سلسلة مقال الخطيب (9) : العيد بين فرح الشقي والسعيد .
النتائج 1 إلى 4 من 4
1اعجابات
  • 1 Post By طويلب علم مبتدىء

الموضوع: سلسلة مقال الخطيب (9) : العيد بين فرح الشقي والسعيد .

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2015
    المشاركات
    380

    افتراضي سلسلة مقال الخطيب (9) : العيد بين فرح الشقي والسعيد .

    العيد بين فرح الشقي والسعيد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه . أما بعد :

    فمن تمام نعمة الله على عبادة أن شرع لهم السرور والفرح ، وأذن لهم باللهو المباح والمرح . وذلك أن مقصود هذا الدين إسعاد قلوب المؤمنين ، فالقائمون به علماً وعملاً هم السعداء ، لما اشتملوا عليه من أوصاف الأبرار والأتقياء قال – تعالى - : {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرض إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108].

    فالفرح المأذون فيه هو ثمرة العبادة والطاعة ، فكل من قام بوظيفة العبودية على الوجه المطلوب ينال لذة تملأ قلبه يكون بها فرحه وسروره وقرة عينه وبهجة قلبه .

    ولهذا فقد شرع الله – تعالى – لعبادة الفرح بعد أداء العبادات العظيمة ، كالفرح بعيد الفطر بعد أداء ركن الصيام ، والفرح بعيد الأضحى بعد أداء ركن الحج .

    والفرح إذا لم يكن مقيداً بما يدل على مشروعيته فهو فرح البطر والخيلاء ، وفرح المتكبرين والجهلاء كما ذكر الله – تعالى – كلام العقلاء من قوم قارون ، فقال :{ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}[القصص : 76] . " قال ابن عباس: يعني المرحين. وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم " ( تفسير ابن كثير : 6/253 ) .

    فالجاهل الظالم لنفسه هو من يجعل غاية الفرح حصوله على نعم الدنيا من الأموال والأولاد ، والمناصب والرياسات ، وقضاء وطره من الملذات والشهوات ، كما قال – تعالى - : {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ }[هود : 10] . قال القرطبي – رحمه الله - : " أي يفرح ويفخر بما ناله من السعة وينسى شكر الله عليه " (الجامع لأحكام القرآن : 9/11 ) .

    وقد ذم الله – تعالى – مشركي مكة الذين قدموا العاجلة الفانية على الآخرة الباقية ، فقال : { وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ }[الرعد : 26] .
    قال البغوي – رحمه الله - : " يعني: مشركي مكة أَشروا وبَطَروا . . . وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام " (معالم التنزيل : 4/315 ) .

    والفرح بالدنيا من آثار الغفلة و البعد عن الله ، كما قال – تعالى - :{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:44 - 45] .

    وهذا الفرح المنافي للإيمان ، والدال على نقص العقول ، وسفاهة الأحلام ، هو السبب الذي لأجله ولج الكفار النار فقال – تعالى - : {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِي نَ }[غافر : 75 - 76] .

    ومن الفرح المذموم فرح أهل البدع والأهواء ، بما لديهم من الشبه والمتشابهات ، وفرح أهل الشرك الكفران بما عندهم من الخيالات والأوهام ، كما قال – تعالى - :{ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }[المؤمنون : 53] . وقال – تعالى - : { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }[ غافر:83 ] . وقال – تعالى - : { لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[آل عمران : 188] .

    قال ابن القيم – رحمه الله - : " يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة والشرك ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص . وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصراط المستقيم فإنهم يرتكبون البدع والضلالات والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الإتباع والإخلاص والعلم فهم أهل الغضب والضلال " (التفسير القيم ص/72).

    ولما كانت الدنيا ليس بموضع فرح على الحقيقة لزوالها وفنائها ؛ فقد نهى الله – تعالى - المؤمنين عن الفرح بما نالوه منها ، فقال : { وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }[الحديد : 23] . " أي متكبر بما أوتي من الدنيا ، فخور به على الناس " (الجامع لأحكام القرآن : 17/258 ) .

    ونبههم – سبحانه – على سبب الفرح الممدوح الذي تتم به السعادة الأبدية ، وحثهم عليه لأن به السرور السرمدي ، بقوله :{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:58] .
    قال ابن القيم – رحمه الله - : " وقد دارت أقوال السلف على أن فضل الله ورحمته الاسلام والسنة وعلى حسب حياة القلب يكون فرحه بهما وكلما كان أرسخ فيهما كان قبله أشد فرحا حتى إن القلب إذا باشر روح السنة ليرقص فرحا أحزن ما يكون الناس "( اجتماع الجيوش الإسلامية صـ 3 ـ صـ 6 ) .

    وقال – أيضاً - : " وذكر سبحانه الأمر بالفرح بفضله وبرحمته عقيب قوله : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين َ } ولا شيء أحق أن يفرح العبد به من فضل الله ورحمته التي تتضمن الموعظة وشفاء الصدور من أدوائها بالهدى والرحمة فأخبر سبحانه أن ما آتى عباده من الموعظة التي هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب وشفاء الصدور المتضمن لعافيتها من داء الجهل والظلمة والغي والسفه وهو أشد ألما لها من أدواء البدن . . . وما آتاها من ربها الهدى الذي يتضمن ثلج الصدور باليقين وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه وحياة الروح به والرحمة التي تجلب لها كل خير ولذة وتدفع عنها كل شر ومؤلم ، فذلك خير من كل ما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها أي هذا هو الذي ينبغي أن يفرح به ومن فرح به فقد فرح بأجل مفروح به لا ما يجمع أهل الدنيا منها فإنه ليس بموضع للفرح لأنه عرضة للآفات ووشيك الزوال ووخيم العاقبة وهو طيف خيال زار الصب في المنام ثم انقضى المنام وولى الطيف وأعقب مزاره الهجران " (مدارج السالكين: 3/97 – 98).

    فالفرح بالإسلام والسنة مطلوب ؛ لأنه من النعم العظيمة والمنن الجسيمة ، كما قال مجاهد : " ما أدري أي النعمتين أعظم ، أن هداني للإسلام ، أو عافاني من هذه الأهواء " قلت ( أي الذهبي ): مثل الرفض والقدر والتجهم ".(السير:4/455).

    والهداية للإسلام تعني الهداية إلى التوحيد والمتابعة ، فالتوحيد يعني إفراد الله تعالى بالعبادة فلا يشرك معه غيره لا ملك مقرب ولا نبي مرسل وهذا حقيقة : لا إله إلا الله .

    والمتابعة تعني إفراد النبي – صلى الله عليه وسلم – بالرسالة والطاعة فلا طريق إلى الله تعالى إلا ما جاء به المصطفى وهذا حقيقة شهادة أن محمداً رسول الله .

    والمعافاة من الأهواء تعني الهداية إلى السنة وهي طريق سلف هذه الأمة ، فلا نجاة لأحد من البدع والأهواء إلا بسلوك طريق الصحابة الكرام .

    ومن مظاهر الفرح بالإسلام والسنة إظهار أعياد الإسلام بين المؤمنين على مقتضى الكتاب والسنة ، وذلك في مسائل مهمة ، منها :

    التزام الشريعة في الأعياد وإظهار السنن بين العباد ، كالتكبير ، وذبح الأضاحي ، وشهود الصلاة جماعة ، والتجمل في العيد ، والتوسعة على الأهل والأولاد .

    تهنئة المسلمين بعضهم بعضاً ، بمناسبة العيد الميمون وبقبول الأعمال الصالحات ، ومما كان يقوله السلف فيما بينهم : تقبل الله منا ومنك .

    ترك البدع المحدثة التي يفعله الجهال في العيد كتخصيص زيارة القبور في الأعياد .

    ترك المنكرات في العيد كالتبرج والسفور ومخالطة الرجال للنساء غير المحارم ، وسماع الغناء ، ومشاهدة الفضائيات .

    الإكثار من الصدقات حتى تشمل فرحة الأعياد الأيتام والأرامل والفقراء والمساكين .

    وتمام فرح المسلمين عند لقاء ربهم – سبحانه - ، كما حكى الله لنا حال الشهداء فقال : {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُو نَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}[آل عمران : 169 - 171] .

    اللهم ألحقنا بالمؤمنين وتوفنا مسلمين والحمد لله رب العالمين .



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2015
    المشاركات
    380

    افتراضي




    قال ابن القيم -رحمه الله-:
    "فليس الفرح التام والسرور الكامل والابتهاج والنعيم وقرة العين وسكون القلب إلا به سبحانه،
    وما سواه إن أعان على هذا المطلوب فرح به وسُـر به،
    وإن حجب عنه فهو بالحزن به والوحشة منه واضطراب القلب بحصوله أحق منه بأن يفرح به،
    فلا فرحة ولا سرور إلا به، أو بما أوصل إليه وأعان على مرضاته‏.


    ‏ وقد أخبر سبحانه أنه لا يحب الفرحين بالدنيا وزينتها،
    وأمر بالفرح بفضله ورحمته،
    وهو الإسلام والإيمان والقرآن، كما فسره الصحابة والتابعون"


    (الفوائد المجموعة لابن القيم)‏.






    ***
    مجموعة ( سلسلة مقال الخطيب ) الأولى .





  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    393

    افتراضي

    جعله الله عيد فرح وسرور وسعادة بادنه سبحانه وتعالى


    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو زيد العتيبي

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2015
    المشاركات
    380

    افتراضي



    آمين
    بوركتم وجزاكم الله خيرا
    وتقبل الله منا ومنكم

    ***

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •