التمثلات وبيداغوجيا الأخطاء اللغوية
د دين العربي
جامعة الدكتور مولاي الطاهر بسعيدة
Lar_dine@yahoo.fr
إن الانتقال من النموذج الابستيمولوجي إلى نموذج مختلف تماما في العملية التعليمية يترتب عنه بالضرورة حركة تجديدية في التصورات المؤطرة للمناهج الدراسية، بما في ذلك الممارسة الإجرائية لهذه العملية، ولعل ثورة التعليم بالكفايات صورة حية لهذا النموذج الجديد الذي "اعتبره فيليب جونابير ثورة كوبيرنيكية لأنها انتقلت من نموذج كان متأسسا على تبليغ المعارف، إلى نموذج مغاير يقوم فيه المتعلم ببناء معرفته الخاصة"[1]، لذا فإنه إذا كانت المناهج الكلاسيكية تستند على مرجعية سيكولوجية سلوكية قائمة على الترويض وحشو ذاكرة المتعلم بمجموعة من المعارف المحددة فإن الأنموذج الابستيمولوجي في إطاره السوسيوبنائي ينشئ معطياته من نموذج يجعل المتعلم فاعلا في العملية التعليمية وليس منفعلا، ولعل أبرز صور ذلك تمثلت في السعي إلى فهم المتعلم فهما علميا وعميقا يسمح بتنظيم معارفه، وبالتالي تمكينه من استغلالها في مجال حياته استغلالا إيجابيا، ثم اعتبار عملية التعلّم جزءا من عمليات افتراضية يُستدل عليها من ملاحظة سلوك المتعلم، ومن هذا المنطلق استأثر موضوع التمثلات باهتمام التربويين بدعوى محاولة فهم المتعلم أكثر، ثم السعي إلى تنظيم معارفه الذهنية.
لقد أصبح موضوع التمثلات ميدان بحث خصب لدى كثير من الباحثين في شتى مجالات العلوم الإنسانية، إذ أدّت النتائج المتوصل إليها في هذا الصدد إلى تطور العلوم بشكل عام، وعلوم التربية خاصة، ففي مجال التربية ساعد البحث في الموضوع على تطوير معارف المتعلم وتبسيط طرق اكتسابه لها، وعلى جعله أيضا فاعلا في العملية التربوية ليعبر بشكل مريح عن حاجاته وأحاسيسه، وكذا النظر لمقولة "الطفل صفحة بيضاء" بأسس علمية، إذ صحيح أنّ الطفل صفحة بيضاء من حيث أنه لم يكتسب بعد الصفات السلبية من بني جنسه، ولم يكتسب بعد مراسيم العبادة التي يريدها له أبواه، ولم يكتسب أشياء كثيرة ممن حوله، لكنه في الأحوال جميعها كائن حي مليء بالظواهر والتصورات التي قد تسمح له بمحاولة تفسير بعض الأشياء من حوله، ومن هنا أصبحت "هذه المؤشرات دليلا على القدرة التعلُّمية لدى الطفل"[2]، يستعين بها المربون لبناء المناهج التعليمية، ثم تحديد مجال وسبل الممارسة الناجعة للعملية التعليمية التعلمية.
1 -المدلول اللغوي :
ترد صيغة الفعل ( تَمَثَّلَ ) على وزن ( تَفَعَّلَ ) الذي مصدره ( تَفَعُّل )، وجمعه ( تَمَثَّلات )، فهو ثلاثي مزيد بحرفين، "ومن دلالات هذا الوزن المطاوعة والاتخاذ والتكلّف، ويأتي معنى التكلف للدلالة على أن الفاعل يعاني حدث الفعل ليحصل له بمعاناة ورغبة"[3]، أي أن الفاعل يبذل الجهد في حصول الشيء وكأنه يستطيع فعله بسهولة وهو صعب عليه، ومن هنا تكون دلالة الفعل ( تَـمَثَّل ) بذلُ جهدٍ لتمثل صورة شيء في الذهن.
التَّمَثُّلُ : تصور الشّيء أو نموذج له، جاء في اللسان : « ماثل الشيء شابهه، والتِّمثال الصورة، والجمع التماثيل، ومثَّل له الشّيء صوّره حتى كأنّه ينظر إليه، وامتثله هو تصوّره، والمثال معروف، والجمع أمثلة، ومثَّل ومثّلت له كذا تمثيلا إذا صوّرت له مثاله بكتابة وغيرها، وفي الحديث : أشدّ النّاس عذابا ممثّل من الممثّلين، أي مصوّر، يقال : مثلت بالتّثقيل والتّخفيف إذا صوّرت مثالا، والتّمثال الاسم منه، وظلّ كل شيء تمثاله، ومثّل الشّيء بالشّيء سوّاه وشبّهه به وجعله مثله وعلى مثاله، ومنه الحديث : رأيت الجنة والنار ممثّلتين في قِبلة الجدار، أي مصوّرتين، أو مثالهما، ومنه الحديث : لا تمثّلوا بنامية الله، أي لا تشبّهوا بخلقه وتصوروا مثل تصويره »[4]، وفي المعجم الوسيط : « ( تَمَثَّلَ ) الشّيء : تصوّر مثاله ويقال : تمثّل الشّيء له وفي التّنزيل العزيز : ]فَأَرْسَلْنَاإِلَيْهَارُوحَنَافَتَمَثَّلَلَهَابَشَرًاسَوِيًّا[ وبين يديه : مَثَلَ وبالشيء : ضرب مثلاً ويقال : هذا البيت مثَلٌ نتمثله ونتمثّل به» [5]، ومن هنا يتبين أن ( التَّمَثُّل ) و( التَّمثيل ) متقاربان من حيث الدلالة.
وأما في كتاب الله تبارك وتعالى فيرد الفعل ( تَمَثَّلَ ) في قوله عز وجل : ]فَاتَّخَذَتْمِندُونِهِمْحِجَابًا فَأَرْسَلْنَاإِلَيْهَارُوحَنَافَتَمَثَّلَلَهَابَشَرًاسَوِيًّا[[6] ، عن هذا المعنى يقول الألوسي البغدادي : « فتمثل لها مشتق من المثال، وأصله أن يتكلف أن يكون مثال الشيء، والمراد فتصور لها بشرا سويا »[7]، وبهذا تكون دلالة التمثل في الكتاب العزيز "التصوّر".
2 -المدلول الديداكتيكي :
من الصعب الوقوف على تعريف موحد لمصطلح ( التَّمَثُّلات - représentations ) نظرا لما يصيب هذا المفهوم من كثرة وتعقيد في أحيان كثيرة، زد على ذلك فإن الكيفية التي يحدد بها هذا المفهوم ترتبط في العادة إلى حد كبير بمجال الدراسة المطلوبة، ففي المعجم الفلسفي - مثلا - نجد"تمثَّل شيئا ما أي تخيله، تصوره في صورة متعينة في الذهن، تخيل المثلث يعني تمثله واحدا ذا قياس محدد"[8]، وفي مجال سيكولوجيا التعلم يختلط هذا المفهوم مع بعض المفاهيم في علم النفس، نحو : الإدراك، الصورة، التفكير وغيرها، ومع ذلك فإننا نجده عموما "كل حركة وكل عملية متكررة يتم تعميمها وربطها بأشياء جديدة"[9]، وأما في المجال الديداكتيكي فإن تعريفات كثيرة حاولت وضع إطار مفاهيمي متقارب لهذا المصطلح بغرض محاولة التقرب من المتعلم وفهمه أكثر، إذ يرى ( دو فيشي - De Vecchi) و( جيوردان – Giordan) أنّ التّمثلات "هي معارف أولية مكتسبة خارج المدرسة، لذلك فهي معلومات عامة، لأنها نموذج تفسيري متواضع ومنطقي يوظف غالبا عن طريق المماثلة، ويوجد وراء هذا النموذج التفسيري مجموعة من الأنشطة الفكرية ( أفكار، مهارات، استلال، نظام ترمز رموز )، ويتم التوفيق بينها كي ينتج المتعلم إجابة تفسيرية أو استدلالا لحل مسألة أو القيام بتنبؤ أو أخذ قرار"[10]، واللافت في هذا التعريف هو استناده على الجانب النفسي للمتعلم لاعتباره "التَّمَثُّل بنية ضمنية"[11] ، كونه يحاول إيجاد نماذج تفسيرية للظواهر من حوله، يكون منطلقها عادة المعطيات السوسيوثقافية.
وأما أستولفي ( j.p astolfi ) فيرى أنّ "التمثل هو قبل كل شيء عمل ذهني ترتبط خواصه قطعا بتنظيم معرفي في الذاكرة وبالعوائق الخاصة بكل مجال مفاهيمي وبالتفاعلات البيفردية"[12]، فبالنسبة لأستولفي فإنّ التمثلات عملية ذهنية معقدة تقوم في الأساس على تنظيم المعارف في الذهن، معتمدة على تنظيمات معرفية وعلى جملة من الترميزات التي يكتسبها من وضعيات وتفاعلات فردية مختلفة.
يقدم ( تيمرمان – h.temmerman ) تفسيرا للتمثل عن طريق تخيل حالات نفسية معينة إذ يقول : « أفكر في صديق غائب، أو رحلة مفضلة، في مسرحية استقطبت اهتمامي. ففي كل من هذه الحالات يعود إدراكي إلى مجموعة من بقايا المفاهيم القديمة، وتسمى هذه المجموعات صور ذهنية أو تمثّلات »[13]، يتبين من خلال هذا التفسير أن التمثلات مرتبطة بشكل كلي بجملة من المفاهيم القديمة التي تعاود حضورها في حالات معينة قد ترتبط تفاصيلها بتلك المفاهيم، والملاحظ أنّ هذا التفسير يقترب إلى حد كبير من تعريفَيْ ( دوفلاي – M.Develay) و( مينيي – J.Migné) عندما يريان أن "التمثّلات هي الكيفية التي يوظف بها الفرد بصورة شخصية معلوماته السابقة لمواجهة مشكل معين خلال وضعية معينة"[14]، فالصور الذهنية التي تكرر حضورها باستمرار كلما اصطدم الفرد بحالات مشابهة هي التي تساعده على تخطي جميع الإشكالات خلال الوضعيات المعقدة.
يعتبر التمثّل مفهوما ذا أهمية كبيرة في مجال ديداكتيك العلوم، تبرر ذلك تلك النتائج المحققة في محاولة التقرب أكثر من المتعلم وفهم شخصيته بهدف تحسين مردوده التعليمي، وقد اقتُبس هذا المفهوم من مجال علم النفس، وإن الذي زاد التمثل أهمية من حيث كونه أحد السبل الإجرائية التي ينبغي الأخذ بها في مجال التعلم هو معطيات البحث الديداكتيكي الناتجة عن تيارين نظريين حققا تكاملا ظاهرا، وهذان التياران هما : التيار البنائي، والتيار البشلاري، "يتلخص جوهر المقاربة البنائية في كون التلميذ يبني معارفه بنفسه، ويتوصل من خلال هذا البناء لتغيير تمثلاته أما المقاربة البشلارية فهي تؤكد على أن اكتساب التلميذ لمعرفة قريبة من المعرفة العلمية يتم عبر مجموعة من التصحيحات والتعديلات المتتالية"[15]، والملاحظ في المقاربتين أنهما تركزان على الكيفية التي يتم بها بناء معارف المتعلمين وتجاوز كل ما يقف حاجزا أمام ذلك.
3 -أهمية التمثل في الفعل التعلُّمي :
أثبتت مجموعة من الأبحاث أهمية التمثلات في الاستيعاب المعرفي، بل جعلتها أهم عامل قابل للتأثير في عملية التعلّم، يقول ( أوسيبيل - Ausubel ) في هذا الصدد : « لو كان لي أن أختصر سيكولوجية التعلم في مبدأ واحد لصغته بالكيفية التالية : أهم عامل قابل للتأثير على التعلم هو الكم المعرفي الذي يمتلكه الفرد مسبقا»[16]، فالرصيد المعرفي القبلي الذي يمتلكه المتعلم يؤثر بشكل كبير على عملية التعلم، والتمثلات - في رأي ( أوسيبيل ) جزء مهم من هذا الرصيد، أما ( جيوردان – Giordan) فيرى أنّ "تصورات التلاميذ تحظى بأهمية مركزية في فعل التعلم، لأنها تساهم في إنشاء العلاقات التي توجد بين المعلومات التي يتوفر عليها الفرد وتلك التي سيتلقاها طوال حياته، فمعارفه الجديدة ستبنى من خلال هذه التصورات كما أنّ تصرفاته المستقبلية ستتحدد كذلك بناء على هذه التصورات"[17]، إنّ عملية إنشاء هذه العلاقة كما يتحدث عنها ( جيوردان ) تقوم في الأساس على محاولة المتعلم إيجاد تفسيرات للوضعيات الجديدة التي يتواجد فيها، وذلك بالرجوع إلى إطاره المرجعي الذي تحصل عليه مسبقا من خلال مراس لتجارب يومية، ولعله السبب الذي حدا بالتربويين إلى تجنب تلقين المعارف بشكل تراكمي، لأن ذلك سيؤدي حتما إلى إهمال تمثلات المتعلمين التي تعد أهم عنصر في بناء شخصيته.
تتلخص أهمية التمثل كنمط سلوكي لدى المتعلم في كونه يحمل عادة معارف قبلية تشكل نظاما تفسيريا يدفعه غالبا إلى مقاومة المعارف الجديدة، وتكون درجة هذه المقاومة بحسب مصادر التمثلات المكتسبة لدى الفرد من خلال رواسب تاريخية وثقافية ومعرفية ونفسية واجتماعية وغيرها، لذا يُعتقد أن التمثلات تشكل في حالات معينة عدة عوائق لا تساعد على التعلم بشكل جيد، نحو : انتشار الخرافات والمعتقدات داخل المجتمع، فبعض الأطفال - مثلا - يعتقدون أن الشمس مصباح ضخم يتقد نهارا وينطفئ ليلا، وبعض المعتقدات تجعل الكبار – مثلا – يحذرون أطفلهم من أكل كبد الدجاج مخافة أن يسيطر عليهم الخوف في كبرهم، كما تمنع الأمهات في مناطق كثيرة من المعمورة الأبناء من حمل الغربال مخافة أن يصبحوا أغبياء، و"يعتقد الباحثون أن تشكل التمثلات في الوسط يرتبط إلى حد كبير بالواقع"[18]، حيث أنه إذا تميز هذا الوسط بالتطور الفكري والتكنلوجي استجابت التمثلات الجماعية والفردية لهذا الواقع والعكس صحيح، لذا فإنهم يرون أن بعض التمثلات الجماعية السلبية تشكل عائقا حقيقيا أمام عملية التعلم.
تعتبر التمثلات الخاطئة سببا قويا من أسباب تدني درجة الاكتساب المعرفي لدى المتعلمين في حال عدم اتخاذها منطلقا للعملية التعليميّة بهدف تصحيحها، فأي معرفة جديدة ينبغي أن تقوم على أنقاض معرفة قديمة مهما بلغ حجم العوائق التي قد تسببها هذه التمثلات إذا كانت خاطئة، لذا يعتقد أن هذه المعارف الجديدة لا يمكن أن تتطور مستقبلا ما لم تؤسس على تمثلات المتعلمين، ويرى التربويون أن القسر في التعليم لا يزيل الإشكال، بدليل النتائج السلبية التي حققتها الطرائق التعليم التقليدية، فأي توجه في هذا الشأن يجعل المعارفة سطحية وقابلة للنسيان في المدى القصير، لأن العملية التعلُّمية تقوم على استبدال المتعلم تمثلاتّه القديمة بتمثلات جديدة.
4 - الخطأ في منظور البيداغوجيا التقليدية :
لطالما اعتبرت البيداغوجيا التقليدية الخطأ مؤشرا للفشل وجب إقصاؤه، ونظرت إليه على أنه أحد أبرز معوقات العملية التعليمية، بدليل حالة التأهب التي يكون عليها المعلم خوفا من الخطأ، وأيضا موقفه حيال المتعلم الذي يقع فيه، ثم تغاضيه عن كل إنجازاته الإيجابية، ما جعل المتعلم في مواقف كثيرة من العملية التعلّميّة يقع فيه بفعل دافع الخوف من المعلم، وأيضا بدافع الشك في كفاءته، وأيضا مخافة أن يصبح محل استهزاء لدى أقرانه.
5 - المفهوم البيداغوجي الحديث للخطأ :
انتقدت البيداغوجيا الحديثة موقف سابقتها من الخطأ، واعتبرت المتعلمين في ظل ذلك النظام ضحايا حرموا من حقهم في التعلم بشكل صحيح، وفي هذا الإطار يشير ( بيار بورديو – Pierre Bourdieu ) و( جون كلود باسرون – Jean Claude Passeron ) ضمنيا إلى أهمية المتعلم في محور التصور الجديد للبيداغوجيا بقولهما : « عندما يستهزئ الأساتذة من اللؤلؤة فإنهم ينسون أن ضحايا هذا النظام يحبسون الحقيقة »[19]، وفي ذلك إشارة واضحة إلى المكانة التي يحتلها المتعلمون بأخطائهم في البيداغوجيا الحديثة، وبهذا أصبحت النظرة إلى الخطأ في منظور هذه البيداغوجيا تختلف تماما عن سابقتها، يبرر ذلك القيمة التي أصبح يحتلها الخطأ في العملية التعليمية التعلُّمية، إذ اعتبرته عنصرا مهما في عملية البناء المعرفي، وأنسب بداية لها، حتى ظهرت بيداغوجيا خاصة به تسمى ( بيداغوجيا الخطأ - pédagogie de l'erreur فاعتبرها أصحاب معاجم علوم التربية " تصورا ومنهجا لعملية التعليم والتعلم يقوم على اعتبار الخطأ استراتيجية للتعليم والتعلم، لأن الوضعيات الديداكتيكية تعَدّ وتنظم في ضوء المسار الذي يقطعه المتعلم لاكتساب المعرفة أو بنائها من خلال بحثه، وما يمكن أن يتخلل هذا البحث من أخطاء، ويعتبر الخطأ أمرا طبيعيا وايجابيا يترجم سعى المتعلم للوصول إلى المعرفة "[20]، وقد اهتمت هذه البيداغوجيا بالخطأ في سيرورة العلملية التعليمية التعلُّمية، واعتبرته حقا من حقوق المتعلمين، كما حفزتهم على الاعتراف به ليتمكنوا من الاستفادة منه بشكل إيجابي مستقبلا، وينعكس عليهم بالمنفعة، فوفق هذا الاتجاه يتقصى المعلم أخطاء المتعلمين ليجعلها مؤشرا إيجابيا على وجود عوائق تقف دون المتعلم ليكتسب المعارف بشكل كامل ودقيق.
6 – المعالجة البيداغوجية للخطأ :
تحفز سيكولوجيا التعلم كل جهد يبذله المتعلم في هذا الإطار، وتعتبر كل النتائج – مهما كانت - التي يتوصل إليها بجهده الخاص ناجحة وفاعلة في حياته، لأنه توصل إليها برغبته وبعيدا عن كل الضغوطات التي قد تسبب له مشاكل نفسية كثيرة إن التعامل مع الخطأ ليس هو اعتباره صوابا كما يعتقد كثيرون، وإنما أخذه على أنه مؤشر إيجابي يتم من خلاله رسم طريق إلى تعلم الصواب عن طريق خطوات تكون غالبا على النحو التالي :
أ : تحديد الخطأ :
يجري التعامل مع الأخطاء أولا بتحديدها، ووصفها وصفا دقيقا يسمح بإجراء الفرضيات، والتحاليل المناسبة التي تقتضيها المراحل الموالية لتحديد الخطأ، لذلك فإن قواعدها المنهجية تكون في العادة على النحو التالي :
- يفترض في المقررات الدراسة أن تبنى وفق معايير محددة يقوم بإعدادها المشرفون على عملية التعليم، إذ يراعى عادة تجانس المتعلمين من حيث العمر والجنسية والقدرة الكلامية وغيرها، حتى إذا أجريت الدراسات حول هذه الفئات من حيث الأخطاء اللغوية، تكون الدراسة ذات نتائج منطقية، بدليل أن دراسة الأخطاء على مستوى الفئة الواحدة التي تميزها تلك المعايير سيعطيها صفة الشيوع التي تجعل الدراسة محصورة داخل حدود معينة. - إننا عندما ندرس لغة المتعلمين إنما ندرس نظاما بعينه، على اعتبار أن اللغة نظام تواصلي، " أي أنّ الوصف اللغوي للأخطاء لا بدّ أن يكون منصبّا على طبيعتها النظامية "[21]، وبالتالي فإن أية دراسة تنجز في هذا الصدد إنما تنصب على طبيعة اللغة النظامية، " فالأخطاء اللغوية الناجمة عن هذا النظام هي هدف الدراسة، وقد أثبتت التجربة في هذه الدراسات أن المتعلم أحيانا ينتج جملا سليمة، أو على الأقل مقبولة، أو ملائمة عن طريق الصدفة، لذا فإن نتائج الدراسات في هذا الصدد أثبتت أنّ الصدفة لا تمثل نظاما، ومعنى ذلك أن الخطأ والصواب ليسا في الشيء ذاته، وإنما دليل على وجود نظام صحيح أو نظام خاطئ"[22]، وقد أثبتت صحة ذلك بعض التمارين التي أجريت على مجموعة من المتعلمين المتجانسين من حيث المعايير المذكورة، "إذ أجريت خلال حصة تطبيقية بعض التمارين اللغوية حول (الجملة الاسمية)، وقد تمّ تعرف المتعلمين على عناصر الجملة بسهولة، غير أن بعض البلبلة أصابتهم عندما حدث تقديم وتأخير في عناصر الجملة، بدليل أن مجموعة كبيرة منهم استطاعوا أن يتوصلوا إلى الإجابات الصحيحة وهم غير متأكدين منها، إذ عندما طُلب منهم إعادة تركيب عناصر الجملة بشكل صحيح عجزوا عن إنجاز العملية "[23]، ما يفسر أن قدرتهم على الإجابة كانت من محض الصدفة لا غير. - يمكن للدارس أن يميز بين نوعين من الأخطاء لدى المتعلمين : - أخطاء قدرة : وهي مرتبطة بالعجز عن الأداء الصحيح للغة، ويكون ذلك في العادة مرتبطا بخلل في الأداء العادي الناجم عن صعوبات في السماع أو النطق أو خلل عضوي، ووصف أخطاء القدرة مهم جدا ، وبخاصة في تعليم اللغة الأولى. -أخطاء أداء : معظم جهود اللغويين منحصرة في أخطاء الأداء، وأخطاء الأداء نوعان : إنتاجي واستقبالي، فأما أخطاء الأداء الإنتاجي فمرتبطة بعملية الأداء، إذ تستخلص مادتها من عملية التواصل، ويشير الدارسون إلى أن الأخطاء المرتبطة بحجرة الدرس لا يمكن أن تكشف عن مادة من الأخطاء كفيلة بالدراسة، إذ أن السلوك داخل حجرة الدرس ليس كله اتصاليا، لذلك فإن الدراسة التي تتتبع السلوك الاتصالي نحو : النشاطات الكتابية الحرة وكتابة الخواطر والقصص والمقالات وكذا التعابير الشفوية تكون مادة خصبة وحقيقية لهذه الدراسة وأما أخطاء الأداء الاستقبالي فهي أخطاء يصعب في العادة تحديدها، لأن المتعلم يجيب عن الكلام بحركة أحيانا إذا عجز عن التعبير، وقد يكون الصمت رد فعل طبيعي، لهذا السبب فإن أية دراسة في هذا الصدد ينبغي أن تنطلق من الاستماع إلى الأداء الكلامي للمتعلم، ولذلك كله يتركز تحليل الأخطاء على الأداء الإنتاجي أو الأداء التعبيري كما يسميه بعضهم، كما قد تكون أخطاء الأداء الإنتاجي والاستقبالي ناجمة عن تمثلات المتعلمين الذين يحددون تصوراتهم وفق مدلولات ارتسمت في أذهانهم منذ النشأة، فالمتعلم قد لا يفرق بين الفواكه والخضر - مثلا -، فقد يصنف الطماطم ضمن الفاكهة، وهكذا، ومن مظاهر ذلك أيضا بعض أخطاء المماثلة الصوتية التي تنجم غالبا عن السماع. - تمثل مستويات الأداء في الكتابة مادة خصبة لدراسة الأخطاء، فالخطأ على مستوى الصرف أو النحو - مثلا - يدل على خلل في قواعد ذلك النظام اللغوي، فزيادة حرف أو نقص حرف لا يمثل فقط خللا في الكتابة، بل قد يمثل خللا في استيعاب هذه القواعد، فقد يكتب المتعلم ( لاكن ) وهو يقصد ( لكن )، وقد يكتب ( يدعوا ) و( يرجوا ) وهو يقصد (يدعو) و( يرجو )، لأن الواو هنا أصلية أي حرف علّة وليست واو الجماعة، ولا تكون هذه الأخطاء بالضرورة مكتسبة، إذ يمكن أن يخضع المتعلم كلمات اللغة إلى تمثلاته برسمها وفق سماعه لها. بـ : تفسير الأخطاء :
مرحلة التفسير تالية لمرحلة تحديد الأخطاء ووصفها، ولا يمكن بأي حال أن يكون التحليل فاعلا وصحيحا ما لم يتم تفسير هذه الأخطاء بشكل صحيح، ورغم تسجيل الخلافات الكثيرة حول هذه المسألة إلا أنه في الغالب الأعم " يتم تفسير هذه الأخطاء وفق المعايير التالية "[24] :
- معيار التدرج والترتيب : يتلقى المتعلم المادة التعليمية جزءا من كل، فاللغة العربية واسعة ولا يمكن تقديم كل شيء فيها، "لذلك فإن المشرفين على العملية التعليمية يفشلون في كيفية تقديم هذا الجزء، سواء من حيث تبويبه أو محتواه أو طريقة تقديمه"[25]، لأن من خصوصيات هذه اللغة أنها تلقن بالتدرج والتسلسل المنطقي، لذلك فإن بعض الأخطاء تكون ناجمة عن نقص في المادة التعليمية التي يتلقاها المتعلم، أو عن خلل في ترتيب المادة المدروسة.
- معيار القدرة المعرفية لدى المتعلم :تختلف قدرات المتعلمين من واحد إلى آخر، لذلك فإن المعلمين في العادة يتبعون طرائق يتفاوت المتعلمون في التعاطي معها، وهذا التفاوت يرجع بالدرجة الأولى إلى خصوصيات المتعلم النفسية والاجتماعية وغيرها. معيار تداخل المهارات : يرى الدارسون أن المتعلم حين يتعلم مهارة ما إنما تكون جديدة بالمقارنة مع مهارات سابقة يكون قد تعلمها، لذلك فإنه قد يحدث تداخل بين مهارات سابقة والمهارة الجديدة التي اكتسبها، فتؤثر واحدة على أخرى، بطريقة سلبية أو إيجابية، فقد تكون سلبية إذا حاولت إحدى المهارات أن تطغى على الأخرى، وقد تكون إيجابية إذا كانت المهارتان متشابهتين، بحيث تمهد الأولى للثانية، وإذا طبقنا هذا المبدأ على تعلم اللغة قلنا إن كل متعلم يميل طبيعيا إلى أن ينقل بنية لغته الأولى إلى اللغة الأجنبية التي يتعلمها.
: تصويب الأخطاء :
لا يتم تصويب الأخطاء بإعادة تقديم مواد معينة لها علاقة بتلك الأخطاء، وهذا النهج تتبعه بعض المدارس التي ترى في دروس التقوية حلا للمشكلات اللغوية، وإنما يكون بمعرفة سبب الخطأ ثم تقديم المادة الملائمة، لذلك فإن تحليل الأخطاء يعود بالفائدة على تعليم اللغة على المستوى النظري وأخرى على المستوى الإجرائي، فعلى المستوى النظري يتم توقع ردود أفعال المتعلم للغة، ومن هنا يتم وضع مخططات في هذا الصّدد، يتم من خلالها توقع حل لكل إشكال، أما على المستوى الإجرائي فإنه يتم التدخل في الأخطاء بعد دراستها، بهدف تطوير المحتوى التعليمي وكذا التخطيط والمقررات الدراسية، والمحيط الدراسي وغير ذلك.
7 ـ الدراسة اللغوية للأخطاء : لا يمكن للدارس أن يتناول كل الأخطاء بالدراسة اللغوية، وإنما يتم ذلك من خلال نماذج تمثل ما يقع فيه المتعلمون من أخطاء على وجه العموم، وإن أبرز أنواع هذه الأخطاء هي أخطاء التداخل اللغوي، وإننا أثناء التطرق لأخطاء التداخل اللغوي يكون "عملنا تطبيقيا، فنحن أمام أخطاء واقعة بالفعل، ولسنا بصدد التنبؤ بأخطاء ستقع في المستقبل، فمجالنا علم اللغة التطبيقي، في ميدان التقابل اللغوي"[26]، إذ أن لكل لغة خصائصها التي تتميز بها، لذا فإنه لا يمكن أن تمس هذه الخصائص بالتغيير أو الحذف، وقد استطاع الدارسون تمييز الأخطاء اللغوية التي يقع فيها المتعلمون انطلاقا من هذه الخصائص، من هنا فإن هذه الأخطاء تتميز انطلاقا من أي مستوى في النظام اللغوي. أجريت تجربة على عينة من متعلمين من جنسيات مختلفة، وقد اعتمدت هذه التجربة على الخطوات التالية : - "وزعت أوراق الطلاب مجموعات مختلفة توزيعات عشوائية، ثم اتبع منهج في تحليل الأخطاء وفق المراحل العامة ( التحديد التفسير والتصويب )، ثم بدئ بمعرفة أخطاء الدارسين كأفراد، كل فرد على حدة، ثم صححت الأوراق تصحيحا كاملا، ثم تلت ذلك مرحلة البطاقات، فصنفت بطاقات لكل نوع على حدة أولا بالنسبة لكل طالب، ثم بالنسبة لجميع الطلبة"[27]، ثم تمّ اختيار أبواب الأخطاء التي بنيت على أساسها معطيات التجربة، وعلى اعتبار أن النحو والمفردات عادة أقرب دلالة على الخطأ، فإن النظام اللغوي لدى المتعلمين يكون أكثر اختلالا في هذه المستويات، "كما أن النظام النحوي لأي لغة هو الذي يرد كل عناصر بناء التراكيب إلى أصله، وقد تم في هذه التجربة حصر المخالفات في : - زمن الفعل. - علامات الإعراب. - حروف الجر. - التذكير والتأنيث. - التعريف والتنكير. - إفراد ما يجب جمعه أو العكس. - العطف. - إهمال العائد في جملة الصلة"[28]. وتتبع هذه المراحل بأخرى يسعى من خلالها المشرفون على العملية التعليمية إلى التقليص من كم الأخطاء لدى المتعلمين مستقبلا، وتتمثل أبرز هذه المراحل في :
- محاولة تحديد مصدر الخطأ : وفي هذه المرحلة ينبغي للمعلم أن يدرك أهمية تحديد الخطأ، لأن القضاء على مصدره وقوف على الإشكال، وبالتالي تتم المعالجة بشكل فاعل.
- اختيار أساليب ناجعة للتصحيح : ويعتمد في ذلك عادة أساليب متنوعة، نحو : المعالجة بالتغذية الراجعة، المعالجة بتكثيف التطبيقات، وأيضا بتنمية مهارتي الفهم والحفظ، أو إعادة التعلمات السابقة، وأيضا إعادة النظر في محيط المتعلم، نحو : مناخ الفصل الدراسي، أو طلب مساعدة من المدرسة نفسها أو الزملاء أو حتى تدخل الأسرة في حالات معينة.
ترى البيداغوجيا الحديثة أن الاستغلال الإيجابي للخطأ يكون سببا قويا في تنمية معارف المتعلم، وذلك بخلق وضعيات تُستوحَى من الصراعات السوسيومعرفية لديه، ومن ثَمّ تفعيل تمثلاته، وكذا التقرب من معارفه السابقة بغية جعلها منطلقا لكل جديد إن النظر لخطأ المتعلم على أنه مسألة عادية في مساره التعلُّمي يساهم بشكل واضح في الحصول على نتائج إيجابية، ويكون بذلك الخطأ قد أدى وظيفته البيداغوجية وساهم في تحقيق الأهداف المنتظرة من التعلُّم، وبخاصة إذا تم ترسيخ فكرة الحق في الخطأ لديه.
8 - علاقة التمثلات بالأخطاء اللغوية وطرق علاجها :
ما من شك أن موضوع التمثلات يرتبط إلى حد بعيد بموضوع تنمية شخصية المتعلم وبنائها، فكل التصورات الحسية التي يستنبطها هذا المتعلم بادئا من عالمه الداخلي، وكل المكتسبات الوافدة من المحيط الخارجي منذ الولادة تساهم بشكل كبير في نمو شخصيته، لهذا السبب "يعتبر ( باشلار ) أن التمثلات الراسخة في ذهن المتعلم في صورة أفكار مسبقة مكتسبة من خلال تجارب مباشرة مرتبطة بالمجال الثقافي والاجتماعي وغيره تكوّن رصيدا معرفيا يتمثل في صورة مجموعة من العوائق الإبستيمولوجية التي تحول إلى حد ما دون اكتساب معارف علمية أخرى، وضمن هذا الإطار قسم ( باشلار ) العوائق الإبستولوجية إلى خمسة عوائق أساسية رآها سببا رئيسا في ارتكاب الأخطاء أو إعادة ارتكابها من جديد، وهذه العوائق هي :
- العوائق المرتبطة بالمعرفة العامة.
- العائق الجوهري.
- العائق الحسي.
- العائق اللغوي.
- العائق الاحيائي"[29].
تعتبر هذه العوائق أهم موضوع بالنسبة للمدرس، وتكون غالبا هي السبب في الأخطاء التي يرتكبها المتعلم، وفي أحيان كثيرة فإنّ هذه العوائق تبقى كامنة حتى بعد مرحلة الدراسة، ويمثل العائق اللغوي حجر العثرة في عملية بناء المعارف الجديدة، بدليل أن اللغة هي وحدها الكفيلة بضمان التواصل بين المتعلم ومحيطه من جهة، وبينه ومعلمه من جهة أخرى، لأنه عادة أحد أبرز العوامل الدافعة إلى إزالة تلك العوائق مستقبلا.
تحدث عملية الاكتساب اللغوي لدى الأطفال تدريجيا منذ الولادة، إذ يبدأ الطفل عادة بالتعرف على دلالات الكلمات، لتأتي بعدها أولى ملامح المحاولات التركيبية من قبيل ( فعل + فاعل + مفعول )، فملاحظة بعض الأخطاء اللغوية مبكرا عند الطفل لا تعدّ مسألة غريبة، ولعل أبرز هذه الأخطاء تكون ناجمة عن سوء الربط بين السياقات الإنتاجية للملفوظات نتيجة تمثلات خاطئة، وفي هذا الصدد يسعى الدارسون إلى تحديد طبيعة المقولات الدلالية الخاصة بملفوظات الطفل على نحو يفسر ذلك التدرج في الاكتساب اللغوي، "فمقولات الوجود وعدم الوجود والتكرار تسبق مقولات العمل، ثم إنّ مقولات العمل غالبا ما تسبق مقولات الهيئة بالنسبة للأفعال، وإنّ مقولات الإضافة، الأداة، الأسئلة المفتوحة التي تبدأ ( بمن، ماذا، أين، لماذا ) هي التي تشغل المرتبة الأخيرة"[30]، من هنا يتمثل العائق اللغوي في عدم القدرة على الاستجابة لوضع لغوي معين بشكل صحيح نتيجة فقر الرصيد اللغوي أو عدم نضج استغلال هذا الرصيد بشكل سليم لدى المتعلمين إلى ما يلبي حاجة الموقف ؛ فيضطر المتكلم إلى الاستعانة بتمثلاته لسد تلك الثغرات، وقد أنجزت دراسات كثيرة في هذا الموضوع يصب جلها في محور نتائج في صيغة مقترحات لتجنب الوقوع في الخطأ، وفي هذا الصدد "تشكل نظرية ( د.أ.سلوبن 1973 ) المثال الواضح في هذا المجال، نظرا لما ترتكز عليه من مبادئ يمكن تلخيصها كالآتي : - على الطفل أن ينتبه إلى ترتيب الكلمات الواردة في الخطاب المعين – على الطفل أن يبتعد عن إعادة تنظيم الوحدات اللسانية – على الطفل أن يوضح في خطابه العلاقات الدلالية التي يتمثلها"[31]، والملاحظ في هذه النظرية أنها تحاول بشكل ما دفع المتعلمين إلى معرفة العناصر المكونة للسلامة اللغوية.
9 - رصد الأخطاء ودمجها في الفعل التربوي :
تسجل المنطلقات المعرفية المستفادة من البحث الديداكتيكي تصورات يمكن من خلالها استنتاج جملة من الفرضيات التي تؤسس لمقاربة ديداكتيكية ناجعة للخطأ في السياق التربوي، بغرض دمج المتعلمين في العملية التعليمية وجعلهم عناصر قادرين على بناء معارفهم بأنفسهم، وبالتالي تخطي الأخطاء التي قد تساهم في تدني مستواهم مستقبلا، وقد ظهرت لهذا الغرض نظريات كثيرة تعمل وفق هذا الاتجاه وتحاول بيان طريقة استغلال الخطأ والمراحل التي يتم فيها ذلك، وقد حددت هذه النظريات وضعيات دقيقة يتم من خلالها استغلال مواقف المتعلمين بهدف التخلص من تمثلاتهم الخاطئة.
يعَدّ التقويم التشخيصي مرحلة ضرورية عند بداية كل سنة دراسية أو دورة أو محور تعليمي أو حصة، لذلك يسعى المعلمون من خلاله إلى الحصول على مجموعة من البيانات التي توضح مدى تحكم المتعلم في مكتسباته السابقة، وكذلك معرفة تصوراته وتمثلاته حول مفاهيم معينة، ومن ثم إيجاد المنافذ المناسبة للدخول إلى المقررات التعليمية، وقد يتم في هذه المرحلة وضع الأخطاء الناجمة عن التمثلات الخاطئة في الإطار التصنيفي لها ليتمكن المتعلمون من التخلص منها لاحقا، فبعض المتعلمين مثلا يربطون دلالة ( العشاء ) بكل أوقات الأكل، فيقولون : « تَعَشَّيتُ » قبل الظهر أو عصرا أو ليلا، ونماذج هذه الدلالات كثيرة في رصيد الأطفال اللغوي تكشف عنها محاورات المعلمين في مراحل معينة من النشاطات التعليمية، ومن هنا فإن المعلمين يرسمون خططهم أحيانا انطلاقا من هذه التمثلات الخاطئة التي يكتشفونها لدى المتعلمين في مرحلة التقويم التشخيصي.
تكلل حصص التحصيل عادة بمادة تقويمية يتم من خلالها إما ترسيخ المعلومات أو سد الثغرات التي قد تنجم عن خلل ما، وهذه المرحلة ضرورة ملحة يراقب من خلالها المعلم مستوى التحصيل لدى المتعلمين، إذ أن هذا الفعل معيار أساسي لضبط المستوى الدراسي، وقد " تسمح هذه المرحلة أيضا بهدم تمثلات المتعلمين الخاطئة وتعويضها بمعارف مناسبة للنمو العقلي ومخطط التدرج لوتيرة التعليم "[32]، يتم ذلك من خلال خلق وضعيات تعلُّمية مواتية لهذا الغرض، وتشكل بيداغوجيا الخطأ الأسلوب البيداغوجي الأمثل الذي يتم من خلاله تنفيذ ذلك عمليا على مستويين على الأقل، فمن جهة يجب خلق الوعي لدى المتعلمين بأخطائهم، لأنهم خلال مرحلة وعيهم بها يدخلون في صراع سوسيومعرفي يقتضي تجاوز كل ما يشكل عوائق حقيقية لاكتساب المعارف الجديدة، ومن ثَمّ تصحيح تلك الأخطاء، ومن جهة أخرى استعداد المتعلمين لدراسة تلك الأخطاء وتحليلها، ولا يتم ذلك إلا باجتهاد مشترك بين المعلم والمتعلم.
ومع هذا كله ينبغي أن ينصب تدخل المعلمين في اشتغالهم على إزالة آثار التمثلات الخاطئة من أذهان المتعلمين على مستويات معينة، فوعي المتعلم بأخطائه يعطي دفعا قويا لنجاح عملية التصويب وفق هذا الإطار، على اعتبار أن هذه القناعة لدى المتعلمين تجعلهم قادرين على تقبل الصواب، ثم إن تحليل هذه الأخطاء لاحقا يشكل البناء الرصين لإقناعهم بوجود الخطأ بصفته، ثم بتقريبهم من الصواب الذي ينبغي أن يشكل مادة ترسخ بصفة كاملة وجيدة في أذهان المتعلمين.
جرت العادة في البيداغوجيا التقليدية التعامل مع الخطأ على أنه خطأ دون البحث في مسبباته، وقد اكتفت تلك البيداغوجيا بتعويضه بالصواب، غير أن البحث الديداكتيكي الحديث أولى أهمية كبيرة لدراسة الأخطاء بشكل عام، وتلك الناجمة عن تمثلات المتعلمين خاصة، لما لها من ارتباط وثيق بالجوانب النفسية للمتعلمين، واعتبرها أكثر تأثيرا على العملية التعليمية، على اعتبار أنه يصعب التخلص منها إن لم تعالج في زمن مبكر من أعمار المتعلمين، وفي مراحل دقيقة من مسارهم التعليمي، والحقيقة أن البحث في الأخطاء اللغوية وفق هذا الاتجاه تتخلله تعقيدات كثيرة لارتباطه بالنظريات المتعددة في الموضوع، لذلك فإن خصوبة البحث في الموضوع تساهم بشكل كبير في تطوير العملية التعليمية التعلمية، وكذا تحقيق الأهداف المرجوة.


الهوامش :


[1] - ينظر : فيليب جونابير : نحو فهم عميق للكفايات ( الكفايات والسوسيوبنائية )، تعريب وتوضيب : عبد الكريم غريب، عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء، ( المملكة المغربية )، ط01، 2005م، ص03

[2] - أحمد صيداوي : قابلية التعلم، معهد الإنماء العربي، بيروت، ( لبنان )، ط01، 1986م، ص61

[3] - سليمان فياض : الحقول الدلالية الصرفية للأفعال العربية، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط01، 1410ﻫ / 1990م، ص89

[4] - ابن منظور : لسان العرب، دار صادر ( بيروت )، ط 3، 1994م ج11، ص613

[5] - مجمع اللغة العربية القاهري، المعجم الوسيط : تحقيق : مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ( مصر ) ، ط 04، 1425ﻫ / 2004م، ص853

[6] - الآية 17 من سورة مريم

[7] - الألوسي البغدادي أبو الفضل شهاب الدين محمود : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه : محمود شكري الألوسي البغدادي، إدارة الطباعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط01، ( د، ت، ط )، ج16، ص75

[8] - أندريه لالاند : موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب : خليل أحمد خليل، إشراف : أحمد عويدات، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، ط02، 2001م، ج01، ص1211

[9] - ينظر : محمد أولحاج، محمد مكسي : سيكولوجيا التعلم ( تياراتها – مناهجها – مجالاتها – مواضيعها )، منشورات صدى التضامن، الدار البيضاء، المملكة المغربية، ط01، 1431ﻫ / 2010م، ص168

[10] - Gérard De Vecchi et André Giordan : L'enseignement scientifique Comment faire pour que ça marche ?edition paris , france , 1989 , p55

[11] - ينظر : المرجع نفسه

[12] - محمد العلوي، محمد عليلات : ديداكتيك العلوم - التمثلات، فيزيكا، نشرة تصدرها جمعية مدرسي العلوم الفيزيائية بجهة تادلة، بشراكة مع مصلحة التوثيق والتنشيط التربوي بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة تادلة، أزيلال، المملكة المغربية، عدد مزدوج : 8 – 9، ص01

[13] - H.temmerman : notions de psychologie appliqué a la pédagogie et a la didactique , éditeur : felix alcan , 1ere édition , 1903 , paris , France , p32

[14] - ينظر : محمد العلوي، محمد عليلات : ديداكتيك العلوم – التمثلات، ص01

[15] - المرجع نفسه، ص01

[16] - المرجع نفسه، ص05

[17] - المرجع نفسه، ص05

[18]- marie louise moreau – marc richelle : l'acquisition du langage , mardaga , France , 5eme édition , 1997 , p190.

[19]- Jean pierre astolfi : l'erreur un outil pour enseigner , ESF éditeur , Issy-les-moulineaux Cedex , 6éme édition , 2004 , p15

[20]- المرجع نفسه

[21] - عبده الراجحي : علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، مصر، ط01، 1995م، ص51

[22] ـ ينظر : البدراوي زهران : علم اللغة التطبيقي في المجال التقابلي ( تحليل الأخطاء ) ، دار الآفاق العربية للنشر والتوزيع والطباعة ، القاهرة ، ( مصر ) ، ط01 ، 1429ﻫ / 2008م، ص186

[23] ـ ينظر : المرجع نفسه، ص53

[24] - عبده الراجحي : علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، ص54

[25] ـ ينظر : المرجع نفسه، ص54

[26] ـ البدراوي زهران : علم اللغة التطبيقي في المجال التقابلي ( تحليل الأخطاء )، ص34

[27] ـ ينظر : المرجع نفسه، ص21

[28] ـ ينظر : المرجع نفسه، ص22

[29] - ينظر : أحرشاو العالي : التمثيل الدلالي لأفعال تحويل الملكية عند الطفل، الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، سلسلة الدراسات العلمية الموسمية المتخصصة، ط01، 1989م، ص14

[30] - ينظر : المرجع نفسه، ص30

[31] - المرجع نفسه، ص32

[32]- Jean pierre astolfi : l'erreur un outil pour enseigner , p57
















قائمة المصادر و المراجع :
* القرآن الكريم
أ- المصادر :
- ابن منظور : لسان العرب، دار صادر ( بيروت )، ط 3، 1994م.
- الألوسي البغدادي أبو الفضل شهاب الدين محمود : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه : محمود شكري الألوسي البغدادي، إدارة الطباعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط01، ( د، ت، ط ).
بـ - المراجع باللغة العربية :
- أحرشاو العالي : التمثيل الدلالي لأفعال تحويل الملكية عند الطفل، الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، سلسلة الدراسات العلمية الموسمية المتخصصة، ط01، 1989م.
- أحمد صيداوي : قابلية التعلم، معهد الإنماء العربي، بيروت، ( لبنان )، ط01، 1986م.
- أندريه لالاند : موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب : خليل أحمد خليل، إشراف : أحمد عويدات، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، ط02، 2001م.
- البدراوي زهران : علم اللغة التطبيقي في المجال التقابلي ( تحليل الأخطاء ) ، دار الآفاق العربية للنشر والتوزيع والطباعة ، القاهرة ، ( مصر ) ، ط01 ، 1429ﻫ / 2008م .
- سليمان فياض : الحقول الدلالية الصرفية للأفعال العربية، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط01، 1410ﻫ / 1990م.
- عبده الراجحي : علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، مصر، ط01، 1995م.
- فيليب جونابير : نحو فهم عميق للكفايات ( الكفايات والسوسيوبنائية )، تعريب وتوضيب : عبد الكريم غريب، عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء، ( المملكة المغربية )، ط01، 2005م
- مجمع اللغة العربية القاهري، المعجم الوسيط : تحقيق : مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ( مصر ) ، ط 04، 1425ﻫ / 2004م.
- محمد العلوي، محمد عليلات : ديداكتيك العلوم - التمثلات، فيزيكا، نشرة تصدرها جمعية مدرسي العلوم الفيزيائية بجهة تادلة، بشراكة مع مصلحة التوثيق والتنشيط التربوي بالأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة تادلة، أزيلال، المملكة المغربية، عدد مزدوج : 8 – 9.
- محمد أولحاج، محمد مكسي : سيكولوجيا التعلم تياراتها – مناهجها – مجالاتها – مواضيعها، منشورات صدى التضامن، الدار البيضاء، المملكة المغربية، ط01، 1431ﻫ / 2010م
- المراجع باللغة الأجنبية :
- H.temmerman : notions de psychologie appliqué a la pédagogie et a la didactique , éditeur : felix alcan , 1ere édition , 1903 , paris , France ,
- Jean pierre astolfi : l'erreur un outil pour enseigner , ESF éditeur , Issy-les-moulineaux Cedex , 6éme édition , 2004 .
- marie louise moreau – marc richelle : l'acquisition du langage , mardaga , France , 5eme édition , 1997 .
- Gérard De Vecchi et André Giordan : L'enseignement scientifique Comment faire pour que ça marche ?edition paris , france , 1989 .