قصص الملائكة
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 25
13اعجابات

الموضوع: قصص الملائكة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي قصص الملائكة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلمَ تسليما كثيرا.





    أما بعد
    فقد كان من خبر هذا الكتاب أنني حين شرعت في الطلب قديما كنت أقرأ مع بعض الإخوان كتاب الإيمان لمحمد نعيم ياسين فلما وصلنا إلى مبحث الإيمان بالملائكة ذكر أنه يجب الإيمان بالملائكة الذين وردت أسماؤهم في الكتاب أو السنة بالتفصيل. فكان قوله: "يجب ... بالتفصيل" شديد الوقع على نفسي وسألت كيف السبيل إلى ذلك؟ أعني إلى معرفة كل الملائكة الذين ذكروا في الكتاب والسنة بالتفصيل، فكانت كل الأجوبة لا تشفي غليلي. فسألت هل يوجد كتاب جامع في هذا الأمر؟ أعني كتاب أُفْرِدَ للحديث عن الملائكة تفصيلا، فكان الجواب: لا يوجد، وكم تمنيت أن لو وُجِدَ مثل هذا الكتاب لِيَتِمَّ إيماننا بهذا الركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالملائكة على وجهه.
    ثم مضى نحو عقد من الزمان وإذا بأخي محمد يرغب إليَّ أن أضع كتابا عن الملائكة فأثار ما كان في نفسي قديما، وقلت في نفسي: إنها أمنية قديمة ولكني لست أهلا لها، ثم بعد أيام أعاد طلبه هذا، وظل مدة من الزمان يسألني ذلك وقال: إن التأليف الآن قد كثر جدا فإن لم تبدأ في صنع هذا الكتاب صنعه غيرُك، فكنت أتمنى أن يصنعه غيري لصعوبته وعدم وجود تأليف سابق فيما كنت أظن، وقلة المراجع بين يدي، إلا أنني كنت أتمنى أن أصنعه أنا ولكنها كانت أمنية بعيدة إذ كنت أعلم أنني لست لها أهلا.
    فلما زاد إلحاح أخي محمد على هذا الأمر وانشرح صدري له عزمت على البدء في جمع مادته ولكن لم يكن عندنا من الكتب ما يُمَكِّنُنا من ذلك، فعزمتُ في صيف عام 1997م على البدء بما تيسر لدي فشرعت في قراءة صحيح البخاري وكان عندي الطبعة اليونينية غير كاملة، وبعض أجزاء من صحيح مسلم طبعة دار التحرير وعلى هامشها تعليقات مأخوذة من شرح الإمام النووي فبدأت باستخراج ما فيهما من الأحاديث عن الملائكة وفي أثناء ذلك إذا بأخي محمد يشتري سنن الدارمي فأخذته فقرأته كله واستخرجت ما فيه وهو قليل جدا، ثم جاءني بسنن الدارقطني فقرأتها كلها واستخرجت ما فيها، ومشيت هكذا لا يقع تحت يدي كتاب إلا قرأته كله لاسيما إذا كان من كتب السنة فقرأت صحيح سنن النسائي للإمام الألباني كله وبعض ضعيف النسائي وسنن ابن ماجه تحقيق عبد الباقي قرأتها كلها أو بعضها لا أذكر الآن، وأكثر سنن أبي داود وبعض سنن الترمذي والشمائل له والزهد لابن المبارك والزهد لأحمد وتلبيس إبليس لابن الجوزي والنهاية في الفتن والملاحم لابن كثير والصحيح من التذكرة للقرطبي وتنبيه الغافلين للسمرقندي وكل ما وقع تحت يدي في هذا الوقت قرأته كله أو جله حتى اجتمعت لدي مادةٌ كثيرة عن الملائكة، وفي أثناء ذلك جمعت كل أو أكثر الآيات التي تتحدث عن الملائكة ثم وقفت وقفة هامة لتنظيم هذه المادة وترتيبها فلما قمت بذلك وجدت أن ما اجتمع لدي عن ميكائيل يمكن تنظيمه بحيث يكون موضوعا كاملا فكتبت قصة ميكائيل كلها كما ستراها هنا إن شاء الله تعالى، ثم سِرْتُ في باقي القصص على نهجها مِنْ ذكر الاسم والعمل المكلف به وأعوانه ...الخ
    وقد استغرقتْ كتابةُ مسودةِ الكتاب نحو سنتين ونصف، كنت في أكثرها بعيدا عن كتبي إذ كنت ما زلت طالبا في الجامعة وأسكن في المدينة الجامعية وأعود للبيت كل خميس وجمعة ففيهما كنت أنتهز الفرصة للكتابة
    ولما انتهيت من مسودته في شتاء سنة 2000م لم أكن خَرَّجْتُ أحاديثه بل نقلت أحكام العلماء التي قابلتني فقط كأحكام ابن كثير وابن الجوزي وغيرهما، وذلك لعدم وجود الكتب بين يدي، فلما يَسَّر الله تعالى لي الحصول على بعض كتب التراجم كالتقريب والتهذيب لابن حجر والجرح والتعديل وسؤالات الحاكم شرعت في تخريج كل أحاديثه مرة أخرى معتمدا على ما وقفت عليه من أسانيد إذ لم تكن الشاملة قد ظهرت بل لم يكن عندي حاسوبا وكان هذا من أفضل ما استفدته إذ لم أكن أعتمد على سرعة استخراج طرق الحديث بضغطة زر بل كان بمراجعة كثيرة مني والبحث بنفسي عن مواطن الحديث وفي الأماكن التي يمكن أن يوجد فيها كأن يكون مثلا في كتاب الرقائق أو التفسير ونحو ذلك فربما قرأت الباب كله إن لم أكن قرأته قبل ذلك وربما أعدت قراءته أكثر من مرة، وكنت أنظر في تخريجات المحققين ولا أعتمد عليها إذ كانوا –أحيانا- يخطئون في الإحالة فكنت أرجع إلى كل الأماكن التي يحيلون عليها للاطمئنان بنفسي على صحة هذه الإحالات، وكان أمرًا شاقًّا جدا، ولكن ما أكثر ما أفدت من ذلك ولله الحمد.
    ثم لما انتهيت من ذلك أخذني أحد الأصدقاء –جزاه الله خيرا- إلى فضيلة الشيخ مصطفى العدوي لينظر في الكتاب وكان ذلك في عام 2004م ولكن لم يتيسر ذلك ولكن قابلت بعض تلامذة الشيخ فراجع معي كثيرا من أحاديثه وناقشني مناقشات جادة نافعة جزاه الله خيرا ونصحني نصائح أفدت منها كثيرا ومنها أن أحذف الضعيف فحذفت أكثره فكان نحو ثلث الكتاب حتى هممت بأن أصنع ضعيف قصص الملائكة.
    ثم عرضه أخي محمد على بعض دور النشر فأراد أحدهم شراءَه بثمن بخس دراهم معدودة تقل عن ثمن مسند الإمام أحمد طبعة شاكر! وعجبا والله لهؤلاء الناشرين! ولكني ولله الحمد لم أكن فيه من الزاهدين فأخذته واحتفظت به سنوات كثيرة ثم عرضته مرة أخرى بعد نحو عشر سنوات على بعض دور النشر في السعودية فوافقت إحدى الدور على نشره وطلبوا مني أن أعمل له (فَسْح إعلام = تصريح نشر) فكلفني ما كلفني حتى إذا انتهيت منه، إذا بهم يقولون: إن الدار لن تستطيع نشره الآن!! وهكذا ظل حبيس المكتب حتى وجدت هذه الدار التي تولت طباعته... فأرسلت لصاحبها الكتاب فأخذه، وثمنَ طباعته فأكله، فلا تسل عما وراء ذلك، وإنما أقول ذلك مصرحا به تبرئة للذمة لئلا ينخدع بهذه الدار أحد، لا رغبة في غيبة أحد، ويكفي أن تعلم أن صاحب هذه الدار بعد أن أخذ الكتاب وثمنه ماطلني كثيرا في مجرد الرد على الجوال؛ إذ لم يكن هناك وسيلة للاتصال بيننا إلا الجوال، وأنا في بلد وهو في بلدة أخرى، لكنه لما علم أني أعمل طبيبا في السعودية كانت هاتان الخصلتان (طبيب + في السعودية) كافيتين عنده لأن يأخذ الكتاب لنفسه! إذ هو خالٍ عن هاتين الخصلتين فليس طبيبا كما أنه لا يعمل في السعودية. وبناء على ذلك فهو أولى بهذا الكتاب مني، فكان أن قام بإغلاق هاتفه عني إذ كان يعلم أني لا أستطيع الوصول إليه إلا من خلاله، ثم لم يكتف بذلك بل قام بعمل (حظر) لرقمي فلا يصل إليه، ثم في مثل هذه الأيام من العام الماضي وصلت إليه في الأجازة وذهبت إليه حيث هو ووقعت معه عقدا (على ورق فقط طبعا) فلما عرف أنني سافرت (رجعت ريمة لعادتها القديمة)، وتبرئة للذمة أيضا أقول إنني تحصلت منه على نحو خمسين نسخة من الكتاب وكان الاتفاق أن يرسلها لي في السعودية وقد أعطيته ثمنها بل أكثر من ثمنها زيادة على ثمن الكتاب، ولكن ...
    ولأن جميع الحقوق محفوظة للمؤلف! كما كتب هو على غلاف الكتاب الداخلي، وأيضا فقد مضى على طبع الكتاب نحو سنتين إلا قليلا، فقد استخرت الله تعالى في كتابته في المنتديات رغبة فيما عنده من ثواب وطمعا أن يغفر لي ما خالط عملي هذا من قلة الإخلاص أو عدمه، وما شَابَهُ من سوء القصد والعمل، وأسأله سبحانه أن يغفر لي وللمسلمين ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما هو –سبحانه- أعلم به منا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وألا يتوفنا جميعا إلا وهو راض عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه
    هذا وأُذَكِّرُ إخواني بأن هذا أول عمل حديثي لي وبعض الأحكام الموجودة فيه لا أرضاها الآن ولكن ليس لدي الوقت الكافي لمراجعتها فأنا أكتب الكتاب كما طُبِعَ وكما كتبته قديما فما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    وقد رتبته على تمهيد ومقدمة وأبواب
    ذكرت في التمهيد شيئا مما أشرت إليه من قصة الكتاب
    وأما المقدمة فقد اشتملت على عدة أبواب هامة عن الملائكة منها: باب عن معنى كلمة (ملائكة) واشتقاقها، وحكم الإيمان بالملائكة، وذكر خلق الملائكة وفيه بحث عن وقت خلقهم، ثم باب عن أصناف الملائكة، وآخر عن أوصافهم، وباب عن عصمتهم وغير ذلك مما سيمر بك إن شاء الله تعالى
    وأما الأبواب فتأتي بعد المقدمة
    وأولها باب قصة جبريل عليه السلام وفيه فصول
    ثم باب قصة ميكائيل عليه السلام وفيه فصول
    ثم باب قصة إسرافيل عليه السلام وفيه فصول منها التوفيق بين التعارض الظاهري الكثير في قصته من مثل كونه لم يطرف منذ وكل بالصور مع ما ذكر من نزوله مع جبريل وميكائيل لبشارة إبراهيم عليه السلام وتعذيب قوم لوط وحروبه مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، وكذا التوفيق بين ما روي من أن النفاخين في السماء الثانية وأنه ما من صباح إلا وملكان موكلان بالصور ...الخ مع ما يروى من أن إسرافيل أحد حملة العرش، وغير ذلك مما تقر به عين الناظر إن شاء الله تعالى.
    ثم باب قصة ملك الموت عليه السلام وفيه فصول واستشكالات وأجوبتها، ومن فصوله فصل في ذكر الحالات التي لا يقبض فيها ملك الموت الأرواح
    ثم باب قصة منكر ونكير عليهما السلام وفيه فصول
    ثم باب ذكر ملك الأرحام وفيه فصول
    ثم باب ذكر ملك الجبال وفيه فصل واحد
    ثم باب ذِكْرُ الحفظة على العباد وفيه فصول
    ثم باب ذكر خزنة السماوات وفيه فصلان
    ثم باب ذكر حملة العرش وفيه فصول
    ثم باب ذكر الحافون من حول العرش
    ثم باب الملائكة وعلامات الساعة وفيه فصول
    ثم باب الملائكة يوم القيامة وفيه فصول
    ثم باب ذكر خزنة النار وفيه فصول
    ثم باب ذكر خزنة الجنة وفيه فصل واحد وفوائد
    ثم بابٌ يشمل فصولا بديعة عن الملائكة منها: فصل عن الملائكة الذين نزلوا من السماء أول مرة، وفصل عن الذين رأوا الملائكة وآخر عن الذين سمعوا الملائكة وغير ذلك
    ثم ختمته بباب الفضائل.
    فتم به الكتاب، ولله الحمد والمنة

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    8,418

    افتراضي

    يسر الله لك، وأبدلك خيرًا مما حرمت منه، واصل فالخير خير الآخرة، موفق مسدد
    أم علي طويلبة علم و د:ابراهيم الشناوى الأعضاء الذين شكروا.
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو البراء محمد علاوة

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينـه ونستغفـره، ونعـوذ بالله من شـرور أنفسنا ومن سيئـات أعمالنا، من يهده الله فلا مضـل له، ومن يضلل فلا هـادى له.
    وأشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
    {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران: 102]
    {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]
    {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70، 71]
    أما بعد:
    فقد شكا إلىَّ بعضُ إخواني -أصلح اللهُ شانَهم وشاني- ندرةَ وجود كتاب جامع عن قصص الملائكة المكرمين-صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-[1]
    وهذا الموضوع مع جلالته وتطاولِ الأزمان عليه لم يَتَصَدَّ أحدٌ لوضع كتاب عنه فيما أعلم –والله أعلم- إلا ما كان منثورا في كتب العقيدة من الحديث عن الملائكة لأنه ركن من أركان الإيمان الستة
    وكذا في كتب التفسير عند تفسير الآيات المتعلقة بهم
    ثم دواوين شروح الحديث وغيرها
    لكن لم يفرده أحد بتأليف مستقل يجمع فيه ما تفرق في غيره؛ فقلت كما قال الأول: «لعل ذلك فضلٌ ذَخَرَهُ اللهُ لمن يشاء من العبيد، ولا يكون في الوجود إلا ما يريد».
    ولكني أحجمت عن الإقدام على هذا العمل؛ لأنه أمر جلل.
    ولما كنت أعلم عن نفسي العجز والكسل؛ توانيت خشية التقصير والزلل
    ورحت ألتمس لنفسي معذرة، وأقول: فنظرة إلى ميسرة.
    وتمنيت أن لو قام غيري بذلك؛ إِذْ لستُ مِنْ أهلِ هاتيك المسالك
    ولكن شرح الله له صدري، ويَسَّرَ لي أمري؛ فخضت عُباب هذا البحر، ودفعت عن نفسي الإعياء والبُهْر[2]، حتى انتهيت وفي نفسى مزيد، فسبحان المبدي وسبحان المعيد.


    والإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الستة كما قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُون َ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]


    وفى حديث جبريل -عليه السلام- أنه سأل النبي ﷺعن الإيمان فقال: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِـه ِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ...» [3]


    وقد ذكرت قصة كلِّ ملَكٍ مفردة، وذكرت معها بعض ما يتعلق بها من المسائل والأحكام، تذكرةً لأولي الألباب والأفهام.
    ومتى كان الحديث فى الصحيحين أو أحدِهما اقتصرت فى التخريج عليه، إلا أن يكون فى لفظ غيرهما زيادةٌعليه؛ فأذكرها مع بيان ذلك.
    ولا أطيل في التخريج إلا إذا اقتضى الأمر ذلك.


    واللهَ أسأل، أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني بقبولٍ حسنٍ؛ إنه نعم المولي ونعم النصير.

    ______________________________ __________________________
    [1] قلت هذا قديماً حين شرعت فى جمع مادة هذا الكتاب فى صيف عام 1997م ثم انتهيت منه فى شتاء عام2000م.
    وفى تلك الفترة لم أكن وقفت على أي كتاب أُفرد للحديث عن الملائكة بله قصصَها.
    ثم وقفت بعد أن جاوزت ثلث الكتاب، على كتاب عن الملائكة للشيخ محمد رجب بيومي.
    وكنت أحسب أن كتابَىْ: الحبائك فى أخبار الملائك للسيوطي والعظمة لأبى الشيخ فى عدادالمخطوطات ثم وقفت عليهما بعد ذلك فاستفدت من العظمة لأبي الشيخ دون الحبائك.
    [2] البُهْر: انقطاع النَّفَسِ من الإعياء، يقال: (وقع عليه البُهْرُ) وهو ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد والعَدْوِ من النَّهِيجِ وتتابع النَّفَسِ.
    [3] صحيح: رواه البخاري (50 ، 4777 ) ومسلم (9 ، 10 ) وانظر اللؤلؤ والمرجان (5) .
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو البراء محمد علاوة

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    [باب]
    [معني كلمة ملائكة]


    يطلق لفظ (الملَك) على الواحد والجمع[1]:
    فمن إطلاق لفظ (الملَك) على المفرد قوله صلى الله عليه وسلم: «هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ...» [2] وسيأتي -إن شاء الله تعالى- عند ذكر الملائكة الذين نزلوا من السماء أول مرة.
    ومن إطلاقه على الجمع قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22]
    وأما معنى الملك في اللغة فهو بإيجاز: القوى الشديد، أو الرسول. وسنزيد ذلك بيانا فى البحث الآتي.

    بحث فى كلمة مَلَك:

    الملائكة مختلف فى واحدها وأصلها كما يلي:
    (1) قال قوم: أصل مَلَك مَلْأَك على وزن مَفْعَل؛ فالهمزة عين الكلمة. والجمع ملائكة، على وزن مَفَاعِلَة.
    وممن ذهب إلى هذا الرأى: صاحب الكشاف، والنسفى، والجَمَل، وغيرهم.
    (2) وقال قوم: أصلها مَأْلَك، على وزن مَفْعَل؛ فالهمزة فاء الكلمة، ثم دخلها القلب المكاني، فأخرت الهمزة فجعلت بعد اللام، فصارت مَلْأَك، على وزن مَعْفَل، بتأخير الفاء. والجمع ملائكة، على وزن مَعافلة.
    وممن ذهب إلى هذا الرأى: الكسائى، وابن برى، والبغوى، والخازن، والبيضاوي، والليث، والأزهري، وجمهور أهل اللغة.
    وعلى كِلَا القولين، أُلْقِيَتْ حركة الهمزة (وهى الفتحة) على الساكن الصحيح قبلها (وهو اللام) ثم حذفت الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال، وحين الجمع رد إلى أصله، فقيل ملائكة، وملائك بالهمزة.
    (3) وقال قوم: عين الكلمة واو، وهو من لاك الشئَ يلوكُهُ: إذا أداره في فيه. فكأن صاحب الرسالة يديرها في فيه.
    قال المواردي: وإنما سميت الرسالة ألوكاً؛ لأنها تؤلك في الفم. والفرس يألك اللجام، ويعلكه بمعني: يمضغ الحديد بفمه.[3]
    وعلي هذا، فأصل كلمة ملَك مَلَاك، علي وزن مَفْعَل، ولكنه أجوف، ثم حذفت عينه (الألف) تخفيفاً؛ فيكون أصل ملائكة ملاوكة، فأبدلت الواو همزة علي غير قياس -كما أبدلت واو مصائب- فصارت ملائكة.
    وممن ذهب إلي هذا الرأي أبو عبيدة. وضُعِّف هذا الرأي؛ لأنه لم يشتهر لاك بمعني أرسل.
    (4) وقال آخرون: مَلَك فَعَل، من الملك وهو: القوة؛ أي أن الميم أصل؛ ولا حذف فيه، ولكنه جمع علي فعائلة شذوذاً.
    (5) وقال النضر بن شميل: لا اشتقاق للمَلَك عند العرب.[4]
    قلت: وأما من حيث المعنى المشتق منه الملك فقد اختلفوا أيضاً علي قولين:
    أحدهما: أنه من الألوكة بمعنى الرسالة. وهذا يشير إلي أن الهمزة أصلية والميم زائد. يقال: أَلَكَ بين القوم أَلْكًا وألوكاً: كان رسولاً بينهم. وتقول: أَلِكْني إليها أي: أرسلني إليها. قال الهذلي:
    أًلِكـْني إليها وخــير الرســـول*(م)* أعلمهم بنواحـي الخــبر

    والألوك والمألَكة والمألُكة: الرسالة. قال لبيد :
    وغـلام أرســـلته أمــــه *** بألـوكٍ فبذلنـا ما ســــأل

    وقال عدي بن زيد:
    أبلـغ النعمـان عـني مألَـُكــاً[5] *** إنه قد طال حبسي وانتظـاري


    ومن رجح أنه من الألوكة قال: لأن الملائكة رسل الله إلي الناس أو كالرسل إليهم؛ فمعنى الرسالة يعم الملائكة كلهم. قالوا: أما بالنسبة إلي مُبَلِّغِ الوحيِ فظاهرٌ أن معني الرسالةِ يشمله. وأما بالنسبة إلي غيره؛ فلأنهم وسائط بين أمر الله تعالى وبين الناس يرسلهم إليهم: لحفظهم في عموم الأوقات، ولرفع أعمالهم، وتصويرهم في الأرحام، وقبض أرواحهم، وتحصيل أرزاقهم، وتدبير أمورهم. كما قال تعالى: {وَالنَّازِعَات غَرْقًا } [النازعات: 1] إلى قوله تعالى: {فَالْمُدَبِّرَ تِ أَمْرًا} [النازعات: 5]
    فهم رسل الله كافة. وذلك إذا لم يعتبر في الرسالة معرفةُ المرسَلِ إليهم الرسولَ وجهةَ رسالته،
    أو كالرسل إن اعتبر ذلك.
    أو رسل الله؛ لأنهم وسائط بين الله وبين أنبيائه: يبلغون إليهم رسالاته بالوحى، والإلهام، والرؤيا الصادقة. أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه.
    أو كالرسل، في وصول آثار لطفه؛ لأن منهم الذين يستغفرون للذين آمنوا.
    قالوا: والتحقيق أن تحقق المعنى اللغوى في بعض الأفراد كافٍ في النقل، لاسيما في الأفراد الكثيرة. ([6])

    ثانيهما- أنه من المَلْكِ[7] بمعنى القوة؛ فالهمزة زائدة، قاله ابن كيسان. وذلك لدوران (م.ل.ك) مع الشدة في مَالِك، ومَلْكٍ، ومِلْكٍ. ويقال: مَلَكَ العجينَ: إذا شدد عجنه. قال التفتازاني: وظاهر كلام صاحب الكشاف أن الهمزة زائدة، وأن اشتقاقه من ملك. ولعل التفتازاني أخذ هذا المعنى من كلامه؛ حيث شبهه بالشمائل، وهمزته زائدة. ورُدَّ ذلك بأنه قد يكون أراد الشبه الصوري (أي أن صورة الملائك مثل صورة الشمائل ومَلْأَك مثل شَمْأَل) مع قطع النظر عن زيادة الهمزة وأصالتها.
    قيل: الوجه أن تكون الهمزةُ زائدةً، والميم أصلياً. واشتقاقه من مَلَكَ؛ لأن الملك[8] اسم جنس يعم جميع الملائكة؛ لوجود معنى القوة والشدة في جميعهم، بخلاف معنى الألوكة فإنه لا يعم الجميع؛ لقوله تعالي: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج:75] واعتبار المعنى لترجيح تسمية الكل باسم الملك أولي وأصوَبُ، من اعتبار المعنى الخاص لبعضهم؛ إذ لو كان مرجح التسمية هذا المعنى الخاص -أي الألوكة- لما صح أن يسمي غير الرسل منهم باسم الملك؛ لعدم وجود المرجح؛ فالأولي أن يكون من ملك العجين؛ لعموم هذا المعنى بكل من يسمي باسم الملك.[9]

    _________________________ _________________________ ___
    [1] فهو اسم جنس إفرادي واسم الجنس ألإفرادي هو ما يصدق علي الكثير والقليل بلفظ واحد كالماء والهواء والخل والزيت ... الخ فالماء مثلاً يطلق على النقطة الواحدة كما يطلق علي ماء البحر كله فكذلك كلمة ملك .
    [2] صحيح: مسلم (806)
    [3] تفسير المواردي : 1/ 59 .
    [4] انظر تفسير القرطبي ( ط. الشعب ) 1/224، والكشاف للزمخشري ( ط. الدار العالمية ) 1/71، ومفاتيح الغيب للرازي (ط. دار الغد العربي ) 1/572، تفسير الخازن ( ط. دار الفكر ) 1/44، وتفسير البغوي بحاشية الخازن 1/44، وتفسير النسفي بحاشية الخازن أيضاً ( طبعة آخري ) 1/44، وحاشية الجمل علي الجلالين (ط. عيسي الحلبي ) 1/37، وإعراب القرآن للعكبري بحاشية الجمل أيضاً ( ط . عيسي الحلبي ) 1/87- 88، وتفسير الآلوسي (إدارة الطباعة المنيرية) 1/218، وحاشية القونوي علي البيضاوي 2/4 – 5، ومعه حاشية ابن التمجيد علي البيضاوي 2/4-5، وحاشية الصاوي علي الجلالين (ط. عيسي الحلبي) 1/19، وفتح البيان في مقاصد القرآن لصديق حسن خان (ط. دار الفكر العربي) 1/103.
    [5] مألكا: بفتح اللام وضمها
    [6] حاشية القونوى ( الحافظ إسماعيل بن محمد بن مصطفي القونوي ) علي القاضي البيضاوي 2/4 .
    [7] من باب ضرب يقال: مَلَكْتُ العجينَ مَلْكًا إذا شَدَدْتَهُ وقَوَّيْتَهُ.
    [8] المِلْك بكسر الميم اسم، والمَلْك بالفتح مصدر، والفعل (مَلَكَ).
    [9] حاشية: ابن التمجيد علي القاضي 2/5




  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    = فوائد:

    الأولي- التاء في (ملائكة) لتأكيد معنى الجمع وليست لتأنيث اللفظ؛ وذلك لاعتبارهم التأنيث المعنوي في كل جمع حيث قالوا: كل مؤنث بتأويل الجماعة.
    وقيل: التاء للمبالغة: كعلامة ونسابة.
    وقد ورد بغير تاء في قوله:
    * أبا خالد صلت عليك الملائك *

    الثانية- (ملائك) بغير تاء ممنوعة من الصرف؛ لأنها على صيغة منتهى الجموع، وأما بالتاء (ملائكة) فمصروفة؛ لخروجها بالتاء عن صيغة منتهى الجموع.
    الثالثة- قد تأتي كلمة (ملك) في الشعر علي الأصل -أي مَلْأَك– كما فى قوله:
    فلست لإنسي ولكن لِمَلْأَكٍ * * * تَنًـَزَّلَ من جَوِّ السماء يَصُوبُ[1]

    الرابعة- يوحى لفظ الملائكة بالجمال. فمن ذلك: قول النسوة في شأن يوسف عليه السلام:
    وفى حديث جرير: «عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ»[2] قال ابن الأثير: أي أثر من الجمال؛ لأنهم أبداً يوصفون بالجمال.[3]
    معنى الملائكة شرعاً:
    مخلوقات علوية خلقهم الله تعالى من نور وفطرهم على طاعته ووكل بهم أعمالهم ومنحهم الانقياد التام لأمره، والقوةَ على تنفيذه، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شئ.
    وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية.
    ______________________________ ____________

    [باب]
    [ذكر نبذة عن آراء أهل الديانات الأخرى والفلاسفة فى الملائكة]

    ذكرنا قولنا نحن المسلمين فى الملائكة وأنها أجسام نورانية...الخ
    وقالت طائفة من النصارى: هى الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة، وأما الخبيثة فشياطين.
    وهو مردود بما علم يقينا أن الملائكة مخلوقة قبل البشر بأزمنة متطاولة.
    وقال عبدة الأوثان: إنها هذه الكواكب: فالسعد منها ملائكة الرحمة، والنحس ملائكة العذاب.
    قالوا: الكواكب أحياء ناطقة كالإنسان، ومدبراتها هى الملائكة، كتدبير نفوسنا لأجسامنا.
    وقال المجوس والثنوية: الظُّلْمة: عنصر الشياطين، والنور: عنصر الملائكة.
    وقال الفلاسفة: هى الممدة لنفوسنا الناطقة، ونسبتها إليها كنسبة الشمس إلى ضوئها. وصرح بعضهم بأنها العقول العشرة، والنفوس الفلكية التى تحرك الأفلاك، وأنها مجردات عن المواد. والحاصل أنها غير متحيزة، ولا أجسام مركبة من المواد.[4]
    أقول: نعوذ بالله من الخذلان. وإنما ذكرنا هذه النبذة؛ للتنبيه على ضلال هذه الفرق، وليزداد الذين آمنوا إيمانا. والله ولى التوفيق.

    ______________________________ _____________
    [1] ينسب هذا البيت لعلقمة بن عبدة وليس له ولا هو فى ديوانه، وهو من أبيات سيبويه 1: 379، وشرح شواهد الشافية: 287. ويقال: إنه لرجل من عبد القيس جاهلى يمدح النعمان، وحكى السيرافى: أنه لأبى وجزة السعدى يمدح عبد الله بن الزبير. انظر تفسير الطبرى/ شاكر / 1: 333 حاشية رقم : 2 ط. مكتبة ابن تيمية
    [2] صحيح : رواه البخاري في الأدب المفرد (251) وأصله في الصحيحين بدون هذه الجملة، وانظر أيضا الاستيعاب لابن عبد البر (ط.دار صادر) بحاشية الإصابة1/233. وقال الحافظ: وروى أحمد وابن حبان من طريق المغيرة بن شبل عن جرير قال: لما دنوت من المدينة أنخت ثم لبست حلتي فدخلت فرماني الناس بالحدق فقلت: هل ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ قالوا: نعم، ذكرك بأحسن ذكر فقال: «يدخل عليكم رجل من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك» ا.هـ فتح الباري (طبعة الإيمان)7/164. وكان جرير بن عبد الله البجلى الصحابي المشهور جميل الصورة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو يوسف هذه الأمة. وانظر الإصابة (ط.دار صادر)1/232، والاستيعاب1/232، والطبقات الكبرى1/167، وفتح البارى 7/163.
    [3]- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير:4/359
    [4] انظر تفسير الألوسى 1/218، والجواهر فى تفسير القرآن1/56، وحاشية القونوى على القاضى البيضاوى2/5

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    [باب]
    [حكم الإيمان بالملائكة ومعناه وحكم منكرهم]


    الإيمان بالملائكة واجب إجمالا وتفصيلا:
    فأما الإيمان بهم إجمالاً: ففرض عين على جميع المكلفين؛ لأنه مما جاء به الرسول ﷺ بل هو من المتواتر الذى لا شك فيه، بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة، وهو أحد أركان الإيمان الستة، الواردة فى حديث جبريل المتقدم.
    ومعنى الإيمان بهم إجمالا:
    أن تؤمن بأن لله ملائكة خلقهم لعبادته، واختصهم بوظائف يقومون بها: كالوحى، والنفخ فى الصور، وقبض الأرواح... وغير ذلك. وأن تؤمن بأسماء من ورد اسمه منهم فى القرآن، أو فى حديث متواتر، أو إجماع: كجبريل وميكائيل وصاحب الصور إسرافيل وملك الموت والحفظة والكتبة وخزنة الجنة وخزنة النار ورئيسهم مالك ... الخ
    وأن تعلم أنهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ماأمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
    فمن قصر فى معرفة شئ من ذلك، فهو آثم. بخلاف من أنكر شيئا من ذلك.
    وأما الإيمان بهم تفصيلا: ففرض كفاية، إذا قام به بعض الأمة ممن يحصل بهم الكفاية، سقط الحرج عن الباقين، وإلا أثم الجميع.
    قال شارح الطحاوية: ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول ﷺ إيمانا عاما مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ على التفصيل فرض على الكفاية؛ فإن ذلك داخل فى تبليغ ما بعث الله به رسوله ﷺ وداخل فى تدبر القرآن وعقله وفهمه.[1]
    ومعنى الإيمان بهم تفصيلا: أن تعرف جميع أو أكثرأسماء من ورد اسمه منهم فى الكتاب والسنة، ووظائفَهم على وجه التفصيل، وصفاتهم التي خلقوا عليها، وما يتعلق بهم من أمور.
    قال الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله تعالى-: والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
    الأول- الإيمان بوجودهم.
    الثاني- الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه كجبريل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالا.
    الثالث- الإيمان بما علمنا من صفاتهم: كصفة جبريل، فقد أخبر النبيﷺأنه رآه على صفته التى خلق عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق.
    الرابع- الإيمان بما علمنا من أعمالهم التى يقومون بها بأمر الله تعالى: كتسبيحه، والتعبد له ليلا ونهاراً بدون ملل ولا فتور.[2]

    حكم منكرهم:
    فيه تفصيل: إن أنكر من هو مجمع على أنه من الملائكة كجبريل فكافر لا محالة؛ لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة. وإن أنكر من هو مختلف فيه كهاروت وماروت، لم يكفر.
    ______________________________ ______________
    [1]شرح الطحاوية لابن أبى العز الحنفى مع تخريج الألباني/70

    [2]شرح الأصول الثلاثة لفضيلة الشيخ ابن عثيمين: (90- 91) الناشر دار الإيمان- الإسكندرية.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    11,947

    افتراضي

    نفع الله بك أخانا الفاضل .
    لكن لعلك أفدت من كتاب الدكتور الأشقر : عالم الملائكة الأبرار
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة د:ابراهيم الشناوى

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو مالك المديني مشاهدة المشاركة
    نفع الله بك أخانا الفاضل .
    لكن لعلك أفدت من كتاب الدكتور الأشقر : عالم الملائكة الأبرار
    وبك أخي الكريم
    أما كتاب الدكتور الأشقر فلم أره ولعله لم يكن قد طبع في المدة التي كتبت فيها مسودة الكتاب (1997م- 2000م)
    أما بعد ذلك فقد أدخلت تعديلات كثيرة عليه ولا أذكر أني أفدت من كتاب الدكتور الأشقر أو غيره مما كتب عن الملائكة ولا أجزم بذلك الآن كما أني لم أجد الكتاب في حاسوبي ولم أستطع تحميله إلا الآن ولكني على سفر ولا يمكنني تصفحه جيدا، ولكن ما رأيته فيه يوقع في ذهني أني لم أستفد منه
    ولا أقول هذا تقليلا لما كتبه الدكتور الأشقر حاشا لله ولكن إجابة على سؤالكم الكريم
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    [باب]
    [ذكر خلق الملائكة]

    خلق الله جل جلاله الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج([1]) من نار، وخلق آدم - عليه السلام - من طين.
    فعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِن نَّارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ."(2)


    بحث فى وقت خلقهم:

    قد علمت أن الملائكة خلقت من النور،
    وقد خلق الله - عز وجل - السماوات والأرض وما فيهن فى ستة أيام،
    وخَلَقَ النور يوم الأربعاء؛
    فَخَلْقُ الملائكة متأخر عليه لا محالة.
    فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِي فَقَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَام - بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ."(3)
    وفى رواية أخرى التصريح بأن خلق الملائكة كان يوم الجمعة.
    فعن ابن عباس: أن اليهود أتت النبى صلى الله عليه وسلم فسألت عن خلق السماوات والأرض فقال: " خلق الأرض يوم الأحد والاثنين. وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من المنافع. وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب. فهذه أربعة فقال عز من قائل: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ﴾ [فصلت 9-10] وخلق يوم الخميس السماء. وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه. فخلق فى أول ساعة من هذه الثلاث من الساعات، الآجال حين يموت من مات. وفى الثانية ألقى الآفة على كل شئ مما ينتفع به الناس. وفى الثالثة آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها فى آخر ساعة." ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: " ثم استوي على العرش." قالوا: قد أصبت لو أتممت. قالوا: ثم استراح. قال: فغضب النبى صلى الله عليه وسلم غضبا شديداً؛ فنزلت: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ق: 38 -39] ([4])
    قلت: خَلْقُ الملائكة سابق على خلق الجنة والنار؛ فإن الله جل جلاله لما خلقهما أرسل إليهما جبريل كما سيأتى إن شاء الله تعالى.
    ويتلخص مما سبق، أن خلق الملائكة كان يوم الأربعاء، أو بعده. ويحتمل أن يكون فى يوم الجمعة.
    والله أعلم.

    ______________________________ ________
    [1] المارج : اللهب المختلط بسواد النار
    [2] صحيح : رواه مسلم (2996)
    [3] صحيح : رواه مسلم (2789). وأحمد (8349). والبيهقى فى الأسماء والصفات/38-39. والنسائي فى التفسير (30) . وهذاالحديث مما انتقد على الصحيح . قال ابن كثير : وهو من غرائب الصحيح وقد علله البخاري فى التاريخ فقال : رواه بعضهم عن أبى هريرة t عن كعب الأحبار وهو الأصح (تفسير القرآن العظيم 7/109). قلت : قد أجاب العلماء عما ورد من الشبه على هذا الحديث فهو صحيح إن شاء الله.
    [4] ضعيف: رواه الحاكم (3997) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبى فى التلخيص فقال: أبو سعيد البقال قال ابن معين: لا يكتب حديثه. ورواه البيهقى فى الأسماء والصفات من طريق الحاكم أيضا /367- 368 وذكره ابن كثير فى التفسير 7/109 من رواية ابن جرير من طريق أبى سعيد البقال أيضا وقال: هذا الحديث فيه غرابه.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    [باب]
    [أصناف الملائكة]
    ([1])

    إحداها: أكابر الملائكة ورؤساؤهم. ومنهم:
    · جبريل وميكائيل - عليهما السلام - قال تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيل وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ } [البقرة : 98]
    · إسرافيل صاحب الصور - عليه السلام - قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر : 68]
    · ملك الموت - عليه السلام - قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة:11]
    ثانيها: حملة العرش :
    قال تعالى : {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17]
    ثالثها: الحافون من حول العرش :
    قال تعالى : {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] قال ابن كثير: ومنهم الكروبيون؛ وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المقربون، كما قال تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُم ْ إِلَيهِ جَمِيعاً} [النساء : 172] ([2])
    رابعها: ملائكة الجنة:
    قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِ مْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ} [الرعد : 23- 24 ]
    خامسها: ملائكة النار:
    قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} [المدّثر : 31] ورؤساؤهم التسعة عشر المذكورين فى قوله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدّثر : 30] ومقدمهم مالك قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف : 77] وأسماء جملتهم الزبانية قال تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَه سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} [العلق 17-18]
    سادسها: الموكلون ببنى آدم:
    قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً} [الأنعام : 61]
    وقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف:80] ومنهم الموكلون بهم فى الأرحام. ومنهم الموكلون بهم فى القبر وهما: منكر ونكير.
    سابعها: الموكلون بأحوال هذا العالم:
    وهم المرادون بقوله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفّاً} [الصافات : 1] ومنهم ملك الجبال، وخزنة السماوات.
    وكل ذلك وأكثر سنفصله فيما بعد إن شاء الله تعالى.

    ______________________________ ___________________
    [1] انظر مفاتيح الغيب:2/567
    [2] البداية والنهاية 1/50

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    8,418

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د:ابراهيم الشناوى مشاهدة المشاركة
    [باب]
    [أصناف الملائكة]
    ([1])

    · إسرافيل صاحب الصور - عليه السلام -

    هل صح في ذلك شيء؟
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة د:ابراهيم الشناوى
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو البراء محمد علاوة مشاهدة المشاركة

    هل صح في ذلك شيء؟
    لا لم يصح فيه شيء أو على الأقل لم أقف على خبر مرفوع (ثابت) في ذلك، والله أعلم
    وسيأتي الكلام عن ذلك عند ذكر قصة إسرافيل عليه السلام
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو البراء محمد علاوة

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    8,418

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة د:ابراهيم الشناوى مشاهدة المشاركة
    لا لم يصح فيه شيء أو على الأقل لم أقف على خبر مرفوع (ثابت) في ذلك، والله أعلم
    وسيأتي الكلام عن ذلك عند ذكر قصة إسرافيل عليه السلام
    يسر الله أمرك، نتابع
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة د:ابراهيم الشناوى
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    [باب]
    [أوصاف الملائكة]([1])


    إحداها: أن الملائكة رسل الله عز وجل:
    قال تعالي: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً﴾ [فاطر : 1] وقال تعالي: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج : 75]
    ثانيها: قربهم من الله - عز وجل:
    قال تعالي: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ [الأنبياء : 19]
    ثالثها: تكريم الله - عز وجل لهم:
    قال تعالي: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] وقال تعالي: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس 15: 16] وقال تعالي: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الإنفطار 10 : 11]
    رابعها: وصف طاعاتهم، وذلك من وجوه:
    الأول: قوله تعالي: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:30] وقوله تعالي: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾ [الصافات 165:166] والله تعالي لم يكذبهم في هذا؛ فثبت بهذا اموظبتـــهم علــــي العبادة. وقد قال تعالي: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء : 20]
    الثاني: مبادرتهم إلي امتثال أمر الله - سبحانه - وهو قوله تعالي: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر:30]
    الثالث: أنهــم لا يفعلون شيئاً إلا بوحـــــيه - سبحانه - وهو قوله تعــــالي: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 2]
    خامسها: وصف قدرتهم وذلك من وجوه:
    الأول: أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي. ثم إن الكرسي الذي هو أصغر من العرش، بل هو بالنسبة للعرش كحلقة ملقاة في فلاة، أعظم من جملة السموات والأرض. قال تعالي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:255]
    الثاني: أن جبريل - عليه السلام - بلغ من قوته أنه اقتلع جبال قوم لوط وبلادهم دفعة واحدة، ورفعها حتى عنان السماء، وحتى سمع أهل السموات صياح ديكتهم، ثم قلبها. قال ابن كثير: قالوا: كان من شدة قوته أن رفع مدائن قوم لوط - وكن سبعاً - بمن فيها من الأمم، وكانوا قريباً من أربعمائة ألف، وما معهم من الدواب والحيوانات وما لتلك المدن من الأراضي والمعتملات والعمارات وغير ذلك. رفع ذلك كله علي طرف جناحه، حتى بلغ بهن عنان السماء، حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، وصياح ديكتهم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها. فهذا هو شديد القوي. ([2])
    الثالث: قال تعالي: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر : 68] فصاحب الصور يبلغ في القوة إلي حيث أنه بنفخة واحدة منه، يصعق من في السموات ومن في الارض مع عظم المسافة بين كل سماء وسماء، وسمك كل سماء، واتساعها. ثم إنه بنفخة واحدة أخري، يعودون أحياءً، فاعرف منه عظم هذه القوة.
    الرابع: قول ملك الجبال للنبي ﷺ: "لو أردت أن أطبق عليهم الاخشبين لفعلت..." ([3]) وسيأتى - إن شاء الله تعالى - عند ذكر ملك الجبال.
    الخامس: أن منكرا ونكيراً يضربان الكافر بمرزبة لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم يقلوها.
    وانظر ما سيأتي عند ذكر منكر ونكير إن شاء الله تعالي.

    ______________________________ _________
    [1] انظر مفاتيح الغيب:2/578
    [2] البداية والنهاية: 1/45
    [3] صحيح: متفق عليه انظر اللؤلؤ والمرجان ( 1173 )

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    سادسها: وصف خوفهم ويدل عليه وجوه:
    الأول: أنهم مع كثرة عبادتهم وعدم إقدامهم علي الزلات البتة، يكونون خائفين وَجِلين حتى كأن عباداتهم معاصٍ.
    قال تعالي: "يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [النحل : 50] وقوله تعالي: "وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ" [الأنبياء : 28]
    الثاني: قوله تعالي: "حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" [سبأ: 23]
    وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : "إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا "فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا" [سبأ: 23] لِلَّذِي قَالَ: "الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ." ([1])
    الثالث: روي ابن المبارك في زوائد الزهد عن محمد بن المنكدر قال: لما خلقت النار فزعت الملائكة وطارت أفئدتها ، فلما خلق آدم سكن ذلك عنهم، وذهب ما كانوا يحذرون. ([2])
    وذكر القرطبي في التذكرة عن ميمون بن مهران قال: لما خلق الله تعالى جهنم أمرها فزفرت زفرة ؛ فلم يبق فى السماوات السبع ملك إلا خر على وجهه. فقال لهم الجبار جل جلاله: ارفعوا رؤسكم؛ أما علمتم أنى خلقتكم لطاعتى وعبادتى. وخلقت جهنم لأهل معصيتى من خلقى. فقالوا ربنا لا نأمنها حتى نرى أهلها. فذلك قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ" [المؤمنون : 57]
    فالنار عذاب الله؛ فلا ينبغى لأحد أن يعذب بها. ([3])
    سابعها: الملائكة لها أجنحة:
    *قال تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [فاطر : 1]
    قوله: "أُولِي أَجْنِحَةٍ" يصح أن يكون صفة لقوله "رُسُلاً" لكن هذا يوهم أن الأجنحة لطائفة مخصوصة من الملائكة: وهى طائفة الرسل منهم، وهو غير مراد؛ إذ إن الأجنحة لكل الملائكة.
    وعلى ذلك فالأولى أن يجعل قوله: "أُولِي أَجْنِحَةٍ" صفة أو حالا من الملائكة.
    فمن الملائكة من له جناحان،
    ومنهم من له ثلاثة،
    ومنهم من له أكثر من ذلك؛
    فالله يزيد فى الخلق ما يشاء: من زيادة فى عدد الأجنحة وغيرها،
    ويزيد فى خلق الملائكة وغيرهم ما يشاء من طول القامة، وحسن الصورة، وغير ذلك.
    ودل قوله تعالى: "يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ" أن من الملائكة من له أكثر من أربعة أجنحة إلى ما يشاء الله جل جلاله
    وقد ثبت هذا فى السنة الصحيحة كما سيمر بك - إن شاء الله تعالى - فى هذا الكتاب .
    ثامنها: الملائكة لا يأكلون ولا يشربون:
    قد دلت على ذلك آيات منها قوله تعالى: "وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ" [هود :69- 70]
    وإنما خاف إبراهيم -عليه السلام - لما رآهم لا يأكلون، ولا يشتهون الطعام، ولا رغبة لهم فيه بالكلية؛ فعند ذلك علم أنهم ملائكة، وأوجس فى نفسه خيفة؛ لأنه - عليه السلام - يعلم أن الملائكة إنما تنزل بعذاب الأمم، فخاف على أمته من ذلك رأفة بهم، ورحمة لهم،
    فقالوا له عند ذلك: لا تخف فإنا لم نرسل إلى قومك، وإنما أرسلنا إلى قوم لوط.
    واعلم أن طعام الملائكة وشرابَهم هو: التسبيح والتقديس والتحميد والتهليل والتمجيد وأنسُهم بذكر ربهم وطاعته.
    تاسعها: الملائكة لا يبولون ولا يتغوطون:
    وهذا؛ لأن البول والغائط إنما ينتج عن الأكل والشرب، وقد علم أن الملائكة لا تأكل ولا تشرب؛ فامتنع عليهم ما ينتج عن الأكل والشرب وهو البول والغائط.
    عاشرها: الملائكة لا يتناكحون ولا يتناسلون:
    وهذا لأن النسل إنما ينتج عن الذكر والأنثى، والملائكة لايوصفون بذكورة ولا بأنوثة.
    حادى عشرها: الملائكة شهداء الله فى السماء:
    فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَجَبَتْ" ثُمَّ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَجَبَتْ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُكَ الْأُولَى وَالْأُخْرَى "وَجَبَتْ" فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "الْمَلَائِكَ ُ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ."([4])

    ______________________________ _______
    [1] صحيح: رواه البخارى (4701-4800-7481)
    [2] صحيح إلى محمد ابن المنكدر: رواه ابن المبارك فى زوائد الزهد (321 )
    [3] التذكرة:339 وهو وما قبله من الإسرائيليات
    [4] صحيح: رواه أبوداود (3233)، والنسائى واللفظ له (1932)، وأحمد (10476). ورواه ابن ماجه من طريق أخرى عن أبى هريرة (1492). وله شاهد عن أنس روا البخارى (2642،1367)، ومسلم (949) والترمذى (1058) وقال: حسن صحيح، والنسائى (1931)، وأحمد (13573،13038،12837)، والحاكم (1397) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرخاه بهذا اللفظ ووافقه الذهبى فى التلخيص. وجملة "الملائكة شهداء الله فى السماء" انفرد بها النسائى عن الستة. وللحاكم زيادة أخرى وهى: "إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بنى آدم بما فى المرء من الخير والشر".

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    ثانى عشرها: الملائكة لهم عقول :
    قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: إذا قال قائل: هل لهم عقول ؟ نقول: هل لك عقل ؟ ما يسأل عن هذا إلا رجل مجنون ؛ فقد قال الله تعالى : "لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [التحريم : 6] فهل يثنى عليهم هذا الثناء، وليس لهم عقول: "يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ" [الأنبياء : 20] أنقول: هؤلاء ليس لهم عقول؟ أحق من يوصف بعدم العقل من قال: إنه لا عقل لهم.
    ثالث عشرها: الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة:
    قال تعالى: " وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ" [النحل : 57]
    وقال تعالى: "أَفَأَصْفَاكُم رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا" [الإسراء : 40]
    وقال تعالى: "قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ" [الأنبياء : 26]
    وقال تعالى: "فَاسْتَفْتِهِم أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" [الصافات :149- 154]
    وقال تعالى: "وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ أمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ" [الزخرف:15- 16] وقال تعالى: "وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ" [الزخرف: 19]
    وقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى" [النجم: 27]
    ينكر الله جل جلاله على المشركين قولَهم: إن الملائكة بنات الله.
    وليس المراد بالبنات بناتهم التي يلدونها؛ لأنهم يعترفون بأنها منسوبة لهم فلا يضيفونها لله، وإنما البنات التي يضيفونها لله هي الملائكة.
    والقائل ذلك: كنانة، وخزاعة، وجهينة، وبنو سليم، وبنو مليح. ([1])
    وقيل: هم اليهود.
    قال قتادة: قالت اليهود: إن الله صاهر الجن؛ فكانت بينهم الملائكة؛ فقال الله تكذيبا لهم: "بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ" [الأنبياء: 26] أى الملائكة أكرمهم بعبادته واصطفاهم ووصفهم بصفات سبعة: أولها: "عِبَادٌ". والأخيرة: "وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ" [الأنبياء: 29] وهذه الضمائر كلها للملائكة.[2]
    وأما قوله تعالى: "وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً" [الزخرف:15] فقد قال الزجاج والمبرد: الجزء هاهنا البنات.
    وقال الماوردي: فيه أربعة أوجه:
    أحدها: عدلا أي: مِثْلاً. قاله قتادة.
    الثاني: من الملائكة ولداً. قاله مجاهد.
    الثالث: نصيباً. قاله قطرب.
    الرابع: أنه البنات، والجزء عند أهل العربية البنات. يقال: قد أجزات المرأة إذا ولدت البنات.
    قال الشاعر:
    إن أجـزأت حـرة يومـا فـلا عجب ***** **قد تجـزئ الحـرة المذكـار أحيـانا([3])

    وقد أنكر الزمخشري هذا الأخير، فقد نقل عنه القرطبي قوله: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث متحول، ولم يقنعهم ذلك حتي اشتقوا منه أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتا وبيتا:
    **إن أجزأت حرة يوما فلا عجب *

    و** زُوِّجتها من بنات الأوس مجزئة* *[(4)]

    وإنما قوله: "وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً" [الزخرف: 15] أن قالوا: الملائكة بنات الله؛ فجعلوهم جزءًا له وبعضاً، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءاً له.([5])
    وأما قوله تعالى: "وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا" [الصافات:158] فقد قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله. فقال أبوبكر: فمن أمهاتهم ؟! قالوا: بنات سروات الجن. وكذا قال قتادة وابن زيد.
    ولهذا قال تعالى: "وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ" أي الذين نسبوا إليهم ذلك "إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ" [الصافات:158] أي إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم.
    وحكى ابن جرير عن ابن عباس قوله: زعم أعداء الله أنه - تبارك وتعالى - هو وإبليس أخوان. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ([6])
    وقد ذكر الله - سبحانه - فيما تقدم من الآيات عن المشركين - ثلاثة أقوال في الملائكة في غاية الكفر والكذب :
    فأولا: جعلوهم بنات الله، فجعلوا لله ولدا تعالى الله وتقدس.
    وثانيا: جعلوا هذا الولد أنثي، وهم الذين إذا بشر أحدهم بالأنثى، ظل وجهه مسودا وهو كظيم، فاختاروا لله - عز وجل - أسوأ الصنفين عندهم.
    وثالثا: عبدوا الملائكة من دون الله - عز وجل - وكل واحدة من هذه الثلاثة كاف في التخليد في النار.
    رابع عشرها: الملائكة أجسام خلافا لمن أنكر ذلك:
    قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - : وقد أنكر قوم من الزائغين كون الملائكة أجساماً وقالوا: إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات. وهذا تكذيب لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين.
    قال الله تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ" [فاطر:1]
    وقال: "وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ " [الأنفال:50]
    وقال: "وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَة ُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ" [الأنعام:93]
    وقال: "حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" [سبأ:23]
    وقال في أهل الجنة: "وَالْمَلَائِكَ ُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ* سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ" [الرعد:24،23]
    وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ".
    وفيه أيضاً عنه قال: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً ثُمَّ كَبْشًا ثُمَّ دَجَاجَةً ثُمَّ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ."
    وهذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام، لا قوى معنوية كما قال الزائغون. وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون.([7])
    ______________________________ _________________________
    [1] حاشية الصاوى على الجلالين 2/315، الجواهر فى تفسير القرآن 10/189، فتح البيان فى مقاصد القرآن 6/150
    [2] فتح البيان فى مقاصد القرآن: 6/150
    [3] تفسير الماوردى المسمى النكت والعيون: 3/601
    [4] تمامه:
    للعوسج اللدن فى أبياتها زجل.

    [5] تفسير القرطبى: 5889 ط.دار الشعب.
    [6] تفسير القرآن العظيم لابن كثير:7 /27
    [7] مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: (5/ 118- 119)



  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    أما قبل:
    فأعتذر لإخواني الذين كنت وعدتهم أن أضع يوم الاثنين (أو ليلة الثلاثاء) من كل أسبوع حلقة من هذا الموضوع ولم أستطع الوفاء بذلك رغما عني لانقطاع الشبكة عني كثيرا، والله أعلم ببواطن الأمور.
    ______________________________ _________
    [باب]
    [ذكر كثرتهم وأعمالهم]

    قد دلت الآيات والأحاديث أنهم خلق كثير جدا : "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ" [المدّثر : 31] وقد وكلهم الله - عز وجل - بما خلق من شئ:
    فقد خلق الله جل جلاله الإنسان ووكل به ملكا وهو فى بطن أمه جنينا، ثم وكل به حفظة من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، ووكل به حفظة على أعماله؛ وهم الكرام الكاتبون.
    وخلق الجنة ووكل بها ملائكة لحراستها وعمارتها بالبناء والغرس فيها.
    وخلق النار ووكل بها ملائكة وهم الزبانية، ورؤساؤهم التسعة عشر، ومقدهم مالك. ومما يدل على كثرتهم قوله صلى الله عليه وسلم: "يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا."[1]
    وخلق الله جل جلاله السحاب ووكل به ملائكة وهم: ميكائيل وأتباعه. وهم موكلون كذلك بالرياح.
    وخلق السماوات السبع ووكل بها ملائكة يحرسونها؛ فلا ينزل منها ولا يعرج إليها أحد إلا بأمر الله جل جلاله. والسماواتُ موطنُ الملائكة، يعمرونها بالصلاة والتسبيح والتقديس. فعن أَبِى ذَرٍّ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ وَلَخَرَجْتُمْ عَلَى -أَوْ- إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ." قَالَ: فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ.[2]
    وعن حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إذ قال لهم: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ " قالوا: ما نسمع من شئ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَسْمَعُ أَطِيطَ[3] السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ".[4]
    والحديث فى صحيح الجامع بلفظ: " أتسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ ؟ إِنِّى لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ؛ وَمَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ."[5]


    ووكل الله جل جلاله بالأرض ملائكة، وبالشمس ملائكة، وبالأفلاك ملائكة. وهناك حملة العرش، والحافون من حوله، وملائكة الكرسى، وملائكة اللوح المحفوظ.
    وهناك رؤساء الملائكة وهم - كما سبق -: جبريل وأعوانه، وميكائيل وأعوانه، وإسرافيل وأعوانه، وملك الموت وأعوانه.
    ومن الملائكة :
    المرسلات عرفا، والناشرات نشرا: وهى الملائكة تنشر أجنحتها عند النزول بالوحي.
    والفارقات فرقا: وهى الملائكة تأتي بالوحي فرقانا بين الحق والباطل.
    فالملقيات ذكرا: وهى الملائكة تلقي الوحي إلى الأنبياء.
    والنازعات غرقا: وهى الملائكة تنزع أرواح الكفار من أقاصي أجسامهم.
    وغرقا: أى نزعا شديدا مؤلما بالغ الغاية.
    والناشطات نشطا: وهى الملائكة تسُلُّ أرواح المؤمنين برفق.
    والسابحات سبحا: وهى الملائكة تنزل مسرعة لما أمرت به.
    فالسابقات سبقا: وهى الملائكة تسبق بالأرواح إلى مستقرها نارا وجنة.
    فالمدبرات أمرا: وهى الملائكة تنزل بالتدبير المأمور به.
    ومعنى جمع التأنيث فى ذلك كله: الفرق والطوائف والجماعات التى مفردها: فرقة وطائفة وجماعة.


    ومنهم ملائكة يدخلون البيت المعمور كل يوم، ثم لا يعودون إليه أبدا. ففى حديث الإسراء والمعراج: "فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم مُسْنِداً ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ."
    ولفظ البخارى: "فَرُفِعَ لِىَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّى فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُواْ لَمْ يَعُودُواْ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ ..."([6])
    قال الحافظ: واستدل به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يعرف من جميع العوامل من يتجدد جنسه في كل يوم سبعون ألفا غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر.[7]
    فكيف بالله هذه الكثرة العجيبة ؟! وأين يذهبون ؟! وأي مكان يتسع لكل هؤلاء ؟! فسبحان من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء !
    وقال الإمام علي بن أبى طالب في وصف الملائكة: ثم فتق ما بين السماوات العلى، فملأهن أطوارا من ملائكة فمنهم: سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون. لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهر العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان. ومنهم: أمناء وحيه، وألسنة إلى رسله، ومختلفون بقضائه وأمره. ومنهم: الحفظة لعباده، والسدنة لأبواب جنانه.
    ومنهم: الثابتة فى الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم. ناكسة دونه حجب العزة، وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر.([8])
    فالملائكة أعظم خلق الله.

    ______________________________ ___________________________
    [1] صحيح: رواه مسلم (2842)، والترمذى (2537)، والحاكم (8758) عن عبد الله بن مسعود مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قال الذهبى: لكن العلاء (بن خالد الكاهلى) كذبه أبو مسلمة التبوذكى. ورواه ابن أبى شيبة (8/91) موقوفا على ابن مسعود. وهذا الحديث مما انتقد على الصحيح. قال الدارقطنى: رفعه وهم ا.هـ لكن لما كان هذا الحديث مما لايقال بالرأى كان له حكم الرفع. والله أعلم.
    [2] صحيح لغيره: رواه الترمذى (2312) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (4190)، وأحمد فى المسند (21572) ورواه الحاكم (3883- 8633- 8726) وقال صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى. وأبو نعيم فى الدلائل (360) ومحمد بن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (25) وأبو الشيخ فى العظمة (509) ورواه أحمد فى الزهد (784-785) موقوفا.
    [3] قوله: أطيط السماء. قال فى النهاية: الأطيط: صوت الأقتاب. وأطيط الإبل: أصواتها،وحنينها . أى أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتي أطت. وهذا إيذان بكثرة الملائكة. كذا نقله محقق ابن ماجه2/1402
    [4] صحيح لغيره: رواه محمد بن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (250) وأبو الشيخ فى العظمة (511)
    [5] صحيح: انظر صحيح الجامع (95) وقال: صحيح. وعزاه للطبرانى فى الكبير والضياء فى المختارة والصحيحة (852)
    [6] صحيح: رواه البخارى (3207-3393-3430-3887) ومسلم (164،162) وقصة البيت المعمور هذه مدرجة فى حديث الإسراء كما نبه على ذلك الحافظ فى الفتح 6/366 أدرجها سعيد بن أبى عروبة وهشام الدستوائى وقد فصَل همام فى سياقه قصة البيت المعمور من قصة الإسراء فروى أصل الحديث عن قتادة عن أنس وقصة البيت المعمور عن قتادة عن الحسن والصواب رواية همام ا.هـ
    قلت: وروى قصة البيت المعمور وحدها أحمد (12559) والنسائى فى التفسير (550) ط. مكتبة السنة. والحاكم (3742) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبى. والله أعلم .
    [7] فتح البارى: ( 7/268)
    [8] انظر مفاتيح الغيب للرازى (2/579) ونهج البلاغة بشرح الإمام محمد عبده: ص18-20 مؤسسة الأعلمى للمطبوعات بيروت ونقل بعضه الحافظ فى الفتح ( 6/365)
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو حاتم ابن عاشور

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    601

    افتراضي

    [باب]
    [المفاضلة بين الملائكة وصالحى البشر]

    اعلم أن أفضل المخلوقات على العموم، الشامل للجن والإنس والملك، فى الدنيا والآخرة، فى سائر خصال وأوصاف الكمال، هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولا عبرة بما زعمه الزمخشرى من تفضيل جبريل - عليه السلام - على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مستدلا بقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [التكوير: 19] حيث عد فيه فضائل جبريل - عليه السلام - فإنه وصف فيه بأنه رسول كريم إلى قوله: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22] وقد خرق فى ذلك الإجماع. ولا دلالة فى الآية لما ادعاه؛ لأن المقصود منها نفى قولهم: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل : 103] وقولهم: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ : 8] وليس المقصود المفاضلة بينهما، وإنما هو شئ اقتضاه الحال.
    ولا عبرة بما قد يتوهم من تفضيل جبريل عليه لكونه كان يعلمه؛ فكم من مُعَلَّم - بفتح اللام - أفضل من مُعَلِّم بكسرها.
    إذا عرفت هذا، فاعلم أن حاصل الأمرفى مسألة المفاضلة هذه - بعد معرفة أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الفريقين - ثلاث مذاهب:
    الأول: تفضيل صالحى البشر والأنبياء فقط على الملائكة:
    وينسب هذا القول إلى أهل السنة. وممن نسب إليه: ابن تيمية وابن القيم وهو أحد أقوال أبى حنيفة.
    وقال قوم من الماتريدية:
    - الأنبياء أفضل من رؤساء الملائكة كجبريل وميكائيل،
    - ورؤساء الملائكة أفضل من عوام البشر، والمراد بهم أولياؤهم غير الأنبياء كأبى بكر وعمر رضي الله عنهما
    وليس المراد بالعوام ما يشمل الفساق؛ فإن الملائكة أفضل منهم على الصحيح.
    - وعوام البشر المذكورون، أفضل من عوام الملائكة، وهم غير رؤسائهم.



    الثانى: تفضيل الملائكة:
    وينسب هذا القول إلى القاضى أبو عبد الله الحليمى مع آخرين؛ كالمعتزلة. وهو أحد أقوال أبى حنيفة - رحمه الله تعالى - فإنه قال أولا بتفضيل الملائكة على البشر، ثم قال بعكسه.


    الثالث: التوقف عن الكلام فى هذه المسألة :
    وهو أيضا أحد أقوال الإمام أبى حنيفة - رحمه الله تعالى - كما ذكره شارح الطحاوية نقلا عن كتاب " مآل الفتاوى " للإمام ناصر الدين السمرقندى قال : فإنه - أى صاحب مآل الفتاوى - ذكر مسائل لم يقطع أبو حنيفة فيها بجواب. وعد منها التفضيل بين الملائكة والأنبياء.[1]
    قلت: أدلة الفريقين متكافئة، ومن العسير جدا ترجيح أحد القولين على الآخر.
    قال الإمام ابن القيم: والحق أن كلا الطائفتين على صواب من القول ... وكل واحدة من الطائفتين فقد أدلت بحجج لا تمانع، وأتت ببينات لا ترد ولا تمانع.[2]
    وقال شارح الطحاوية: فإن الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أى الفريقين أفضل؛ فإن هذا لو كان واجبا لبُيِّن لنا نصا، وقد قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة : 3] {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم : 64] وفى الصحيح: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها."[3] فالسكوت عن الكلام فى هذه المسألة نفيا وإثباتا والحالة هذه أولى. ولا يقال: إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة ؛ لأن الأدلة هنا متكافئة...[4]
    قلت: ثم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - إجابة حسنة جداً قال: صالحى البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية؛ فإن الملائكة الآن فى الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون فى عبادة الرب. ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر. وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحى البشر أكمل من حال الملائكة.
    قال ابن القيم: وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم على حقه.[5]

    ______________________________ ____________________
    [1] شرح العقيدة الطحاوية/302
    [2] طريق الهجرتين:250
    [3] ضعيف: قال الشيخ الألبانى - رحمه الله تعالى - فى تعليقه على الطحاوية، الحاشية رقم (347): حسن لغيره رواه الدارقطنى وغيره ثم تبينت أن الشواهد التى رفعته إلى الحسن ضعيفان جدا لا يصلحان للشهادة.
    [4] شرح العقيدة الطحاوية 302
    [5] مجموع الفتاوى 4/343

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •