خير ماء لخير أمة



الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

بداية ظهور زمزم
كان ذلك في مهاجر إبراهيم عليه السلام ومعه زوجه هاجر وابنه إسماعيل عليهم السلام ، حيث تركهما في مكة ، ووضع عندهما جِراباً فيه تمرٌ وسقاءً فيه ماءٌ ، حتى نَفِذ ما في السقاء ، فعطِشت وعطِش ابنُها ، وجعلت تنظر إليه وهو يتلوّى من الجوع ، كأنه ينشغ للموت – أي يشهق ويعلو صوته وينخفض كالذي ينازع – فصارت تروح وتجيء ، كراهية أن تنظر إليه وهو على هذه الحال ، حتى سمعت صوتاً ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بجناحه حتى ظهر الماء ، فدهشت أم إسماعيل ، فجعلت تحوّضه وتقول بيدها هكذا – أي تجعله مثل الحوض – فشربت وأرضعت ولدها .
وهذا معنى رواية البخاري في "صحيحه".

قال وهب بن منبّه : كانت بطن مكة ليس فيها ماء ، وليس لأحدٍ فيها قرار ، حتى أنبطَ – أظهر – الله تعالى لإسماعيل عليه السلام زمزم ، فعمرت مكة يومئذ ، وسكنها من أجل الماء قبيلة من اليمن يقال لهم : جُرهم "رواه الفاكهي".
ولقد مضى على ظهور ماء زمزم على وجه الأرض ، منذ أن نبع لإسماعيل عليه السلام إلى يومنا هذا ما يقرب من خمسة آلاف سنة ، إذ مجموع السنين بين إبراهيم ومحمد عليه الصلاة والسلام ثلاثة آلاف سنة وأربعمائة وتسع وستين سنة (3469) سنة ، ويزاد على هذا عمره صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ، فقد كان ثلاثاً وخمسين سنة ، ومن الهجرة إلى زمننا هذا ألف وأربعمائة وأربع وعشرين (1424) سنة ، فيكون المجموع الكلي من زمن إبراهيم عليه السلام إلى زماننا هذا أربعة آلاف وتسعمائة وست وأربعين (4946) سنة .

حفر بئر زمزم
اندثرت زمزم مع تقادم الزمن ، حتّى يسّر اللهُ بعثَّها على يد عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فحفرها ، ويروي لنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه القصة ، ولعل علياًّ سمعها من أبيه الذي سمعها بدوره من عبد المطلب ، والقصة مشهورة وطويلة ، وخلاصتها : أن عبد المطلب رأى رؤيا منامية في أربع ليالٍ ، يأمره آتٍ بحفر البئر دون أن يُحدِّد موقعها ، وفي المرة الرابعة حدّد له موقع البئر ، وصرّح باسمها "زمزم" فحفر عبد المطلب في موقعها وكشف عن الماء ، فنازعته قريش وطلبت إشراكها معه في الماء ، فلم يقبل ، فاحتكموا إلى كاهنة ، ولكن قبل وصولهم إليها حدث أن نفد الماء عند عبد المطلب ومن معه ، وأبت قريش أن تشركه بالماء الذي عندها ، حرصاً على الماء في الصحراء ، فلما أشرف عبد المطلب ومن معه على الهلاك ، وحفروا قبورهم ، انبجست عين ماء تحت حافر ناقة عبد المطلب ، فشرب القوم جميعاً ، واعتبروا ذلك علامة على أحقية عبد المطلب بماء زمزم ، فأسلموها إليه .
ولا شك أن الحادثة والسيطرة على الماء معاً عزّزتا مكانة بني هاشم في مكة.

موقع بئر زمزم
يقع بئر زمزم بالقرب من الكعبة المشرّفة ، في أرض المطاف ، خلف المقام إلى اليسار ، وأنت تنظر إلى الكعبة المشرّفة ، وفتْحَت البئر ظاهرة وواضحة ، تتعامد مع فتحة البئر الموجودة في القبو ، وفي آخر المطاف خلف المقام جُعِل درج يؤدي إلى البئر ، ووِضِع عليه لوحة بعنوان "زمزم رجال – زمزم نساء" ثم أزيل ذلك ، واكتفي ببرادات للماء "رجال ونساء" لتقليل الزحام .
ويحسن التنبيه إلى أنه يوجد بالمدينة النبوية بئر سُمِّيت بئر زمزم ، قريبة من بئر السقيا في الحرّة الغربية على يمين السالك إلى العقيق ، سُميّت بذلك لبركتها وكثرة مائها وطيبه وعذوبته ، لكن ليس لها اتصال ببئر زمزم المكية البتة.

أسماء زمزم
لما كان ماء زمزم خير ماء على وجه الأرض ، وسيّد المياه وأشرفها ، وأجلها قدراً ، وأحبّها للمؤمنين وأنفسها ، وكان شراباً طيباً ذا خصائص وفضائل جمّه ، خُصَّ بأسماء كثيرة ، حتى جَمعَ الزبيدي لها أكثر من ستين اسماً .
وهذه الأسماء الكثيرة ، ترجع إلى الخصائص والفضائل المتعلّقة بماء زمزم ، ومنها ما هو راجع لوصف البئر ، ومنها ما هو منصوص عليها في الأحاديث والأخبار المختصة بماء زمزم .
ومنها : بركة ومباركة ، وبرَّة وبُشرى وحَرِميّة – نسبة إلى الحرم – وركضة جبريل وهمزة جبريل وهزمة جبريل ووطأة جبريل وسابق وسالمة وسقاية الحاج وسيِّدة وشبَّاعة وشراب الأبرار وصافية وطاهرة وطعام الأبرار وشفاء سقم وطعام طعم وطعام الأبرار وعاصمة وعافية وكافية ومؤنِسة ونافعة وغير ذلك كثير.

أهل الجاهلية يشربون زمزم
يظهر أن أمر زمزم كان مُعظَّماً عند أهل مكة قبل مجيء الإسلام ، فكانوا يشربون ماء زمزم للأمور المهمة ، فيعطيها الله لهم ببركة شربهم ماء زمزم .
فعن الحارث بن خليفة السعدي قال : ما اجتمعت قريش في مشاورة عدوٍّ دهمهم أو أمرٍ أهمَّهم ، إلا ابتدئوها بشرب ماء زمزم ، حتى إن الرجل ليعرف الأمر المهم وجمعهم بحضور أوانيه ، وجمعِها قبل اجتماعهم وحضورهم ، فيكون لهم الظفر وحصول المراد .


ماء زمزم عين من عيون الجنة
عن ابن عباس رضي الله عنه : أن زنجيّاً وقع في زمزم ، فمات ، قال : فأنزل إليه رجلاً فأخرجه ، ثم قال : انزفوا ما فيها من ماء ، ثم قال للذي في البئر ، ضع دلوك من قِبل العين التي تلي البيت أو الركن ، فإنها من عيون الجنة . خرّجه ابن أبي شيبة وغيره ، وسنده صحيح .
وروي عن عبد الله بن عمرو : إنَّ زمزم عيناً في الجنة من قِبل الركن . أورده القرطبي .
والمعنى : أن ماء زمزم من الجنة على ظاهره ، وأنه ينزل من الجنة إلى الأرض بكيفيةٍ الله أعلم بها ، وكل ذلك بفضل الله ورحمته ، وعدله وحكمته .

ماء زمزم آية بينة
قال الله تعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ،فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}آل عمران 97.
ومن الآيات البينات : انفجار ماء زمزم ، وأن شربه شفاءٌ للأسقام ، وغذاءٌ للأجسام ، بحيث يغني عن الماء والطعام .
بل هو أول الثمرات التي أعطاها الله لخليله إبراهيم عليه السلام .
في قوله تعالى : {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ }إبراهيم37 .

ماء زمزم لا يفنى
جعل الله تعالى زمزم عيناً لا تنضب أبداً ، قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « يرحم الله أم إسماعيل ، لو تركت زمزم – أو قال : لو لم تغرف من الماء – لكانت زمزم عيناً معيناً » خرّجه البخاري في "صحيحه"، أي : لكان زمزم ظاهراً جارياً على وجه الأرض .
وفي رواية عند الفاكهي : فقال لها الملك جبريل عليه السلام : لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأ ، فإنها عين يشرب بها ضيفان الله . وزاد في رواية أخرى : فقالت : بشرك الله بخير .
وعن الضحاك بن مزاحم قال : إن الله عز وجل يرفع المياه العذبة قبل يوم القيامة ، وتغور المياه غير ماء زمزم ....
والواقع الذي نعيشه شاهد على ذلك ، فمنذ أن نبع لإسماعيل عليه السلام إلى يومنا هذا لم ينقطع ، مع كثرة الاستقاء منه لعموم الناس داخل مكة وخارجها ، لا سيما في أيام رمضان والحج في هذا الزمن .
فسبحان الخالق القادر ، العليم الحكيم ، جلّت عظمتُه وحكمته .

التضلُّع من ماء زمزم براءة من النفاق
عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنَّ آية ما بيننا وبين المنافقين ، أنهم لا يتضلَّعون من زمزم » خرّجه ابن ماجه وغيره ، وهو حسن .
والمراد بالتضلع : هو الامتلاء شبعاً أو رِياً حتى يبلغ الماء الأضلاع .
والمعنى : أن المنافقين لا يُكثرون من شرب ماء زمزم ، حتى تتمدّد جنوبهم وضلوعهم ، كراهةً له بعد ما علموا ندب الشارع إلى شربه والإكثار منه .
فالمنافق على هذا لم يُصدِّق بفضلها ، فلم يشربها زهداً فيها ، ورغبة عنها ، ويرى أن غيرها أولى منها .
وأما ما يحصل من بعض المؤمنين ، من تركهم الشرب من ماء زمزم مع تصديقهم بالأحاديث ، فقد تركوا السنة وأعرضوا عنها ، والحديث مفاده الزجر والتنفير عن الزهادة فيه.

ماء زمزم خير ماء على وجه الأرض
عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم ، فيه طعام الطُعم ، وشفاء السقم » رواه الطبراني في "الكبير" وغيره ، وهو حسن .
فماء زمزم خير مياه الأرض على الإطلاق ، إذْ فيه كل خير وبركة ، وهي أشرف مياه الدنيا ، والكوثر أشرف مياه الآخرة .

ماء زمزم غُسِل به قلب النبي صلى الله عليه وسلم
وذلك في أحداث شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وغسله بماء زمزم ولأمَه مرتين ، الأولى عندما كان طفلاً في الرابعة من عمره يلعب في بادية بني سعد ، وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان ، فأخذه فصرعه ، فشق عن قلبه ، فاستخرج القلب ، فاستخرج منه علقة ، فقال : هذا حظُ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمَه ، ثم أعاده في مكانه ، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه [ يعني ظئره ] مرضعته ، فقالوا : إن محمداً قد قُتِل ، فاستقبلوه وهو منتقع اللون.
قال أنس : وقد كنتُ أرى أثر ذلك المخِيط في صدره . خرّجه مسلم في "صحيحه".
والثانية : كانت ليلة الإسراء ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : كان أبو ذرٍّ يُحدِّث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « فرج سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل عليه السلام ، ففرج صدري ، ثم غسله بماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغها في صدري ، ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا ... » خرّجه البخاري ومسلم .
فالله جل وعلا خصَّ ماء زمزم دون غيره من المياه ، ليُغسل به هذا المحل الجليل ، ولم يكن ليُغسل إلا بأفضل المياه ، ولا شك أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوة وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير الله ، فلا يحل في قلبه شيء إلا التوحيد ، وقد دلت أحداث صباه على تحقق ذلك ، فلم يرتكب إثماً ولم يسجد لصنم ، رغم شيوع ذلك في قومه .

زمزم ماءٌ مباركٌ بريقه الشريف صلى الله عليه وسلم
عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال : جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمزم ، فنزعنا له دلواً ، فشرب ، ثم مجَّ فيها ، ثم أفرغناها في زمزم ، ثم قال : « لولا أن تُغلبوا عليها لنزعتُ بيدي » خرّجه أحمد وغيره ، وهو صحيح.
فبركة ريقه الشريف صلى الله عليه وسلم قد حلت على بركة زمزم ، قال التهانوي : فازداد ماء زمزم بركة على بركة ، ولذة على لذة ، وشفاء على شفاء ، ونوراً على نور ، وطهراً على طهر ، بمجه صلى الله عليه وسلم في دلوٍ قد أهريق في زمزم ...
ومما لا شك فيه أن ذات الرسول صلى الله عليه وسلم ذات مباركة ، جعل الله فيها بركة خاصة به صلى الله عليه وسلم ، والأحاديث في هذا كثيرة وصحيحة مستفيضة ، وهي تدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاته و ما انفصل من جسده من شعر وعرق ولباس وما استعمله من الأواني ، قد جعل الله فيه من البركة ما يُستشفى به ، ويُرجى بسببه الفائدة في الدنيا والآخرة ، والواهب لهذا الخير والمعطي له هو رب السماوات والأرض .
ونحن نؤمن بجواز التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم ولا ننكره ، ونعلم أن آثاره صلى الله عليه وسلم من ثياب أو شعر أو فضلات قد فُُقِدت ، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين ، وإذا كان الأمر كذلك ، فليس لأحدٍ أن يتبرك بشيء من ذلك ، ويدَّعي أنه من آثاره صلى الله عليه وسلم ، فذلك حرام ولا يجوز ، فوجب التنبه لهذا .
والمقصود : أن الماء الذي مجَّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم البشارات التي يسعى إليها العالمون ويحرص عليها العارفون قدره ، فكيف بماء زمزم المبارك الذي بارك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

زمزم عند أهل الكتاب أحب إليهم من الذهب
عن مجاهد قال : كنا نسير في أرض الروم ، فآوانا الليل إلى راهب ، فقال : هل فيكم من أهل مكة أحد ؟ قلت : نعم ، قال : كم بين زمزم والحجر ؟ قلت : لا أدري ، إلا أنا أحزره ، قال : لكني أنا أدري ، إنها تجري من تحت الحجر ، ولأن يكون عندي منها ملئ طست ، أحبُّ إليّ من أن يكون عندي مِلؤه ذهباً . رواه الفاكهي .
عند أهل الكتاب ، من حثى على رأسه من ماء زمزم لم تُصبه ذِلّة أبداً
عن محمد بن حرب عمن حدّثه قال : إنه أسِرَ في بلاد الروم ، وإنه صار إلى الملكِ ، فقال له : من أيّ بلدٍ أنت ؟ قال : من أهل مكة ، فقال : هل تعرف بمكة هزمة جبريل ؟ قال : نعم ، قال : فهل تعرف برَّه ؟ قال : نعم ، قال : فهل لها اسم غير هذا ؟ قال : نعم ، هي اليوم تُعرف بزمزم ، قال : فذكرَ من بركتها – يعني الملك – ثم قال : أما إنك إن قلت هذا ، إنا نجد في كُتُبنا : أنه لا يحثوا رجلٌ على رأسه منها ثلاث حثيات ، فأصابته ذِلّة أبداً . رواه الفاكهي.

ماء زمزم أفضل التُحف والقِرى
وقد تبوأت زمزم المكانة لجموم فضائله وعموم فوائده ، فأعظِم بها من هدية وتحفة يُكرّم بها الضيوف والأحباب . وعن عائشة رضي الله عنها ، أنها كانت تحمل من ماء زمزم ، وتخُبر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمِلُه . خرّجه الترمذي وغيره وهو صحيح.
وفي وراية : كان يحمل ماء زمزم في الأدواي والقِرَب ، وكان يصب على المرضى ويسقيهم .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا نَزَل به ضيفٌ أتحفَه من ماء زمزم . رواه الفاكهي وهو صحيح .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله ر إذا أراد أن يُتحف الرجل بتحفة ، سقاه من ماء زمزم . خرّجه أبو نعيم في الحلية ، وهو ضعيف .

ماء زمزم لما شُرِب له
عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ماء زمزم لما شُرِب له » خرّجه ابن ماجه وغيره وهو صحيح .
قال المناوي : ماء زمزم لما شُرِب له ، لأنه سقيا الله وغياثه لولد خليله ، فبقي غِياثاً لمن بعده ، فمن شَرِبه بإخلاص : وجد ذلك الغوث ؛ وقد شربه جمع من العلماء لمطالب ، فنالوها . ا.هـ وذكر الزمزمي أن الإمام أبا حنيفة شرب ماء زمزم ليكون من أعلم العلماء ، فكان كذلك ، وناهيك به علماً وصلاحاً وفضلاً .
ونقل الحافظ ابن حجر فقال : واشتُهِر عن الشافعي الإمام أنه شرب ماء زمزم للرّمي ، فكان يصيب من كل عشرة تسعة . وفي رواية أخرى : أن الشافعي قال : شربت ماء زمزم لثلاث : للرمي ، فكنت أصيب العشرة من العشرة والتسعة من العشرة ، وللعلم فها أنا كما ترون ، ولدخول الجنة ، فأرجوا حصول ذلك .
وأبو عبد الله الحاكم : شرب ماء زمزم لحُسن التصنيف ، فصار أحسن أهل عصره تصنيفاً . ووالد الإمام ابن الجَزَري ، كان تاجراً ، ومكث أربعين سنة لم يُرزق ولداً ، فحجَّ وشرب ماء زمزم بنية أن يرزقه الله ولداً عالماً ، فوُلِد له محمد المعروف بابن الجزَرِي بعد صلاة التراويح سنة 751هـ . وغير ذلك كثير .
فالشارب لزمزم ، إن شربه لشِبعٍ أشبعه الله ، وإن شربه لريٍ أرواه الله ، وإن شربه لشفاءٍ شفاه الله ، وإن شربه لسوء خلقٍ حسّنه الله ، وإن شربه لضيق صدرٍ شرحه الله ، وإن شربه لانغلاق ظلمات الصدرِ فلقها الله ، وإن شربه لغنى النفس أغناه الله ، وإن شربه لحاجةٍ قضاها الله ، وإن شربه لأمرٍ نابه كفاه الله ، وإن شربه لكربة كشَفَها الله ، وإن شربه لنصرةٍ نصره الله ، وبأي نية شربها من أبواب الخير والصلاح وفّى الله له بذلك ، لأنه استغاث بما أظهره الله تعالى من جنته غياثاً .
ويُروى وهو حديث ضعيف : « ماء زمزم لما شُرِب له ، فإن شربتَه تستشفي به شفاك الله ، وإن شربته مستعيذاً أعاذك الله ، وإن شربته لتقطع ظمأك قطعه الله ، وإن شربته لشبعك أشبعك الله .... » وفي آخر ضعيف أيضا : «... من شربه لمرضٍ شفاه الله ، أو لجوعٍ أشبعه الله ، أو لحاجةٍ قضاها الله »
والمقصود : أن شرب ماء زمزم ينال به الشارب ما أراد على قدر نيّته .

ماء زمزم طعام وشراب
جعل الله تعالى في زمزم أنه يقوم مقام الغذاء في تقوية الجسم ، ويمكن لشاربه الاستغناء به عن الطعام ، بخلاف سائر المياه .
قال تعالى في معرض قصة إبراهيم عليه السلام {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}إب اهيم37 ، (67) قال القرطبي : أرسل الله الملك ، فبحث عن الماء ، وأقامه مقام الغذاء ا.هـ
وفي قصة هاجر أم إسماعيل ، قال ابن عباس : فجَعَلتْ تشرب من الماء ، ويَدرُّ لبنها على صبيها . خرّجه البخاري في "صحيحه" .
وهكذا كان ماء زمزم ، ومن أول يوم نَبَع ، طعامٌ لهاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام ، وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زمزم : « إنها مباركة ، إنها طعام طعم » خرّجه مسلم في "صحيحه" . قال النووي : أي يشبع شاربها ، كما يُشبعه الطعام . ا.هـ

ووردت أخبار وآثار تدل على ذلك ، ومنها :
ما جاء عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، قال : تنافس الناس في زمزم في الجاهلية ، حتى إن كان أهل العيال يغدون بعيالهم فيشربون منها ، فتكون صَبُوحاً لهم ، وكنا نعدّها عوناً على العيال . رواه الفاكهي .
وعن صفية بنت بحرة قالت : رأيتُ قصعة لأم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب رضي الله عنها ، توضع في المسجد ، فيُصبُّ فيها ماء زمزم ، فكنا إذا طلبنا من أهلنا الطعام ، قالوا : اذهبوا إلى صحفة أم هانئ . رواه الفاكهي .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال في زمزم : كنا نسمّيها شبّاعة ، وكنا نجدها نعم العون على العيال . رواه الطبراني في "الكبير" وهو موقوف صحيح .
وهذه الآية العظيمة لزمزم ، باقية ما بقيت زمزم ، ويُكرم الله تعالى بذلك من شاء من عباده ، وفي قصة أبي ذرٍ رضي الله عنه وقد أقام بين الكعبة وأستارها ثلاثين من بين يوم وليلة وما له طعام إلا ماء زمزم ، قال أبو ذرٍ : فسمِنْتُ حتى تكسّرت عكن بطني ، وما أجد على كبدي سخفة جوع . خرجها مسلم في "صحيحه" . والمعنى كما قاله النووي : أن عكن بطنه أنتنت لكثرة السمن ، ولم يُصبه ضعف الجوع وهزاله.
وقال ابن القيم : وشاهدتُ من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر ، ولا يجد جوعاً ، ويطوف مع الناس كأحدهم ، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً ، وكان له قوة يجامع بها أهله ، ويصوم ويطوف مراراً . ا.هـ

ماء زمزم شفاء من كل داء
عن أبي ذرٍ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « زمزم طعام طُعمٍ ، وشفاءُ سُقم » رواه البزار وغيره ، وهو صحيح . وقوله : « شفاء سقم » يشمل بعمومه الأسقام الحسية والمعنوية . وفي حديث عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل ماء زمزم في الأداوي والقِرب ، وكان يصبّ على المرضى ويسقيهم . رواه البخاري في "التاريخ الكبير" ، وهو صحيح .
وعن وهب بن منبّه قال : والذي نفس وهب بيده ، لا يَعمَد إليها – يعني زمزم – أحد فيشرب منها حتى يتضلّع إلا نزعت منه داء ، وأحدثت له شفاء .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان أهل مكة لا يَشكُون رُكَبهم ، ولا يسابقون أحداً إلا سبقوه ، ولا يصارعون أحداً إلا صرعوه ، حتى رغبوا عن ماء زمزم ، نُبدِّل بهم . رواه الفاكهي .
وهي شفاء من داء الحُمّى ، فعن أبي جمرة الضُبَعي قال : كنتُ أجالس ابن عباس بمكة ، فأخذتني الحُمى ، فقال : أبرِدها عنك بماء زمزم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « هي الحُمى من فيح جهنم ، فأبردوها بالماء – أو قال : بماء زمزم » – شك همام . خرّجه البخاري في "صحيحه". وفي رواية أحمد : « فأبردوها بماء زمزم » بدون شك ، وهي صحيحة.
وهي مذهبة للصداع ، فعن الضحاك بن مُزَاحم رحمه الله قال : بلغني أن التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق ، وأن ماءها يذهبُ بالصُداع ، وأن الإطلاع فيها يجلوا البصر ، وأنه سيأتي عليها زمان تكون أعذب من النيل والفرات . رواه الأزرقي .
واستشفى خلق كثير بماء زمزم ، فشفاهم الله جل وعلا ، وهم حينما فعلوا ذلك فعلوه وهم موقنون بأنه شفاء من الأسقام .
قال ابن العربي : وهذا الاستشفاء بزمزم موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صلحت نيته ، وسلمت طويته ، ولم يكن به مُكذِّباً ، ولا شربه مجرّباً ، فإن الله مع المتوكلين ، وهو يفضح المجرّبين ا.هـ
وقد استشفى غير واحد بماء زمزم طلباً للشفاء بدون استخدام دواء .
فهذا أحمد بن حنبل ، يقول عنه ابنه عبد الله : ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به ، ويمسح به يديه ووجهه .
وهذا ابن القيم يقول : ولقد مرَّ بي وقت بمكة سَقِمتُ فيه ، وفقدتُ الطبيب والدواء ، فكنت أتعالج بها – يعني بذلك قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }الفاتحة5 – آخذ شربة من ماء زمزم ، وأقرؤها عليها مراراً ، ثم أشربه ، فوجدتُ بذلك البرء التام ، ثم صِرتُ أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع ، فأنتفع بها غاية الانتفاع . ا.هـ
ويقول أيضا : وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة ، واستشفيتُ به من عدة أمراض ، فبرأتُ بإذن الله . ا.هـ
وهذا العراقي : شرب ماء زمزم لأمور ، منها : الشفاء من داء معيّن بباطنه ، فشفي منه بغير دواء .
وأخبار المستشفين بماء زمزم كثيرة جداً ، بل أكثر من أن تُحصى ، حتى قال القزويني : وماء زمزم صالح لجميع الأمراض المتفاوتة ، قالوا : لو جُمِعَ جميع من داواه الأطباء لا يكون شطراً ممن عافاه الله تعالى بشرب ماء زمزم . ا.هـ
وقد أُجري خلال العقدين الماضيين عدد من التحاليل الكيميائية لمعرفة تركيب ماء زمزم ، فكانت النتائج أن مياه زمزم بصفة عامة تتميز باحتوائها على تركيزات عالية من الكالسيوم والمغنيزيوم والمعادن الأخرى ، فهي مياه غنية بالمعادن .
وتعتبر مياه زمزم مياه عسرة [ hard watwr ] لغناها بالكالسيوم والمغنيزيوم ، وتعتبر مياهٌ غازية لغناها بالبيكربونات .
وقد أظهرت الدراسات العلمية الحديثة : أن استعمال المياه المعدنية من أجل الحصول على تأثير مدر أو ملين أو مرمم لنقص المعادن في الجسم يبدوا منطقياً ، كما أفاده الدكتور : لينارد ميرفن .
ويقول الدكتور محمد ممتاز الجندي : والمياه المعدنية الصالحة للشرب تفيد في علاج كثير من الأمراض ، ومنها زيادة حموضة المعدة وعسر الهضم ، أما المياه المعدنية المعدة للاستحمام ، فبعضها يحتوي على البيكربونات ، وتفيد في تحسين الدورة الدموية ، وبعضها يحتوي على كبريت ، وتفيد في علاج الروماتيزم والتهابات العضلات .
وقد دلت الأبحاث العلمية الحديثة : على أن مرض شرايين القلب التاجية [ الذبحة الصدرية أو جلطة القلب ] ربما يكون أقل حدوثاً في المناطق التي يشرب سكانها المياه العسرة .
وبقي أن ننبه فنقول :
كثير من الناس يستشفي بماء زمزم ، ولا يصلح لهم الشفاء أو المطلوب ، فما السبب ؟ والسبب كما نقل الحافظ ابن حجر عن بعض العلماء : إن طبَّ النبي صلى الله عليه وسلم متيقن البرء لصدوره عن الوحي ، وطبّ غيره أكثره حدسٌ أو تجربة ، وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة ، وذلك لمانع قام بالمستعمل من ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول ... ا.هـ
أو كما قال ابن القيم : إنها سلاح ، والسلاح بضاربه . ا.هـ
وهذه قاعدة مهمة عامة لكل من يستشفي بالأدوية الإلهية والنبوية .

مسائل فقهية منثورة
الأولى : يستحب حمل ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مكة ، كبلده مثلاً ، ليتزود به ويستشفي به ، ذكره غير واحد ، ولا يكره ذلك ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها : أنها كانت تحمل من ماء زمزم ، وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله . خرّجه الترمذي وغيره ، وهو صحيح . ولأنه يُستخلف فهو كالثمرة .

بل إن طلبه وتوصية أحد ذهب إلى مكة أن يأتي به سنة أيضاً ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعجل في طلبه من مكة ، فقد كتب إلى سهيل بن عمرو رضي الله عنه : « إن جاءك كتابي هذا ليلاً فلا تُصبِحنّ ، وإن جاءك نهاراً فلا تُمسينّ حتى تبعث إليَّ بماء زمزم » فملأ له مزادتين ، وبعث بهما على بعير . رواه الفاكهي وغيره ، وهو حسن .
وبهذا يتبين : أن من يقول : أن فضيلة زمزم ونفعه ما دام في محله ، فإذا نُقِل يتغير ، قول باطل لا أصل له .
الثانية : من ملك شيئاً من ماء زمزم بالأخذ والحيازة ، كان له بيعه وهديته ، ونحو ذلك ، كأي شيء من المباحات يفعل بها الإنسان ما يشاء إذا ملكها .
أما بيع ماء زمزم في موضعه وهو البئر : فلا يجوز ، لأنه لم يُصبح بعدُ في ملكه .
الثالثة : يُسنّ الشرب من ماء زمزم ، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي حديث جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر ، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم ... وفيه فناولوه دلواً فشرب منه . خرّجه مسلم .
وقد أرشد إليه صلى الله عليه وسلم بقوله : « ماء زمزم لما شُرِب له » خرّجه ابن ماجه (109) وغيره ، وهو صحيح . وهو عام في كل وقت ، ولكل أحد ، من كان في مكة أو غيرها ، مُحرِماً أو غير مُحرِم ، بلا نزاع .
ويُسنُّ عند ذلك استقبال القبلة والتضلع من ماء زمزم ، أي يملأ بطنه حتى يمتلئ مابين أضلاعه ، لقول ابن عباس رضي الله عنه : إذا شربت منها – يعني زمزم – فاستقبل القبلة واذكر اسم الله وتنفّس ثلاثاً ، وتضلّع منها ، فإذا فرغت فاحمد الله عز وجل ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن آية ما بيننا وبين المنافقين إنهم لا يتضلعون من زمزم » خرّجه ابن ماجه وغيره ،وله طرق ،وهو حسن ( ! ).
ويُسنّ أن يصبَّ منه على رأسه ، وفي حديث جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر وصلى ركعتين ، ثم عاد إلى الحجر ، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها وصبَّ على رأسه ، ثم رجع فاستلم الركن ، ثم رجع إلى الصفا ، فقال : « أبدأ بما بدأ الله عز وجل به » خرّجه أحمد وغيره ، وهو صحيح.
والسُّنة في مكة تقديم المسافر على المقيم في الشرب من ماء زمزم ، لحديث أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ابن السبيل أول شارب ، يعني من زمزم » رواه الطبراني في "الصغير" وهو صحيح ( ! ).
الرابعة : يُسنّ سقي ماء زمزم وتسبيله للناس ، وقد أرشد صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب إلى ذلك في حجة الوداع ، وقد تمنّى أن يفعل ذلك بنفسه ، لكنه خاف أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ، ويزدحمون عليه ويدفعون بني عبد المطلب عن الإسقاء ، كما في حديث جابر الطويل وفيه : ... فأفاض إلى البيت ، فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم ، فقال : « انزعوا بني عبد المطلب ، لولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعتُ معكم ، فناولوه دلواً فشرب منه » خرّجه مسلم في "صحيحه". وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم عملاً صالحاً ، كما في حديث ابن عباس وأنه صلى الله عليه وسلم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها ، فقال : « اعملوا ، فإنكم على عملٍ صالحٍ ... » خرّجه البخاري في "صحيحه" .
الخامسة : يجوز الوضوء من ماء زمزم ، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث علي رضي الله عنه الطويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم : ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا بسجل من ماء زمزم ، فشرب منه وتوضأ ، ثم قال : « انزعوا بني عبد المطلب ....» رواه عبد الله بن الإمام أحمد ، وهو صحيح (123) . وهو قول جماهير العلماء . وسنة عند المالكية وبعض الحنابلة.
السادسة : يجوز الاغتسال بماء زمزم ، فهي من جملة المياه الطاهرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ منه ، فالاغتسال كذلك ولا فرق ، وهو قول جماهير العلماء ، وأما ما روي عن العباس أنه قال : لا أحله لمغتسل ، وهي لشارب ومتوضئ حِلّ وبِلّ . فلا يصح . وكره بعض العلماء الاغتسال بماء زمزم إذا كان عن جنابة ، والصحيح : الجواز .
السابعة : تطهير النجاسات بماء زمزم ، ومن ذلك الاستنجاء ، قيل : حرام ، لامتهان الماء ، وقيل : مكروه ، تعظيماً وتشريفاً له ، وقيل : جائز ، لأنه كغيره من المياه ، وشرفه لا يوجب تحريماً ولا كراهةً لاستعماله ، بل يُرجَى بركته وشفاؤه حال الاستنجاء ، وكونه من أنهار الجنة ، فيلزمنا أن نقول بالتحريم أو الكراهة في نهري النيل والفرات ، فهما من أنهار الجنة ، وكونه من منبع شريف ، فليزمنا أن نقول بالتحريم أو الكراهة في مياه مكة عامة والمدينة والقدس ولا أحد يقول بذلك .
فالتطهير والاستنجاء بماء زمزم جائز ولا شيء فيه .
وهذا آخر الكلام على ماء زمزم ، هذا ما نعلم ، وفوق كل ذي علمٍ عليم .
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين .

_________
الهوامش
مختصر من كتاب (فضل ماء زمزم ) لسائد بكداش . ط دار البشائر الإسلامية .