإعلامها وإظهارها واطلاعه على نصوصها وآثارها وبيان خفي أسرارها لا أنه أحدث مقالة ولا ابتدع رأيًا ولهذا قال بعض شيوخ الغرب المذهب لمالك والشافعي والظهور لأحمد يعني أن مذاهب الأئمة في الأصول مذهب واحد وهو كما قال) . إهـ ( ) منهاج السنة، ج 1، ص 256.
    أقــول: انظروا: مذهب الأئمة في الأصول مذهب واحد.
    يعنى هنا أصول وفروع والأصول المذهب فيها واحد والفروع المذاهب أربعة وأكثر من ذلك.
    ليس هنا ـ أي في الأصول ـ وجه ولا قول ولا أقوال وهذا يوجد كثيرًا في الفروع داخل المذهب الواحد ثم هناك مذاهب متعددة.
    هنا مجرد الخلاف بدعة من خالف مذهب أهل السنة مبتدع لماذا لأن هذا المذهب أجمعت عليه الصحابة فليس عليه خلاف بين الصحابة فهو مذهب الصحابة، والخروج عن مذهب الصحابة مروق من الدين، وهذا هو معنى يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية المذكور في حديث الخوارج ومقصود به كل من خالف الفرقة الناجية وهى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» هل يصلح هنا أن يقال كما قال عمر بن عبد العزيز في الفروع العملية ”ما يسرني باختلافهم حمر النعم“ وقوله ”ما أحب أن أصحاب محمد لا يختلفون لأنه لو كان قولاً واحدًا لكان الناس في ضيق وأنهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سنة“ ؟!
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ”درء تعارض النقل والعقل“ في مسألة الصفات : ( والتفاسير المأثورة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين مثل تفسير محمد بن جرير الطبري وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم وتفسير ابن المنذر وتفسير أبي بكر عبد العزيز وتفسير أبي الشيخ الأصبهاني وتفسير أبي بكر بن مردويه وما قبل هؤلاء من التفاسير مثل تفسير أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وبقيّ بن مخلد وغيرهم ومن قبلهم مثل تفسير عبد بن حميد وتفسير عبد الرزاق ووكيع بن الجراح فيها من هذا الباب الموافق لقول المثبتين ما لا يكاد يحصى، وكذلك الكتب المصنفة في السنة التي فيها آثار النبيّ والصحابة والتابعين. وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن أحمد وإسحق وغيرهما وذكر معها من الآثار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة وغيرهم ما ذكر وهو كتاب كبير صنَّفه على طريقة الموطأ ونحوه من المصنفات قال في آخره في الجامع باب القول في المذهب هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج أهل السنة وسبيل الحق وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وبقي بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم، وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة، وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك.
    إلى أن قال: وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان ولله عرش وللعرش حملة يحملونه، وله حد الله أعلم بحده والله على عرشه عزَّ ذكره وتعالى جده ولا إله غيره والله تعالى سميعٌ لا يشك بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسي، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك، يسمع ويبصر وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضي ويسخط ويغضب ويرحم ويعفو ويغفر ويعطي ويمنع وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. إلى أن قال: ولم يزل الله متكلمًا عالمًا فتبارك الله أحسن الخالقين). أهـ. منهاج السنة، ج2، ص 12
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وقال الشيخ أبو الحسن بن عبد الملك الكرخي الشافعي في كتابه الذي سماه ”الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول“ وذكر اثني عشر إمامًا، الشافعي ومالك والثوري وأحمد وابن عيينه وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد وإسحق بن راهويه والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم. قال فيه: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول سمعت الشيخ أبا حامد الإسفراييني يقول: مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعًا من الله تعالى والنبيّ صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا وفيما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومنقوشًا، وكل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين». أهـ. درء التعارض، بحاشية منهاج السنة، ج2، ص48
    ويقول شيخ الإسلام : ( قال الحاكم سمعت أبا عبد الرحمن بن أحمد المقري يقول سمعت أبا بكر محمد بن إسحق يقول: الذي أقول به أن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال أن القرآن أو شيئًا منه ومن وحيه وتنزيله مخلوق، أو يقول أن الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به في الأزل، أو يقول أن أفعال الله مخلوقة، أو يقول أن القرآن محدث، أو يقول أن شيئًا من صفات الله صفات الذات أو اسمًا من أسماء الله مخلوق، فهو عندي جهمي يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه هذا مذهبي ومذهب من رأيت من أهل الشرق والغرب من أهل العلم، ومن حكى عني خلاف هذا فهو كاذب باهت) . أهـ. درء التعارض، بحاشية منهاج السنة، ج2، ص 39.
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية فيما ينقل عن الإمام أحمد في درء التعارض : ( وقال الخلال في السنة أخبرني عليٌ بن عيسي أن حنبلاً حدثهم قال سمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسي فقد كفر بالله وكذَّب القرآن وردَّ على رسول الله صلى اله عليه وسلم أمره يستتاب من هذه المقالة فإن تاب وإلا ضربت عنقه. إلى أن يقول: وقال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن قوم يقولون لمَّا كلم الله موسي لم يتكلم بصوت فقال أبي: بلي، تكلم تبارك وتعالى بصوت وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت وحديث ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سُمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان قال أبي: والجهمية تنكره قال أبي: وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس من زعم أن الله لم يتكلم فهو كافر) إهـ المصدر السابق، ج2، ص 20. ) إنتهى من كتاب البلاغ المبين للشيخ عبد المجيد يوسف الشاذلي .

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    25

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سليمان الخراشي مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك ..
    وتُنظر رسالة د سعد الشثري - وفقه الله - " الأصول و الفروع : حقيقتهما ، الفرق بينهما ، و الأحكام المتعلقة بهما : دراسة نظرية تطبيقية " . فقد أوضح حقيقة قول شيخ الإسلام - رحمه الله - .
    لو نقلتَه لنا أو وضعتَ رابطاً لتحميل الكتاب ، وجزاك الله خيرا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    المشاركات
    71

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    عند المتكلمين الأصول العقليات ( الاعتقاد ) و الفروع الشرعيات ( الفقه )
    عند السلف الأصول الإجماعات ( الفقه الأكبر ) و الفروع الخلافيات ( الفقه الأصغر )

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Aug 2012
    المشاركات
    1,302

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مؤيد الحق مشاهدة المشاركة
    لو نقلتَه لنا أو وضعتَ رابطاً لتحميل الكتاب ، وجزاك الله خيرا
    http://www.waqfeya.com/book.php?bid=2901

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Aug 2012
    المشاركات
    1,302

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو طالب مشاهدة المشاركة
    عند المتكلمين الأصول العقليات ( الاعتقاد ) و الفروع الشرعيات ( الفقه )
    عند السلف الأصول الإجماعات ( الفقه الأكبر ) و الفروع الخلافيات ( الفقه الأصغر )
    إذا علمنا أن الفقه الأكبر عند السلف هو عين الاعتقاد عند المتكلمين
    وعلمنا أن الفقه الأصغر عند السلف هو عين الشرعيات عند المتكلمين
    فهل تقصد أنه لا فرق بين معتقد السلف ومعتقد المتكلمين في هذا الأمر ؟؟

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    64

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    جزاك الله خيرا ، ونفع الله بك وبعلمك ، كلام محرر وجيد ، أسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتك

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    102

    افتراضي رد: تحرير رأي ابن تيمية في انقسام الدين إلى أصول وفروع

    أخي الدهلوي هلاَ ذكرت لي اسم الكتاب كاملاً رعاك الله
    قال البربهاري في شرح السنة :" واعلم أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب ولكن العالم من اتبع الكتاب والسنة وإن كان قليل العلم والكتب ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير الرواية والكتب"

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,609

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,267

    افتراضي

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :.
    فهذا التقسيم قد جنيّ عليه من كثير من الناس على اختلاف مشاربهم ومآخذهم .
    - فمنهم من أثبته على وجه باطل وباصطلاح عصري فيقول الدين ينقسم إلى قشر و لباب وهو لم يذهب إلى هذا التقسيم إلا ليلوذ به عند مطالبته الالتزام بأحكام الشرع وبمقتضى قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة .." الآية وتلقف هذا التقسيم بعض المثقفين والعلمانيين والمنافقين فتجده حليق اللحية مسبل ثيابه لا يلتزم الهدي الظاهر زوجته سافرة والدش يعلوا بيته والصور والتماثيل تملأ أركان حجرته فإذا أمرته بالتزام الشرع قال يا أخي دعك من القشور وعليك بلباب الدين واصله فإذا سألته عن أصله ما هو ؟ تجده من أجهل الناس به وإن أجابك بشيء تجده أبعد الناس عن التزامه فضلاً عن الدعوة إليه (إلا من رحم الله وقليل ما هم) فالقشور هو ما لا يلتزمه من الدين واللب هو ما ينشغل به لا ما يقرره الكتاب والسنة فيأخذ من الدين ما يخدم أفكاره ومنهجه المعوج وإنا لله وإنا إليه راجعون .
    - على الطرف المقابل قوم جعلوا الدين كله اصل لا فرع فيه بناءاً على أن الإيمان هو جملة الفرائض وأن الأيمان شيء واحد لا يتجزأ ولا يتفاضل وأنه إما أن يذهب كله أو يبقى كله وقرروا أن أي مخالفة هي ناقض لأصل الدين فكفروا بالمعاصي أو الإصرار على المعصية وهؤلاء هم الخوارج قديما وحديثا .
    - وطائفة أخرى ترددت وتناقضت في نفيه وإثباته – أي التقسيم - فهي تنفيه ردة فعل أو سوء فهم ،ردة فعل لمن قال الدين فيه "قشر ولباب "أو وردة فعل لمن قال " انه لا عذر بالجهل في اصل الدين والتوحيد وقد يعذر المرء في فروعه وشرائعه حيث أن الشرائع لا تثبت في حق المكلف إلا بعد العلم بخلاف التوحيد فقد قامت عليه غير الحجة الرسالية حججٌ أخرى" فأرادوا أن يقطعوا على هؤلاء وهؤلاء حجتهم فلاذوا لكلام لشيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في بعض مواضع من كتبه وخلاصته أن تقسيم الدين إلى مسائل أصول ومسائل فروع تقسيم محدث لم يعرف عن الصحابة ولا السلف رضوان الله عليهم وإنما هو من إحداث المعتزلة وأهل الكلام ونقله من تأثر بهم من أهل الفقه وتجاهلوا تواتر هذا التقسيم عنه رحمه الله وكثرة استعماله له هو وغيره من أهل العلم ولم يكلفوا أنفسهم في توجيه كلامه رحمه الله في هذه المواضع فوقعوا في هذا التناقض .
    - وهذا الفهم المغلوط لكلام شيخ الإسلام رحمه الله كان له نتائج سيئة في تناول كثير من مسائل وقضايا العمل الإسلامي فميعت كثير من المفاهيم وغابت كثير من الحقائق ودخلت مسائل التوحيد فيما يزعمونه " الثوابت والمتغيرات" وفقد الرباط بين قضايا ومسائل الدين وأصله وصار القليل من الناس من يعرف كيف الربط بين أركان التوحيد وبين أصل الدين فلا يعرفون ( مثلاً ) علاقة الحكم بأصل الدين والتوحيد بل يظن الكثير من الناس أنه سياسة ولا علاقة لها بالدين فضلاً عن اصله وكذا الولاء وصلته بأصل الدين فرفعت الرايات الجاهلية من قومية ووطنية وفشت مظاهر الشرك بكل صورة من عبادة القبور وعبادة الطواغيت وغير ذلك مما لا يخفى على ذي لب وهذا كله من الجهل الذي هو ثمرة التباس المفاهيم .
    - هذا و كثير من المسائل والأحكام الشرعية يكون لها اعتبارات مختلفة فتختلف العبارات فيها لاختلاف الاعتبارات في النظر إليها ، فمثلا النظر إلى الدين من جهة القبول والانقياد والتصديق والاعتقاد فلا فرق من هذه الجهة بين أصل الدين وفرعه فالواجب على الخلق كلهم تصديق الرسول فيما أخبر وطاعته في ما أمر فإن كذّب الرسول في أمر علم أن الرسول قد اخبر به فهو كافر لا فرق بين أصول وفروع خلافا للمعتزلة وأهل البدع وكذا في القبول والانقياد.
    - أما بالنظر إلى الدين من جهة الإتيان والترك والموافقة والمخالفة فهنا يفرق بين الأصل والفرع
    والأصل في تقسيم الدين إلى أصل وفرع هو قوله تعالى " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا مبينا "
    ففي هذه الآية انقسم الدين إلى قسمين ( من جهة الضد )
    1- قسم هو الشرك وضده هو التوحيد أو الإسلام العام
    2- وقسم هو ما دون الشرك وضده هو الإيمان الواجب والكامل
    وهذا التوحيد الذي ضده الشرك هو أصل الدين وهو ما ندندن حوله نريد إثباته ونضع حدوده وخصائصه وهو أصل الدين الذي لا يقبل الله غيره من الأولين والآخرين.
    -قال صلى الله عليه وسلم " الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " فليس الإتيان بلا إله إلا الله كالإتيان بإماطة الأذى عن الطريق هذا أمر معروف ولابد من تمييز أصل الدين عن فرعه حتى لا تلتبس المفاهيم وتغيب الحقائق كما هو الآن واقع .
    - لهذا ولغيره أكتب هذه الورقات التي أوضح فيها أن هذا التقسيم معروف ومقرر لدى أهل العلم بل ما من أحد استعمله وتواتر عنه مثل شيخ الإسلام رحمه الله في كل مؤلفاته فأقول والله الموفق :
    إن كلام شيخ الإسلام بن تيميه رحمه الله الذي ذكره في بعض مواضع من كتبه والذي يحتج به من يذهب إلى نفي هذا التقسيم ليس في نفي ذات التقسيم وإنما نفاه رحمه الله بحسب ما تعلق به من أحكام باطلة عند أهل البدع .
    وهذا أمر مقرر عند شيخ الإسلام رحمه الله في نفي الأسماء والأحكام يقول رحمه الله في :
    مجموع الفتاوى ص جـ7 صـ420:
    "… وجماع الأمر أن الاسم الواحد ينفي ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به فلا يجب إذا اثبت أو نفي في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام وهذا في كلام العرب وسائر الأمم لأن المعنى مفهوم مثال ذلك المنافقون قد يجعلون من المؤمنين في موضع وفى موضع آخر يقال ما هم منهم قال الله تعالي قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا فهنالك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو الناكلين عن الجهاد الناهين لغيرهم الذامين للمؤمنين منهم وقال فى آية أخرى ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون وهؤلاء ذنبهم أخف فإنهم لم يؤذوا المؤمنين لا بنهى ولا سلق بألسنة حداد ولكن حلفوا بالله أنهم من المؤمنين فى الباطن بقلوبهم وإلا فقد علم المؤمنون انهم منهم فى الظاهر فكذبهم الله وقال وما هم منكم وهناك قال قد يعلم الله المعوقين منكم فالخطاب لمن كان فى الظاهر مسلما مؤمنا وليس مؤمنا بأن منكم من هو بهذه الصفة وليس مؤمنا بل أحبط الله عمله فهو منكم فى الظاهر لا الباطن.."
    - وهذه القاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام هي حقاً قاعدة ذهبية ومن يتأملها يجدها حلاً لكثير من الإشكالات سواء في توجيه كلام شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة وغيرها من المسائل خاصة مسائل الإيمان والكفر أو في كلام الشارع كما بين رحمه الله بالأمثلة السابقة وغيرها موجود في موضعه .
    - ذلك وكل من يقرأ لشيخ الإسلام بن تيميه رحمه الله لا يكاد يمر على كتاب من كتبه إلا ويجده مستعملاً لهذا المصطلح وهذا التقسيم وسوف أنقل عنه رحمه الله من ا لنقو لا ت ما يبين ذلك وأنه قد نفى هذا التقسيم باعتبارات معينة أذكرها إن شاء الله وقبل أن أذكرها أنقل ما يحتج به من يذهب إلى نفي هذا التقسيم حيث يقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ص جـ23 صـ346:
    "……فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع فهذا الفرق ليس له اصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء فى كتبهم وهو تفريق متناقض فانه يقال لمن فرق بين النوعين ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع فان قال مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هى مسائل العمل قيل له فتنازع الناس فى محمد هل رأى ربه أم لا وفى أن عثمان افضل من على أم على افضل وفى كثير من معانى القرآن وتصحيح بعض الأحاديث هى من المسائل الاعتقادية العلمية ولا كفر فيها بالاتفاق……"
    وقال رحمه الله مجموع الفتاوى ص جـ13 صـ125 :
    "…….بل جعل الدين قسمين أصولا وفروعا لم يكن معروفا فى الصحابة والتابعين ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين أن المجتهد الذي استفرغ وسعه فى طلب الحق يأثم لا فى الأصول ولا فى الفروع ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة وأدخله فى أصول الفقه من نقل ذلك عنهم وحكوا عن عبيد الله بن الحسن العنبرى انه قال كل مجتهد مصيب ومراده انه لا يأثم وهذا قول عامة الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما…."

    وقال أيضاً منهاج السنة النبوية ج: 5 ص: 88
    "….. وقالوا هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين إنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدا من المجتهدين المخطئين لا في مسألة عملية ولا علمية قالوا والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره قالوا والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة فهي باطلة عقلا فإن المفرقين بين ما جعلوه مسائل أصول ومسائل فروع لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين بل ذكروا ثلاثة فروق أو أربعة كلها باطلة…."
    إلى غير ذلك من المواضع التي أشار فيها شيخ الإسلام إلى نفي هذا التقسيم

    فأقول إن شيخ الإسلام رحمه الله في هذه النقولات إنما نفي تقسيم الدين لمسائل أصول ومسائل فروع باعتبارات معينة لا أنه ينفي أصل التقسيم والمتأمل في سياق ما سبق من نقولات عنه رحمه الله يتأكد لديه هذا والله أعلم .
    -الاعتبار الأول: نفي تقسيم الدين إلى أصول وفروع باعتبار الأصول الباطلة التي أبتدعها أهل البدع من المعتزلة وأهل الكلام وغيرهم وهذا يتضح من كلام شيخ الإسلام رحمه الله حيث يقول في:
    1- درء التعارض ج: 1 ص: 275:
    " وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب والسنة بأقوالهم بنوا أمرهم على أصل فاسد وهو أنهم جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها هي الأقوال المحكمة التي جعلوها أصول وجعلوا قول الله ورسوله من المجمل الذي لا يستفاد منه علم ولا هدى فجعلوا المتشابه من كلامهم هو المحكم والمحكم من كلام الله ورسوله هو المتشابه كما يجعل الجهمية من المتفلسفة والمعتزلة ونحوهم ما أحدثوه من الأقوال التي نفوا بها صفات الله ونفوا بها رؤيته في الآخرة وعلوه على خلقه وكون القرآن كلامه ونحو ذلك جعلوا تلك الأقوال المحكمة وجعلوا قول الله ورسوله مؤولا عليها أو مردودا أو غير ملتفت إليه ولا متلقي للهدى منه ……… ثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة دينا يوالون عليه ويعادون بل يكفرون من خالفهم فيما ابتدعوه ويقول مسائل أصول الدين المخطئ فيها يكفر وتكون تلك المسائل مما ابتدعوه……فهؤلا ء ارتكبوا أربع عظائم أحدها ردهم لنصوص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والثاني ردهم ما يوافق ذلك من معقول العقلاء والثالث جعل ما خالف ذلك من أقوالهم المجملة أو الباطلة هي أصول الدين والرابع تكفيرهم أو تفسيقهم أو تخطئتهم لمن خالف هذه الأقوال المبتدعة المخالفة لصحيح المنقول وصريح المعقول.."
    2- ويقول رحمه الله مجموع الفتاوى ج: 3 ص: 305:
    "….والتزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم لأجلها نفى صفات الرب مطلقا أو نفى بعضها لأن الدال عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها والدليل يجب طرده والتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به وهو أيضا في غاية الفساد والضلال ولهذا التزموا القول بخلق القرآن وإنكار رؤية الله في الآخرة وعلوه على عرشه إلى أمثال ذلك من اللوازم التي ألتزمها من طرد مقدمات هذه الحجة التي جعلها المعتزلة ومن اتبعهم أصل دينهم فهذه داخلة فيما سماه هؤلاء أصول الدين ولكن ليست في الحقيقة من أصول الدين الذي شرعه الله لعباده وأما الدين الذي قال الله فيه أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله فذاك له أصول وفروع بحسبه وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين فهو موروث عن الرسول وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي إذ هو باطل وملزوم الباطل باطل كما أن لازم الحق حق…."
    3- ويقول رحمه الله : مجموع الفتاوى ج: 4 ص: 55
    "…ومن العجب أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد ليسوا أهل نظر واستدلال وأنهم ينكرون حجة العقل وربما حكى إنكار النظر عن بعض أئمة السنة وهذا مما ينكرونه عليهم
    فيقال لهم ليس هذا بحق فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن هذا أصل متفق عليه بينهم والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر والاعتبار والتدبر وغير ذلك ولكن وقع اشتراك في لفظ النظر والاستدلال ولفظ الكلام فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم وكلامهم واستدلالهم فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال وهذا كما أن طائفة من أهل الكلام يسمى ما وضعه أصول الدين وهذا اسم عظيم والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك قال المبطل قد أنكروا أصول الدين وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين وهي أسماء سموها هم وآباؤهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان فالدين ما شرعه الله ورسوله وقد بين أصوله وفروعه ومن المحال أن يكون الرسول قد بين فروع الدين دون أصوله كما قد بينا هذا في غير هذا الموضع فهكذا لفظ النظر والاعتبار والاستدلال……"
    4- ويقول رحمه الله في بيان تلبيس الجهمية ج: 1 ص: 101
    "… فلا معنى لإنكار ما هو الحق الثابت بالشرع والعقل لاستلزام ذلك بطلان حجة مبتدعة أنكرها السلف والأئمة لأجل دعوى من ادعى من أهلها أنها أصل الدين الذي لا يعلم الدين إلا به فإنما هو أصل الدين الذي ابتدعوه كما قال تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله 4142 ليست أصلا لدين الله ورسوله بل أصل هذا الدين هو ما بينه الله ورسوله من الأدلة كما هو مبين في موضعه إذ من الممتنع أن يبعث الله رسولا يدعو الخلق إليه ولا يبين لهم الرسول أصل الدين الذي أمرهم به وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.."
    هذا ومن يتأمل سياق الكلام الذي ينفى فيه شيخ الإسلام رحمه الله هذا التقسيم يجد فيه هذا المعنى بل يجد فيه إثباته للتقسيم ولكن من جهة أخرى ولعل الأمر يتضح من الاعتبار الثاني الذي ينفي شيخ الإسلام رحمه هذا التقسيم لأجله .
    الاعتبار الثاني:
    -اعتبار التخطئة والتأثيم بل التكفير عند بعض أهل البدع لمن خالف في مسائل الأصول المبتدعة التي لديهم وهذا يتضح من قول شيخ الإسلام رحمه الله فيما سبق عنه […..وما قسموا المسائل الى مسائل أصول يكفر بإنكارها ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها …….] فقوله مسائل أصول يكفر بإنكارها يدل هذا التقييد على أن النفي ليس نفياً مطلقاً لذات التقسيم
    فإن أصل كلام شيخ الإسلام رحمه الله عن الاجتهاد وكيف أنه قد دخل العلم في كل أحواله ورفع الحرج عن العلماء والمجتهدين من الذين أخطئوا وأنهم لم يفرقوا في رجوعهم إلى العلم في اجتهادهم لا في الأصول ولا في الفروع ثم بين رحمه الله أن المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين إنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدا من المجتهدين المخطئين لا في مسألة عملية ولا علمية وأن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام
    وأن فصل الخطاب فى هذا الباب أن المجتهد المستدل من إمام وحاكم وعلام وناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذى كلفه الله إياه وهو مطيع لله مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع وأنه لا يأثم في هذا الخطأ سواء في مسائل الأصول أو الفروع .
    1- يقول شيخ الإسلام رحمه الله : مجموع الفتاوى ج: 13 ص: 125
    "........وقد تبين أن جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم واتبعوا العلم وان الفقه من أجل العلوم وانهم ليسوا من الذين لا يتبعون إلا الظن لكن بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر إما بان سمع ما لم يسمع الآخر وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر …….. وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال في الأصول والفروع ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع بل جعل الدين قسمين أصولا وفروعا لم يكن معروفا فى الصحابة والتابعين ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين أن المجتهد الذي استفرغ وسعه فى طلب الحق يأثم لا فى الأصول ولا فى الفروع ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة وأدخله فى أصول الفقه…. والذين فرقوا بين الأصول والفروع لم يذكروا ضابطا يميز بين النوعين بل تارة يقولون هذا قطعي وهذا ظني وكثير من مسائل الأحكام قطعي وكثير من مسائل الأصول ظني عند بعض الناس فان كون الشيء قطعيا وظنيا أمر إضافي وتارة يقولون الأصول هى العلميات الخبريات والفروع العمليات وكثير من العمليات من جحدها كفر كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتارة يقولون هذه عقليات وهذه سمعيات وإذا كانت عقليات لم يلزم تكفير المخطئ فان الكفر حكم شرعي يتعلق بالشرع وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع."
    ولننظر في سياق آخر حيث يقول رحمه الله :
    2- منهاج السنة النبوية ج: 5 ص: 81
    فصل : قال الرافضي "وأما المطاعن في الجماعة فقد نقل الجمهور منها أشياء كثيرة حتى صنف الكلبي كتابا في مثالب الصحابة ولم يذكر فيه منقصة واحدة لأهل البيت والجواب أن يقال قبل الأجوبة المفصلة عما يذكر من المطاعن أن ما ينقل عن الصحابة من المثالب فهو نوعان:
    أحدهما: ما هو كذب إما كذب كله وإما محرف قد دخله من الزيادة والنقصان ما يخرجه إلى الذم والطعن وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن يحيى ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأمثالهما من الكذابين ولهذا استشهد هذا الرافضي بما صنفه هشام الكلبي في ذلك ….
    النوع الثاني ما هو صدق وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوبا وتجعلها من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب وما قدر من هذه الأمور ذنبا محققا فإن ذلك لا يقدح فيما علم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة منها التوبة الماحية وقد ثبت عن أئمة الإمامية أنهم تابوا من الذنوب المعروفة عنهم ومنها الحسنات الماحية….
    -ونحن نذكر قاعدة جامعة في هذا الباب لهم ولسائر الأمة فنقول لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ثم يعرف الجزيئات كيف وقعت وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم
    فنقول الناس قد تكلموا في تصويب المجتهدين وتخطئتهم وتأثيمهم وعدم تأثيمهم في مسائل الفروع والأصول ونحن نذكر أصولا جامعة نافعة .
    الأصل الأول: أنه هل يمكن كل أحد أن يعرف باجتهاده الحق في كل مسألة فيها نزاع وإذا لم يمكنه فاجتهد واستفرغ وسعه فلم يصل إلى الحق بل قال ما اعتقد أنه هو الحق في نفس الأمر ولم يكن هو الحق في نفس الأمر هل يستحق أن يعاقب أم لا هذا أصل هذه المسائل وللناس في هذا الأصل ثلاثة أقوال كل قول عليه طائفة من النظار
    الأول قول من يقول إن الله قد نصب على الحق في كل مسألة دليلا يعرف به يمكن كل من اجتهد واستفرغ وسعه أن يعرف الحق وكل من لم يعرف الحق في مسألة أصولية أو فروعية فإنما هو لتفريطه فيما يجب عليه لا لعجزه وهذا القول هو المشهور عن القدرية والمعتزلة و هو قول طائفة من أهل الكلام غير هؤلاء ……..
    الذين يقولون المصيب واحد في كل مسألة أصلية وفرعية وكل من سوى المصيب فهو آثم لأنه مخطئ والخطأ والإثم عندهم متلازمان وهذا قول بشر المريسي وكثير من المعتزلة البغداديين الثاني أن المسائل العملية إن كان عليها دليل قطعي فإن من خالفه آثم مخطئ كالعلمية وإن لم يكن عليها دليل قطعي فليس لله فيها حكم في الباطن وحكم الله في حق كل مجتهد ما أداه اجتهاده إليه وهؤلاء وافقوا الأولين في أن الخطأ والإثم متلازمان وأن كل مخطئ آثم لكن خالفوهم في المسائل الاجتهادية فقالوا ليس فيها قاطع والظن ليس عليه دليل عند هؤلاء وإنما هو من جنس ميل النفوس إلى شيء دون شيء فجعلوا الاعتقادات الظنية من جنس الإرادات وادعوا أنه ليس في نفس الأمر حكم مطلوب بالاجتهاد ولاثم في نفس الأمر أمارة أرجح من أمارة وهذا القول قول أبي الهذيل العلاف ومن اتبعه كالجبائي وابنه وهو أحد قولي الأشعري وأشهرهما وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني وأبي حامد الغزالي وأبي بكر بن العربي ومن اتبعهم وقد بسطنا القول في ذلك بسطا كثيرا في غير هذا الموضع
    والمخالفون لهم كأبي إسحاق الإسفراييني وغيره من الأشعرية وغيرهم يقولون هذا القول أوله سفسطة وآخره زندقة وهذا قول من يقول إن كل مجتهد في المسائل الشرعية الاجتهادية العملية فهو مصيب باطنا وظاهرا ولا يتصور عندهم أن يكون مجتهدا مخطئا إلا بمعنى أنه خفي عليه بعض الأمور وذلك الذي خفي عليه ليس هو حكم الله لا في حقه ولا في حق أمثاله وأما من كان مخطئا وهو المخطئ في المسائل القطعية فهو آثم عندهم.
    والقول الثاني في أصل المسألة إن المجتهد المستدل قد يمكنه أن يعرف الحق وقد يعجز عن ذلك لكن إذا عجز عن ذلك فقد يعاقبه الله تعالى وقد لا يعاقبه فإن له أن يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء بلا سبب أصلا بل لمحض المشيئة وهذا قول الجهمية والأشعرية وكثير من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ثم قال هؤلاء قد علم بالسمع أن كل كافر فهو في النار فنحن نعلم أن كل كافر فإن الله يعذبه سواء كان قد اجتهد وعجز عن معرفة صحة دين الإسلام أو لم يجتهد وأما المسلمون المختلفون فإن كان اختلافهم في الفروعيات فأكثرهم يقول لا عذاب فيها وبعضهم يقول لأن الشارع عفا عن الخطأ فيها وعلم ذلك بإجماع السلف على أنه لا إثم على المخطئ فيها وبعضهم يقول لأن الخطأ في الظنيات ممتنع كما تقدم ذكره عن بعض الجهمية والأشعرية وأما القطعيات فأكثرهم يؤثم المخطئ فيها ويقول إن السمع قد دل على ذلك ومنهم من لا يؤثمه والقول المحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري هذا معناه أنه كان لا يؤثم المخطئ من المجتهدين من هذه الأمة لا في الأصول ولا في الفروع وأنكر جمهور الطائفتين من أهل الكلام والرأي على عبيد الله هذا القول وأما غير هؤلاء فيقول هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم لا يؤثمون مجتهدا مخطئا لا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية ويصححون الصلاة خلفهم والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين ولا يصلى خلفه وقالوا هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين إنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدا من المجتهدين المخطئين لا في مسألة عملية ولا علمية قالوا والفرق بين مسائل الأصول والفروع إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره قالوا والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع كما أنه بدعة محدثة في الإسلام لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا إجماع بل ولا قالها أحد من السلف والأئمة فهي باطلة عقلا فإن المفرقين بين ما جعلوه مسائل أصول ومسائل فروع لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين بل ذكروا ثلاثة فروق أو أربعة كلها باطلة فمنهم من قال مسائل الأصول هي العلمية الإعتقادية التي يطلب فيها العلم والاعتقاد فقط ومسائل الفروع هي العملية التي يطلب فيها العمل قالوا وهذا فرق باطل فإن المسائل العملية فيها ما يكفر جاحده مثل وجوب الصلوات الخمس والزكاة وصوم شهر رمضان وتحريم الزنا والربا والظلم والفواحش وفي المسائل العلمية مالا يأثم المتنازعون فيه كتنازع الصحابة هل رأى محمد ربه وكتنازعهم في بعض النصوص هل قاله النبي صلى الله عليه وسلم أم لا وما أراد بمعناه وكتنازعهم في بعض الكلمات هل هي من القرآن أم لا وكتنازعهم في بعض معاني القرآن والسنة هل أراد الله ورسوله كذا وكذا وكتنازع الناس في دقيق الكلام كمسألة الجوهر الفرد وتماثل الأجسام وبقاء الأعراض ونحو ذلك فليس في هذا تكفير ولا تفسيق قالوا والمسائل العملية فيها علم وعمل فإذا كان الخطأ مغفورا فيها فالتي فيها علم بلا عمل أولى أن يكون الخطأ فيها مغفورا ومنهم من قال المسائل الأصولية هي ما كان عليها دليل قطعي والفرعية ما ليس عليها دليل قطعي قال أولئك وهذا الفرق خطأ أيضا فإن كثيرا من المسائل العملية عليها أدلة قطعية عند من عرفها وغيرهم لم يعرفها وفيها ما هو قطعي بالإجماع كتحريم المحرمات الظاهرة ووجوب الواجبات الظاهرة ثم لو أنكرها الرجل بجهل وتأويل لم يكفر حتى تقام عليه الحجة كما أن جماعة استحلوا شرب الخمر على عهد عمر منهم قدامة ورأوا أنها حلال لهم ولم يكفرهم الصحابة حتى بينوا لهم خطأهم فتابوا ورجعوا وقد كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم طائفة أكلوا بعد طلوع الفجر حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يؤثمهم النبي صلى الله عليه وسلم فضلا عن تكفيرهم وخطؤهم قطعي وكذلك أسامة بن زيد وقد قتل الرجل المسلم وكان خطؤه قطعيا…….."

    - فمما سبق يتضح أن شيخ الإسلام رحمه الله إنما ينفي تقسيم الدين لأصول وفروع لهذين الاعتبارين ومن يتأمل السياق السابق بطوله يتأكد له ذلك وإلا فقد تواتر عنه رحمه الله هذا التقسيم ولنأتي على جملة من كلامه في هذا التقسيم وقبل ذلك أنبه :
    -أن مصطلح الأصول من الألفاظ المشتركة التي تحمل عدة معاني يقول شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 3 ص: 305 ".. وإذا عرف أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات …"
    ومن هذه المعاني :
    1- أصل الدين بمعنى التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له وهو المقصود عند الإطلاق وهذا هو ما يهمنا إثباته وتميزه ووضع خصائصه وحدوده لكي لا يلتبس بفرعه وتشكل مسائله ويشمل توحيد الربوبية والأسماء والصفات وهو التوحيد العلمي الخبري الإعتقادي وتوحيد الألوهية التوحيد العملي الإرادي الطلبي :
    ومن خصائص هذا الأصل
    ا- أنه دعوة كل الرسل فكل رسول كان أصل دعوته للتوحيد قال تعالى " وما أرسلتا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" وقال تعالى " ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " وقال تعالى "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه"
    يقول شيخ الإسلام رحمه الله:
    "…وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيا فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء ورأس الإسلام مطلقا شهادة أن لا إله إلا الله وبها بعث جميع الرسل كما قال تعالى ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت …"
    ب- أنه سابق على باقي الشرائع فهو أو ما يبدأ به الرسول دعوة قومه لحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " يا معاذ إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " وفي رواية "أن يوحدوا الله "
    ج- أنه شرط في قبول الأعمال لقوله تعالى " لئن أشركت ليحبطن عملك .." الآية ،
    وقوله سبحانه " ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون "
    يقول سيخ الإسلام في درء التعارض ج: 1 ص: 233
    ".. فنحن نعلم أن كل حق يحتاج الناس إليه في أصول دينهم لا بد أن يكون مما بينه الرسول إذ كانت فروع الدين لا تقوم إلا بأصوله فكيف يجوز أن يترك الرسول أصول الدين التي لا يتم الإيمان إلا بها لا يبينها للناس .."
    د- التوحيد هو الإسلام العام وهو الدين المشترك بين الأنبياء لقوله عليه الصلاة والسلام " نحن معاشر الأنبياء أخوة لعلات " وقال شيخ الإسلام في التحفة العراقية ج: 1 ص: 41
    "..ولهذا كان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وهي متضمنة عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من أحد من الأولين والآخرين دينا سواه كما قال تعالى آل عمران ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.."
    2- المعنى الثاني :
    أصول الدين بمعنى أصول الإيمان والإسلام والمعلوم من الدين بالضرورة
    المعنى الثالث :
    أصول الدين بمعنى الأصول الاعتقادية التي لم تبلغ حد التواتر التي تختص غالبا بأمور غيبية مثل عذاب القبر ورؤية الله يوم القيامة وغيرها وتكون عند أهل السنة من أصول الدين. " أصول الدين للبغدادي"
    المعنى الرابع :
    أصول الدين بمعنى الأدلة الشرعية وأصول الفقه أو أصول الشريعة ومصادر التشريع والأدلة القطعية التي تثبت بالنص والاستقراء . يقول شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى الكبرى ج: 5 ص: 181
    "...كما يخالفون صرائح المعقول بما يدعونه من المعقول وكما يخالفون الكتاب والسنة اللذين هما أصل الدين بما يضعونه من أصول الدين."

    -ولنبدأ في تقرير هذه المعاني من كلامه رحمه الله :
    1- يقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 3 ص: 341
    " فصل : وإذا كانت الشهادتان هي أصل الدين وفرعه وسائر دعائمه وشعبه داخلة فيهما فالعبادة متعلقة بطاعة الله ورسوله كما قال تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقال في الآية المشروعة في خطبة الحاجة يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما .." 2- ويقول في درء التعارض ج: 1 ص: 233
    ".. ولو كان الناس محتاجين في أصول دينهم إلى ما لم يبينه الله ورسوله لم يكن الله قد أكمل للأمة دينهم ولا أتم عليهم نعمته فنحن نعلم أن كل حق يحتاج الناس إليه في أصول دينهم لا بد أن يكون مما بينه الرسول إذ كانت فروع الدين لا تقوم إلا بأصوله فكيف يجوز أن يترك الرسول أصول الدين التي لا يتم الإيمان إلا بها لا يبينها للناس ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقا أو اعتقادا زعم أن الإيمان لا يتم إلا به مع العلم بأن الرسول لم يذكره.."
    3- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 1 ص: 18
    "..وحقوق العباد قسمان خاص وعام أما الخاص فمثل بر كل إنسان والديه وحق زوجته وجاره فهذه من فروع الدين لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه ولأن مصلحتها خاصة فردية ..."
    4- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 11 ص: 399
    "...ففضائل الأعمال ودرجاتها لا تتلقى من مثل هذا وإنما تتلقى من دلالة الكتاب والسنة ولهذا كان كثير من الأعمال يحصل لصاحبه فى الدنيا رئاسة ومال فأكرم الخلق عند الله أتقاهم ومن عبد الله بغير علم فقد أفسد أكثر مما يصلح وان حصل له كشف وتصرف وان اقتدى به خلق كثير من العامة وقد بسطنا الكلام فى هذا الباب فى مواضعه فهذا أصل ثان و أصل ثالث أن تفضيل العمل على العمل قد يكون مطلقا مثل تفضيل أصل الدين على فرعه وقد يكون مقيدا فقد يكون أحد العملين فى حق زيد أفضل من الآخر والآخر فى حق عمرو أفضل وقد يكونان متماثلين فى حق الشخص وقد يكون المفضول فى وقت أفضل من الفاضل وقد يكون المفضول في حق من يقدر عليه وينتفع به أفضل من الفاضل فى حق من ليس كذلك..."
    5- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 17 ص: 58
    "…فتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه سواء كن خبرا أو إنشاء أمر معلوم بالفطرة و الشرعة فليس الخبر المتضمن للحمد لله و الثناء عليه بأسمائه الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب و فرعون و إبليس و إن كان هذا كلاما عظيما معظما تكلم الله به و كذلك ليس الأمر بالتوحيد و الإيمان بالله و رسوله و غير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به الشرائع كلها و غير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة و النهي عن الشرك و قتل النفس و الزنا و نحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها و ما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع و إماطة الأذى عن اللقمة الساقطة و النهي عن القران فى التمر و لو كان الأمران و اجبين فليس الأمر بالإيمان بالله و رسوله كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد و الأمر بالإنفاق على الحامل و إيتائها أجرها إذا أرضعت.."
    6- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 3 ص: 399
    "..وذلك أن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كان التعظيم للقبور بالعبادة ونحوها قال الله تعالى في كتابه وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال طائفة من السلف كانت هذه أسماء قوم صالحين فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق وكذلك الطواف والصلاة والاجتماع للعبادات إنما تقصد في بيوت الله وهي المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فلا تقصد بيوت المخلوقين فتتخذ عيدا كما قال لا تتخذوا بيتي عيدا كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه وكما قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه فأعظم آية في القرآن آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم وقال من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة والإله الذي يألهه القلب عبادة له واستعانة ورجاء له وخشية وإجلالا وإكرام.."ا
    7- ويقول رحمه الله في اقتضاء الصراط ج: 1 ص: 455
    "::ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدا وإن تنوعت شرائعه قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد والأنبياء أخوة لعلات و إن أولى الناس بابن مريم لأنا فليس بيني وبينه نبي فدينهم واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت..."

    8- ويقول رحمه الله في اقتضاء الصراط ج: 1 ص: 459
    "..وإنما نبهنا فيه على رؤس المسائل وحبس الدلائل والتنبيه على مقاصد الشريعة وما فيها من إخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له وما سدته من الذريعة إلى الشرك دقه وجله فإن هذا هو أصل الدين وحقيقة دين المرسلين وتوحيد رب العالمين وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام ومن أهل الإرادة والعبادة حتى قلبوا حقيقته في نفوسهم..."

    9- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 1 ص: 75
    "...وكذلك الحج لا يحج إلا إلى بيت الله فلا يطاف إلا به ولا يحلق الرأس إلا به ولا يوقف إلا بفنائه لا يفعل ذلك بنبي ولا صالح ولا بقبر نبي ولا صالح ولا بوثن وكذلك الصيام لا يصام عبادة إلا الله فلا يصام لأجل الكواكب والشمس والقمر ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك وهذا كله تفصيل الشهادتين اللتين هما أصل الدين شهادة أن لا اله إلا الله وشهادة أن محمدا عبده ورسوله والإله من يستحق أن يألهه العباد ويدخل فيه حبه وخوفه فما كان من توابع الألوهية فهو حق محض لله وما كان من أمور الرسالة فهو حق الرسول ولما كان أصل الدين الشهادتين كانت هذه الأمة الشهداء ولها وصف الشهادة..."

    10-ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 1 ص: 154
    "...ولهذا لما كان أبو طالب وغيره يحبونه ولم يقروا بالتوحيد الذي جاء به لم يمكن أن يخرجوا من النار بشفاعته ولا بغيرها وفى صحيح البخاري عن أبى هريرة أنه قال قلت يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يو م القيامة فقال أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه وعنه فى صحيح مسلم قال قال رسول الله لكل نبى دعوة مستجابة فتعجل كل نبى دعوته وإنى اختبأت دعوتى شفاعة يوم القيامة فهى نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئا وفى السنن عن عوف بن مالك قال قال رسول الله أتانى آت من عند ربى فخيرنى بين أن يدخل نصف أمتى الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهى لمن مات لا يشرك بالله شيئا وفى لفظ قال ومن لقى الله لا يشرك به شيئا فهو فى شفاعتى وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذى لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى اليه أنه لا إله الا أنا فاعبدون وقال تعالى ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة وقد ذكر الله عز وجل عن كل من الرسل أنه افتتح دعوته بأن قال لقومه اعبدوا الله مالكم من إله غيره.."

    11- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 3 ص: 397
    "… وعبادة الله وحده هي أصل الدين وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب فقال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد ويعلمه أمته حتى قال له رجل ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده وقال لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن ما شاء الله ثم شاء محمد ونهى عن الحلف بغير الله فقال من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت..."

    12-ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 7 ص: 289
    "....فيقال لهم اسم الإيمان قد تكرر ذكره فى القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ وهو أصل الدين وبه يخرج الناس من الظلمات الى النور ويفرق بين السعداء والأشقياء ومن يوالى ومن يعادى والدين كله تابع لهذا وكل مسلم محتاج الى معرفة ذلك أفيجوز أن يكون الرسول قد أهمل بيان هذا كله ووكله إلى هاتين المقدمتين ومعلوم أن الشاهد الذي استشهدوا به على أن الايمان هو التصديق أنه من القرآن ونقل معنى الإيمان متواتر عن النبي أعظم من تواتر لفظ الكلمة فان الايمان يحتاج الى معرفة جميع الأمة فينقلونه بخلاف كلمة من سورة فأكثر المؤمنين لم يكونوا يحفظون هذه السورة فلا يجوز أن يجعل بيان أصل الدين مبنيا على مثل هذه المقدمات..""

    13-ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 18 ص: 159
    "...وقوله أمر بى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين أمر مع القسط بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له وهذا أصل الدين وضده هو الذنب الذي لا يغفر قال تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وهو الدين الذي أمر الله به جميع الرسل وأرسلهم به إلى جميع الأمم قال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون..."

    14- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 28 ص: 608
    "...ولما كان أصل الدين هو الإيمان بالله ورسوله كما قال خاتم النبيين والمرسلين أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقال لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله كان أمر الدين توحيد الله والإقرار برسله ولهذا كان الصابئون والمشركون كالبراهمة ونحوهم من منكري النبوات مشركين بالله فى إقرارهم وعبادتهم وفاسدي الاعتقاد فى رسله..."

    -ولعل ما سبق من نقل عن شيخ الإسلام رحمه الله يدل على المعنى الأول لأصل الدين وهو التوحيد الذي ضده الشرك وما سيأتي إن ساء الله يشمل المعاني الباقية إن شاء الله

    15- يقول رحمه الله : مجموع الفتاوى ج: 3 ص: 294
    "…. فأجاب الحمد لله رب العالمين أما المسألة الأولى فقول السائل هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد فيها كلام أم لا سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة فإن المسائل التي هي من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه لا يجوز أن يقال لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين وأنها مما يحتاج إليه الدين ثم نفى نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة وكلا هذين باطل قطعا وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعا فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه وجهله بالثاني يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو
    وأشكاله عقليات وإنما هي جهليات وجهله بالأمرين يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل والوسائل الباطلة وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذا قهم فضلا عن عامتهم وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولا أو قولا وعملا كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد أو دلائل هذه المسائل أما القسم الأول فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا قاطعا للعذر إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين وبينه للناس وهو من اعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه والحكمة التي هي سنة رسول الله التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب…."
    -فمن الواضح من هذا النقل تقريره رحمه الله لمصطلح أصول الدين وكذلك التقسيم إلى أصول وفروع بل وتحديد الأصول كما في قوله (وذلك أن أصول الدين إما أن تكون مسائل يجب اعتقادها قولا أو قولا وعملا كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد..) فكيف يقال أنه ينفي هذا التقسيم بإطلاق ؟

    16- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 22 ص: 254
    "…وكل هذا من التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه وكل هؤلاء المتعصبين بالباطل المتبعين الظن وما تهوى الأنفس المتبعين لأهوائهم بغير هدى من الله مستحقون للذم والعقاب وهذا باب واسع لا تحتمل هذه الفتيا لبسطه فإن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية فكيف بقدح فى الأصل بحفظ الفرع.."

    17- ويقول في مجموع الفتاوى ج: 27 ص: 276
    ".. ثم أنه بعد تقسيم الخلق قرر أصول الدين فقرر التوحيد أولا ثم النبوة ثانيا بقوله يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعملون ثم قرر النبوة بقوله وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فأخبر انهم لا يفعلون ذلك كما قال قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ثم ذكر الجنة فقرر التوحيد والنبوة والمعاد وهذه أصول الإيمان."
    18- يقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 1 ص: 18
    فصل:
    " قال فى الحديث المشهور فى السنن من رواية فقيهي الصحابة عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم وفى حديث أبى هريرة المحفوظ إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم فقد جمع فى هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث إخلاص العمل لله ومناصحة أولى الأمر ولزوم جماعة المسلمين وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده وتجمع الحقوق التى لله ولعباده وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة وبيان ذلك أن الحقوق قسمان حق لله وحق لعباده فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئا كما جاء لفظه فى أحد الحديثن وهذا معنى إخلاص العمل لله كما جاء فى الحديث الآخر وحقوق العباد قسمان خاص وعام أما الخاص فمثل بر كل إنسان والديه وحق زوجته وجاره فهذه من فروع الدين لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه ولأن مصلحتها خاصة فردية…"

    19- ويقول رحمه الله : مجموع الفتاوى ج: 3 ص: 303
    "… وإنما الغرض التنبيه على أن في القرآن والحكمة النبوية عامة أصول الدين من المسائل والدلائل التي تستحق أن تكون أصول الدين وأما ما يدخله بعض الناس في هذا المسمى من الباطل فليس ذلك من أصول الدين وإن أدخله فيه مثل المسائل والدلائل الفاسدة مثل نفي الصفات والقدر ونحو ذلك من المسائل…"

    20- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 4 ص: 154
    "… ثم مثل أبي محمد وأمثاله لم يكن يستحل أن يتكلم في كثير من فروع الفقه بالتقليد فكيف يجوز له التكلم في أصول الدين بالتقليد والنكتة أن الذام به إما مجتهد وإما مقلد أما المجتهد فلا بد له من نص أو إجماع أو دليل يستنبط من ذلك فإن الذم والحمد من الأحكام الشرعية وقد قدمنا بيان ذلك وذكرنا أن الحمد والذم والحب والبغض والوعد والوعيد والموالاة والمعادات ونحو ذلك من أحكام الدين لا يصلح إلا بالأسماء التي أنزل الله بها سلطانه…"

    21- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 12 ص: 87
    "…وقد ذكرنا فى المسائل الطبرستانية و الكيلانية بسط مذاهب الناس وكيف تشعبت وتفرعت فى هذا الأصل والمقصود هنا ان كثيرا من الناس المتأخرين لم يعرفوا حقيقة كلام السلف والأئمة فمنهم من يعظمهم ويقول انه متبع لهم مع انه مخالف لهم من حيث لا يشعر ومنهم من يظن أنهم كانوا لا يعرفون أصول الدين ولا تقريرها بالدلائل البرهانية وذلك لجهله بعلمهم بل لجهله بما جاء به الرسول من الحق الذى تدل عليه الدلائل العقلية مع السمعية…"

    22- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 16 ص: 251
    "فصل فى بيان أن الرسول صلى الله عليه و سلم أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين و هي الأدلة العقلية الدالة على ثبوت الصانع و توحيده و صدق رسوله صلى الله عليه و سلم و على المعاد إمكانا و وقوعا و قد ذكرنا فيما تقدم هذا الأصل غير مرة و أن الرسول صلى الله عليه و سلم بين الأدلة العقلية و السمعية التي يهتدي بها الناس إلى دينهم و ما فيه نجاتهم و سعادتهم فى الدنيا و الآخرة و أن الذين ابتدعوا أصولا تخالف بعض ما جاء به هي أصول دينهم لا أصول دينه و هي باطلة عقلا و سمعا كما قد بسط في غير موضع…"

    23- ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 16 ص: 371
    "…قال تعالى قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا فابتغوا معه آلهة أخرى و لم يثبتوا معه خالقا آخر فقال فى أعظم الآيات الله لا إله إلا هو الحي القيوم ذكره فى ثلاثة مواضع من القرآن كل موضع فيه أحد أصول الدين الثلاثة و هى التوحيد و الرسل و الآخرة هذه التى بعث بها جميع المرسلين و أخبر عن المشركين أنهم يكفرون بها في مثل قوله "و لا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا و الذين لا يؤمنون بالآخرة و هم بربهم يعدلون"…"

    24-ويقول رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 19 ص: 230
    "…واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار مثل الإقرار بوجود الخالق وبوحدانيته وعلمه وقدرته ومشيئته وعظمته والإقرار بالثواب وبرسالة محمد وغير ذلك مما يعلم بالعقل قد دل الشارع على أدلته العقلية وهذه الأصول التى يسميها أهل الكلام العقليات وهى ما تعلم بالعقل فإنها تعلم بالشرع لا أعنى بمجرد أخباره فان ذلك لا يفيد العلم إلا بعد العلم بصدق المخبر فالعلم بها من هذا الوجه موقوف على ما يعلم بالعقل من الإقرار بالربوبية وبالرسالة وإنما أعنى بدلالته وهدايته.."
    ولعل بعد هذه النقولات عن شيخ الإسلام رحمه الله لا أظن أنه هناك مجال للشك في صحة هذا التقسيم إن شاء الله .

    ولي بعد ذلك تنبيه :
    هذا التقسيم مسالة اصطلاحية المقصود منها التميز والتعريف ووضع الحدود والخصائص كتقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية وأسماء وصفات لما ظن بعض الناس أن التوحيد هو مجرد الإقرار بالربوبية لزم التمييز وتحديد المعنى وإن لم يكن ذات التقسيم معروف لدى السلف ولكن كما يقال لا مشاحة في الاصطلاح إذا كان المعنى صحيح ،وفي مسألتنا هذه التبست كثير من المفاهيم على بعض الناس حتى صار لا يفرق بين مسائل الدين الكبار مما يختص بالتوحيد وحق الله سبحانه وتعالى على عباده وبين بعض الواجبات الأخرى التي تدخل في الفروع فمثلا تجد الرجل مصلي عابد محافظ على بعض شعائر الإسلام يذهب لانتخاب العلمانيين في مجالس التشريع الوضعية أو ينادي بالديمقراطية أو غير ذلك لجهله بحقائق التوحيد وغياب المفاهيم فيأتي التقسيم ليبين أصل الدين وخصائصه وحدوده ،والخطأ في المسألة ليس هو في ذات التقسيم كما سبق لكن الخطأ يأتي من بناء الأحكام الباطلة على هذا التقسيم دون الرجوع إلى أدلة خاصة كما فعلت المعتزلة وغيرهم من أهل البدع .
    -ولقد اقتصرت في النقل على كلام شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله دون غيره من أهل العلم وذلك لأنه لم يرد نفي هذا التقسيم فيما أعلم إلا عنه رحمه الله واقتصرت على بعض النقولات دون حصر لأن النقل عنه في هذه المسألة لا يسعه مجلد كبير لكني اقتصرت على ما يوضح ما ذهبت إليه وأرجو أن أكون وفيت إن شاء الله

    وأخيراً :
    يقول شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 19 ص: 134
    25- "…إذا عرف هذان النوعان فمن الناس من يسمى العلم والاعتقاد والحكم والقول الخبرى التابع علم الأصول وأصول الدين أو علم الكلام أو الفقه الأكبر ونحو ذلك من الأسماء المتقاربه وإن اختلفت فيها المقاصد والاصطلاحات ويسمى النوع الآخر علم الفروع وفروع الدين وعلم الفقه والشريعة ونحو ذلك من الأسماء وهذا اصطلاح كثير من المتفقهة والمتكلمة المتأخرين ومن الناس من يجعل أصول الدين اسما لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسح ولا يغير سواء كان علميا أو عمليا سواء كان من القسم الأول أو الآخر حتى يجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين وقد يجعل بعض الأمور الاعتقادية الخبرية من فروعه ويجعل اسم الشريعة ينتظم العقائد والأعمال ونحو ذلك وهذا اصطلاح غلب على أهل الحديث والتصوف وعليه أئمة الفقهاء وطائفة من أهل الكلام…"
    فكيف يقال بعد هذا أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع بدعة ويطلق القول بهذا.
    وأختم بقوله رحمه الله في مجموع الفتاوى ج: 10 ص: 236:
    "..وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد دينا إلا إياه وهو حقيقة العبادة لرب العالمين فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه ويكمله لنا ويميتنا عليه وسائر إخواننا المسلمين .
    هذا والله أعلم ‘ والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم"

    كتبه : أبو عبدالرحمن الباشا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,267

    افتراضي

    مسألة تقسيم الدين إلى أصول، وفروع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه ؛؛؛ أما بعد: مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع؛ معروفة عند السلف؛ متواترة عنهم؛ لا سبيل إلى إنكارها، أو التشكيك فيها؛ يعرف ذلك كل من شم رائحة العلم؛ فضلاً عمن له عناية بكتب السلف واطلاع على كلامهم. لكن ينبغي النظر إلى مراد القائل من هذا التقسيم: فإن كان المراد منه؛ أن الأصول يكفر المخالف فيها، والفروع لا يكفر. فهذا باطل قطعاً؛ إذ من الفروع ما يكفر المخالف فيها؛ لذلك قال ابن تيمية: "تقسيم المسائل؛ إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها؛ ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أئمة الاسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة ونحوهم من أئمة البدعة".(مختصر الفتاوى المصرية للبعلي ص 68) أو كان مراده بالأصول؛مسائل الاعتقاد، وبالفروع؛ مسائل العمل. فهذا باطل أيضاً؛ لأن الصلاة والزكاة وبقية الأركان، وتحريم الزنا والخمر والقتل؛ مسائل عملية، وهي من أصول الدين. أو كان المراد من هذا التقسيم؛ أن الأصول هي القطعية، والفروع هي الظنية، ونحو هذا مما ابتدعته المعتزلة. فهذا باطل أيضاً؛ لأن هذا من الأمور النسبية الإضافية؛ قال ابن تيمية: "وإن قيل: الأصول هي القطعية؛ فيقال: كثير من مسائل النظر ليست قطعية، وكون المسألة قطعية أو ظنية هي أمور تختلف باختلاف الناس؛ فقد يكون قاطعاً عند هذا؛ ما ليس قاطعاً عند هذا؛ كمن سمع لفظ النص وتيقن مراده، ولا يبلغ قوة النص الآخر عنده؛ فلا يكون عنده ظنياً؛ فضلا عن كونه قطعياً". (مختصر الفتاوى المصرية للبعلي ص 68). فهذا الذي أنكره العلماء؛ كابن تيمية وغيره، وعدوه بدعة. انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية 23/346-374) أما إذا كان المقصود بالتقسيم؛ مجرد اصطلاح للتفريق بين مسائل العقيدة، ومسائل الفقه؛ فلا بأس بذلك،ومن هذا الباب: 1- رسالة أصول السنة للإمام أحمد، وللحميدي، ولابن أبي زمنين، وغيرهم. 2- وكتاب الفروع لابن مفلح، وغيرها من مؤلفات أهل السنة. 3- وفي اعتقاد ابن أبي حاتم المشهور عنه؛ قال: سألت أبي وأبا زرعة؛ عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: .. إلى آخر ما ذكراه من مسائل أصول الدين. فإطلاق القول بأن هذا التقسيم بدعة؛ خطأ ظاهر، وابن تيمية الذي يحتج بعضهم بكلامه، وأنه أنكر هذا التقسيم؛ فإنكاره له من جهة الحد - لا من جهة الاصطلاح - وإلا فقد تواتر عنه هذا التقسيم؛ مثل قوله: "قال في الحديث المشهور في السنن؛ من رواية فقيهي الصحابة: عبدالله بن مسعود وزيد بن ثابت: ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم. وفي حديث أبى هريرة المحفوظ: إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث: إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، وهذه الثلاث: تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة، وبيان ذلك أن الحقوق قسمان: حق لله وحق لعباده؛ فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئاً؛ كما جاء لفظه في أحد الحديثين، وهذا معنى إخلاص العمل لله؛ كما جاء في الحديث الآخر، وحقوق العباد قسمان: خاص وعام؛ أما الخاص: فمثل بر كل إنسان والديه وحق زوجته وجاره؛ فهذه من فروع الدين لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه، ولأن مصلحتها خاصة فردية"اهـ (مجموع الفتاوى 1/18) وقوله: "ولو كان الناس محتاجين في أصول دينهم إلى ما لم يبينه الله ورسوله؛ لم يكن الله قد أكمل للأمة دينهم ولا أتم عليهم نعمته؛ فنحن نعلم أن كل حق يحتاج الناس إليه في أصول دينهم لا بد أن يكون مما بينه الرسول؛ إذ كانت فروع الدين لا تقوم إلا بأصوله؛ فكيف يجوز أن يترك الرسول أصول الدين التي لا يتم الإيمان إلا بها لا يبينها للناس، ومن هنا يعرف ضلال من ابتدع طريقاً أو اعتقاداً زعم أن الإيمان لا يتم إلا به مع العلم بأن الرسول لم يذكره"اهـ (درء التعارض 1/233) وقوله: "أما المسألة الأولى: فقول السائل - هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد فيها كلام أم لا؟ - سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة. فإن المسائل التي هي من أصول الدين - التي تستحق أن تسمى أصول الدين - أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه: لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي فيها كلام؛ بل هذا كلام متناقض في نفسه إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين؛ وأنها مما يحتاج إليه الدين؛ ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين: إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة، وكلا هذين باطل قطعاً. وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين؛ وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعاً؛ فإن جهله بالأول: يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه. وجهله بالثاني: يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات؛ وإنما هي جهليات. وجهله بالأمرين: يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها؛ من المسائل والوسائل الباطلة، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك؛ كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلا عن عامتهم"اهـ (3/294-295) وقوله: "فتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه سواء كان خبراً أو إنشاء؛ أمر معلوم بالفطرة، والشرعة؛ فليس الخبر المتضمن للحمد لله والثناء عليه بأسمائه الحسنى؛ كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس، وإن كان هذا كلاماً عظيماً معظماً تكلم الله به، وكذلك ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به الشرائع كلها، وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة والنهي عن الشرك وقتل النفس والزنا، ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها وما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع وإماطة الأذى عن اللقمة الساقطة والنهي عن القران في التمر، ولو كان الأمران واجبين؛ فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله؛ كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، والأمر بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت"اهـ (مجموع الفتاوى 17/58-59) وقوله: "إذا عرف هذان النوعان؛ فمن الناس من يسمى العلم والاعتقاد والحكم والقول الخبري التابع علم الأصول وأصول الدين أو علم الكلام أو الفقه الأكبر ونحو ذلك من الأسماء المتقاربة، وإن اختلفت فيها المقاصد والاصطلاحات، ويسمى النوع الآخر علم الفروع وفروع الدين وعلم الفقه والشريعة، ونحو ذلك من الأسماء وهذا اصطلاح كثير من المتفقهة والمتكلمة المتأخرين. ومن الناس من يجعل أصول الدين اسماً لكل ما اتفقت فيه الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير؛ سواء كان علمياً أو عملياً؛ سواء كان من القسم الأول أو الآخر؛ حتى يجعل عبادة الله وحده ومحبته وخشيته ونحو ذلك من أصول الدين، وقد يجعل بعض الأمور الاعتقادية الخبرية من فروعه، ويجعل اسم الشريعة ينتظم العقائد والأعمال ونحو ذلك، وهذا اصطلاح غلب على أهل الحديث والتصوف، وعليه أئمة الفقهاء وطائفة من أهل الكلام"اهـ (مجموع الفتاوى 19/134) وقوله: "وكل هذا من التفرق والاختلاف الذي نهى الله ورسوله عنه، وكل هؤلاء المتعصبين بالباطل المتبعين الظن وما تهوى الأنفس المتبعين لأهوائهم بغير هدى من الله مستحقون للذم والعقاب، وهذا باب واسع لا تحتمل هذه الفتيا لبسطه؛ فإن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية؛ فكيف بقدح في الأصل بحفظ الفرع"اهـ (مجموع الفتاوى 22/254) وقوله: "حتى إن الأشعري نفسه وأمثاله؛ قد بينوا طريقة السلف في أصول الدين واستغنائها عن الطريقة الكلامية"اهـ (الاستقامة 1/6) وقوله: "فقد أمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم؛ أن يحكم بما أنزل الله إليه، وحذره اتباع أهوائهم، وبين أن المخالف لحكمه؛ هو حكم الجاهلية حيث قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، وأخبره تعالى أنه جعل لكل من أهل التوراة والإنجيل والقرآن شرعة ومنهاجاً، وأمره تعالى بالحكم بما أنزل الله؛ أمر عام لأهل التوراة والإنجيل والقرآن؛ ليس لأحد في وقت من الأوقات أن يحكم بغير ما أنزل الله، والذي أنزله الله هو دين واحد اتفقت عليه الكتب والرسل، وهم متفقون في أصول الدين وقواعد الشريعة، وإن تنوعوا في الشرعة والمنهاج"اهـ (الجواب الصحيح 2/438) وقوله: "الرازي وأمثاله ليس لهم خبرة بأقوال الصحابة والتابعين وأقوال أئمة المسلمين في مسائل أصول الدين؛ بل إنما يعرفون أقوال الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام المحدث، وهؤلاء كلهم مبتدعة عند سلف الأمة وأئمتها"اهـ (الصفدية 2/268) وقوله: "من تأمل ما تُرد به السنن في غالب الأمر؛ وجدها أصولاً قد تلقيت بحسن الظن من المتبوعين، وبنيت على قواعد مغروضة، إما ممنوعة أو مسلمة مع نوع فرق، ولم يعتصم المثبت لها في إثباته بكثير حجة أكثر من نوع رأي أو أثر ضعيف؛ فيصير مثبتاً للفرع بالفرع؛ من غير رد إلى أصل معتمد من كتاب أو سنة أو أثر، وهذا عام في أصول الدين، وفروعه"اهـ (الفتاوى الكبرى 6/287) وقوله: "فقول السائل: هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل أصول الدين، وإن لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا؟سؤال ورد بحسب ما عهد من الأوضاع المبتدعة الباطلة؛ فإن المسائل التي هن من أصول الدين التي تستحق أن تسمى أصول الدين - أعني الدين الذي أرسل الله به رسوله، وأنزل به كتابه - لا يجوز أن يقال: لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها كلام؛ بل هذا كلام متناقض في نفسه؛ إذ كونها من أصول الدين يوجب أن تكون من أهم أمور الدين، وأنها مما يحتاج إليه الدين؛ ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين: إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج إليها الدين فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة، وكلا هذين باطل قطعاً، وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين، وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول، أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم، أو جاهل بهما جميعاً، فإن جهله بالأول يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين، وفروعه "اهـ (درء التعارض 1/26-27) وقوله: "ويقال: ثانياً: من احتج في مسألة فرعية بحديث؛ فلا بد له أن يسنده؛ فكيف في مسائل أصول الدين"اهـ ((منهاج السنة 4/286) وقوله: "والمعلوم عصمته هو الرسول؛ فما لم يثبت نقل معلوم عن الرسول بما يقولونه؛ لم يكن معهم حجة سمعية أصلاً؛ لا في أصول الدين، ولا في فروعه"اهـ (منهاج السنة 8/343)
    وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,609

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    كتبه : أبو عبدالرحمن الباشا
    http://www.saaid.net/Doat/ALbasha/3.htm

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,609

    افتراضي



    المبحث الثاني: ضوابط التمييز بين الأصول والفروع



    جرت عادة كثير من العلماء في التفريق بين مسائل في الدين يعتبرونها أصولاً، وبين أخرى يعتبرونها فروعاً، وبنوا على ذلك العذر بالخطأ وغيره من العوارض في الفروع، وعدم العذر بها في الأصول.
    كما طبق هذا التقسيم على العلوم الشرعية، حيث جعلت مسائل علم العقيدة وعلم الأصول أصولاً، وجعلت مسائل علم الفقه فروعاً، مما حدا ببعض العلماء إلى إنكار تقسيم الشريعة إلى أصول وفروع.

    والملاحظ على هذا التقسيم بين مسائل الدين أو بين علوم الشرعية، يلاحظ عليه عدم انضباطه متفق عليه بين من رأى هذا التقسيم، ولهذا رد بعض العلماء هذا التقسيم، وانتقدوا من قال به ردوا عليهم.


    ومن أبرز العلماء الذين ردوا هذا التقسيم ورفضوه خاصة لما بني عليه من التطبيقات من حيث التكفير بالخطأ في الأصول، والعذر في الفروع، ومن حيث التهوين من شأن مسائل مهمات في الدين تعد من أركانه، إذ جعلت من فروع الدين؛ لأنها ليست من مسائل العقيدة – بزعمهم – كالصلاة والزكاة وما إليها من مسائل اختص بها علم الفقه في أغلب الأحيان. فكان من أبرز من رد هذا التقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وتابعه على ذلك تلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله.


    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول، وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع، فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم، وهو تفريق متناقض. فإنه يقال لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطئ فيها؟، وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟. فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد، ومسائل الفروع هي مسائل العمل، قيل له: فتنازع الناس في محمد صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه أم لا؟، وفي أن عثمان أفضل من علي، أم علي أفضل؟، وفي كثير من معاني القرآن وتصحيح بعض الأحاديث، هي من المسائل الاعتقادية العلمية، ولا كفر فيها بالاتفاق. ووجوب الصلاة والزكاة والصيام وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل عملية، والمنكر لها يكفر بالاتفاق.


    وإن قال: الأصول هي المسائل القطعية، قيل له: كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية. وكون المسائل قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية؛ لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من الرسول صلى الله عليه وسلم وتيقن مراده منه. وعند رجل لا تكون ظنية، فضلاً عن أن تكون قطعية؛ لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته) (1) .


    وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: (إنهم قسموا الدين إلى مسائل علمية وعملية وسموها أصولا وفروعاً، وقالوا: الحق في مسائل الأصول واحد، ومن خالفه، فهو كافر أو فاسق. وأما مسائل الفروع، فليس لله تعالى فيها حكم معين ولا يتصور فيها الخطأ، وكل مجتهد مصيب لحكم الله تعالى الذي هو حكمه. وهذا التقسيم لو رجع إلى مجرد الاصطلاح لا يتميز به ما سموه أصولاً مما سموه فروعا، فكيف وقد وضعوا عليه أحكاماً وضعوها بعقولهم وآرائهم... ومنها: إثبات الفروع بأخبار الآحاد دون الأصول، وغير ذلك. وكل تقسيم لا يشهد له الكتاب والسنة وأصول الشرع بالاعتبار، فهو تقسيم باطل يجب إلغاؤه) (2) .


    غير أن النظر المدقق في هذه المسألة يجد أن التقسيم لا يرد جملة، بل يصح إذا تحقق فيه أمران:
    الأول: إعادة النظر في ضوابط التمييز بين الأصول والفروع، وذلك بوضع ضوابط صحيحة المعنى من الناحية الشرعية.
    الثاني: التحقيق العلمي للأحكام المتعلقة بكل من الأصول والفروع.

    ومما يدل على أن هذا التقسيم قد يقبل إذا توفرت شروط معينة موقف شيخ الإسلام ذاته من هذه المسألة، حيث إنه – رحمه الله – استعمل عبارة أصول الدين وفروعه،لكن لا على اصطلاح أهل الكلام، ومن ذلك – مثلا – قوله: (وإذا عرفت أن مسمى أصول الدين في عرف الناطقين بهذا الاسم فيه إجمال وإبهام؛ لما فيه من الاشتراك بحسب الأوضاع والاصطلاحات تبين أن الذي هو عند الله ورسوله وعباده المؤمنين أصول الدين، فهو موروث عن الرسول) (3) . وقوله: (ما زال كثير من أئمة الطوائف الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وإن كانوا في فروع الشريعة متبعين بعض أئمة المسلمين – رضي الله عنهم أجمعين -، فإنهم يقولون: نحن في الأصول أو في السنة على مذهب أحمد بن حنبل) (4) . وقوله: (والغرض هنا أن طريقة القرآن جاءت في أصول الدين وفروعه في الدلائل والمسائل بأكمل المناهج) (5) .

    مما يدل على أن هذا التقسيم إذا كان منضبطاً بضوابط شرعية صحيحة، وبني عليه أحكام صحيحة كذلك، فإنه لا مانع منه، أو يكون بهذا الاعتبار مسألة اصطلاحية لا يترتب عليها أحكام شرعية، وعليه فلا ينسب هذا التقسيم إلى الشرع، بحيث تترتب عليه أحكام شرعية. وهذا الذي قد يحمل عليه موقف شيخ الإسلام من هذه المسألة، بحيث يحمل عدم ارتضائه لهذا التقسيم واستعماله للتعبير الدال عليه، يحمل ذلك على إنكاره ترتيب أحكام التكفير والتفسيق وغيرها على أساس ذلك التقسيم (6) .

    أما عن ضوابط التفريق بين الأصول والفروع، فللعلماء عدة طرق في التفريق بينها (7) ، ومنها:
    1- أن ما كان عقلياً، فهو من الأصول، وما كان دليله نقلياًن فهو من الفروع.
    2- أن ما كان دليله قطعياً، فهو من الأصول، وما كان ظنياً، فهو من الفروع.
    3- أن الأصول هي العلميات، والفروع هي العمليات.
    4- أن الأصول هي الطلبيات، والفروع هي الخبريات (8) .

    وما من قول من هذه الأقوال إلا ودار حوله نقاش، ووجد له ما يعارضه حتى لم يكاد يسلم منها قول، وإن كان في بعضها وجهة نظر قوية ومعتبرة. والذي يترجح عندي في ضابط التمييز بين الأصول والفروع، هو أن كل ما كان جليلاً من المسائل، فهو من الأصول. وما كان دقيقاً منها، فهو من الفروع علميا كان أو عمليا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين – العلمي والعملي – مسائل أصول، والدقيق مسائل فروع. فالعلم بالواجبات كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر) (9) .

    https://dorar.net/aqadia/71

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,609

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    10,081

    افتراضي

    كتب الدكتور سلطان العميري حول هذا القضية مقالًا على صفحته في: (الفيس بوك)، أنقله لإثراء الموضوع وتوسعة دائرة النقاش:

    هل مسائل العقيدة أوجب من غيرها وأكد في كل الأحوال ؟
    مسائل العقيدة ليست آكد من غيرها في كل الأحوال، ومعنى هذا الحكم أن مسائل العقيدة ليست دائمًا أهم من غيرها من مسائل الدين الأخرى، ولا آكد ولا أوجب، وإنما يختلف حال المسألة العقدية باختلاف منزلتها من الشريعة؛ فإن كانت أصلًا من أصول الدين فهي أهم من الفروع، لا لأنها مسألة عقدية وإنما لأنها مسألة أصلية.
    فلا يترتب على الوصف بالعقدية أي هم شرعي، لأن مسائل الشريعة إنما تتفاضل وتختلفل أحكامها باختلاف منزلتها من الشريعة وتنوع مكانتها لا باختلاف طبيعتها أو العلم الذي تبحث فيها، ووصف بالمسألة بكونها عقدية ليس وصفًا راجعًا إلى ذلك المعنى المؤثر، وإنما هو وصف راجع إلى طبيعة العلم الذي تبحث فيه أو إلى طبيعة قيامها بالمكلف، وهذه أوصاف لا تأثير لها في الأحكام الشرعية.
    وبناء على هذا التفصيل فإنه يقال: مسائل العقدية على مراتب:
    المرتبة الأولى: مسألة من أصول الدين، ومسائل أصول الدين متفاوتة في منزلتها، وبناء عليه؛ فبعض أصول الدين العلمية قد تكون أهم من بعض أصول الدين العقدية وآكد.
    المرتبة الثانية: مسألة من فروع الدين، ومسائل فروع الدين متفاوتة أيضا في منزلتها، وبناء عليه؛ فبعض فروع الدين العملية قد تكون أهم من بعض فروع الدين العقدية وآكد.
    وفروع الدين متنوعة في أحكامها، فبعضها واجب وبعضها مستحب، والواجبات العلمية أهم وآكد من المستحبات العقدية، والواجبات العقدية أهم من المستحبات العملية؛ لكونها واجبة وليس لكونها عقدية.
    وفي بيان هذا الحكم وذكر عدد من أمثلته يقول ابن تيمية: (ت728ه): (قد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية؛ بل هذا هو الغالب فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجمل؛ وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره. وأما الأعمال الواجبة: فلا بد من معرفتها على التفصيل؛ لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة).
    ثم بيَّن مقتضى قولنا بأن المسائل العقدية قد تكون بمنزلة المسائل العملية وضرب له مثلين، فقال : (قولنا: إنها قد تكون بمنزلتها يتضمن أشياء: منها: أنها تنقسم إلى قطعي وظني، ومنها: أن المصيب وإن كان واحدا فالمخطئ قد يكون معفوًا عنه وقد يكون مذنبًا وقد يكون فاسقًا وقد يكون كالمخطئ في الأحكام العملية).
    ثم زاد هذا الحكم وضوحًا وبين أن المسائل العقدية تختلف أحكامها وبين بعض الآثار العلمية المترتبة على ذلك، حيث يقول: (ومما يتصل بذلك: أن المسائل الخبرية العلمية قد تكون واجبة الاعتقاد وقد تجب في حال دون حال وعلى قوم دون قوم؛ وقد تكون مستحبة غير واجبة وقد تستحب لطائفة أو في حال كالأعمال سواء. وقد تكون معرفتها مضرة لبعض الناس فلا يجوز تعريفه بها كما قال علي - رضي الله عنه -: (حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله).
    وقال ابن مسعود رضي الله عنه:
    (ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم).

    ومن أهم النتائج العلمية التي تترتب على هذا الحكم –أعني أن مسائل العقدية ليست آكد من غيرها في كل الأحوال- نتيجتان مهمتان:
    الأولى: في تحديد الأولويات الدعوية؛ فإنك ترى كثيرًا من الناس يسير على قاعدة مطردة في دعوته، وهو أنه يقدم المسائل العقدية في الدعوة في كل الأحوال بحجة أن هذا النوع من المسائل أهم من غيره وآكد، وهذا السلوك غير دقيق؛ بل قد تكون المسألة العملية مما يبحث في الفقه أو الأخلاق أهم من المسألة العقدية فتقدم عليها، وقد تكون المسألة العقدية مما تترتب عليه مفاسد أعظم من المصالح لبعض الناس أو في بعض الأحوال، فيوجب ذلك تأخيرها.
    الثانية: في حكم المخالف؛ فإنك ترى كثيرا من الناس يسير على قاعدة مطردة لديه، حاصلها أن المخالف في العقيدة أشد انحرافًا من المخالف في المسائل العملية، وأن الإنكار عليه يكون أولى من الإنكار على غيره، وهذا الحكم غير سديد، فقد تكون المخالفة في مسألة عملية أشد وأعظم من المخالفة في مسألة عقدية لأنها آكد وأوجب في الشريعة، ويكون المخالف في المسألة العملية جراء ذلك أولى بالإنكار من المخالف في المسألة العقدية.

    https://www.facebook.com/permalink.p...00022945720944
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,267

    افتراضي

    كلام الشيخ سلطان العميرى لا غبار عليه وهو كلام جيد جدا ولكن الاشكالات تَكْمُنْ فى التفاصيل-عند التفصيل يتضح مراد المتكلم
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سلطان العميرى مشاهدة المشاركة

    الأولى: في تحديد الأولويات الدعوية؛ فإنك ترى كثيرًا من الناس يسير على قاعدة مطردة في دعوته، وهو أنه يقدم المسائل العقدية في الدعوة في كل الأحوال بحجة أن هذا النوع من المسائل أهم من غيره وآكد،وهذا السلوك غير دقيق؛ بل قد تكون المسألة العملية مما يبحث في الفقه أو الأخلاق أهم من المسألة العقدية فتقدم عليها، وقد تكون المسألة العقدية مما تترتب عليه مفاسد أعظم من المصالح لبعض الناس أو في بعض الأحوال، فيوجب ذلك تأخيرها.
    الثانية: في حكم المخالف؛ فإنك ترى كثيرا من الناس يسير على قاعدة مطردة لديه، حاصلها أن المخالف في العقيدة أشد انحرافًا من المخالف في المسائل العملية، وأن الإنكار عليه يكون أولى من الإنكار على غيره، وهذا الحكم غير سديد، فقد تكون المخالفة في مسألة عملية أشد وأعظم من المخالفة في مسألة عقدية لأنها آكد وأوجب في الشريعة، ويكون المخالف في المسألة العملية جراء ذلك أولى بالإنكار من المخالف في المسألة العقدية.


    --قوله
    وهو أنه يقدم المسائل العقدية في الدعوة في كل الأحوال بحجة أن هذا النوع من المسائل أهم من غيره وآكد،وهذا السلوك غير دقيق
    ما المقصود بأن هذا النوع من المسائل أهم من غيره وآكد وهذا السلوك غير دقيق--هل الاهتمام بأهم المهمات وأول الواجبات وهو التوحيد ونفى الشرك او الاهتمام بالاهم فالمهم محدد فى اولويات الدعوة ام لا-مع قيام المقتضى وهو جهل الناس بحقيقة هذا الدين وحقيقة التوحيد -وأصل دين الاسلام الذى بدأت الرسل به اقوامهم -وكذلك غربة الاسلام الحقيقى بين الناس -ما هى الالويات هنا ان نبدأ بدعوة الناس الى التوحيد وتفى الشرك و كذلك مقتضيات التوحيد ولوازمه من الولاء والبراء وغير ذلك من مقتضيات الدعوة الى التوحيد --يسمَّى اليوم من يجعل هذه الامور اولوياته باسماء كوهابى ومتشدد وغيرها من الاسماء التى تنفر الناس من قبول دعوة التوحيد--يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن-كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنما تنقض عرى
    الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" وهذا لأنه لم يعرف الشرك، وما عابه القرآن وذمه، فوقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي، يرى ذلك عياناً، والله المستعان [الدرر السنية] ---اذا كان اهم المهمات واول الواجبات داخل فى الاولويات-بل يكون هو اوْلَى الاولويات--- فلا اشكال فى الاختلاف فى بقية الاولويات الاخرى حسب المقتضى والداعى ومراحل الدعوة من حيث الضعف والقوه والتمكين وغيره--ولكن الاهم هو ان يكون اهم المهمات فى دعوتنا هو الاهتمام بالدعوة الى التوحيد --لانك اذا نظرت الى واقع التيار الاسلامى- وجدت منهم من يهتم بالتوحيد ويجعل ذلك من اولى اولوياته واهم مهماته-ومنهم من لا يهتم بذلك ويجعل اولوياته امور اخرى ويتخطى مرحلة الدعوة فى تصحيح العقيدة والتوحيد الذى بدأت به الانبياء والرسل----فتراه قائد او منظر لبعض التيارات الاسلامية وعند التحقيق تجد عنده جهل بحقيقة التوحيد وما جاءت به الرسل من نفى الشرك- ونحن لا نقلل من بقية الاولويات ولكن لابد لهذه الاولويات من أصل يصحهها وهو تحقيق التوحيد ونفى الشرك هذا هو الاصل الذى تنطلق منه جميع الاولويات الاخرى-- وهذه دعوى يدعيها جميع الجماعات والتيارات الاسلامية -ولكن الذى يشهد بصدقها او كذبها واقع واحوال هذه الجماعات-فنقول الجماعات التى تهتم باصل دين الاسلام وتدعوا اليه والى مقتضياته ولوازمه هى الطائفة المنصورة -والمثال الواضح -للمحققين لهذه الدعوة- علماء الدعوة النجدية توارثوا هذه الدعوة علما واعتقادا وعملا جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن فلهم السبق فى هذا الميدان وكتبهم ورسائلهم وجهادهم فى تحقيق هذه الدعوة شاهده بذلك[قس على هذا]-ثم يأتى بعض المعاصرين ينْحَى بهذه الدعوة عن حقيقتها ومضمونها وجهادها-بتأويلات كثيرة يريد دعاتها إطفاء ما استبان من الحق
    في حكم المخالف؛ فإنك ترى كثيرا من الناس يسير على قاعدة مطردة لديه، حاصلها أن المخالف في العقيدة أشد انحرافًا من المخالف في المسائل العملية، وأن الإنكار عليه يكون أولى من الإنكار على غيره، وهذا الحكم غير سديد
    مذهب اهل السنة فى العقيدة مذهب واحد لا اختلاف فيه- لذلك الانحراف فيه يكون الى فرقة من الفرق- اما فى الفقة فالمذاهب متعددة لان باب الاجتهاد اوسع وقد بينا ذلك فى موضوع آخر-قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: "وهكذا الفقه إنما وقع فيه الاختلاف لما خفي عليهم بيان صاحب الشرع، ولكن هذا إنما يقع النزاع في الدقيق منه، وأما الجليل فلا يتنازعون فيه، والصحابة أنفسهم تنازعوا في بعض ذلك ولم يتنازعوا في العقائد، ولا في الطريق إلى الله التي يصيبها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين".
    و قال رحمه الله في "منهاج السنة": والمقصود أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يقتتلوا قط، لاختلافهم في قاعدة من قواعد الإسلام أصلا، ولم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام: لا في الصفات، ولا في القدر، ولا في مسائل الأسماء والأحكام، ولا في مسائل الإمامة. لم يختلفوا في ذلك بالاختصام بالأقوال، فضلا عن الاقتتال بالسيف، بل كانوا مثبتين لصفات الله التي أخبر بها عن نفسه، نافين عنها تمثيلها بصفات المخلوقين--------- يقول الشيخ صالح آل الشيخ- الصحابة رضوان الله عليهم أولا لم يختلفوا ولله الحمد في باب من أبواب العقيدة والتوحيد والأصول وإنما اختلفوا في بعض المسائل الاجتهادية كالمسائل الفقهية وبعض مسائل الإمامة التي كانت في زمنهم لها تأويلها.قال الدكتور عبد الرّحمن المحمود في (موقف ابن تيمية من الأشاعرة): لم يكن بين الصحابة خلاف في العقيدة، فهم متفقون في أمور العقائد التى تلقوها عن النبي صلى الله عليه وسلم بكل وضوح وبيان، وهذا بخلاف مسائل الأحكام الفرعية القابلة للاجتهاد والاختلاف،

    ----
    أن المخالف في العقيدة أشد انحرافًا من المخالف في المسائل العملية، وأن الإنكار عليه يكون أولى من الإنكار على غيره، وهذا الحكم غير سديد
    اولا حينما نريد ان نفهم هذا الكلام نفهمه فى ضوء منهجيته وتقريره للحكم على المخالف فى مسائل الشرك وحكم الانحراف فيها لا يمكن ان نفهم الكلام بمعزل عن هذا--فتقول الانحراف فى مسائل العقيدة--اذا كان الانحراف فى الشرك الاكبر-فالانكار هنا أعلى انواع الانكار وهذا هو المنكر الاعظم الذى يجب الاهتمام بانكاره اكثر من اى منكر آخر بل هذا المنكر هو الغاية من مبعث الرسل-اول ما يبدأ الرسل به--[يا ايها المدثر قم فانذر] انذر الناس عن الشرك-وهذا هو معنى لا اله الا الله-
    قد تكون المسألة العملية مما يبحث في الفقه أو الأخلاق أهم من المسألة العقديةفتقدم عليها، وقد تكون المسألة العقدية مما تترتب عليه مفاسد أعظم من المصالح لبعض الناس أو في بعض الأحوال، فيوجب ذلك تأخيرها.
    بسبب هذه القواعد التى لا يفهم منها مقصود اصحابها انقلب الحال وصارت الدعوة الى الاخلاق والفقة -وصارت العقيدة فى خبر كان--وصار الكلام فى العقيدة والكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك واهله عندهم مما تترتب عليه مفاسد أعظم من المصالح لبعض الناس أو في بعض الأحوال، فيوجب ذلك تأخيرها- اما المراد الصحيح من هذا الكلام يقول شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله--وَأَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقِّقِينَ وَالصُّوفِيَّةِ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَعْمَالَ أَهَمُّ وَآكَدُ مِنْ مَسَائِلِ الْأَقْوَالِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا ؛ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ كَلَامُهُمْ إنَّمَا هُوَ فِيهَا وَكَثِيرًا مَا يَكْرَهُونَ الْكَلَامَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ لَيْسَ فِيهَا عَمَلٌ كَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ... ، بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْجَلِيلَ مَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصِّنْفَيْنِ " مَسَائِلُ أُصُولٍ " وَالدَّقِيقَ " مَسَائِلُ فُرُوعٍ " .
    فَالْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ كَمَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَة ِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَأَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْقَضَايَا الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَة ِ ؛ وَلِهَذَا مَنْ جَحَدَ تِلْكَ الْأَحْكَامَ الْعَمَلِيَّةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا كَفَرَ كَمَا أَنَّ مَنْ جَحَدَ هَذِهِ كَفَرَ . وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِالْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ أَوْجَبَ مِنْ الْإِقْرَارِ بِالْقَضَايَا الْقَوْلِيَّةِ ؛ بَلْ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ فَإِنَّ الْقَضَايَا الْقَوْلِيَّةَ يَكْفِي فِيهَا الْإِقْرَارُ بِالْجُمَلِ ؛ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ . وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْوَاجِبَةُ : فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهَا لَا يُمْكِنُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا مُفَصَّلَةً ؛ وَلِهَذَا تُقِرُّ الْأُمَّةُ مَنْ يَفْصِلُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُمْ الْفُقَهَاءُ ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي تَفْصِيلِ الْجُمَلِ الْقَوْلِيَّةِ ؛ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى تَفْصِيلِ الْأَعْمَالِ الْوَاجِبَةِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى تَفْصِيلِ الْجُمَلِ الَّتِي وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا مُجْمَلَةً ." اهـ مجموع الفتاوى6\56-57

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •