السؤال



♦ ملخص السؤال:
فتاة تُصلي وتذكُر الله كثيرًا، لكنها لا تجد أثرًا لذلك في سلوكها وتصرفاتها، وتسأل: كيف أجد أثر الطاعة في أخلاقي وكلامي وتصرفاتي؟

♦ تفاصيل السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أقضي أوقاتًا كثيرةً في الصلاة والقرآن والذِّكر، ولا أجد لذلك أثرًا في تصرفاتي وأخلاقي، فإذا أُغضبت أقول كلمات سيئة لمن حولي، مع قسوةٍ وحِدة شديدةٍ جدًّا!
أريد أن أتعلمَ كيف أجد أثر الطاعة في أخلاقي وكلامي وتصرفاتي، وكيف السبيل إلى ذلك؟
وجزاكم الله خيرًا


الجواب



الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعدُ:

فمِنَ الأمور المتَّفَق عليها عند أهل السنة - خِلافًا للمبْتَدِعة -: أنَّ عمل الطاعات من صلاةٍ وزكاةٍ وقراءة قرآن وذِكْرٍ... إلى غير ذلك، يؤثِّر في علم القلب وعمله، وأنَّ القلبَ كذلك يُؤَثِّر في أعمال الجوارح، ومنها السلوك، فالطاعاتُ هي مادة حياة القلب وقوته وهمته، والقلبُ ملِك الجوارح، فكلٌّ منهما يؤثِّر في الآخر، ويتأثَّر به قوةً وضعفًا.

أما ظُهُور أثر ما تقومين به مِن طاعاتٍ في سلوكك وتصرُّفاتك، فيتطلَّب منك الانتباه لأمرين، وأن يكونا منك على ذكر:
الأول: مِن المُسَلَّم به أنَّ كلًّا مِن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في السلوك العام للشخص، ولكن يتطلَّب ظُهورها المداوَمة على العمل الصالح، ويختلف مِقدار تلك المداومة مِن شخصٍ لآخر بحسب قوة تَوَجُّهه لله تعالى، وإخلاصه في العمل وانقياده، وهذا هو السرُّ في حثِّ النبي صلى الله عليه وسلم على المداوَمة على العمل الصالح؛ كما في حديث عائشة في الصحيحين، قالتْ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أَحَبُّ الأعمال إلى الله تعالى أدومُها، وإن قلَّ))، وكانتْ عائشة إذا عملت العمل لزمتْهُ، وروى مسلمٌ عنها أنه ((كان عملُه صلى الله عليه وسلم ديمة))؛ أي: يُداوم عليه ولا يقطعه، والديمة: المطر الدائم.

فالنفسُ تقْبَل أثَر الطَّاعَة، وتتشرب فائدتها بعد مدة ومُواظَبة واطمئنانٍ، فسبيلُ تَحصيل أثر الطاعة الإدامة والإكثار كمًّا وكيفًا؛ لأن إدامة العمل الصالح والمواظَبة عليه علامة على الرغبة فيه.

أيضًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فسدّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ مِن الدلجة»؛ رواه البخاري، والسدادُ: التوسط في الأعمال التي يُمكن المواظبة عليها، وقوله: ((قاربوا))؛ أي: اقتربوا مِن فعل الأكمل، ثم أرشد صلى الله عليه وسلم إلى ما يستعان به على المداوَمة على العمل الصالح، وهو إيقاعها في الأوقات المنشطة.

وكذلك شرع لنا قضاء الفوائت مِن السنن، كمَن نام عن حزبه من الليل، وقضاء الرواتب؛ كراتبة الظهر والفجر، حتى يحققَ تلك المداومة على العمل الصالح، كي تؤتي العبادات فائدتها.

ولو تأمَّلْتِ أيتها الأخت الكريمة هدْيَ النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة لتيقَّنْتِ، ونُشير لعبادة الذكر، فكان صلى الله عليه وسلم دائمَ الذِّكر والاستغفار، لا يكاد يفتر عن التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وراجعي على سبيل المثال كتاب: الأذكار للنووي.

الأمر الثاني مما يجب مراعاته: أن الإيمان يزداد بالطاعة التي يتحرك لها القلب، ويتأثر بها، وهو أداء العبادات على الوجه المطلوب؛ كالخشوع في الصلاة، فإن لم تلامس العبادات القلب، ولم يتحرك لها؛ أصبحت العبادةُ مجرّد عادات، ومِن ثَمَّ لا يظهر أثرها الإيجابي على السلوك، ولا يزداد الإيمان، فالصلاةُ تَنْهى عن الفحشاء والمنكر عندما يتحرك القلب، وتنفعل المشاعر، فتزداد مُراقَبة الله تعالى والورَع، وتقْوَى دوافعُ فعل الخيرات وترْك المنكرات، وهذا ما يفسِّر لنا ظاهرة الانفصام بين العبادة والسلوك والمعاملات؛ فنجد مُن يصلي ويُصِرُّ على الكبائر.

وأرجو أن تتأمَّلي كلام ابن القيم في كتابه: مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/ 2-4) وهو يتكلم عن المعنى الحقيقي لبعض العبادات:

"فالصلاةُ قد وُضِعَتْ على أكمل الوجوه وأحسنها التي تعبَّد بها الخالقُ تبارك وتعالى عباده؛ مِن تضمنها للتعظيم له بأنواع الجوارح؛ مِن نطق اللسان، وعمل اليدين والرجلين، والرأس وحواسه، وسائر أجزاء البدن، كلٌّ يأخُذ حظَّهُ مِن الحكمة في هذه العبادة العظيمة المقدار، مع أخْذ الحواس الباطنة بحظها منها، وقيام القلب بواجب عبوديته فيها، فهي مشتملةٌ على الثناء والحمد والتمجيد والتسبيح والتكبير وشهادة الحق، والقيام بين يدي الربّ مقام العبد الذليل الخاضع المدبر المربوب، ثم التذلُّل له في هذا المقام والتضرُّع والتقرُّب إليه بكلامه، ثم انحناء الظهر ذُلًّا له وخشوعًا واستكانةً، ثم استواؤه قائمًا ليستعدّ لخضوعٍ أكمل له من الخضوع الأول، وهو السجودُ من قيام، فيضع أشرف شيءٍ فيه وهو وجهُه على الترابِ خشوعًا لربِّه واستكانةً وخضوعًا لعظمته وذلًّا لعزته، قد انكسر له قلبُه، وذلَّ له جسمُه، وخشعتْ له جوارحه، ثم يستوي قاعدًا يتضرَّع له، ويتذلَّل بين يديه، ويسأله مِن فضْلِه، ثم يعود إلى حاله مِن الذل والخشوع والاستكانة، فلا يزال هذا دأبه حتى يقضي صلاته، فيجلس عند إرادة الانصراف منها مُثنيًا على ربه، مسلمًا على نبيه وعلى عباده، ثم يُصلي على رسوله، ثم يسأل ربه من خيره وبره وفضلِه.

وأما حُسن الزكاة وما تضمنتْه مِن مُواساة ذوي الحاجات والمسكنة والخلة، مِن عباد الله الذين يعجزون عن إقامة نفوسهم، ويخاف عليهم التلَف إذا خلاهم الأغنياء وأنفسهم، وما فيها من الرحمة والإحسان والبر والطهرة، وإيثار أهل الإيثار والاتصاف بصفة الكرم والجود والفضل، والخروج من سمات أهل الشح والبخل والدناءة.

وأما الصوم فناهيك به مِن عبادةٍ تكفُّ النفس عن شهواتها، وتخرجها عن شبه البهائم إلى شبه الملائكة المقربين، فإنَّ النفس إذا خليتْ ودواعي شهواتها التحقتْ بعالم البهائم، فإذا كفتْ شهواتها لله ضيَّقَتْ مجاري الشيطان، وصارتْ قريبةً مِن الله بترْك عادتها وشهواتها، محبةً له وإيثارًا لمرضاته وتقربًا إليه، فيدع الصائم أحب الأشياء إليه وأعظمها لُصوقًا بنفسه من الطعام والشراب والجماع مِن أجل ربه، فهي عبادةٌ ولا تتصور حقيقتها إلا بترْك الشهوة لله؛ فالصائمُ يدَعُ طعامه وشرابه وشهواته مِن أجْلِ ربه، وهذا معنى كون الصوم له تبارك وتعالى، وبهذا فسر النبي هذه الإضافة في الحديث؛ فقال: ((يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم يُضاعف، الحسنة بعشرة أمثالها، قال الله: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به؛ يدَع طعامه وشرابه مِن أجلى))، حتى إن الصائم ليتصوّر بصورة من لا حاجة له في الدنيا إلا في تحصيل رضا الله، وأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة التي تكسر الشهوة، وتقمع النفس وتحيي القلب، وتفرحه وتُزهِّد في الدنيا وشهواتها، وترغب فيما عند الله، وتذكر الأغنياء بشأن المساكين وأحوالهم، وأنهم قد أخذوا بنصيبٍ مِن عيشهم، فتعطف قلوبهم عليهم، ويعلمون ما هم فيه مِن نِعَم الله فيزدادون له شكرًا.

وأما الحجُّ فشأنٌ آخر، لا يُدركه إلا الحنفاء الذين ضربوا في المحبة بسهمٍ، وشأنه أجَلّ من أن تحيط به العبارة، وهو خاصة هذا الدين الحنيف، حتى قيل في قوله تعالى: ﴿ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ ﴾ [الحج: 31]؛ أي: حجاجًا، فالحجُّ هو خاصة الحنيفة ومعونة الصلاة، وسر قول العبد: لا إله إلا الله؛ فإنه مؤسس على التوحيد المحض والمحبة الخالصة، وهو استزارة المحبوب لأحبابه، ودعوتهم إلى بيته ومحل كرامته، ولهذا إذا دخلوا في هذه العبادة فشعارُهم: لبيك اللهم لبيك، إجابة محب لدعوة حبيبه، ولهذا كان للتلبية موقعٌ عند الله، وكلما أكْثَرَ العبد منها كان أحبّ إلى ربه وأحظى، فهو لا يملك نفسه أن يقول: لبيك لبيك حتى ينقطعَ نفسه.

وأما أسرارُ ما في هذه العبادة من الإحرام واجتناب العوائد، وكشف الرأس، ونزع الثياب المعتادة، والطواف، والوقوف بعرفة، ورمي الجمار وسائر شعائر الحج، فمما شهِدَتْ بحُسنه العقول السليمة والفِطَر المستقيمة، وعلمت بأن الذي شرع هذه لا حكمة فوق حكمته، وسنعود إن شاء الله إلى الكلام في ذلك موضعه". اهـ. مختصرًا.

والحاصلُ - أيتها الأخت الكريمة - أن تأدِية العبادات على الوجه الأكمل بأن تكونَ خالصة لله، ومُوافِقة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو مَن يورث النفس الصلاح وتجدين به أثر العبادة، ولو ذهبنا نستقصي أثر الصلاة الحقيقية وما تورثه من رضًا وطمأنينةٍ وخشوعٍ وإنابةٍ، أو ما يورثه الصوم من مراقبة ويقينٍ وتوكلٍ وإخلاصٍ، أو ما يورثه الجهاد من محبة واستسلام وثبات – لعلمنا كيف يأتي الأثر المنشود.

وتأمَّلي رعاك الله مثالاً أخيرًا لعبادة تركها أكثر الناس، إلا مَن رحم الله تعالى، وهي عبادةُ غض البصَر، تأمَّلي أثرها المباشر على القلب والسلوك، وقد لخصتُ بعض ما ذكره ابن القيم في كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (ص: 178)

• أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم - الذي لعل فيه هلاكه - إلى قلبه.

• أنه يورث القلب أنسًا بالله وجمعية عليه، فإن إطلاق البصر يُفرِّق القلب ويشتته، ويُبعده عن الله، وليس على القلب شيء أضر مِن إطلاق البصر، فإنه يورث الوحشة بين العبد وربه.

• أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه.

• أنه يكسب القلب نورًا، كما أن إطلاقه يلبسه ظلمة، ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر، فقال: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ [النور: 30].

رزقنا الله وإياك وجميع المسلمين استقامةً على شرعه، وسلوكًا مُنضبطًا




http://www.alukah.net/fatawa_counsel...#ixzz4M1wgsYp4