كيف تختار موضوعك ؟
وتضع له خطة
1 علمني كيف اصطاد السمك و لا تعطني كل يوم سمكة!
ليس مقصود هذه المحاضرة ، إرشاد الباحث إلى مواضيع أو عناوين للبحث! إنما مقصودها إرشاد الباحث كيف يستطيع أن يختار موضوعا للبحث ، وتوضيح المواصفات والآلية التي تعينه في ذلك. وما جاء في ثناياها من عناوين فهي مجرد اقتراح لتوضيح فكرة وتوصيلها إلى الذهن!
2 أخطر ما في البحث هو موضوعه!
لعل قضية اختيار موضوع البحث هي أخطر مرحلة في إعداد البحث، بل كل البحث يعتمد عليها! فإن جودة البحث ، وحسن منهجه ، وسلامة نتائجه، جميعها تتوقف على تحديد مشكلة البحث، والهدف المنشود تحقيقه من ورائه، وهذا هو موضوع البحث!
3 الأفكار مطروحة في الطريق يعرفها من يبصرها!
قال أحد الأدباء القدماء: "والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقروي، والمدنيّ؛ وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحّة الطبع وجودة السّبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من النّسج، وجنس من التّصوير.
وقد قيل للخليل بن أحمد: ما لك لا تقول الشّعر؟ قال: الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني"اهـ([1]).
ويقول: "ثم اعلم- حفظك الله- أن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة"اهـ([2]).
فليست المشكلة في الأفكار والمعاني ، إنما المشكلة في الألفاظ والمباني؛ اختيار الفكرة التي تصلح، وكيفية تناولها وعرضها والعبارة عنها بما يناسبها، والخروج من درسها بنتائج مفيدة!
4 مثلث الاختيار
عند اختيار موضوع للبحث فإنك أمام مشكلة ذات أضلاع ثلاثة، وهي :
الضلع الأول : مواصفات الموضوع نفسه!
الضلع الثاني : الباحث.
الضلع الثالث : الجهة التي تريد التقدّم إليها بالبحث!
5 الضلع الأول : مواصفات الموضوع نفسه!
يقصد بالموضوع الفكرة التي يبني عليها الباحث بحثة، والمشكلة التي يعالجها ليصل إلى تحقيق الحل المناسب لها!
هذه المشكلة أو الفكرة التي يريد أن تكون موضوع بحثه لابد فيها من توفر مواصفات هامة وهي :
- الجدة .
- الجدارة (أن يستحق عناء البحث).
- الأصالة.
6 جدة الموضوع . كم ترك الأول للآخر!
بعض الناس يستروح في ترك البحث ، أو القبول بعدم التجديد بأن يقول: لم يترك الأول للآخر شيئا!
وهذا إجحاف في توصيف الحقيقة الواقعة، لأنك بقليل من التأمل تجد أفكاراً جديدة، ومباحث متنوعة صالحة للبحث، تحقق فيها وصف الجدة والجدارة، مما يجعلنا نقول بكل ثقة: كم ترك الأول للآخر!
7 الموضوع المبحوث يصبح جديداً إذا ...
بل حتى الموضوعات المبحوثة والمدروسة يمكن إعادة بحثها والكتابة فيها إذا توفرت لها الأمور التي تسوغ ذلك فيها، من ذلك :
- بروز أو ظهور جوانب تستوجب إعادة البحث، مثل ظهور أدلة بحثية لم تكن موجودة في الدراسة السابقة، وهذه الأدلة تؤثر على نتائج البحث، والرؤية العلمية للموضوع! أو ظهور جوانب في الموضوع كانت غائبة في الدراسة السابقة.
- مرور فترة زمنية، كعشرين سنة مثلاً على البحث، فإنها كافية لتسويغ إعادة بحثه، فإن مثل هذه المدة يظهر فيها العديد من المخطوطات والأبحاث والدراسات التي لها تأثير قوي الاحتمال في نتائج الدراسة السابقة. (نظرية النسبية لاينشتاين أصبحت اليوم تراثاً فيزيائيا) .
- حدوث رؤية جديدة للموضوع ، تسوغ إعادة بحثه!
8 كيف تتوصل إلى الابتكار والجدة؟
أمامك لتتوصل إلى الابتكار المسارات التالية:
- الرجوع إلى أهل الاختصاص وسؤالهم، فإنهم من أعرف الناس عادة بالجوانب البحثية في التخصص التي تحتاج إلى بحث، وصاحب الدار أدرى بما فيها!
- الرجوع إلى الأقسام البحثية، فإنه في العادة يكون هناك مشاريع بحثية مفتوحة.
- القراءة المكثفة في التخصص الذي يريد الباحث أن يختار فيه موضوعاً، فإنه سيجد إشارات إلى جوانب عديدة تحتاج إلى بحث، في توصيات الباحثين، وأثناء بحثهم! (أهمية كتابة التوصيات آخر البحث).
- المسح البيلوغرافي للأبحاث والكتب والمصنفات في الفن الذي يراد الكتابة فيه. (مثلاً في علوم القرآن و علم الحديث الأنواع التي لم يصنف فيها، يحتمل أن تكون موضوع بحث لدراسة في الماجستير أو الدكتوراه).
- الخروج عن النمطية في التفكير والتناول. كل الكتب التي تميزت في تخصصاتها كان سبب ذلك إما خروجها عن النمطية في التناول وطريقة البحث. أو ما عرف به مؤلفوها من مكانة علمية. ومن وسائل الوصول إلى الخروج عن النمطية: توليد الأفكار بتلقيح العلوم، فمثلاً في الفقه والأصول يبحثون مسائل (الفروق الفقهية والأصولية)؛ ألا يمكن أن نكتب في علوم القرآن وعلم الحديث أبحاثاً قائمة على هذه الفكرة؟ (أقترح عناوين: 1) التداخل بين أنواع علوم القرآن. 2) التداخل بين أنواع علوم الحديث. 3) الفروق في أنواع علوم القرآن. 4) الفروق في أنواع علم الحديث).
9 - مقاصد التأليف :
قال علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن (ت725هـ) رحمه الله: "وينبغي لكل مؤلف في فن قد سبق إليه أن لا يخلو كتابه من خمس فوائد:
استنباط شيء كان معضلا.
أو جمعه إن كان متفرقاً.
أو شرحه إن كان غامضاً.
أو حسن تنظيم وتأليف.
أو إسقاط حشو وتطويل"اهـ([3]).
قال شمس الدين البابلي (ت1077هـ) رحمه الله: "لا يؤلف أحد كتاباً إلا في أحد أقسام سبعة، و لا يمكن التأليف في غيرها، وهي:
إمّا أن يؤلف من شيء لم يسبق إليه فيخترعه.
أو شيء ناقص يتممه.
أو شيء مستغلق يشرحه.
أو طويل يختصره، دون أن يخل بشيء من معانيه.
أو شيء مختلط يرتبه.
أو شيء أخطأ فيه مصنف يبينه.
أو شيء مفرق يجمعه"اهـ([4]).
ورأيت في مجاميع شيخي بالإجازة أبي جميل أحمد بن حسنين بن حجّ سيد بن أحمد بن خاطر بن أحمد نجار المكي المالكي، مجموعاً له، وسمه بـ (الحث على طلب العلم)([5]) قوله رحمه الله: "ويشترط لدخول التصنيف والتدريس فيه اشتمالهما على فوائد جديدة، كما قال ابن عرفة المالكي:
إذا لم يكن في مجلس التدريس نكتة وتقرير إيضاح لمشكل صورةٍ
وعزو غريب النقل أو حل مقفل أو إشكال أبدته نتيجة فكرةٍ
فدع سعيه وانظر لنفسك واجتهد و لا تتركن فالترك أقبح خلة" اهـ
10 الجدارة ، والمقصود بها أن يستحق الموضوع عناء البحث، إما لنتائجه المرجوة وأهدافه المنشودة، أو للحاجة الشديدة لبحثه لما ينبني عليه من مسائل وعمل، أو لأنه يتعلق بموضوع يستحق البحث فيه.
11 الأصالة، ويقصد بها أن يكون موضوع البحث من مسائل التخصص في العلم الذي يكتب فيه. فلا يصح أن تبحث موضوعاً خارج التخصص ، وتريد أن تلحقه به، كمن يبحث مسألة فيزيائية في القرآن أو السنة.
12 الضلع الثاني : الباحث نفسه .
يؤثر الباحث في اختيار الموضوع من جهات متعددة، تنبغي ملاحظتها؛
أ . هاجس الموضوع والفكرة. لابد أن تكون قضية اختيار الموضوع لدى الباحث من قبل قضية البحث نفسه، بمعنى أن يكون في ذهنه من وقت، ما الموضوع الذي يصلح للبحث؟ وبعض الناس قد يجتاز هذا إلى مرحلة وجود فكرة تشكل هاجساً في تفكيره، تشغله طول الوقت.
ب . الميل العاطفي . الموضوع يشكل علاقة عاطفية وميولاً نفسية معه وإلا لا يكون اختياره سهلاً عليه. بمعنى أن يشكل الموضوع مواصفات تعجبه ويميل إليها، كأن يحب مثلاً البحث في التخريج، أو البحث في التفسير، أو البحث في معاني الأحاديث وفقهها. (الميول تتحدد عادة عند قيامك بأبحاث صغيرة، وهنا تظهر أهمية السنة المنهجية في تحديد ميول الباحث داخل التخصص).
ج. القدرة البحثية . وهذه تتشكل من أمرين اثنين :
- المهارة البحثية.
- المقدرة العلمية.
هذه كلها أمور يتحدد بها اختيار الموضوع للبحث!
13 المهارة البحثية تعين على اختيار الموضوع. لأنها تتيح تصور أبعاده، وتقسيماته. والمهارة القدرة على إتقان العمل، وهي ملكة تراكمية تتكون لدى الباحث من كثرة قيامه بكتابة البحوث وإعدادها، يعرف بها أساليب البحث وأنواعه وما يمكن أن يحتاجه فيه. بحيث يستطيع تصور الموضوع، ومدى إمكانية البحث فيه من جهة مصادره ومواضع البحث فيه.
14 المقدرة العلمية تعين الباحث على اختيار الموضوع، فلابد أن يهتم الباحث بتكوينه العلمي، ليسهل عليه اختيار الموضوع الذي يناسبه. وتتفاوت الموضوعات في جودتها بحسب تفاوت أصحابها في مقدراتهم العلمية. وعلى الباحث أن يختار الموضوع المناسب لمقدرته ولما يتقنه حتى يمكنه أن يبرز فيه، ويأتي بجديد فيه. ومعنى ذلك أن الباحث لابد أن يكون مواصلاً القراءة والاطلاع في مجال التخصص، ومتابعة آخر الأبحاث والدراسات، والندوات والمحاضرات، بل والمطبوعات والبحوث الصغيرة في مجال التخصص، إذا كانت من باحثين معتمدين، فإن ذلك مما يعين في اختيار الموضوع. (شعار الباحث دائماً: العلم من المهد إلى اللحد، مع المحبرة إلى المقبرة، يعني يستمر في الاطلاع على كل جديد).
15 الضلع الثالث : الجهة التي تريد التقدم إليها بالبحث.
تؤثر الجهة التي تريد التقدم إليها بالبحث في اختيار الموضوع؛
فالبحث التكميلي يختلف عن البحث الأصلي.
بحث الماجستير يختلف عن بحث الدكتوراه.
والبحث تريد تقديمه لمجلة محكمة يختلف عن بحث الماجستير والدكتوراه.
فلكل جهة مواصفات وشروط، كتحديد الفترة الزمنية للبحث، وعدد الصفحات، وطريقة التناول ، وهذا جميعه مما يحدد حجم فكرة البحث.
16 الاستعداد لكتابة خطة الموضوع !
هذا المحور الثاني في هذه اللقاء ؛ والمفترض أنه قد تم اختيار الموضوع، ونريد أن ننتقل إلى وضع خطة للموضوع!
وهذا في أربع خطوات :
الخطوة الأولى لوضع الخطة : وضع عنوان الموضوع.
الخطوة الثانية : حصر عناصر الموضوع.
الخطوة الثالثة : ترتيب العناصر.
الخطوة الرابعة : تهيئة الشكل العام للخطة.
17 الخطوة الأولى لوضع الخطة : وضع عنوان الموضوع . الركيزة الأولى في وضع خطة الموضوع هي عنوانه، وينبغي عدم الاستعجال فيها، وتأمل كل عنوان تريد وضعه للموضوع، فإن لكل عنوان للموضوع الواحد خطة تختلف!
فمثلاً : حينما تكون فكرتي هي دراسة منهج ابن كثير في تفسيره، فإن أمامي عدة خيارات في اختيار العنوان :
الخيار الأول : (ابن كثير ومنهجه في التفسير) .
الخيار الثاني : (منهج ابن كثير في التفسير) .
الخيار الثالث : (التفسير بالرأي تفسير ابن كثير أنموذجا) .
في العنوان الأول ترجمة ابن كثير ركن أساس في البحث فتكون في باب إذا كانت الرسالة مقسمة على أبواب ، أو في فصل إذا كانت الرسالة مقسمة على فصول، ويكون الكلام عن أنواع التفسير في مدخل أو تمهيد.
في العنوان الثاني ترجمة ابن كثير خارج البحث، فهي في تمهيد أو مدخل موجز، وكذا الكلام عن أنواع التفسير.
في العنوان الثالث : التفسير بالرأي يشكل محوراً أساس في الموضوع، فيأخذ باباً أو قسماً أو فصلاً من الرسالة بحسب تقسيمات الخطة، ويكون التمهيد له بالكلام عن أنواع التفسير.
المهم اختيار العنوان المطابق للفكرة البحثية بالطريقة المناسبة لتناولها! (يستعين بالمشايخ وأهل الخبرة في التخصص والبحث لاختيار العنوان المناسب).
18 الخطوة الثانية : حصر عناصر الموضوع؛
إذا كان الموضوع قد سبقت دراسته، فإنه يبدأ النظر في الدراسات السابقة، ليبرز الباحث العناصر الجديدة في دراسته، ويحدد محل الإضافة عنده والزيادة لديه في دراسته، ورؤيته الجديدة. ويضع عناصر الموضوع على هذا الأساس .
أما إذا كان الموضوع لم تسبق دراسته فعليه أن يضع العناصر التي في ذهنه عن الموضوع، ثم يمر على كتب الفن ليقتنص كل عنصر يمكن أن يساعده في بحثه.
ويمكنه أن يستعين في هذه الخطوة بعدة أمور:
- جرد كتب التخصص المتعلقة بالموضوع.
- الرجوع إلى أهل الاختصاص.
- المذاكرة مع زملائه طلاب العلم تساعده المختصين في ذلك.
ومن النصائح الهامة هنا: أن يقيد ويسجل كل شيء ، ولو استطاع توثيق المعلومات باسم الكتاب والجزء والصفحة فهذا هام جداً.
19 الخطوة الثالثة : ترتيب العناصر ترتيبا متسلسلاً منطقياً. وتقسيمها إلى مجموعات، فما يصلح أن يشكل بابا جعله كذلك، وما يصلح أن يشكل فصلاً جعله كذلك، وأدرج تحت كل ذلك ما يناسبه من العناصر.
20 الخطوة الرابعة : تهيئة الشكل العام للخطة، بأن يضيف إلى ما تشكل إليه، الأمور المساعدة والمكملة، فإن كل موضوع يحتاج إلى؛
ممهدات—— عرض الفكرة —— مشكلة البحث—— علاج المشكلة—— النتيجة.
فتترتب لديه الأبواب والفصول على هذا الأساس .
21 عناصر المقدمة ...
مقدمة البحث تشتمل على العناصر التالية:
- الحمد والثناء والصلاة على النبي e.
- تقديم مختصر فيه اسم الموضوع .
- أسباب اختيار الموضوع .
- الدراسات السابقة إن وجدت، وبيان الجديد في الدراسة.
- خطة الموضوع.
- منهج البحث.
- طريقة الباحث في الكتابة.
- الحمد والثناء.
22 الخاتمة ...
خاتمة الدراسة يذكر فيها الباحث أهم النتائج التي انتهى إليها والتوصيات العلمية، والتي عادة يذكر فيها الجوانب الجديدة التي تحتاج إلى البحث فيها، إرشادا للباحثين بعده .



([1]) الحيوان (3/ 67).

([2]) البيان والتبيين (1/ 82).

([3]) تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل) (1/3-4).

([4]) بواسطة خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (4/41)، طبعة القاهرة 1284هـ. ثم رأيت هذا بلفظه ذكره التلمساني في نفح الطيب عن غصن الأندلس الرطيب (3/176)، مصدراً له بقوله: "الأقسام السبعة التي لا يؤلف عاقل عالم إلا في أحدها... وذكرها، إلا أنه قال: "أو شيء أخطأ فيه مؤلفه يصلحه"، بدلاً من "يبينه"، وقدّم ذكر جمع المفرق على ترتيب المختلط. (دار صادر/ بيروت/ تحقيق د. إحسان عباس.

([5]) ص31.وشيخنا رحمه الله انتهى من هذا المجموع بتاريخ 19/12/1405هـ، يوم الأربعاء، وقد حضرت عليه بعض دروسه في بيت ولده جميل، في شرح موطأ الإمام مالك، وقد أجازني إجازة عامة بجميع مروياته شفهياً، وسمح لي بتصوير إجازته التي كانت في متناول يده ساعتها، وكان حاضراً معي في ذلك الوقت حفيده خالد بن جميل بن أحمد بن حسنين نجار رحمه الله، وغفر الله للجميع. وكتبت هذا للتاريخ، خشية النسيان.