إسْقَاطُ حَرْفِ «على» مِن جُمْلَةِ الصَّلاةِ الإبْرَاهِيْمِي َّةِ

هُنَاكَ بَقَايَا مِنَ البِدَعِ الشِّيْعِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ عَالِقَةً بِبَعْضِ أقْلامِ كُتَّابِنَا المُعَاصِرِينَ مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ مِمَّنْ لا عِلْمَ لهُم بخَبِيْئَةِ هَذِهِ البِدَعَةِ الشَّنِيعَةِ، وهِيَ إسْقَاطُهُم لِحَرْفِ الجَرِّ «عَلَى» مِنْ جُمْلَةِ الصَّلاةِ الإبْرَاهِيمِيّ َةِ، ولاسِيَّمَا في الخُطَبِ والرَّسَائِلِ والكُتُبِ وغَيْرِهَا .
وهُوَ مَا شَاعَ عَنْهُم مِنْ عَدَمِ الفَصْلِ بَيْنَ النَّبيِّ ﷺ وبَيْنَ آلِهِ، بِحَرْفِ «عَلَى»، لِذَا تَجِدُهُم يَقُولُونَ : «اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ ...»، دُونَ ذِكْرٍ لِحَرْفِ الجَرِّ «عَلَى»!
ظَنًّا مِنْهُم بِأنَّ حَرْفَ «عَلَى» يَقْتَضِي المُغَايَرَةَ، وهَذَا جَهْلٌ مِنْهُم؛ حَيْثُ تَقَرَّرَ عِنْدَ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ المُغَايَرَةَ هُنَا : هِيَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ الآلِ، لا بَيْنَ حُكْمِ الصَّلاةِ، الَّذِي هُوَ طَلَبُ الصَّلاةِ مِنَ اللهِ تَعَالَى على النَّبِيِّ ﷺ وعَلَى الآلِ .
أمَّا إنْ كَانُوا يَقْصِدُونَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ والآلَ شَيْءٌ وَاحِدٌ في العَيْنِ، كَمَا هُو عِنْدَ بَعْضِهِم مِنْ أهْلِ وِحْدَةِ الوُجُودِ، فَهَذَا جَهْلٌ وحُمْقٌ ظَاهِرُ الفَسَادِ لا يَقُولُهُ عَاقِلٌ .
ولَهُمْ فِيمَا يَدَّعُونَ ويَزْعُمُونَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ بَاطِلٌ، فِيمَا يَرْوُونَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ فَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَ آلي «بِعَلَى» لَمْ يَنَلْ شَفَاعَتِي»، وقَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ على وَضْعِهِ، ومَا الوَضْعُ على بَيْتِ الكَذِبِ والخَدِيعَةِ بِغَرِيبٍ .
وعَلَى جَمَاعَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى البَاطِلَةَ الَّتِي تَبَنَّتْهَا عَقَائِدُ الشِّيعَةِ لَمْ تَكُنْ إعْمَالًا لِلْحَدِيثِ المَكْذُوبِ، بَلْ كَانَ وَرَاءَهَا مَا هُوَ أشَدُّ وأدْهَى : وهُوَ إسْقَاطُ أكْثَرِ الصَّحَابَةِ وتَكْفِيْرُهُم، والاكْتِفَاءُ بِآلِ البَيْتِ فَقَط!
قَالَ الألُوسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في «الطُّرَّةِ على الغُرَّةِ» (12) : «إنَّهُ شَاعَ عَنِ الرَّافِضَةِ كَرَاهَةُ الفَصْلِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ آلِهِ بِحَرْفِ «عَلَى»، لِحَدْيثٍ مَوْضُوعٍ يَرْوُونَهُ في ذَلِكَ : «مَنْ فَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَ آلِي «بِعَلَى» لَمْ يَنَلْ شَفَاعَتِي»، وقَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشِّيعَةِ على أنَّهُ مَوْضُوعٌ، إذًا يَنْبَغِي لأهْلِ السُّنَّةِ مُنَابَذَةَ الرَّافِضَةِ، فَلْيَقُولُوا : «وعَلَى آلِهِ» انْتَهَى، نَقْلًا عَنْ : «الأجْزَاءِ الحَدِيثِيَّةِ» لِبَكْرٍ أبُو زَيْدٍ (11) .
وقَالَ العُجْلُونيُّ رَحِمَهُ اللهُ في «كَشْفِ الخَفَاءِ» تَحْتَ حَدِيثِ (2554) : «مَنْ فَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَ آلي «بِعَلَى» لَمْ يَنَلْ شَفَاعَتِي»، هَذَا مِنْ مَوْضُوعَاتِ الشِّيعَةِ قَبَّحَهُم اللهُ، نَبَّهَ عَلَيْهِ العِصَامُ في «مَنَاهِي حَوَاشِي الجَامِي»، لَكِنْ بِزِيَادَةِ لَفْظِ «كَلِمَةِ»، قَبْلَ «عَلَى»، وأقُولُ رَوَاهُ مُصْطَفَى أفَنْدِي الأنْطَاكِيُّ بِاللَّفْظِ المَشْهُورِ، قَالَ : ورُدَّ بِأنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ، وإنْ سَلِمَ فَالمُرَادُ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ . انْتَهَى، فَتَدَبَّرْهُ!» انْتَهَى .
* * *

لِذَا؛ وَجَبَ شَرْعًا على كُتَّابِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ تَضْمِيْنُ حَرْفِ «عَلَى» بَيْنَ النَّبيِّ ﷺ وبَيْنَ آلِهِ، لِثَلاثَةِ أُمُورٍ :
اتِّبَاعٌ لِلْسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَفْصِلْ بَيْنَهَا في عَامَّةِ أحَادِيثِ الكُتُبِ السِّتَةِ، إلَّا في حَدِيثٍ وَاحِدٍ جَاءَ في «السُّنَنِ الكُبْرِى» لِلْنَّسَائِيِّ (1213)، وقَدْ تَحَرَّيْتُ سَبَبَ هَذَا السَّقْطِ مِنَ الحَدِيثِ؛ فَلَمْ أجِدْ مَنْ أشَارَ إلَيْهِ، فَلَعَلَّهُ سَقْطٌ أوْ تَصْحِيْفٌ، أوْ نَحْوُهُ، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ .
مُخَالَفَةٌ لِلْشِّيعَةِ الاثْنَيْ عَشْرِيَّةِ الذَّمِيمَةِ .
الانْتِصَارُ لِمَنْهَجِ أهْلِ السُّنَّةِ في مُنَابَذَةِ أهْلِ الأهْوَاءِ والبِدَعِ، ولاسِيَّمَا الرَّافِضَةِ الاثْنَيْ عَشْرِيَّةِ .
وعَلَيْهِ؛ فَإنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ لَمْ تَعُدْ مِنَ المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ أوْ الحَدِيثِيَّةِ، بَلْ غَدَتْ مِنْ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ .
لِذَا؛ كَانَ يَنْبَغِي على أهْلِ السُّنَّةِ، ولاسِيَّمَا حَمَلَةِ الأقْلامِ مِنْهُم أنْ يُخَالِفُوا الرَّافِضَةَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وذَلِكَ بِتَضْمِينِهِم حَرْفَ الجَرِّ «عَلَى» في الصَّلاةِ الإبْرَاهِيمِيّ َةِ، مُخَالَفَةً مِنْهُم لِلْشِّيعَةِ السَّاقِطَةِ الظَّانَّةِ أنَّ تَضْمِينَ حَرْفِ «عَلَى» يَقْتَضِي المُغَايَرَةَ، مَعَ مَا يُرِيدُونَهُ مِنْ تَفْسِيقِ وتَكْفِيرِ أكْثَرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالى عَنْهُم .
لِذَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَى المُخَالَفَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْشِّيعَةِ عَقْدُ هَذِهِ المَسْألَةِ في مَنْظُومَةِ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ .

الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
صيانة الكتاب
ص 451