صِحَّةُ الإجَازَةِ، والعَمَلُ بِها عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ


لَقَدْ أطْبَقَ جَمْهُوْرُ السَّلَفِ والخَلَفِ عَلى صِحَّةِ الإجَازَةِ وقَبُوْلها، بَلْ قَدْ حَكَى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ الإجْمَاعَ عَلى صِحَّتِها، كأبي الوَلِيْدِ البَاجِي (474)، والقَاضِي عِيَاضِ بنِ مُوْسَى اليَحْصُبِيِّ (544) رَحِمَهُما اللهُ تَعَالى .
قُلْتُ : وفِيْما حَكَيَاهُ نَظَرٌ، إلا أنَّ السَّوَادَ الأعْظَمَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا عَلى صِحَّتِها واعْتِبَارِها في الجُمْلَةِ .
قَالَ الحَافِظُ أبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في «الوَجِيْزِ« (53-57) : «فاعْلَمْ الآنَ أنَّ الإجَازَةَ جَائِزَةٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الشَّرْعِ المُتَصَرِّفِيْ نَ في الأصْلِ والفَرْعِ، وعُلَماءِ الحَدِيْثِ في القَدِيْمِ والحَدِيْثِ، قَرْنًا فَقَرْنًا، وعَصْرًا فَعَصْرًا إلى زَمَانِنَا هَذَا .
ويُبِيْحُوْنَ بِها الحَدِيْثَ، ويُخَالِفُوْنَ فِيْها المُبْتَدِعَ الخَبِيْثَ، الَّذِي غَرَضُهُ هَدْمُ مَا أسَّسَه الشَّارِعُ، واقْتَدَى به الصَّحَابيُّ والتَّابِعُ، فَصَارَ فَرْضًا وَاجِبًا، وحَتْما لازِبًا .
ومَنْ رُزِقَ التَّوْفِيْقَ، ولاحَظَ التَّحْقِيْقَ مِنْ جَمِيْعِ الخَلْقِ، بَالَغَ في اتِّبَاعِ السَّلَفِ الَّذِيْنَ هُم القُدَى، وأئِمَّةُ الهُدَى، إذِ اتِّبَاعُهُم في الوَارِدِ مِنَ السُّنَنِ، مِنْ أنْهَجِ السَّنَنِ، وأوْقَى الجُنَنِ، وأقْوَى الحُجَجِ، السَّالِمَةِ مِنَ العِوَجِ .
ومَا دَرَجُوا عَلَيْه : هُو الحَقُّ الَّذِي لا يَسُوْغُ خِلافُه، ومَنْ خَالَفَه فَفِي خلِافِه مَلامَةٌ، ومَنْ تَعَلَّق بِه فالحُجَّةُ الوَاضِحَةُ سَلَكَ، وبالعُرْوَةِ الوُثْقَى اسْتَمْسَكَ، والفَرْضِ الوَاجِبِ اتَّبَعَ، وعَنْ قَبُوْلِ قَوْلٍ لَنَا في قَوْلِ مَنْ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى وفِعْلِه امْتَنَع ... فإذَا ثَبَتَ هَذَا وتَقَرَّرَ، وصَحَّ بالبُرْهَانِ وتَحَرَّرَ، فَكُلُّ مُحَقِّقٍ يَتَحَقَّقُ ويَتَيَقَّنُ أنَّ الإسْنَادَ رُكْنُ الشَّرْعِ وأسَاسُه، فَيَتَسَمَّتْ بِكُلِّ طَرِيْقٍ إلى مَا يَدُوْمُ بِه دَرْسُه لا انْدِرَاسُه .
وفي الإجَازَةِ كما لا يَخْفَى عَلى ذِي بَصِيْرَةٍ وبَصَرٍ، دَوَامُ ما قَدْ رُوِيَ وصَحَّ مِنْ أثَرٍ، وبَقَاوةُ بَهَائِه وصِفَائِه، وبَهْجَتِه وضِيَائِه .
ويَجِبُ التَّعْوِيْلُ عَلَيْها، والسُّكُوْنُ أبَدًا إلَيْها، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ في صِحَّتِها، ورَيْبٍ في فُسْحَتِها، إذْ أعلى الدَّرَجَاتِ في ذَلِكَ : السَّماعُ، ثُمَّ المُنَاوَلَةُ، ثَمُّ الإجَازَةُ ...إلخ .
وقَدْ بَيَّنَا أنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ، مَعْرِفَةُ الرَّاوِي، وضَبْطُه، وإتْقَانُه عَلى أيِّ وَجْهٍ كَانَ : سَماعًا، أو مُنَاوَلَةً، أو إجَازَةً، إذْ جَمِيْعُ ذَلِكَ جَائِزٌ . انْتَهَى باخْتِصَارٍ .
* * *

وهَاكَ يَارَعَاكَ اللهُ بَعْضَ أسْماءِ مَنْ ذَهَبَ إلى القَوْلِ بجَوَازِ الإجَازَةِ، وصِحَّةِ القَوْلِ والعَمَلِ بِها، عَلى اخْتِصَارٍ وطَرَفٍ .
وكَانَ ممَّنْ يُصَحِّحُ الإجَازَةَ مِنَ المُتَقَدِّمِيْ نَ :
الحَسَنُ البَصْرِيُّ (110)، ومَكْحُوْلٌ الشَّامِيُّ (113)، ونَافِعٌ مَوْلى ابنِ عُمَرَ (117)، وقَتَادَةُ بنُ دَعَامَةَ السُّدُوْسِيُّ (117)، والزُّهْرِيُّ (124)، وأيُّوْبُ السِّخْتِيَانيّ ُ (131)، ورَبِيْعَةُ الرَّأي (136)، وابنُ جُرَيْجٍ (150)، والأوْزَاعِيُّ (157)، وحَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ (158)، والثَّوْرِيُّ (161)، والمَاجِشُوْنُ (164)، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ (175)، ومَالِكٌ (179)، وابنُ عُيَيْنَةَ (198) .
والشَّافِعيُّ (204)، وأحْمَدُ بنُ حَنْبَلَ (241)، ومُحَمَّدُ بنُ يَحْيى الذُّهْليُّ (258)، والبُخَارِيُّ (256)، ومُسْلِمٌ (261)، والتِّرمِذِيُّ (279)، وأبُو زُرْعَةَ (281)، وابنُ خُزَيْمَةَ (311)، وغَيْرُهُم كَثِيْرٌ فَوْقَ الحَصْرِ .
أمَّا أسْماءُ مَنْ يُصَحِّحُ الإجَازَةَ مِنَ المُتأخِّرِيْنَ ؛ فَكَثِيْرٌ لا يُحْصَوْنَ :
فَهَذَا : ابنُ أبي دَاوُدَ السِّجِسْتَانيّ ُ (316)، والدَّارَقُطْني ُّ (385)، وابنُ مَنْدَه الحَنْبليُّ (395)، والحَاكِمُ النَّيْسَابُوْر ِيُّ (405)، وأبُو نُعِيْمٍ الأصْفَهانيُّ (430)، وابنُ حَزْمٍ (456)، وأبُو يَعْلى الحَنْبليُّ (458)، والبَيْهَقِيُّ (458)، وابنُ عَبْدِ البَرِّ (463)، والخَطِيْبُ البَغْدَادِيُّ (463)، وأبُو الوَلِيْدِ البَاجِي (474) وابنُ رُشْدٍ القُرْطُبِيُّ الجَدُّ (520)، والقَاضِي عِيَاضٌ اليَحْصُبِيُّ (544)، وأبُو بَكْرٍ الإشْبِيْليُّ (575)، وأبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ (576)، وعَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيليُّ (581)، وابنُ الصَّلاحِ (643)، والضِّيَاءُ المَقْدَسِيُّ الحَنْبَليُّ (643)، والمُنْذَرِيُّ (656)، وابنُ دَقِيْقٍ (667)، والنَّووِيُّ (676) .
وابنُ تَيْمِيَّةَ (728)، والمِزِّيُّ (742)، والذِّهَبِيُّ (748)، وابنُ القَيِّمِ (751)، وابنُ كَثِيْرٍ (774)، وابنُ رَجَبٍ (795)، وابنُ حَجَرٍ (852)، والسَّخَاوِيُّ (902)، وابنُ عَبْدِ الهَادِي (909)، والسُّيُوْطِيُّ (911)، والصَّنْعَانيُّ (1182)، ومُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (1206)، وأئِمَّةُ الدَّعْوَةِ، والشَّوْكانيُّ (1250)، وابنُ بَازٍ (1420)، وابنُ عَقِيْلٍ، وزُهَيْرٌ الشَّاوِيْشُ، وصُبْحيُّ السَّامُرَّائيّ ُ، والقَاضِي إسْمَاعِيْلُ الأكْوَعُ، والقَاضِي مُحَمَّدٌ العَمْرَانيُّ وهُؤلاءِ في غَيْرِهِم مِنَ الأئِمَّةِ الكِبَارِ؛ كُلُّهُم قَدِ اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُم عَلى صِحَّةِ الإجَازَةِ والعَمَلِ بِها، واللهُ المُوَفِّقُ والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ .
* * *

أمَّا مَنْ كَرِهَ الإجَازَةَ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، فلأمُوْرٍ :
ـ إمَّا خَوْفًا مِنِ انْقِطَاعِ الرِّحْلَةِ في طَلَبِ العِلْمِ والحَدِيْثِ، ولَيْسَ بِشَرْطٍ .
ـ أو خَوْفًا مِنِ اسْتِكْثَارِ طَالِبِ العِلْمِ بهَذِه الإجَازَاتِ عَلى حِسَابِ تَحْصِيْلِ العِلْمِ، وهَذَا شَرْطٌ، فَكَانَ عَلى طَالِبِ العِلْمِ أنْ يَحْذَرَ غَوَائِلَ العِلْمِ وشَوائِبَه، وإلاَّ كَانَ مَا يُحَصِّلُه مِنْ إجَازَاتٍ وغَيْرِها حُجَّةً عَلَيْه عَيَاذًا باللهِ!
ومَعَ هَذَا وغَيْرِه إلاَّ أنَّ كَثِيْرًا ممَّنْ كَرِهَ الإجَازَةَ قَدْ رَجَعَ إلى القَوْلِ بجَوَازِهَا والأخْذِ بها .
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِيْنَ

الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
الوجازة في الأثبات والإجازة
ص 37