دروس في السيرة النبوية - الصفحة 3
صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 41 إلى 60 من 64
9اعجابات

الموضوع: دروس في السيرة النبوية

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,977

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد طه شعبان مشاهدة المشاركة
    الدرس الرابع عشر
    إسلام عمر وحمزة رضي الله عنه

    فلما أسلم عمر رضي الله عنه كان هذا عِزًّا للإسلام، استجابة لدعوة الحبيب المصطفى ﷺ: «اللهم أَعِزَّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب»، قال ابن عمر: وكان أحبَّهُمَا إليه عُمَرُ.
    بارك الله فيك أبا يوسف ونفع بك .
    للفائدة :
    قال الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة :
    3225- (اللهم! أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب خاصةً).
    أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (2180- موارد) من طريق عبدالله بن عيسى الفروي، وكذا البيهقي في "سننه " (6/ 370)، وابن عدي في "الكامل " (6/ 310)، وعنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(12/718)- وكنوه بأبي علقمة- قال: حدثنا عبدالملك بن الماجشون: حدثني مسلم بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:... فذكره.
    قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف الفروي هذا، ويُستغرب تصحيح ابن
    حبان إياه، مع أنه قد ذكره في "الضعفاء" باسمه وكنيته (2/45)، وقال:
    "يروي العجائب، ويقلب على الثقات الأخبار التي يعرفها من الحديث
    صناعته أنها مقلوبة".
    وضعفه غيره أيضاً. وسمَّاه الحسيني في "الإكمال " (7/84): "عبدالله بن
    محمد الفروي "!
    ومن فوقه ثقات، لولا أن مسلم بن خالد سيئ الحفظ، وهو الزَّنجي المكي
    الفقيه من شيوخ الإمام الشافعي، وقد وثقه بعضهم، ومنهم ابن حبان، لكنه أشار إلى ضعف حفظه، فقال في "ثقاته " (7/448):
    "يخطئ أحياناً".
    قلت: فمثله يُحتج به عند المتابعة على الأقل.
    وقد وجدت له متابعاً قوياً، فقال عبدالعزيز بن عبدالله الأويسي: ثنا
    الماجشون بن أبي سلمة عن هشام بن عروة به.
    أخرجه الحاكم (3/83)، وعنه البيهقي، ومن طريقه: ابن عساكر (6/719)،
    وقال الحاكم:
    "صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي.
    وقال الحافظ في "الفتح " (7/48):
    "أخرجه الحاكم بإسناد صحيح ".
    وهو كما قال، فإن الماجشون هو عبدالعزيز بن عبدالله بن أبي سلمة المدني؛
    ثقة فقيه من رجال الشيخين.
    وعبدالعزيز بن عبدالله الأويسي ثقة من شيوخ البخاري.
    ومن دونه ثقات حفاظ.
    وهذه المتابعة مما فات المعلق على "إحسان المؤسسة" (15/306)؛ فإنه وقف
    مع الضعف الظاهر في إسناد ابن حبان بسبب الزنجي والفروي!
    وإذا عرفت هذا المتابع؛ فلعله به يزول الاستغراب الذي سبق ذكره؛ فإن
    الفروي الذي ضعفه ابن حبان يحتمل أن يكون عنده من أولئك الضعفاء الذين يقول فيهم:
    "لا يحتج به إلا فيما وافق فيه الثقات ".
    فإن إخراجه لحديثه هذا في "صحيحه " يشير إلى هذا، وإلا؛ كان متناقضاً، وهذا غير لازم ما أمكن التوجيه الحسن، كما هو معروف عند أهل العلم من باب: (التمس لأخيك عذراً). والله أعلم.
    ولا منافاة بين هذا الحديث وحديث ابن عمر:
    "اللهم! أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك :أبي جهل بن هشام أو عمر بن الخطاب ".
    رواه ابن حبان (2179- موارد)، وله شواهد، ذكرت بعضها في "تخريج المشكاة" (6036/ التحقيق الثا ني)، وقواه الحافظ (7/48) بشوا هده.
    أقول: لا منافاة؛ لاحتمال أن يكون هذا قاله - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر، فلما رأى عناد أبي جهل وإصراره على معاداته - صلى الله عليه وسلم -؛ دعا لعمر خاصة، واستجاب الله دعاءه، وأعز الله به دينه، كما هو معروف في سيرته- رضي الله عنه-، وهو ما صرح به عبدالله بن مسعود- رضي الله عنه- بقوله:
    "ما زلنا أعزَّة منذ أسلم عمر".
    أخرجه البخاري (3684)، وا بن حبان (6841- الإحسان)، وا بن أبي شيبة
    في "المصنف " (12 /22- 23)، وا بن سعد (3/ 270)، وغيرهم.
    واستدركه الحاكم (3/84) على الشيخين؛ فوهم على البخاري!
    (تنبيه): أخرج ابن أبي عاصم حديث ابن عمر في كتابه "السنة" (رقم
    1264) من طريق أخرى عنه نحوه، وزاد في آخره:
    "قال ابن عمر: والله! ما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ لنا أبا جهل "!
    فهي زيادة باطلة لمخالفتها لتلك الشواهد المشار إليها آنفاً، مع ضعف الإسناد.

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    بارك الله فيكم شيخنا الحبيب.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,977

    افتراضي

    وفيكم بارك الله حبيبنا الغالي أبا يوسف .
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد طه شعبان

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس الخامس والثلاثون
    صلح الحديبية

    ولما تطورت الظروف في الجزيرة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين، أخذت طلائع الفتح الأعظم ونجاح الدعوة الإسلامية تبدو شيئًا فشيئًا، وبدأت التمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادتهم في المسجد الحرام.
    والحديبية تقع على بعد اثنين وعشرين كيلو مترًا من مكة، وَسُمِّي بصلح الحديبية؛ لأن قريشًا منعت المسلمين من دخول مكة وهم في الحديبية.
    وكان الصلح في ذي القعدة سنة ست.
    وخرج النبي ﷺ متوجهًا إلى بيت الله الحرام قاصدًا العمرة، وخرج معه ألف وأربعمائة من الصحابة متسلحين بالسلاح حَذَرًا من قريش، وساقوا معهم الهدي.
    فلما أتى النبي ﷺ ذا الحليفة، ميقات أهل المدينة، التي تبعد عن المدينة حوالي 11 كيلو مترًا، وتُسمى الآن بأبيار عليٍّ، قَلَّدَ الهدي وأشعره([1])، وأحرم منها بعمرة، وبعث بشر بن سفيان الكعبي، ليعلم له أخبار قريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان على بُعد حوالي 8 كيلو مترًا من مكة أتاه بشر بن سفيان، فقال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فاستشار النبي ﷺ الصحابة في ذلك الأمر، فقال أبو بكر ﭬ: يا رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، فقال رسول الله ﷺ: «امضوا على اسم الله».
    فسار النبي ﷺ حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال: «إن خالد بن الوليد بالغَمْيم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين»، فما شعر بهم خالد، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثَّنِيَّة التي يُهْبَطُ عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: خلأت القصواء خلأت القصواء [أي: بركت من غير علَّة]، فقال النبي ﷺ: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» [أي: حبسها الله عز وجل عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها]، ثم قال ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطَّةً يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»، ثم زجر النبي ﷺ الناقة، وابتعد عن قريش حتى نزل بأقصى الحديبية على بئر قليل الماء، فشرب منه الناس حتى ذهب ما فيه من ماء، وشكى الصحابة إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع ﷺ سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فما زال البئر يخرج منه الماء حتى تركوه، فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيْل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا ينصحون لرسول الله ﷺ، فقال بُديل للنبي ﷺ: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا الحديبية، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ: «إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشًا قد أرهقتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا عاهدناهم، وَيُخَلُّوا بيني وبين الناس، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا»، فقال بُديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق بُديل حتى أتى قريشًا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإنْ شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته، قال بُدَيل: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ، فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني دعوت أهل عُكاظ لنصرتكم فلما امتنعوا جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإنَّ هذا قد عَرَضَ لكم خُطَّةَ رشد، اقبلوها ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبُدَيْل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوهًا، وإني لأرى أوشابًا من الناس خَليقًا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر الصديق: أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يَدٌ كانت لك عندي لم أَجْزِكَ بها لأجبتك، وجعل عروة يكلم النبي ﷺ فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة – وهو ابن أخي عروة - قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أَخِّرْ يدك عن لحية رسول الله ﷺ فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا المغيرة بن شعبة: فقال: أي غُدَرُ ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة قبل إسلامه قد خرج مع ثلاثة عشر نفرًا من ثقيف من بني مالك فغدر بهم وقتلهم وأخذ أموالهم، فتهايج الفريقان بنو مالك وقوم المغيرة، فسعى عروة بن مسعود عم المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفسًا واصطلحوا.
    ثم إن عروة جعل يَرْمُقُ أصحاب النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئِهِ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له.
    فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت مَلِكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئِهِ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدَنَ فابعثوها له»، فَبُعِثَتْ له، واستقبله الناس يُلَبُّون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البُدَنَ قد قُلِّدَت وأُشْعِرت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام رجل منهم، يقال له: مِكْرز بن حفص، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته فلما أشرف عليهم، قال النبي ﷺ: «هذا مكرز، وهو رجل فاجر»، فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، فلما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي ﷺ: «لقد سَهُلَ لكم من أمركم»، فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ: «بسم الله الرحمن الرحيم»، قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ﷺ: «اكتب باسمك اللهم»، ثم قال ﷺ: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله»، فقال له النبي ﷺ: «على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به»، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخِذْنَا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جَنْدَل بن سهيل بن عمرو مقيَّدًا، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليَّ، فقال النبي ﷺ: «إنا لم نَقْضِ الكتاب بعد»، قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا، قال النبي ﷺ: «فأجزه لي»، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: «بلى فافعل»، قال: ما أنا بفاعل، فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّب عذابا شديدًا في الله، فقال عمر بن الخطاب ﭬ: فأتيت نبي الله ﷺ، فقلت: ألستَ نبي الله حقًّا؟ قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: «بلى»، قلت: فَلِمَ نعطي الدنية في ديينا إذًا؟ فقال رسول الله ﷺ: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري»، فقال عمر ﭬ: أو ليس كنت تحدثنا أنَّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال ﷺ: «بلى، وهل أخبرتك أنا نأتيه العام؟»، فقال عمر: لا، قال: «فإنك آتيه وَمُطَوَّفٌ به»، قال عمر: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فَلِمَ نُعطي الدنية في ديينا إذًا؟ قال أبو بكر: أيها الرجل إنه لرسول الله ﷺ وليس يعصي ربه وهو ناصره، فَاسْتَمْسِكْ بغرزه، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومُطَوَّفٌ به.
    كما اتفقوا على وضع الحرب عشر سنين.
    واتفقوا على أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن مع عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم.
    فلما فُرِغَ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، فما قام منهم رَجُلٌ، وأرادوا ألا يعودوا حتى يعتمروا، حتى قال ﷺ ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل ﷺ على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله ﷺ فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق لبعضٍ حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُن َّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ َ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10)﴾ [الممتحنة:10]، فَطَلَّقَ عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بَصيرٍ من قريش وهو مسلم، فأرسلت قريش في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه النبي ﷺ إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى مات، وَفَرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذُعرًا»، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قُتِلَ والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي ﷺ: «ويل أمه مُسْعِرَ حرب، لو كان له أحد»، فلما سمع أبو بصير ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى ساحل البحر، وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فما يسمعون بِعِيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده بالله والرحم أن من أتاه مسلمًا فلا يرده إليهم، وهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بصير ورفقائه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [الفتح: 24 - 26]؛ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) وحالوا بينهم وبين البيت.


    ([1])الهدي: ما يُهدى من النَّعم إلى الحرم تقربًا إلى الله عز وجل، ويكون الهدي من بهيمة الأنعام؛ وهي الإبل والبقر والغنم، وتقليد الهدي: هو أن يعلق في عنقها نعلين، أو يضع عليها شيئًا من صوف ونحوه علامة لها أنها من الهدي، والتقليد عام للبقر والغنم والإبل، أما الإشعار: هو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل الدم، ثم يسلته، ويكون ذلك في الجانب الأيمن لسنمة البعير، والإشعار خاص بالإبل فقط دون البقر والغنم.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس السادس والثلاثون
    بيعة الرضوان

    كان النبي ﷺ وقبل أن تأتيه رسل قريش قد أرسل إلى قريش لبيان موقفه وأنه لم يأت إلا لزيارة البيت وأداء العمرة ولم يأت لحرب.
    فبعث النبي ﷺ خِرَاشَ بن أمية الخزاعي إلى مكة، فلما دخل مكة أرادت قريش قَتْلَ خِرَاش، فمنعه بعضهم، حتى أتى خِرَاشٌ رسولَ الله ﷺ فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أَحَدٌ يمنعني، وقد عَرَفَتْ قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني عثمان بن عفان، فدعى رسول الله ﷺ عثمان فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرًا لهذا البيت، مُعَظِّمًا لحرمته، فخرج عثمان حتى أتى مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص، فأجاره، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلَّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قُتِل.
    فدعا رسول الله ﷺ أصحابه للبيعة تحت الشجرة، فبايعوه جميعًا تحت الشجرة، غير جَدِّ بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره، وكان الجَدُّ بن قيس منافقًا.
    وضرب رسول الله ﷺ بيده اليمنى، وقال: «هذه يد عثمان».
    وقد بايع الصحابة رضوان الله عليهم النبيَّ ﷺ على الموت وعلى ألا يَفِرُّوا.
    وبايع سلمة بن الأكوع ﭬ النبيَّ ﷺ ثلاث مرات.
    فعن سلمة بن الأكوع ﭬ قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة لا ترويها، قال: فقعد رسول الله ﷺ على شفا البئر، فإما دعا وإما بصق فيها، قال: فجاشت فسقينا واستقينا.
    قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشجرة، قال: فبايعته أولَ الناس، ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط من الناس، قال: «بايع يا سلمة»، قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس، قال: «وأيضًا»، قال: ورآني رسول الله ﷺ عَزِلًا [ليس معه ما يتترس به] ، فأعطاني رسول الله حَجَفَةً [تُرسًا]، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال: «ألا تبايعني يا سلمة؟»، فقلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس، قال: «وأيضًا»، قال: فبايعته الثالثة، ثم قال لي: «يا سلمة أين حَجَفَتُكَ التي أعطيتك؟»، قال: قلت: يا رسول الله لقيني عمي عامر عَزِلًا، فأعطيته إياها، قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: «إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيبًا هو أحب إلي من نفسي».
    ثم إن المشركين راسلونا الصلح، حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا، قال: وكنت تبيعًا [خادمًا] لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسوله ﷺ، قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها، فاضطجعت في أصلها، قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ، فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى، وعلَّقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زُنَيْمٍ، قال: فاستللت سيفي، ثم شددت على أولئك الأربعة، وهم رقود فأخذت سلاحهم فجعلته ضِغْثًا [حزمة] في يدي، قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ، قال: وجاء عمي عامر برجل يقال له: مِكْرِز يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ، فقال: «دعوهم؛ يكن لهم بَدْءُ الفجور وثناه» [أي: يكن عليهم بداية الفجور والعودة إليه مرة ثانية]، فعفا عنهم رسول الله ﷺ.
    منزلة أهل بيعة الرضوان:
    الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].
    وعن جابر بن عبد الله ﭭ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض»، وكنا ألفا وأربع مائة.
    وعن أم مُبَشِّر ڤ أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها».
    وجاء عَبْدٌ لحاطب بن أبي بلتعة إلى رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: «كذبت لا يدخلها، فإنه قد شهد بدرًا والحديبية».
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس السابع والثلاثون
    مراسلة النبي ﷺ ملوك العالم يدعوهم إلى الإسلام

    وبعدما رجع النبي ﷺ من الحديبية، وقد عاهد قريشًا على وضع القتال بينهما لمدة عشر سنوات، مما أتاح له التفرغ التام للدعوة، بدأ رسول الله ﷺ في مراسلة ملوك العالم ودعوتهم إلى الإسلام، فكتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي هاجر إليه الصحابة ﭫ.
    ولما أرسل النبي ﷺ كتابه إلى هرقل عظيم الروم، ووصله كتاب رسول الله ﷺ أرسل هِرَقْلُ إلى أبي سفيان بن حرب - وكان لا يزال على الشرك - في ركب من قريش، وكانوا تُجَّارًا بالشام، فأتوه، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ودعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبًا، فقال: أَدْنُوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه.
    قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء مِنْ أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة، فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت: رجل يأتسي بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من ابائه من ملك فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سَخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يَغْدِرُ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تَغْدِر، وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه [معناه: لتكلفت الوصول إليه وارتكبت المشقة في ذلك]، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل، فقرأه فإذا فيه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ [هم الفلاحون والأتباع]، و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)﴾ [آل عمران: 64]».
    قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وَأُخْرِجْنَا، فقلت لأصحابي حين أُخْرِجْنَا: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ؛ إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام.
    وبعث النبي ﷺ بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يُمَزَّقوا كل ممزق.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس الثامن والثلاثون
    غزوة خيبر

    خيبر واحة زراعية تقع شمال المدينة المنورة، وتبعد عنها بحوالي 165كم، وامتازت خيبر بخصوبة أرضها ووفرة مياهها، فاشتهرت بكثرة نخيلها، هذا سوى ما تنتجه من الحبوب والفواكه، لذلك كانت تُوصف بأنها قرية الحجاز ريفًا ومنعة ورجالًا، وكان بها سوق يُعرف بسوق النَّطَاةِ تحميه قبيلة غَطَفَانَ التي تُعْتَبر خيبر ضمن أراضيها.
    ونظرًا لمكانتها الاقتصادية فقد سكنها العديد من التجار وأصحاب الحِرَف، وكان فيها نشاط واسع.
    وكان يسكنها قبل الفتح أخلاط من العرب واليهود، وزاد عدد اليهود فيها بعد إجلاء يهود المدينة؛ حيث ذهب كثير من يهود المدينة الذين أجلاهم النبي ﷺ إلى خيبر فأقاموا فيها؛ وهم بنو قينقاع وبنو النضير، فذهبوا إلى خيبر وأصبحوا يُشَكِّلُون خطرًا على المسلمين، وكان لبعضهم يدًا في تأليب قريش وجمعهم الأحزاب لمحاربة المسلمين، كما تقدم ذلك.
    فأراد النبي ﷺ بعدما عاهد قريشًا أن يعالج الموقف بعدما صارت خيبر مصدر خطر كبير على الإسلام والمسلمين.
    فخرج النبي ﷺ إلى خيبر بقريب من ألف وخمسمائة مقاتل معهم مائتا فرس، في المحرم من السنة السابعة.
    فسار النبي ﷺ إلى خيبر ليلًا، واستخلف النبي ﷺ على المدينة سِبَاعَ بن عُرْفُطَةَ، وكان الله تعالى قد وعد المؤمنين مغانم خيبر، في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) ﴾ [الفتح: 18 - 20].
    فأراد المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في الحديبية أن يخرجوا معه إلى خيبر، لَمَّا علموا ما بها من مغانم وأموال كثيرة، فمنعهم النبي ﷺ من الخروج، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ ﴾ عن الحديبية ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ﴾؛ أي: إلى خيبر، ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ﴾؛ أي: يريدون أن يبدلوا كلام الله لما ووعده بأن المغانم ستكون لمن شهد الحديبية وبايع تحت الشجرة، كما تقدم في الآيات، ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ﴾؛ أي: قال بأن المغانم ستكون لأهل الحديبية، ﴿ فسيقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ﴾؛ أي: أن نشرككم في المغانم، ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الفتح:15]؛ أي: ليس الأمر كما زعموا، ولكن لا فَهْمَ لهم.
    ومضى جيش المسلمين حتى نزل بالرجيع؛ وهو وادٍ بين خيبر وغطفان، فتخوف النبي ﷺ أن تُمِدَّهُمْ غَطَفَانُ، فبات حتى أصبح، ثم توجه إلى خيبر، فصلى النبي ﷺ الصبح قريبًا من خيبر، ثم مضى فأتاهم حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفئوسهم، فلما رأوا جيش المسلمين قالوا: محمد والخميس [الخميس: الجيش]، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، خربت خيبر؛ إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» قالها ثلاث مرات.
    فلما رأى أهل خيبر جيش المسلمين هربوا إلى حصونهم، فتحصنوا بها.
    وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُم ْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ﴾ [الحشر: 14].
    وكانت بخيبر حصون كثيرة، أكبرها ثمانية:
    1 - حصن ناعم.
    2 - حصن الصعب بن معاذ.
    3 - حصن قلعة الزبير.
    4 - حصن أُبَيٍّ.
    5 - حصن نِزَار.
    6 - حصن القَمُوص (وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير).
    7 - حصن الوَطِيح.
    8 - حصن السُّلَالِم.
    فحاصرهم النبي ﷺ.
    وجعل عامر عم سلمة بن الأكوع ﭭ يرتجز ويقول:
    تَاللهِ لَوْلَا اللهِ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
    وَنَحْنُ عَنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا ... فَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
    وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
    فقال رسول الله ﷺ: «من هذا؟»، قال: أنا عامر، قال: «غفر لك ربك»، وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إلا استُشهد، فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله لولا ما متعتنا بعامر.
    فخرج مَلِكُهُم مَرْحَبٌ يخطر بسيفه، ويقول:
    قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
    إذا الحروب أقبلت تلهب
    فخرج له عامر، فقال:
    قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
    فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في تُرس عامر، وذهب عامر يضربه من أسفل، فرجع سيفه على نفسه فقتل نفسه.
    قال سلمة بن الأكوع: فخرجتُ فإذا نفر من أصحاب النبي ﷺ يقولون: بَطَلَ عملُ عامر؛ قتل نفسه، قال: فأتيت النبي ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر؟ قال رسول الله ﷺ: «من قال ذلك؟»، قال سلمة: ناس من أصحابك، فقال ﷺ: «كذب مَنْ قال ذلك؛ بل له أجره مرتين».
    قال سلمة: ثم أرسلني النبي ﷺ إلى عليٍّ وبه وجع في عينيه، فقال: «لأُعطين الراية رجلًا يُحِبُّ الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، لا يرجع حتى يُفتح له»، قال: فأتيت عليًّا فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله ﷺ، فبسق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية، وخرج مرحب مرة ثانية، فقال:
    قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
    إذا الحروب أقبلت تلهب
    فقال عليٌّ:
    أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
    أوفيهم بالصاع كيل السندره
    قال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه.
    فتم فتح حصن ناعم؛ وهو أول حصن من حصون خيبر يفتحه المسلمون.
    وقُتِلَ عنده محمود بن مسلمة ﭬ؛ ألقت عليه منه امرأةٌ رحى [حجر الطاحونة] فقتلته.
    وكانت غطفان قد سمعت بمنزل رسول الله ﷺ بخيبر، فجمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا مرحلة سمعوا خلفهم في أموالهم حِسًّا، فظنوا أن المسلمين قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهلهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر.
    وفتح النبي ﷺ حصن القَموص، حصن بني أبي الحُقيق، وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا، منهن صفية بنت حُيَيِّ بن أخطب، وكانت عند كِنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق، وبنتي عم لها، فاصطفى رسول الله ﷺ صفية لنفسه.
    ثم فتح رسول الله ﷺ حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعامًا منه.
    ولما افتتح رسول الله ﷺ من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسُّلَالم، وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحًا.
    فلما افتتح النبي ﷺ خيبر تصالح مع أهلها؛ حيث أراد النبي ﷺ إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله ﷺ أن يُقِرَّهم بها على أن يَكْفُوا المسلمين عملها، ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله ﷺ: «نُقركم بها على ذلك ما شئنا».
    فكان الصلح مع يهود خيبر مشروطًا بإخراجهم إذا شاء المسلمون ذلك.
    ولذلك أخرجهم عمر ﭬ في إمارته، وقال: أيها الناس إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أنا نُخْرَجهم إذا شئنا، وإني مُخْرِج يهود، فَأَخْرَجَهُم.
    وكان سبب إخراجهم أنهم اعتدوا على عبد الله بن عمر ﭭ عندما ذهب إلى ماله هناك ليلًا، فقام عمر ﭬ خطيبًا، فقال: إن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على أموالهم، وقال: نُقِركم ما أقركم الله؛ وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فَتُعُدِّيَ عليه من الليل فَفُدِعَتْ يداه ورجلاه([1])، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم؛ فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني أبي الحُقيق، فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا وقد أقرنا محمد ﷺ وعَامَلَنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله ﷺ لك: «كيف بك إذا أُخْرِجْتَ من خيبر تعدو بك قَلُوصُكَ([2]) ليلة بعد ليلة»، فقال: كانت هذه هُزَيْلَة [ضد الجِدِّ] من أبي القاسم، فقال: كذبت يا عدو الله، فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعُرُوضًا وغير ذلك.
    وقد قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر بعدما افتتحها مهاجرو الحبشة، ومعهم أبو موسى الأشعري ومن جاء معه من قومه، وقدم أيضًا أبو هريرة وقومه، فكلَّم النبي ﷺ المسلمين فأشركوهم في الغنائم.


    ([1])الفدع: هو زوال المفصل. وأخرج البخاري حديثًا مُعَلَّقًا: أنهم ألقوه من فوق بيت ففدعوا يديه.

    ([2])القَلوص -بفتح القاف-: الناقة الصابرة على السير، وقيل: الشابة، وفي ذلك إشارة من النبي ﷺ إلى إخراجهم من خيبر، وكان ذلك من إخباره بالغيبيات قبل وقوعها.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس التاسع والثلاثون
    يهودية تسُمُّ النبي ﷺ

    قامت زينب بنت الحارث زوج سلام بن مشكم اليهودية بإهداء شاة مشوية مسمومة إلى النبي ﷺ، وقد سألت: أي عضو أحب إلى رسول الله ﷺ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السُّمِّ، ثم سَمَّتْ سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ، تناول الذراع، فلاك منها مضغة، فلم يُسِغْها [لم يبلعها]، ومعه بِشْر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله ﷺ فلفظها، ثم قال ﷺ لأصحابه: «ارفعو أيديَكم؛ إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم»، فقال رسول الله ﷺ: «اجمعوا لي من كان ها هنا من اليهود»، فجمعوا له، فقال لهم رسول الله ﷺ: «إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيَّ عنه؟»، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «مَنْ أبوكم؟»، قالوا: أبونا فلان، فقال رسول الله ﷺ: «كذبتم، بل أبوكم فلان»، فقالوا: صَدَقْتَ وبَرِرْتَ، فقال: «هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟»، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، قال لهم رسول الله ﷺ: «مَنْ أهل النار؟»، فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تَخْلُفُوننا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ: «اخسئوا فيها، والله لا نَخْلُفُكُم فيها أبدًا»، ثم قال لهم: «فهل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟»، قالوا: نعم، فقال: «هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟»، فقالوا: نعم، فقال: «ما حملكم على ذلك؟»، فقالوا: أردنا إن كنت كذابًّا نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لَمْ يضرك.
    فسأل النبي ﷺ المرأة عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، فقال ﷺ: «ما كان الله لِيُسَلِّطُكِ عليَّ».
    فرفض النبي ﷺ قتلها في أول الأمر، ثم إن بشر بن البراء بن معرور مات عن جراء ما أكل من السُّمِّ، فأمر بها رسول الله ﷺ فَقُتِلَتْ به.
    وكان هذا السُّمُّ من أسباب مرض النبي ﷺ مرض الوفاة، وكان رسول الله ﷺ يقول لعائشة في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة، ما أزال أجد أَلَمَ الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أَبْهَرِي من ذلك السم».
    والْأَبْهَرُ عرق متصل بالقلب؛ فإذا انقطع مات الإنسان.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس الأربعون
    غزوة ذات الرقاع

    عن أبي موسى الأشعري ﭬ قال: خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فَنَقِبَتْ أقدامنا، ونَقِبَتْ قدماي، وسقطت أظفاري، وكنا نَلُفُّ على أرجلنا الخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ غزوة ذات الرقاع؛ لِمَا كنا نَعْصِبُ من الخِرَقِ على أرجلنا.
    وكانت هذه الغزوة في السنة السابعة بعد خيبر، حيث خرج النبي ﷺ لمحاربة مُحَارِب وثعلبة من غَطَفَانَ، وقد صلى النبي ﷺ في هذه الغزوة صلاة الخوف.
    حيث صلى النبي ﷺ فصفت طائفة معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم ثم سلَّم بهم.
    فلقي النبيُّ ﷺ بذات الرقاع جمعًا عظيمًا من غطفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضًا، فصلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس.
    فلما رجع رسول الله ﷺ من الغزوة أدركتهم القائلة في واد كثير الشجر، فنزل رسول الله ﷺ، وتفرَّق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعَلَّق بها سيفه، فجاء رجل منهم يقال له: غَوْرَث بن الحارث، حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال ﷺ: «الله عز وجل»، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ، فقال: «من يمنعك مني؟»، قال الرجل: كن كخير آخذ، فقال ﷺ: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله»، قال الرجل: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلَّى رسول الله ﷺ سبيلَه، فأتى الرجل قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس.
    وفي هذه الغزوة نزلت آيةُ التيمم.
    عن عائشة ڤ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش [موضعان متقاربان على بُعد 20 كم من المدينة] انقطع عِقْد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت رسولَ الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حَبَسْتِ رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال: ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فقال أُسَيْد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العِقْد تحته.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  10. #50
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس الحادي والأربعون
    عمرة القضاء

    وفي ذي القعدة من السنة السابعة توجه النبي ﷺ إلى مكة معتمرًا كما اتفق مع مشركي مكة يوم الحديبية أن يرجع إلى المدينة عامه هذا على أن يُخَلُّوا بينه وبين البيت عام قابل.
    فخرج النبي ﷺ، حيث اتفقوا أن لا يدخل مكة بالسلاح إلا بالسيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يَتْبَعَهُ، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها، وأن لا يُقيم بها أكثر من ثلاثة أيام.
    فسار النبي ﷺ حتى دخل مكة وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه، وهو يقول:
    خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله
    ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
    فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له رسول الله ﷺ: «خَلِّ عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النَّبْلِ».
    وطاف المسلمون بالكعبة، وصعد المشركون على جبل قُعَيْقِعَان المواجه لِمَا بين الركنين من الكعبة، حيث أشاعوا أن المسلمين ضعفاء ولن يستطيعوا الطواف بالبيت وتأدية المناسك.
    وكان المشركون قد قالوا: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي ﷺ أن يَرْمُلوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرمُلوا الأشواط كلها إلا الإبقاءُ عليهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا.
    وكذلك أمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا بين الصفا والمروة لِيُرِيَ المشركين قوته.
    وكان الصحابة ﭫ يسترون رسول الله ﷺ من غلمان المشركين خشية أن يؤذوه.
    فلما مضى الأجل أتى المشركون عليًّا، فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل فخرج النبي ﷺ.
    وتبعته ابنة حمزة ﭬ تنادي: يا عم يا عم، فتناولها عليٌّ ﭬ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة ڤ: دونك ابنة عمك، فحملتها، فاختصم فيها عليٌّ وزيد وجعفر، قال عليٌّ: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا».
    فكانت تلك العمرة هي وَعْدُ الله عز وجل الذي وَعَدَ رسولَه ﷺ في قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27].
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  11. #51
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,037

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا حبيبنا الشيخ محمد حفظكم الله .
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  12. #52
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رضا الحملاوي مشاهدة المشاركة
    جزاكم الله خيرا حبيبنا الشيخ محمد حفظكم الله .
    بارك الله فيكم يا دكتور رضا
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  13. #53
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس الحادي والأربعون
    غزوة مؤتة

    أقام النبي ﷺ بالمدينة بعد عمرة القضاء بقية شهر ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، والثاني، وبعث في جمادى الأولى من السنة الثامنة جيشًا إلى الشام، قِوَامه ثلاثة آلاف مقاتل.
    وكانت هذه القبائل من بلاد الشام موالية للإمبراطورية الرومية البيزنطية وخاضعة تحت سيطرتها، وكان هذا هو أول احتكاك للمسلمين بهذه الإمبراطورية العظيمة أو لقبائل موالية لها.
    وَعَيَّنَ النبيُّ ﷺ زيدَ بن حارثة ﭬ قائدًا للجيش، وقال: إن قُتِلَ زيد فجعفر بن أبي طالب، وإن قُتِلَ جعفر فعبد الله بن رواحة.
    ومضى الجيش حتى نزل مَعان من أرض الشام، فبلغ الناس أنَّ هِرَقْلَ قد نزل مآب، من أرض البَلْقَاءَ، في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لَخْمٍ وَجُزَامَ والقَيْن وبَهْرَاءَ وَبَلِيٍّ مائةُ ألف أخرى، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على مَعَان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمض له، فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون لَلَّتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانْطَلِقُوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة، فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس، حتى إذا كانوا قريبًا من البَلْقَاءَ لقيتهم جموع هِرَقْلَ، من الروم والعرب، بقرية من قرى البَلْقَاءَ يقال لها: مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فَتَعَبَّأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلًا من بني عُذْرة، يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار يقال له: عَبَاية بن مالك، ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيدُ بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى استشهد في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه([1]) القتالُ اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم أخذ يقاتل وهو يقول:
    يا حَبَّذا الجنةُ واقْترابُها ... طيِّبةً وباردًا شرابُها
    والرومُ رومٌ قد دنا عذابُها .. كافرةٌ بعيدةٌ أنسابُها
    عليَّ إذ لاقيتُها ضِرابُها
    ثم قاتل ﭬ حتى قُتل، ويقال إنه أخذ الراية بيمينه، فقُطِعت يمينه، فأخذها بشماله فقُطِعت، فاحتضنها بعضديه حتى قُتِل ﭬ, فأثابه الله جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.
    ثم أخذ الراية عبدُ الله بن رواحة ﭬ, وتقدَّم بها وهو على فرسه، فجعل يتردَّد بعض الشيء ثم قال:
    أقْسَمتُ يا نفسُ لتنزلنَّهْ ... لتَنْزلنْ أوْ لَتُكرهَنَّهْ
    إنْ أجْلَبَ الناسُ وشدُّوا الرنَّهْ ... ماليْ أَراكِ تكرهين الجنه
    قد طالما قد كنتِ مُطْمئنه ... هل أنتِ إلا نطفة في شَنَّه([2])
    وقال أيضًا:
    يا نفسُ إلا تُقْتلي تموتي ... هذا حِمامُ الموتِ قد صليتِ
    وما تمنَّيت فقد أُعْطيتِ ... إن تفعلي فعلهما هُديتِ
    يريد صاحبيه: زيدًا وجعفرًا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعَرْق([3]) من لحم فقال: شُدَّ بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذا ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهش منه نهشة، ثم سمع صوت الحرب في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ بسيفه فتقدم، فقاتل حتى قُتِل.
    فلما قُتل القوَّاد الثلاثة ﭬ أخذ الراية ثابت بن أرقم ﭬ, ثم قال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فأعطى ثابت الراية لخالد وقال: أنت أعلم بالقتال مني.
    فلما أخذ الراية دافع وانحاز بالمسلمين حتى انصرف، وكان انسحابًا منظمًا لم يُلحق بالمسلمين خسائر كثيرة، بل لم يستشهد من المسلمين في المعركة كلها سوى ثلاثة عشر صحابيًا فقط، واستحق خالد ﭬ لقب: سيف الله، الذي منحه إياه الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ.
    وكان النبي ﷺ قد أخبر مَنْ بالمدينة خبر المعركة، ومقتل قادة المسلمين الثلاثة، وأنَّ خالدًا ﭬ أَخَذَ الراية، ثم انسحابه، وكان يُخبرهم بذلك هو يبكي ﷺ وعيناه تَذْرِفَان بالدموع.
    عَنْ أَنَسٍ ﭬ قال نَعَى النبي ﷺ زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِمْ».
    وهذه من معجزاته ﷺ، حيث أخبر الناس خبر القوم قبل أن يأتيه الرسول بالخبر، وقد سمَّى النبي ﷺ انسحاب خالد ﭬ المنظم بالجيش فتحًا، وإنما ذلك لِمَا أوقعه المسلمون بالروم من خسائر رغم تفوق الروم العددي الكبير.
    عن ابْنِ عُمَرَ ﭭ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرٍ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ قَتِيلٌ، قال: فَعَدَدْتُ بِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ لَيْسَ مِنْهَا شَيْء في ظَهْرِهِ.
    وقول ابن عمر ﭭ: ليس منها شيء في دبره، فيه بيان شجاعة جعفر وإقدامه ﭬ.
    وعن خالد بن الوليد ﭬ قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعةُ أسياف.
    وكلام خالد ﭬ يقتضي أن المسلمين قَتَلوا من المشركين كثيرًا.
    وجهز النبي ﷺ هذه السرية لتأديب قُضَاعَة، التي غرَّها ما حدث للمسلمين في مؤتة فتجمعت للإغارة على المدينة، فعلم بهم النبي ﷺ فجهز جيشًا قِوَامُهُ ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار بقيادة عمرو بن العاص ﭬ.
    ومضى الجيش يسير الليل ويكمن النهار حتى إذا قَرُبَ من القوم بلغه أن لهم جمعًا كثيرًا، فبعث عمرو ﭬ رافع بن مَكِيث الجهني إلى النبي ﷺ يستمده، فبعث إليه النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في مائتين فيهم أبو بكر وعمر، وعقد له لواء.
    ونزل الجيش على ماء لقبيلة جذام يقال له: السَّلسَال؛ وبذلك سميت ذات السُّلَاسِل.
    فحمل المسلون عليهم فهربوا في البلاد، وتفرقوا، وبعث عمرو عوف بن مالك الأشجعي بريدًا إلى رسول الله ﷺ فأخبره برجوعهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم.


    ([1])أَلْحَمَ الرجل واسْتَلْحَمَ: إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا.

    ([2])أجلب الناس: صاحوا واجتمعوا، والرنة: صوت فيه ترجيع يشبه البكاء، والنطفة: الماء القليل الصافي، والشنة: القربة القديمة.

    ([3])العَرْق: العظم الذي عليه بعض اللحم.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  14. #54
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    المشاركات
    10,037

    افتراضي

    جزاك الله خيرا يا شيخ محمد وفقكم الله
    لا إله إلا الله

    اللهم اغفر لي وارحمني ووالديّ وأهلي والمؤمنين والمؤمنات وآتنا الفردوس الأعلى

  15. #55
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    360

    افتراضي

    الحمد لله , السيرة الأصلح للبشرية , والذي يمكن للبشرية ان تنال منه سعادة الدارين
    على صاحبها افضل الصلاة وازكى السلام
    جزاكم الله خيرا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد طه شعبان

  16. #56
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طويلب علم مبتدىء مشاهدة المشاركة
    الحمد لله , السيرة الأصلح للبشرية , والذي يمكن للبشرية ان تنال منه سعادة الدارين
    على صاحبها افضل الصلاة وازكى السلام
    جزاكم الله خيرا
    بارك الله فيك أخي الحبيب، وجزاك خيرًا.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  17. #57
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس الثاني والأربعون
    قبل فتح مكة

    كما تقدم في صلح الحديبية كان من بنود المعاهدة بين المسلمين والمشركين أنه من أراد أن يدخل في حِلْف المسلمين وعهدهم دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في حِلْف قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي من الفريقين تُعتبر جزءًا من هذا الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يُعتبر عدوانًا على ذلك الفريق، وأن خزاعة دخلت في حلف المسلمين، ودخلت بنو بكر في حلف المشركين.
    ثم كان من أمر القبيلتين أنه كان بينهما ثأر قديم قبل تلك المعاهدة، فغدرت بنو بكر بخزاعة ولم تحترم المعاهدة، فوثبوا على خزاعة ليلًا بماء يقال له: الوتير، وهو قريب من مكة، وقالت قريش: ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالسلاح وقاتل معهم من قاتل بالليل مستخفيًا، حتى دخلت خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل بن معاوية - وهو قائد الجيش- إنا قد دخلنا الحرم! إلهك إلهك فقال كلمة عظيمة: لا إله اليوم، ثم قال: يابني بكر أصيبوا ثأركم، فَلَعَمْرِي إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟! ولجأت خزاعة إلى دار بُدَيل بن ورقاء بمكة، وإلى دار مولى له يقال له: رافع.
    وركب عمرو بن سالم الخزاعي إلى النبي ﷺ يخبره الخبر، فوقف أمام النبي ﷺ وأنشد يقول:
    لاهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
    فانصر هداك الله نصرًا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
    فقال رسول الله ﷺ: «نصرت يا عمرو بن سالم» وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يُعَمِّيَ على قريش خبره، حتى يَبْغِتَهُم في بلادهم.
    ثم خرج بُدَيل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة.
    ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بِعُسْفَانَ قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ لِيَشُدَّ العقد، ويَزِيدَ في المدة، وقد خافوا مما صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بُديل بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ ظن أنه قد أتى رسول الله ﷺ، قال: تسيرت في خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادي، قال: أو ما جئت محمدًا؟ قال: لا، فلما راح بُديل إلى مكة، قال: أبو سفيان: لئن كان جاء بُديل المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك راحلته، فأخذ من بعرها فَفَتَّهُ، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدًا.
    ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يابنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ، قال: والله لقد اصابك يا بُنَيَّة بعدي شر، ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه، فَلَمْ يَرُدَّ عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر [صغار النمل] لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على عليِّ بن أبي طالب ﭬ وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعندها الحسن بن عليِّ غلام صغير، فقال: يا عليُّ إنك أَمَسُّ القوم بي رَحِمًا، وإني جئت في حاجة فلا ترجعني كما جئت خائبًا، فاشفع لي إلى رسول الله ﷺ فقال: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما تستطيع أن تكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمد هل لك أن تأمري بُنَيَّكِ هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بُنَيَّ ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ, قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت عليَّ فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئًا يُغني عنك شيئًا, ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظنه ولكني لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق، فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته، فوالله لم يَرُدَّ عليَّ شيئًا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد منه خيرًا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو، ثم جئت عليًّا فوجدته ألين القوم، وقد أشار عليَّ بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني ذلك شيئًا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك! والله إنْ زاد الرجل على أن لعب بك، فما يغني عنك ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.
    فلما عزم النبي ﷺ على المسير إلى قريش لمحاربتهم أرسل حاطب بن أبي بلتعه ﭬ كتابًا إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم.
    فأَخبر اللهُ تعالى رسولَه ﷺ بخبر المرأة التي معها الكتاب، فأرسل النبي ﷺ إليها عليَّ بن أبي طالب والزبير بن العوام والمقداد بن عمرو ﭫ، فقال:«انطلقواحتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها»، قال عليٌّ: فانطلقنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقلنا: لَتُخْرِجَنَّ الكتاب أو لَنُلْقِيَنَّ الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها [ضفائرها]، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «يا حاطب ما هذا؟»، قال حاطب: يا رسول الله لا تعجل عليَّ؛ إني كنت امرأ حليفًا لقريش، ولم أكن من أنفسها، وكان مَنْ معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببتُ إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، وقد علمتُ أنَّ الله مُظْهِرَ رسوله ومتم له أمره فقال رسول الله ﷺ: «أما إنه قد صدقكم»، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضربْ عنق هذا المنافق، فقال ﷺ: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على مَنْ شهد بدرًا، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
    فعذره رسولُ الله ﷺ وعفا عنه.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  18. #58
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس الثالث والأربعون
    فتح مكة

    خرج النبي ﷺ من المدينة في رمضان من العام الثامن من الهجرة، ومعه عشرة آلاف مقاتل، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة.
    وقد تكتم النبي ﷺ الخبر وحرص على السرية التامة، حتى لا يصلُ الخبرُ لقريش فيستعدوا له.
    عن عائشة ڤ أن أبا بكر دخل عليها وهي تغربل حنطة، فقال: ما هذا؟ أمركم رسول الله ﷺ بالجهاز؟ قالت: نعم، فَتَجَهَّزْ، قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمى لنا شيئًا، غير أنه قد أمرنا بالجهاز.
    واستخلف النبي ﷺ على المدينة أبا رُهْمٍ كُلْثُومَ بنَ حُصَين بنِ عتبة بن خَلَفٍ الغِفَاري.
    وجاء العباس بن عبد المطلب بعياله من مكه مهاجرًا إلى المدينة، فالتقى بالنبي ﷺ بالجحفة؛ وقد كان قبل ذلك مقيمًا بمكة على سِقَاية الحجيج، ورسول الله ﷺ عنه راض؛ فقد كان مسلمًا قبل فتح مكة على الصحيح.
    وعلمت قريش بخروج رسول الله ﷺ، فخرج أبو سفيانَ بنُ حرب، وحكيم بنُ حِزام، وبُدَيل بنُ ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مَرَّ الظهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة، فقال بُديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله ﷺ فأسلموا.
    فقال العباس ﭬ: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا، فقال ﷺ: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن»، قال: فتفرق الناس إلى دُورهم وإلى المسجد.
    فقال النبي ﷺ للعباس ﭬ: «احبس أبا سفيان عند خَطْمِ الجبل [أي:طَرَفَهُ] حتى ينظر إلى المسلمين»، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي ﷺ، تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة، قال: يا عباس من هذه؟ قال: هذه غِفار، قال: ما لي ولغفار، ثم مرت جهينة، قال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك، ومرت سُليم، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم يُرَ مثلُها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس حبَّذا يوم الذِّمَار [الهلاك]، ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية النبي ﷺ مع الزبير بن العوام، فلما مَرَّ رسول الله ﷺ بأبي سفيان، قال أبو سفيان: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال رسول الله ﷺ: «ما قال؟»، قال: كذا وكذا، فقال: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يُعَظِّمُ الله فيه الكعبة، ويوم تُكسى فيه الكعبة».
    ثم جهز النبي ﷺ جيشه استعدادًا لدخول مكة، فَقَسَّمَ الجيش، وجعل خالدَ بنَ الوليد على المجنبة اليمنى، والزبير بن العوام على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة بن الجراح على الرِّجَالَة الذين هم في آخر الجيش.
    ثم أمر النبي ﷺ أبا هريرة أن يجمع له الأنصار، فجاءوا يهرولون، فقال النبي ﷺ: «يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش؟» [أي: جموعهم]، قالوا: نعم، قال: «انظروا إذا لقيتموهم غدًا أن تحصدوهم حصدًا».
    ثم أمر النبي ﷺ خالد بن الوليد أن يأخذ بطن الوادي أسفل مكة، وقام بتوزيع الزبير بن العوام وأبا عبيدة ﭭ.
    وسار النبي ﷺ ناحية جبل كداء بأعلى مكة، وواعدهم أن يوافوه عند جبل الصفا، وقال: «موعدكم الصفا».
    يقول أبو هريرة ﭬ: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحدًا إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئًا.
    ودخل النبي ﷺ مكة فاتحًا منتصرًا دون أدنى مقاومة تُذكر، وكان على رأسه المغفر، [واقي الرأس، الذي يلبسه الفرسان في الحروب] وكانت راية النبي ﷺ حين دخوله سوداء، ولواؤه أبيض، ودخل النبي ﷺ من أعلى مكة على ناقته، وهو يقرأ سورة الفتح يُرَجِّعُ، وكان مُرْدِفًا أسامةَ بنَ زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة [الذين معهم مِفتاح الكعبة]، حتى أناخ النبي ﷺ في المسجد، فأمر عثمانَ بنَ طلحة أن يأتي بمفتاح البيت، فدخل رسول الله ﷺ ومعه أسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فمكث فيها نهارًا طويلًا، ثم خرج، فاستبق الناس، وكان عبد الله بن عمر ﭭ أولَ من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا، فسأله: أين صلى رسول الله ﷺ؟ قال: جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثةَ أعمدة وراءه - وكان البيتُ يومئذ على ستةِ أعمدةٍ - ثم صلى.
    وقام النبي ﷺ بالدعاء في نواحي الكعبةِ كلِّها.
    ولم يدخل النبي ﷺ البيتَ، ولم يُصَلِّ فيه إلا بعد أن طهره من كل مظاهر الشرك، من أوثان وصور وغير ذلك.
    فأمر النبي ﷺ بتحطيم الأصنام، وتطهير البيت الحرام منها، وشارك هو بنفسه في ذلك.
    وكان حول البيت ستون وثلاثُ مئةِ صنم، فجعل النبي ﷺ يطعنها بعود في يده، ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا، جاء الحق وما يُبدئ الباطل وما يُعيد».
    وأمر النبي ﷺ بالأصنام فَكُبَّتْ على وجوهها.
    ولما أراد النبي ﷺ دخول الكعبة رأى فيها صور إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ومريم وقد جعلوا في يد إبراهيم الأزلام يستقسم بها([1])، فقال رسول الله ﷺ: «قاتلهم الله، ما كان إبراهيمُ يستقسم بالأزلام» ثم دعا رسول الله ﷺ بزعفران فلطخه بتلك التماثيل؛ وبَلَّ عمرُ بن الخطاب ﭬ ثوبًا ومحاها به، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى مُحِيَتْ كُلُّ صورة فيها.
    ووقف النبي ﷺ على دَرَجِ الكعبة فخطب الناس وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفيها بين كتفيه؛ فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، فقال: «الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده, وهزم الأحزاب وحده، ألا إنَّ كل مَأْثُرَةٍ في الجاهلية تُذكر وتُدعى من دم أو مال تحت قدميَّ، ألا إن دية الخطإ شبه العمْد، ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها».
    وعن أبي هريرة ﭬ أن خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث، عام فتح مكة، بقتيل منهم قتلوه، فأُخبر بذلك رسولُ الله ﷺ فرَكِب راحلته فخطب، فقال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلَّط عليهم رسولَه والمؤمنين، ألا وإنها لم تَحِلَّ لأحد قبلي، ولم تَحِلَّ لأحد بعدي، ألا وإنها حَلَّت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام، لا يُخبط شوكُها، ولا يُعْضَدُ شجرُهَا [لا يُقطع]، ولا تُلْتَقَط ساقطتها إلا لِمُنْشد، ومن قُتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين»؛ [أي: إما أن يَقبل الدية، وإما أن يُقاد من القاتل]، فجاء رجل من أهل اليمن يقال له: أبو شاة، فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال ﷺ: «اكتبوا لأبي شاة».
    وعن أبي شُرَيْحٍ العدوي أن النبي ﷺ خطب يوم الغد من فتح مكة، فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناسُ، فلا يَحِلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الأخر أن يسفك بها دمًا، ولا يُعْضَدُ بها شجرة، فإنْ أحد ترخص لقتال رسول الله فيها: فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعةً من نهار، ثم عادت حرمتُها اليوم كحرمتها بالأمس، ولْيُبَلِغِ الشاهدُ الغائبَ».
    وقال النبي ﷺ: «لا تُغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة».
    ثم مضى النبي ﷺ حتى أتى الصفا حيث واعد قادةَ جَيشِهِ هناك، فلما أتى الصفا علا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه فجعل يَحْمَدُ الله، ويدعو بما شاء أن يدعوا، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أُبِيدَتْ خضراءُ قريش [أي: جماعتهم]، لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن»، فأقبل الناسُ إلى دار أبي سفيان وأغلق الناسُ أبوابهم.
    فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفةٌ بعشيرته، ورغبةٌ في قريته.
    وجاء الوحيُ رسولَ الله ﷺ فلما انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار»، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: «قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته»، قالوا: قد كان ذلك، قال: «كلا إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم»، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا إلا ضَنًّا بالله ورسوله [أي: حرصًا عل وجودك عندنا ومصاحبتك؛ فالضَّنُّ بالشيء: الحرص عليه]، فقال ﷺ: «إن الله ورسوله يُصَدِّقَانِكُم ْ، ويَعْذِرَانِكُم ْ».
    ورغم أن النبي ﷺ أَمَّنَ أهل مكة جَمِيعَهُمْ إلا أنه ﷺ استثنى ستة نفر، أهدر دماءهم.
    عن سعد بن أبي وقاص ﭬ قال: لما كان يومُ فتحِ مكة أَمَّنَ رسولُ الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بنُ خَطَل، ومِقْيَسُ بنُ صُبَابَة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح؛ فأما عبد الله بن خَطَل فأُدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارًا فقتله، وأما مِقْيَسُ بن صُبابة، فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصفة، فقال أصحاب السفينة: أَخْلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئًا هاهنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاصُ، لا ينجني في البَرِّ غيرُه، اللهم إن لك عليَّ عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عَفُوًّا كريمًا، فجاء إلى النبي ﷺ فأسلم، وأما عبد الله بن أبي السرح، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء عثمانُ به حتى أوقفه على النبي ﷺ قال: يا رسول الله بَايعْ عَبد الله، فرفع رسول الله ﷺ رأسه، فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل ﷺ على أصحابه، فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد، يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟!»، فقالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك؟ هلَّا أومأت إلينا بعينك؟ قال: «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنةُ الأعين».
    ثم بايع النبي ﷺ أهلَ مكة على الإسلام والجهاد في سبيل الله.


    ([1])الأزلام: مفردها زَلْم، بفتح الزاي أو ضمها، وهي الرماح، فكان أهل الجاهلية إذا كان الواحد منهم مقبلًا على أمر مهم جاء برماح ثلاثة مكتوب على أحدها: (افعل)، والآخر (لاتفعل)، والثالث ليس عليه شيء، أو مكتوب على أحدها: (أمرني ربي)، والآخر (نهاني ربى)، والثالث ليس عليه شيء، ثم وضعها في شيء، ثم يمد يده فيخرج أحدها، فإذا خرج سهم الأمر، فعله، وإذا خرج سهم النهي، تركه، وإن طلع الفارغ، أعاد، والاستقسام: مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  19. #59
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس الرابع والأربعون
    غزوة حنين

    وفي شوال من العام الثامن من الهجرة كانت غزوة حنين.
    هوازن قبيلة عربية شهيرة من عرب الشمال، فهي مُضرية عدنانية، تفرعت منها فروع كثيرة منها: ثقيف، وقد استقرت ثقيف في مدينة الطائف الحصينة وما حولها.
    وفي ديار ثقيف كانت تقام أسواق العرب في الجاهلية، منها سوق عُكاظ الشهير بين نخلة والطائف، حيث تتم البيوع والمقايضات التجارية، وتُعقد الندوات الأدبية والشعرية، ومنها: سوق ذي المَجاز قُرْبَ عرفات على بُعد 5كم منها من جهة الطائف، وسوق مِجَنَّة بِمَرِّ الظهران التي تبعد عن الطائف، وتقرب من مكة.
    ولا شك أن الثقفيين كانوا يستفيدون فوائد عظيمة من أسواق العرب هذه سواء في تجارتهم وتصريف نتاجهم الزراعي حيث يمتلكون بساتين الأعناب والرمان والخضروات، أوفي رُقِيِّهِم الأدبي وَتَفَتُّحِ مَدَارِكِهِمْ حيث التلاقح الثقافي في هذه اللقاءات الموسمية المنظمة وحيث يقومون بالوساطة في التجارة الخارجية بين الشام واليمن من ناحية وسكان البوادي من ناحية أخرى.
    وقد تشابكت مصالح ثقيف وهوازن مع مصالح قريش تشابكًا وثيقًا بحكم الجوار، فمكة والطائف قريبتان من بعضهما بينهما 90 كم فقط، وكان القرشيون يصطافون بالطائف، ويمتلكون فيها البساتين والدور حتى سُمَّيت الطائف (بستان قريش)، وقد وطَّد هذه العلاقات ما كان بين قريش وهوازن من صِلَاتٍ نَسَبِيَّة قديمة تُوَثِّقُهَا المصاهرات المتجددة فكلاهما من مُضر الذي هو الجد السادس لهوازن والسابع أو الخامس لقريش.
    وإن نظرة إلى كتب معرفة الصحابة يمكن أن توضح تشابك العلاقات بين قريش وهوازن نتيجة المصاهرات الكثيرة بين القبلتين، ولتوثيق هذه الصلات نجد أن عروة بن مسعود الثقفي كان رسولًا لقريش إلى المسلمين في الحديبية.
    فلا غرابة وقد تشابكت علاقة قريش وهوازن بهذا الوثوق أن تقف هوازن مع قريش في صراعها ضد المسلمين منذ المرحلة المكية، وأن يئول إليها حمل الراية ضد الإِسلام بعد فتح مكة؛ لتملأ الفراغ، إثر سقوط قريشٍ مُعَسْكرِ الشرك في الجزيرة العربية.
    فمنذ أن لجأ رسول الله ﷺ إلى ثقيف في الطائف يدعوهم بدعوة الإسلام، ثم يطلب منهم بعد رفضهم دعوته أن يكتموا ذلك، أبوا إلا أن يُظْهِروا العداء الصريح، وأمروا صبيانهم فرشقوه بالحجارة؛ فإن قريشًا وهوازن أمرهم واحد، فمن خرج على قريش ودينها ومصالحها فقد خرج على دين هوازن وهدد مصالحها.
    ويبدو أن عدم اشتراك ثقيف في الأحداث التي جرت حتى فَتْح مكة يرجع إلى اعتمادها على قريش وضعف تصورها لحقيقة القوة الإِسلامية.
    فلما سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فَتَح الله عليه من مكة، جمعها مَلِكُهَا مالك بن عوف النصري، واجتمع إليه مع هوازن ثقيفٌ كلها، واجتمعت مُضر وجُشَم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، وفي جُشَم دريد بن الصِّمة شيخ كبير ليس فيه شيء إلا رأيه ومعرفته بالحرب، وكان قد عمي، وكان شيخًا مُجَرِّبًا، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري، فلما أجمع مالك بن عوف المسيرَ إلى رسول الله ﷺ ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دُرَيْدُ بن الصِّمة، فلما نزل قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نِعْم مجال الخيل، لا حَزْنٌ ضرس، ولا سهل دَهْس، مالي أسمع رُغاءَ البعير، ونِهَاقَ الحمير، وبكاءَ الصبي، ويُعارَ الشاء؟! قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك، وَدُعِيَ له، قال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟! قال: سقت مع الناس أبناءهم، ونساءهم، وأموالهم، قال: ولِمَ؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال دريد: راعي ضأن والله! هل يَرُدُّ المنهزمَ شيءٌ؟! إنها إن كانت لك لم ينفعْك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك، فُضحت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلَتْ كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحدُّ والجدُّ [الحد: النشاط والسرعة والمضاء في الأمور]، لو كان يوم عَلَاءٍ ورفعة لم تَغِبْ عنه كعب ولا كلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، قال: فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من عامر [الجذع: الشاب]، لا ينفعان ولا يضران، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضةِ بيضةِ هوازن إلى نحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعُليا قومهم، ثم الق الصُّباة على متون الخيل، فإن كانت لك، لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لَتُطِيعَنَّنِي يا معشر هوازن أو لأتكئنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فقالوا: أطعناك، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يَفُتْنِي؛ ثم أنشد يقول:
    يا لَيتَني فيها جَذَعْ
    أَخُبُّ فيها وَأَضَعْ
    أَقودُ وَطفاءَ الزَمَعْ
    كَأَنَّها شاةٌ صَدَعْ([1])


    ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فأكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد.
    تجهيز جيش المسلمين:
    ولما سمع بهم رسول الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم، فأقام فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله ﷺ، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، فأقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر.
    فَلَمّا أَجْمَعَ رَسُولُ الله ﷺ السَّيْرَ إلَى هَوَازِنَ، وقام ﷺ بتجهيز جيشه المكون من اثنى عشر ألفًا، العشرة آلاف الذين فتحوا مكة، وألفان من الطلقاء، وهو أكبر جيش للمسلمين في حياة النبي ﷺ، واستعمل رسولُ الله ﷺ عَتَّاب بن أسيد على مكة.
    فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ الله ﷺ السّيْرَ ذُكِرَ لَهُ أَنَّ عِنْدَ صَفْوَانَ بن أُمَيَّةَ أَدْرَاعًا لَهُ وَسِلَاحًا- وكان صفوان لا يزال مُشْرِكًا، فَقَالَ رسول الله ﷺ: «يا صفوان هل عندك سِلَاح»؟ قَالَ: عارية أَم غَصْبًا؟ قَالَ: «لا بَلْ عَارِيَةٌ»، فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعًا.
    فخرج النبي ﷺ من مكة خامس شوال.
    ووصلوا إلى حنين في مساء العاشر من شوال.
    وجاء رجل، فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظُعُنِهِم ونَعَمِهِمْ وشائهم اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ، وقال: «تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله».
    ثم نام جيش المسلمين، وقال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَحْرُسُنَا الليْلَةَ؟»، قال أنس بن أبي مرثد الغنوي: أنا يا رسول الله, قال: «فاركب»، فركب فرسًا له، وجاء إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «استقبل هذا الشِّعب حتى تكون في أعلاه، ولا نُغَرَّنَّ من قِبَلِكَ الليلة»، فلما أصبحوا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه فركع ركعتين، ثم قال: «هل أحسستم فارسكم؟»، قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه، فَثُوِّب بالصلاة، فجعل رسول الله ﷺ يصلي وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم، قال: «أبشروا فقد جاءكم فارسكم»، فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ، وقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب، فلما أصبحت اطلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدًا، فقال له رسول الله ﷺ: «هل نزلت الليلة؟»، قال: لا، إلا مصليًّا أو قاضيًا حاجة، فقال له رسول الله ﷺ: «قد أَوْجَبْتَ، فلا عليك أن لا تعمل بعدها».
    بداية المعركة:
    خرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسولَ الله ﷺ إليها، فأعدوا وتهيأوا في مضايق الوادي وأجنابه، وأقبل رسول الله ﷺ وأصحابُه، وقد أعجبت بعضَ المسلمين كثرتُهم، فحمل المسلمون على المشركين في أول المعركة فهزموهم، وفر المشركون من الميدان، فانكب المسلمون على الغنائم يجمعونها، فاستقبلهم رماة المشركين بالسهام، فثارت في وجوه المسلمين الخيل، فشدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين، ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ، والعباس آخذ بلجام بغلته، يكفها عن الجري، فقال رسول الله ﷺ: «أي عباس ناد أصحاب السَّمُرَة»([2])، قال العباس - وكان رجلًا صَيِّتًا-: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار، يقول: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج.
    وكان الذين ثبتوا مع النبي ﷺ في أول الأمر لا يتعدون المئة، منهم رهط من أهله؛ منهم علي بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة، والفضل بن العباس- وقيل: الفضيل بن أبي سفيان-، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة بن زيد، وقُثَم بن العباس، ورهط من المهاجرين منهم: أبو بكر وعمر، والنبي ﷺ يدعوهم ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم نزل نصرك»، فاستجاب الله عز وجل لرسوله ﷺ، واجتمع المسلمون مرة أخرى، والنبي ﷺ يقول: «اللهم إنك إنك تشأ أن لا تعبد بعد اليوم»، ويقول: «أين أيها الناس؟ هَلُمَّ إليَّ، أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله».
    واستعاد المسلمون توازنهم، ونظموا صفوفهم، فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ: «هذا حين حمي الوطيس»، ثم أخذ رسولُ الله ﷺ حصياتٍ فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: «انْهَزَموا وربِّ محمد»، يقول العباس ﭬ: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مدبرًا، قال العباس: وكأني أنظر إلى النبي ﷺ يركض خلفهم على بغلته.
    وقد أنزل الله عز وجل جندًا من السماء لإعانة المسلمين على عدوهم؛ يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)﴾ [التوبة: 25 - 27].
    فانتصر المسلمون وانهزمت هوازن هزيمة نكراء.
    فلما انهزمت هوازن ذهبت فرقة منهم، فيهم الرئيس مالك بن عوف النصري فلجئوا إلى الطائف فتحصَّنوا بها، وتوجَّهت بَنُو غِيَرَةَ من ثقيفٍ نحو نخلة، وسارت فرقة فتحصنوا بمكان يقال له: أوطاس، فبعث إليهم رسول الله ﷺ سريةً من أصحابه عليهم أبو عامر الأشعري، فقاتلوهم وانتصر المسلمون.
    وكان قائد المشركين في أوطاس دُريد بن الصِّمة، فقتله المسلمون.


    ([1])الجذع: الشاب، والوطفاء: طويلة الشعر، والزمع: الشعر فوق مربط قيد الدابة؛ يريد فرسًا صفتها هكذا، وهو محمود في وصف الخيل.

    ([2])أصحاب السَّمُرَةِ: هم أصحاب البيعة تحت الشجرة, وكانت شجرة سمر.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  20. #60
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,001

    افتراضي

    الدرس الخامس والأربعون
    غزوة الطائف

    بعد أن شتت المسلمون هوازن وتعقبوها في نخلة وأوطاس، اتجهوا إلى مدينة الطائف التي تحصنت فيها ثقيف ومعهم مالك بن عوف النصري قائد هوزان.
    وكانت الطائف تمتاز بموقعها الجبلي وبأسوارها القوية وحصونها الدفاعية، وليس إليها منفذ سوى الأبواب التي أغلقتها ثقيف بعد أن أدخلت من الأقوات ما يكفي لسنة كاملة، وهيأت من وسائل الحرب ما يكفل لها الصمود طويلًا، وكان وصول المسلمين إلى الطائف في حدود العشرين من شوال دون أن يستجم الجيش طويلًا من غزوة حنين وسرايا نخلة وأوطاس التي بدأت في العاشر من شوال واستغرقت أكثر من أسبوع.
    وقد حاصر المسلمون الطائف بضع عشرة ليلة.
    وحاول النبي ﷺ اقتحام الحصن بالدبابات، والمنجنيق([1])، فلم يستطع المسلمون اقتحام الحصن، فأمر النبي ﷺ برميهم بالسهام، وشجع المسلمين على ذلك.
    فعَنْ أبي نَجِيحٍ السُّلَمِيِّ ﭬ قَالَ: حَاصَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِحِصنِ الطَّائِفِ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ في سَبِيلِ الله عَزَّ وجَلَّ فَلَهُ دَرَجَةٌ»([2]).
    وفي أثناء الحصار نزل نفر من رقيق الطائف، فأعتقهم رسول الله ﷺ وكان منهم أبو بكرة ﭬ.
    فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﭭ قَالَ: أَعْتَقَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ الطَّائِفِ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ([3]).
    وعنه أيضًا ﭬ قال: حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدَانِ، فَأَعْتَقَهُمَا ، أَحَدُهُمَا أَبُو بَكْرَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْتِقُ الْعَبِيدَ إِذَا خَرَجُوا إِلَيْهِ([4]).
    ثم أمر رسول الله ﷺ بفك الحصار.
    فَعَنْ عبد الله بن عُمَرَو ﭭ قَالَ: لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ الله ﷺ أهل الطَّائِف فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيئًا، فقَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ الله»، قال أصحابه: نرجِع ولم نفتحه، فَقَالَ لهم رسول الله ﷺ: «اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ»، فَغَدَوْا عليه، فَأصَابَهُم جِرَاحٌ، فَقَالَ لهم رسول الله ﷺ: «إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا»، قال: فَأَعْجَبَهُمْ ذلك، فَضَحِكَ رسول الله ﷺ([5]).
    وبعدما فك رسول الله ﷺ الحصار عن الطائف، وعاد قافلًا إلى مكة نزل بالجِعِرَّانة، فقدم عليه وفود هوازن قد أسلموا فردَّ عليهم أسراهم؛ وكان مع رسول الله ﷺ من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الإبل والشاء مالا يُدرى ما عددُه.
    فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﭭ أن وفد هوازن أتوا رسول الله ﷺ وهو بالجِعِرَّانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامْنُن علينا، مَنَّ الله عليك، قال: وقام رجل من هوازن، يقال له: زهير يكنى أبا صُرَد، فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كنَّ يكفُلْنك([6])، ولو أنا مَلَحْنا [أي: أرضعنا] للحارث بن أبي شِمْر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل بنا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين، فقال رسول الله ﷺ: «أَبْنَاؤكُمْ وَنِسَاؤكُمْ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ أَمْ أَمْوالُكُمْ؟» فقالوا: يا رسول الله خَيَّرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا، فقال لهم: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليتُ الظهر بالناس فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم»، فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ: «وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم»، فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، قال: يقول عباس بن مرداس لبني سليم: وهنتموني، فقال رسول الله ﷺ: «أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه» فَرَدُّوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم.
    وأعطى النبي ﷺ عمر بن الخطاب جارية فوصى بها عمر لابنه عبد الله، يقول عبد الله بن عمر: فبعثت بها إلى أخوالي من بن جمح؛ ليصلحوا لي منها، ويهيئوها، حتى أطوف البيت، ثم آتيهم، وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها، قال فخرجت من المسجد حتى فرغت، فإذا الناس يشتدون، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: رد علينا رسول الله ﷺ نساءنا وأبناءنا، فقلت: تلكم صاحبتكم في بني جمح، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا إليها فأخذوها.
    وفي ذي القعدة فرَّق النبي ﷺ غنائم حنين، وأعطى المؤلفة قلوبهم كثيرًا، ووكَل المؤمنين إلى إيمانهم، واعترض ذو الخويصرة على قسمة رسول الله ﷺ.
    فَعَنْ عبد الله بن زَيْدٍ ﭬ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا فَتَحَ حُنَيْنًا قَسَمَ الْغَنَائِمَ، فَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ الْأَنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا مَا أَصَابَ النَّاسُ فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ فَخَطَبَهُمْ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ الله بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟ وَمُتَفَرِّقِيِ نَ فَجَمَعَكُمْ الله بِي؟» وَهم يَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: «أَلَا تُجِيبُونِي؟» فَقَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ أَنْ تَقُولُوا: كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ مِنْ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا، أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاءِ وَالْإِبِلِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ الله إلى رِحَالِكُمْ، الْأَنْصارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ»([7]).
    وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﭬ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا، أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بني تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ اعْدِلْ، فَقَالَ رسول الله ﷺ: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلُ»، فَقَالَ عُمَرُ بن الخطاب: يَا رَسُولَ الله ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ: «دَعْهُ فَإنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِم، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم، يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسلام كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ»([8]).
    وجيء بالشيماء أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، أسيرة، فَمَنَّ عليها رسول الله ﷺ وأعطاها وأطلقها.
    ثم لما أراد رسول الله ﷺ الرجوع إلى مكة، أحرم من الجِعِرَّانة في ذي القعدة من السنة الثامنة، ودخل مكة معتمرًا.
    فعن أنس بن مالك ﭬ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلَّهُنَّ في ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ؛ عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ جِعِرَّانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ في ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ([9]).


    ([1])الدبابات: آلات تُصنع من خشب وتغطى بجلود ثم يدخل فيها الرجال، لتحميهم من سهام الأعداء.
    المنجنيق: يتكون من عمود طويل قوي موضوع على عربة ذات عجلتين في رأسها حلقة أو بكرة، يمر بها حبل متين، في طرفه الأعلى شبكة في هيئة كيس، توضع حجارة أو مواد محترقة في الشبكة، ثم تُحَرَّك بواسطة العمود والحبل، فيندفع ما وضع في الشبكة من القذائف ويسقط على الأسوار فيقتل أو يحرق ما يسقط عليه.

    ([2])أخرجه أبو داود (3965)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (1756).

    ([3])أخرجه أحمد (1959)، وحسن إسناده الشيخ أحمد شاكر $.

    ([4])أخرجه أحمد (2176)، وحسن إسناده الشيخ أحمد شاكر $.

    ([5])متفق عليه: أخرجه البخاري (4325)، ومسلم (1778).

    ([6])لأن حليمة السعدية حاضنة رسول الله ﷺ من بني سعد وهم من هوازن.

    ([7])متفق عليه: أخرجه البخاري (4330)، ومسلم (1061).

    ([8])متفق عليه: أخرجه البخاري (3610)، ومسلم (1064).

    ([9])متفق عليه: أخرجه البخاري (1778)، ومسلم (1253).
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو البراء محمد علاوة
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •