هل انقلبت الدنيا ، وتبدَّلت الموازين ، وتغيَّرت المقاييس ؟! أجيبوني أكاد أُذهل !!
لقد علا من كان في الأسفلِ ، وأستأسد الهرُّ واستنوق الجمل ، واحتلَّ الوضيع مكان الرفيع ، وأُقصي الوفيُّ وأدني الخائن ، وخُوِّن الأمين واؤتمن السارق ، وصُدِّق الكاذب ، وكُذِّب الصادق ، وأصبح الأذناب فوق السحاب ، وأضجع للذبح البريء ، ودوىَّ فوق رأسه فحيح الشقيُّ !

لقد غدا المفروض مرفوضاً ، والمعطوب مطلوباً ، والمأمون مرهوباً ، والمبغوض محبوباً ، وشانت صادقات المشاعر !

وخطب الشيطان فوق المنابر ، وامتلأت بدم العمالة واسعات المحابر ، واختلطت بجثامين العِظامِ عظامُ المقابر، وغدا الأوَّل آخر ، والعزيز صاغر ، والعفيف فاجر ، والنقي ماكر ، والتقيُّ فاجر ، وأصبح الأجرب في ساحة السليم بجرمه يفاخر ! أفما لهذا الليل آخر ؟!

أرى كثرةَ المعروف يُورثُ أهلهُ وسَوَّدُ عصرُ السُّوءِ غير المُسوَّدِ
لا تعجبوا من قسوتي في عبارتي ، فقد فجعتني عيني بما أوجعتني ، حتى شعرت أننا نعيش في آخر الزمان ، ورأيت نفسي كالحليم الحيران !

وآلمني ما قرأت فوق صدور بعض صفحات الجرائد والمجلات ، وأحزنني ما سمعت ممن انتهبوا وسائل الإعلام لينفثوا السمَّ الزعاف في عقول وقلوب الأنام ، وأحرقني ما رأيت من علو من كانوا في دنو ، وارتفاع من لا يليق بهم إلا القاع ، وفي المقابل ـ ويا له من شعور قاتل ـ أحسست بالمرارة من لمز الصالحين ، وغمز الصادقين ، وتشوية سمعة الأتقياء الأنقياء ، وممن ـ لا أُمَّ لهم ؟! ـ ممن توشحوا بالفضيلة ليمارسوا تحت دثارها سوءات الرذيلة ، ولبسوا أقنعة النصح والتوجيه ليمعنوا في الطعن والتمويه ، فأصبح ـ بزيفهم ـ المُحق مُبطل ، والعليم جاهل ، والمصيب غافل ، وقعدوا فوق أشلاء الصالحين يزايدون على المبادىء ، ويُنظِّرون للمجتمع ، ويفلسفون القيم ، فكيف تنجو الفريسة إذا كان حاميها حراميها ؟!

وانكفأ الصالحون على بعضهم ببغضهم ، وشرب القاتل من دم الضحايا حتى الثمالة !

زمانٌ رأينا فيه كلَّ العجائبِ وأصبحتِ الأذناب فوقَ الذَّوائبِ
أكاد ألتهم الأصابع إذا أحسست بمواقع الصالحين صارت بلاقع ، وأصبح الذي يسوقها للمراتع ذئب ضاري يرقص فوق المواجع !

فيا لله ! كيف استُغلَّت الأحداث والوقائع من بعض الأوباش لتصفية الحسابات القديمة مع بعض الصالحين المصلحين والدعاة الصادقين ، ليسوقوهم ـ بلا جرم منهم ـ ليضعوهم في أقفاص الاتهام ، ولينعقوا فوق رؤوسهم بالطامات العظام ، وفي الناس سمَّاعون لهم ، قلوبهم كالإسفنج تمتصُّ كلَّ وسخ ، ونفوسهم كالجعلان لا تحب إلا الأقذار ، وطبائعهم كالذباب لا يقع إلا على الأنتان ، وميولهم كالخنازير لا تقمُّ إلا النجاسات !

ومتى يبصر الأعمى طريقة إذا كان العدو إلى الرَّدى يسوقه ؟!

فهل حان زمان الأصاغر ، وغاب أوان الأكابر ؟

يُقدَّمُ وغدٌ لا مروءةَ عندَهُ بتأخير حُرٍّ فاز بالعلم والأدب

والله !
ما أرانا إلا نعيش حُمرة الشفق التي تقودنا بالرغم منا للغاسق إذا وقب ، لنُحشر في ظلمة الليل البهيم الأليل بلا دليل ...
وهل أطل زمان الغربة والكربة الذي أخبر به نبيُّ الرحمة والملحمة ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليرتفع فيه الرِّمم فوق القمم ، ويعلو الوضعاء فوق مراتب الشرفاء ؟!

فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" سيأتي على الناس سنواتٌ خدَّاعات ، يُصدَّق فيها الكاذب ، ويُكذَّبُ فيها الصادق ، ويؤتمنُ فيها الخائنُ ، ويُخوَّنُ فيها الأمينُ ، وينطقُ فيها الرويبضةُ " . قيل : وما الرويبضةُ ؟ قال :" الرجلُ التافهُ ؛ يتكلَّمُ في أمر العامة " 1
وعن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" من أشراط الساعة : الفحشُ والتَّفحُّشُ ، وقطيعة الرحم ، وتخوينُ الأمينِ ، وائتمانُ الخائن " 2
وعن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" من أشراط الساعة أن ترفع الأشرارُ ، وتوضع الأخيار ، ويُفتح القولُ ، ويُخزن العملُ ... " 3

وعن أبي أمية الجمحي ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" إن من أشراط الساعة أن يُلتمس العلم عند الأصاغر " 4

فيا نفس موتي فقد جدَّ الأسى موتي ، فهذا زمان التُّحوت !!

فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسُ محمد بيده ! لا تقوم الساعة حتى يظهر الفُحش والبُخلُ ، ويُخوَّنُ الأمينُ ، ويُؤتمنَ الخائنُ ، ويهلكَ الوعولُ ، وتظهرَ التُّحوتُ " قالوا : يا رسول الله ! وما الوعول والتحوت ؟ قال : " الوعول : وجوهُ الناسِ وأشرافهُم ، والتُّحوت : الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يُعلمُ بهم " 5

فهل ستترك الميدان لجند الشيطان ؟!

وهل ستركن للخمول والدَّعة في زمن المعمعة ؟!

يا صاحب الهمَّة !
هذا أوان المدافعة ، فالحجة الباهتة لا يدحضها إلا حجة ثابتة ، والفكر الهادم لا يمحوه إلا فكر بنَّاء ، والمرض الفتاك لا يعالجه إلا دواء ناجع وبلسم نافع ، ومن رضي بالمهادنة في زمن المجالدة ، فليبك على حياته ، فإنه في سجل الأموات مرقوم !

ومن يُثـني الأصاغرُ عن مرادٍ وقد جلس الكابرُ في الزوايا
وإنَّ ترفُّـعَ الوضـعـاءِ يومـاً على الرُّفعاء من إحدى البلايا
إذا اسـتوتِ الأسـافل والأعالي فـقـد طابت مُنادَمةُ المنايا

الشيخ:
عبد اللطيف بن هاجس الغامدي
-------------------------------

صحيح سنن ابن ماجه (2/274) (3261) .1
أخرجه ابن عساكر والطبراني في الكبير ، انظر : السلسلة الصحيحة (5/363) (2290 ) .2
أخرجه الحاكم في المستدرك ، انظر : السلسة الصحيحة (6 ـ 2 / 775 ) (2821) .3
أخرجه ابن المبارك في الزهد والطبراني في الكبير ، انظر : السلسلة الصحيحة (2/316 ) (695) .4
أخرجه البخاري في التاريخ والحاكم والطبراني في الأوسط ، انظر : السلسلة الصحيحة (7 ـ 1 / 639) (3211 ) .5