الحج: شعيرة التوحيد وشعار الوحدة [ مقال ]

التحرير
[ الجمعة 27 شعبان 1437 هـ ] [ 342 ]


الحج الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه العظام ، وهو شعيرة التوحيد وشعار الوحدة بحق.
أما التوحيد فلأنه تتحقق فيه صور التوحيد المختلفة، والتضحية لأجله، وإعلانه بامتياز. فكل أفعاله وأقواله ومعانيه تُكَرِّسُ التوحيد وتدعو إليه، ابتداء من إخلاص النيَّة وانتهاء بالتبرؤ من الشرك وأهله. فقلوب الحجيج متجهة إلى الله تعالى، تذكره وتشكره، وتلبي نداءه، وتدعوه، وتستغفره وتسأله الخير كله. وأما الوحدة فلأنه يعيد الناس إلى حقيقتهم الأصلية التي تجعلهم عبادا سواسية أمام الخالق وتكليفه. كما أنه يجمع شتات المؤمنين من أصقاع المعمورة في زمن واحد ومكان واحد وهيئة واحدة في مهمة واحدة وشعار واحد. وهو مرتبط في ذاكرة البشرية بأبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم –عليه الصلاة والسلام، فيربط جميع الرسالات بأصلها التوحيدي الذي ينبغي أن تعود إليه وتصدر عنه.

وقد أراد الله تعالى الحج في زمان مخصوص، ومكان مخصوص، على هيئة مخصوصة، بنية التعبد والتقرب إليه. فمجيء الناس إلى هذا البلد الصحراوي المقفر، وتحملهم المشاق والعناء، وغيابهم عن أوطانهم وأهليهم وأموالهم، ومخاطرتهم الأيام الطوال، إنما هو إيمانا وتصديقا، والتزاما وامتثالا لأمر الله وندائه.
وقد رسخ رسول الله – صلى الله عليه وسلم - توحيد الله وإفراده بالعبادة في الحج أعظم ترسيخ، ووضح معالم التوحيد في مناسك الحج أكمل توضيح.
التوحيد المتوارث:
والتوحيد ليس عقيدة طارئة على البشرية، بل هو أصل فيها، وقديم بقدمها. ونظرا لمقام إبراهيم –عليه الصلاة والسلام- في الإيمان والتوحيد منحه الله تعالى شرف إعادة بناء البيت العتيق الذي اندثر بفعل جهل الناس وانطماس التوحيد في حقبة تاريخية ما، يقول تعالى: ((وإِذ بَوَّأنَا لِإِبرَاهِيمَ مَكَانَ البَيتِ أَن لَّا تُشرِك بِي شَيئًا وطَهِّر بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ والقَائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ )) ، الحج: 26. وكلف بإعداد هذا البيت لاستقبال العابدين الموحدين: (( وعَهِدنَا إِلَى إِبرَاهِيمَ وإِسمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ )) ، البقرة: 125.
وكان مما يشغل الباني وابنه – إبراهيم وإسماعيل - حال بنائهما ، أن يتقبل الله منهما هذا الجهد، وأن يجعلهم ثابتين على إسلامهم وتوحيدهم: (( رَبَّنَا واجعَلنَا مُسلِمَينِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسلِمَةً لَّكَ وأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُب عَلَينَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )) ، البقرة: 128.
لهذا الصدق انتُدِبَ الباني لدور آخر، وهو النداء بهذه الشعيرة التوحيدية العظيمة، ليكون أول مناد بها: ((وأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأتُوكَ رِجَالاً وعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ))، الحج: 27.

وبهذا يرتبط الحج بذكرى أبي الموحدين جميعا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام، الذي صرخ في قومه: ((قَالَ يَا قَومِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ والأَرضَ حَنِيفًا ومَا أَنَا مِن الـمُشرِكِينَ * وحَاجَّهُ قَومُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وقَد هَدَانِ ولَا أَخَافُ مَا تُشرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيءٍ عِلمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وكَيفَ أَخَافُ مَا أَشرَكتُم ولَا تَخَافُونَ أَنَّكُم أَشرَكتُم بِاللَّهِ مَا لَم يُنَزِّل بِهِ عَلَيكُم سُلطَانًا فَأَيُّ الفَرِيقَينِ أَحَقُّ بِالأَمنِ إِن كُنتُم تَعلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا ولَم يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وهُم مُهتَدُونَ))، الأنعام: 78- 82.
إنه الخليل الذي كسر الأصنام بيده الشريفة دحرا للشرك وإقامة للتوحيد: ((فَجَعَلَهُم جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُم لَعَلَّهُم إِلَيهِ يَرجِعُونَ))، الأنبياء: 58، فقد ((..رَاغَ إِلَى آلِهَتِهِم فَقَالَ أَلَا تَأكُلُونَ * مَا لَكُم لَا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيهِم ضَربًا بِاليَمِينِ * فَأَقبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعبُدُونَ مَا تَنحِتُونَ * واللَّهُ خَلَقَكُم ومَا تَعمَلُونَ))، الصافات: 91- 96. فألقاه قومه في النار عقابا له، فأنجاه الله تعالى منها: ((قَالَ أَفَتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُم شَيئًا ولَا يَضُرُّكُم * أُفٍّ لَكُم ولِمَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وانصُرُوا آلِهَتَكُم إِن كُنتُم فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَردًا وسَلَامًا عَلَى إِبرَاهِيمَ * وأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلنَاهُمُ الأَخسَرِينَ))، الأنبياء: 66- 70. فهجرهم لما استيقن إصرارهم على الشرك، وفارقهم: ((وأَعتَزِلُكُم ومَا تَدعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأَدعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا))، مريم: 48.
لقد انقاد إبراهيم –عليه السلام- لأوامر الله، الذي كلفه بأن يدع امرأته وابنه الرضيع بواد غير ذي زرع، بعيدا عن موطنه، ودون أنيس أو جار، فافعل استسلاما وتسليما. وتلقت زوجته هذا الأمر الإلهي بإيمان ويقين بالله. ولم يكن همَّ إبراهيم وهو يترك أهله في هذه الظروف إلا أن يكونوا موحدين: ((رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ))، إبراهيم: 37.
فكان الخليل إبراهيم –عليه الصلاة والسلام، وابنه إسماعيل وزوجته هاجر، هم الأسرة الموحدة الراضية بحكم الله، والمستسلمة لقضائه، والمنقادة لأوامره، والمضحية في سبيله بأغلى ما تملك، والواثقة بموعود الله، والمتكلة عليه حق توكله، في جميع محطات الاختبار. فأعطيت شرف بناء البيت، وإقامته على قواعده، وخدمة قاصديه. وقد استلهمت أعمال الحج من بعض قصصهم: كالسعي بين الصفا والمروة، والتضحية، ورجم الجمرات، وكانت زمزم أحد معالم الإكرام لهذه الأسرة الموحدة، والآية الخالدة الدالة على ذلك.
لقد ارتبط البلد الحرام منذ دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام- بالتوحيد، عدا فترات بسيطة متقطعة، فكان معلما عالميا له: ((وإِذ قَالَ إِبرَاهِيمُ رَبِّ اجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا واجنُبنِي وبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضلَلنَ كَثِيرًا مِن النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ومَن عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))، إبراهيم: 35- 36.
خطوات التوحيد في الحج:
ظل الحج إلى البيت الحرام على مدار السنين والقرون معلما سنويا لا ينقطع: ((ولِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَن استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً ومَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ))، آل عمران: 97. وقد أمر الله تعالى عباده بإتمام الحج والعمرة تعبدا، وإخلاصا له: ((وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمرَةَ لِلّهِ))، البقرة: 196. ومنذ انطلاق الحاج من بلده وهو يستشعر توجهه إلى الله. وهنا يتمثل توحيد المقصد والنية والتوجه، فالمراد هو الله، والمقصود هو الله، والمطلوب هو رضاه ورحمته ومغفرته وثوابه. سائلا الله: (حجة لا رياء فيها ولا سمعة)[1].
وتبدأ خطوات التوحيد بالإحرام من الميقات، والتجرد من الثياب المميزة، المخيطة، المزدانة، لثياب بيضاء لا تمايز فيها، ولا زينة، يستوي في ذلك الغني والفقير، والمأمور والأمير، فيلبي بتلبية التوحيد: (لَبَّيكَ اللهم لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لك لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمدَ والنِّعمَةَ لك، والـمُلكَ لَا شَرِيكَ لك)[2].
ويرتبط بالحج كل ما يعبر عن التوحيد من ذكر، بالتهليل والتكبير والتسبيح والحمد والدعاء. يقول تعالى: ((فَإِذَا أَفَضتُم مِن عَرَفَاتٍ فاذْكُرُوا اللّهَ عِندَ الـمَشعَرِ الحَرَامِ واذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُم وإِن كُنتُم مِن قَبلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ))، البقرة: 198. ويقول سبحانه: ((فإِذَا قَضَيتُم مَنَاسِكَكُم فاذْكُرُوا اللّهَ كَذِكرِكُم آبَاءكُم أَو أَشَدَّ ذِكرًا))، البقرة: 200. ويقول عز وجل: ((واذكُرُوا اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعدُودَاتٍ))، البقرة: 203.
والذكر متصل بجميع أفعال الحج:
ففي الطواف والسعي يقول النبي –صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)[3]. فكان في طوافه عليه الصلاة والسلام يكبر كلما حاذى الحجر الأسود[4]، مع دوام الذكر والدعاء حال الطواف. وكان إذا ارتقى الصفا أو المروة استقبل القبلة وقال: (لا إِلَهَ إلا الله، وحدَهُ لا شَرِيكَ له، له الـمُلكُ ولَهُ الحَمدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، لا إِلَهَ إلا الله وَحدَهُ، أَنجَزَ وَعدَهُ، ونَصَرَ عَبدَهُ، وهَزَمَ الأَحزَابَ وَحدَهُ)[5]، ثُمَّ يدعو؛ ويكرر ذلك ثلاثا[6]. وهو بين الصفا والمروة يديم الذكر والدعاء. فالطواف والسعي بدايتهما ونهايتها توحيد وعبادة لله تعالى.
بل الطواف والسعي بذاتهما فعل معبر عن توحيد الله، باعتبار أن الحاج منقاد لأمر الله تعالى وحده، ملتزم بأحكامه، مطبق لما شرعه؛ فحركته بتوجيه الله وحده تساق. وكفى بذلك مظهرا من مظاهر العبودية لله تعالى. فهو يتنقل من فعل إلى فعل، ومن مكان إلى مكان، ومن هيئة لهيئة، استجابة لحكم الله تعالى، دون أن يعي العلل والمقاصد حقيقة.
وفي عرفات يعلن المسلم بين جموع المسلمين عن توحيده لله، مهللاً وملبياً. قال -صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له). وعند أحمد كان أكثرُ دُعاءِ النَّبي –صلى الله عليه وسلم، يَومُ عَرَفة: (لا إله إلاَّ اللهُ، وحدَه لا شرِيكَ لَهُ، لَهُ الـمُلكُ ولَهُ الحمدُ، بِيَدِهِ الخَيرُ، وهُوَ عَلى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٍ).
وفي أيام التشريق يرمي الحاجُّ الجِمَار الثلاث مكبرا، ويدعو بما شاء، كما هو هدي النبي -صلى الله عليه وسلم[7]. وهي الأيام المقصودة في قوله تعالى: ((واذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعدُودَاتٍ))، البقرة: 203.
وجميع أيام الحج أيام ذكر وشكر: ((... ويَذكُرُوا اسمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الأَنعَامِ))، الحج: 27. ((فإِذَا أَفَضتُم مِن عَرَفَاتٍ فاذكُرُوا اللهَ عِندَ المـَشعَرِ الحَرَامِ واذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُم))، البقرة: 198. ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ واستَغفِرُوا اللهَ))، البقرة: 199. فما رؤي رسول الله في منى ولا مزدلفة ولا عرفات إلا مكبرا، ومهللا، وملبيا، كما ثبت في الأحاديث.
وذبح الهدي معلم من معالم التوحيد في الحج، فهو استجابة لأوامر الله، وتحقيقا للتوحيد: ((فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحَر))، الكوثر: 2، وقال تعالى: ((ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلنَا مَنسَكًا لِيَذكُرُوا اسمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الأَنعَامِ فإِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسلِمُوا وبَشِّرِ المـُخبِتِينَ))، الحج: 34. ثم قال سبحانه: ((والبُدنَ جَعَلنَاهَا لَكُم مِن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُم فِيهَا خَيرٌ فاذكُرُوا اسمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَت جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنهَا وأَطعِمُوا القَانِعَ والـمُعتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرنَاهَا لَكُم لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ولَا دِمَاؤُهَا ولَكِن يَنَالُهُ التَّقوَى مِنكُم كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُم وبَشِّرِ الـمُحسِنِينَ))، الحج: 36- 37.
هكذا نجد أنَّ مظاهر التوحيد في مناسك الحج كثيرة، وما من شعيرة من شعائره، ولا مشعر من مشاعره، إلا وفيه من تكريس التوحيد قولا وفعلا، ما يدل على أن مناسكه إنما شرعت لأجل هذه الغاية. ومن تأمل أذكار الحج وجد فيها من توحيد الله تعالى وتعظيمه وإجلاله ما يعلق القلوب به سبحانه وحده لا شريك له. وإن الحاج لتتملكه مشاعر الحب والرغبة والرهبة والخوف والرجاء، في تلك البقاع، فلا يفتر قلبه ولسانه عن ذكر ودعاء.
ومن بركة هذا الأمر، عظم يوم عرفة في تلك البقاع، وفي تلك الأيام، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: (مَا مِن يَومٍ أَكثَرُ مِن أَن يُعتِقَ اللهُ فِيهِ عَبدًا مِن النَّارِ مِن يَومِ عَرَفَةَ، وإِنَّهُ لَيَدنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِم الـمَلَائِكَةَ، فيقول: ما أَرَادَ هَؤُلَاءِ)[8].
الوحدة في الحج:
الوحدة الإسلامية:
يذكر الحج المسلمين أن ربهم واحد، وكتابهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة؛ وأنهم أمة واحدة، أبيضها وأحمرها وأسودها، غنيها وفقيرها، قويها وضعيفها، ذكرها وأنثاها، راعيها ومرعيها.
كما يذكرهم بأن وحدتهم تتمثل في عقيدتهم، وفي عبادتهم، وفي ذكرهم، وفي دعائهم، وفي تطلعهم لرضى الله وجنته. فالقواسم بينهم في هذا الدين وإن اختلفت مذاهبهم واجتهاداتهم هي الأوفر حظا، طالما أنَّ كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم - هي الرائد والقائد والموجه لهم.
إن الحج يفيض عليهم بمشاعر التواضع والتراحم والتعاطف والتلاحم والتواد والحب، حيث يذوب الفرد في هذا الخضم البشري الكبير في الصلوات وأعمال الحج والتلبية واللهج بالذكر والدعوات. ففي تلك البقاع تمتد أيدي التعارف، وتعود جسور الإخاء، وتطغى لغة التآلف، فالكل غريب عن هذه المواطن ضيف على الله تعالى.
لقد عبر العلماء والمفكرون والدعاة والشعراء والآدباء عن مشاعر الحجيج بالأقوال والمأثورات والخواطر والقصائد التي تجيش بمشاعر المؤمن تجاه أمته، حتى إنه ليمكن أن ترسم هذه النصوص ملحمة للحج كتظاهرة إسلامية كبرى تعزز الروابط والأواصر بإرادة الله تعالى: (( وأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِم لَو أَنفَقتَ مَا فِي الأَرضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفتَ بَينَ قُلُوبِهِم ولَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُم إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) ، الأنفال: 63.
ففي الحج تتجسد وحدة المسلمين في أبهى مظاهرها، وأجمل حللها، حيث تذوب الفوارق، وتتلاشى الحواجز، وتلتغي العصبيات، وتزول العنصريات، وتموت الطبقيات، وتختفي الامتيازات. فالرب واحد، والملة واحدة، والقبلة واحدة، والقدوة واحدة، والمرجعية واحدة، والهوية واحدة.
هنا تتكافؤ الأعراق والأجناس، وتتآلف القلوب والأرواح، وتجتمع الكلمة وتتراص الصفوف، ويستشعر المسلمون أنهم جسد واحد، بكل أطيافهم ومشاربهم ومذاهبهم. جميعهم أتى ملبيا؛ مقتديا برسول الله، معلنا إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره، وباليوم الآخر؛ يصلون الصلوات الخمس جماعة؛ ويتشاركون الفضل بينهم.
لباسهم واحد، وكأنهم نسيج طهر أبيض؛ لا دخن فيه ولا غل. يتحركون في تناغم تام بين المشاعر، في توقيت واحد، وباتجاه واحد، وفي هيئة واحدة. ألسنتهم جميعا تلهج بالدعاء والذكر، والثناء والحمد، والاستغفار والتلبية. أخلاقهم طاهرة من الرفث والفسوق والجدال الذي لا ينفع. كلهم جاؤوا من كل فج عميق، يحدوهم الأمل والرجاء في العفو والمغفرة والثواب؛ طامعين في فضل الله ورضوانه.
إن هذا الشعور فيهم يعزز اللحمة ويحقق الولاء، وينفي البدع المنافية للشرك والمعاصي المنقصة للإيمان، ويشيع روح التدين القائمة على أساسي: التوحيد الخالص لله في عبادته والاستعانة به والتحاكم إليه، والاتباع الصادق للرسول –صلى الله عليه وسلم- باعتباره النبي المبلغ والقدوة الهادي.
الوحدة الإنسانية:
لا شيء يعبر عن الوحدة الإنسانية كحقيقة فطرية وواقع عملي كشعائر الإسلام، من صلاة وزكاة وصوم وحج. فهذه الشعائر تنزع عن الناس الفوارق والامتيازات الأرضية، وتجعل منهم مركبا متحدا لا خلاف بين أفراده، فهم أمام الخالق سواء حين يخاطبهم ويكلفهم ويدعوهم إليه.
وإن شعائر الحج ومظاهره من أعظم المناسبات الإنسانية التي تؤكد على هذا الجانب، وتأصله واقعا متحركا وشعورا أصيلا في النفوس والقلوب والعقول. فهي تعمل في بعدين:
تأكيد وحدة الأصل:
فالحج ينزع الناس من بلدانهم، ومن قبائلهم وعشائرهم، ومن مناصبهم ومقامتهم، ومن ثرواتهم وأموالهم، ليقودهم جميعا في مظهر حاشد نحو وجهة واحدة، الوجهة التي أنشأتهم وأوجدتهم وصورتهم في هيئة واحدة، ثم جعلت منهم أجناسا وأعراقا وقبائل وشعوبا، ولغات وثقافات وتقاليد.
إن وحدة الأصل الإنساني تقوم على القضاء على أي تمييز وضعي، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلنَاكُم شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))، الحجرات: 13.
في الحج يرجعون لبقعة واحدة، كما ترجع نطفهم وأنسابهم جميعا لآدم، فكلهم لآدم وآدم من تراب، لذلك خطبهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في خطبة الوداع، فقال: (يا أيُّها النَّاسُ ألا إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لِعَربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لعَجميٍّ على عربِيٍّ، ولا لِأحمرَ على أسودَ، ولا لِأسودَ على أحمرَ، إلاَّ بالتَّقوى. أبلَّغتُ؟). قالوا: بلَّغَ رسولُ اللَّهِ! ثمَّ قالَ: (أيُّ يومٍ هذا؟)، قالوا: يومٌ حرامٌ! قالَ: (أيُّ شهرٍ هذا؟)، قالوا: شهرٌ حرامٌ! قالَ: (أيُّ بلدٍ هذا؟)، قالوا: بلدٌ حرامٌ! قالَ: (إنَّ اللَّهَ قد حرَّمَ بينَكَم دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم، كحُرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا، أبلَّغتُ؟)، قالوا: بلَّغَ رسولُ اللَّهِ! قالَ: (ليبلِّغِ الشَّاهدُ الغائبَ)[9].
تأكيد وحدة الوظيفة:
إن الحج يؤكد على وظيفة الخلق الأولى التي انتدبوا لها، ألا وهي عبادة الله في الأرض: ((ومَا خَلَقتُ الجِنَّ والإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ))، الذاريات: 56. لذلك ارتبطت الكعبة بهذه الوظيفة: ((جَعَلَ اللَّهُ الكَعبَةَ البَيتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ))، المائدة: 97؛ وهذا الدور منذ وجدت البشرية في الأرض: ((إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وهُدًى للعَالَمِينَ))، آل عمران: 96. لذلك كان نداء إبراهيم بالحج للبشرية جمعاء: ((وأَذِّن فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأتُوكَ رِجَالًا وعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ))، الحج: 27.
فمن استجاب لهذه الوظيفة حقق الوحدة الوظيفية الربانية، وحافظ على ميثاقه وفطرته: ((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنَا رَبُّكُم فَاعبُدُونِ))، الأنبياء: 92؛ ((وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنَا رَبُّكُم فَاتَّقُونِ))، المؤمنون: 52. ومن أبى فقد فارق الجماعة وشاق الرسول: ((ومَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى ويَتَّبِع غَيرَ سَبِيلِ الـمُؤمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ونُصلِهِ جَهَنَّمَ وسَاءَت مَصِيرًا))، النساء: 115.
تأكيد وحدة المصير:
إن اجتماع الناس في مكان واحد، وزمان واحد، وموقف واحد، وغاية واحدة، تأكيد على المصير الواحد. ما يفرض عليهم التشاور والتعاون والتشارك والتحالف لمواجهة التحديات، ودفع التهديدات، والتضامن في الأزمات.
فالحج مؤتمر إسلامي واسع يحضره الناس من بقاع شتى، ليتدارسوا شئونهم، ويتبادلوا خبراتهم، ويستعينوا على قضاء حوائجهم الدينية والدنيوية. واجتماعهم واتفاقهم وتوحدهم مطلب شرعي، فهو سبيل قوتهم وتمكينهم. قال تعالى: ((وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين))، الأنفال: 46. وفي حديث أبي مسعود: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)؛ رواه مسلم.
إن الحج دعوة لبناء المصالح المشتركة بين المسلمين شرقيهم وغربيهم، شماليهم وجنوبيهم، على مختلف ألوانهم ولغاتهم؛ وهو المشار في معنى الفضل، في قوله تعالى: ((لَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَبتَغُوا فَضلًا مِن رَّبِّكُم))، والمنافع، في قوله تعالى: ((لِيَشهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم)).
ولم يتمكَّن المسلمون من صدِّ أعدائهم، والتغلب على ما يتهددهم، إلا بوحدة الصف واجتماع الكلمة. لذلك شرع الحج ليحافظ على ذاكرة نابضة متجددة بوحدة التاريخ ومن ثم بوحدة المصير. وصدق الله تعالى إذ يقول: ((واعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا ولَا تَفَرَّقُوا واذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا وكُنتُم عَلَى شَفَا حُفرَةٍ مِن النَّارِ فأَنقَذَكُم مِنهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ))، آل عمران: 103.
وبهذا يتضح أهمية أن تعمل الأمة الإسلامية على تعزيز وحدتها، وجمع كلمتها، ومواجهة الأخطار المحدقة بها، استثمارا لهذه الشعيرة التعبدية العظيمة، بعيدا عن أي توظيف عنصري أو طائفي أو قومي أو حزبي. وفي الحديث الصحيح: (إنَّ اللهَ يرضَى لكم ثلاثا... أن تعبدوهُ ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصِموا بحبلِ اللهِ جميعا ولا تفرَّقوا)[10]، وفي رواية: (وأن تُناصِحوا من ولَّاهُ اللهِ أَمرَكم)[11].
----------------
[1] رواه ابن ماجه، وصححه الألباني في الصحيحة: رقم 2617.
[2] متفق عليه.
[3] رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة والدارمي والبيهقي، وصحح إسناده الأعظمي في صحيح ابن خزيمة (2882)، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (410).
[4] روى ابنُ عَبَّاس –رضي الله عنهما- قال: "طَافَ النَّبِيُّ –صلى الله عليه وسلم- بالبَيتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكنَ أَشَارَ إِلَيهِ بِشَيءٍ كَانَ عِندَهُ وكَبَّرَ)، رواه البخاري.
[5] رواه مسلم.
[6] رواه مسلم.
[7] كما ورد عن ابنِ عُمَر -رضي الله عنهما، في البخاري.
[8] رواه مسلم.
[9] رواه الحاكم في مستدركه.
[10] رواه مسلم
[11] الأدب المفرد، للبخاري.