السؤال



كنت في حالة نفسية، واكتئاب شديد جداً وبعثت وقتها لموقعكم لأتخلص من الاكتئاب، ونصحتموني بالتقرب إلى الله، ولكنني لم أسمع النصيحة، وسلمت نفسي لشاب، وبعثت له صوري عارية، وتبت بعد ذلك، ومضى عليه زمن، واتفقت مع الشاب على إنهاء كل شيء بيننا، لكنه استمر معي على الفيسبوك، وخفت أن أحذف إضافته لأنه كان عصبياً جداً، وخفت أن أستفزه، وقال لي: لا تخافي، مسحت كل شيء، وأنا أخوك الكبير.


مرت الأيام والشهور الطويلة، ونسيت الموضوع، وتقدم لخطبتي شاب على خلق ودين وعلم، أي فتاة تتمناه، وكان يحبني حباً شديداً جداً، وبعث أهله لخطبتي، وتم الأمر بشكل شبه رسمي، في البداية كنت أرفض بسبب الماضي، ولكنني قلت له كل شيء عني تقريباً، ما عدا هذه العلاقة؛ لأنها لم تستمر أكثر من أسبوع، وقلت لن أفضح نفسي وقد سترني الله.


تأخرت أمور خطبتي الرسمية كثيراً؛ بسبب أن خطيبي في غربة، ولم ألبس دبلة الخطوبة إلى الآن، ولكن أهلي وأهله يعرفون، وكذلك أقاربي جميعاً، لقد قضيت أجمل أيام حياتي بعد أن رزقني الله بهذا الشاب، وقررت أن أخلص له العمر كله، وظننت أن أيام الاكتئاب والحزن قد انتهت، وعشت أنتظر يوم اللقاء والخطبة الرسمية، ولم يكن في بالي شيء آخر.


اقترب الأمر فعلا، وإذا بالشاب -الذي كلمتكم عنه في البداية- يكلمني، وكنت قد أخبرته بخطبتي، ولم يكترث وقتها بالأمر، وقال لي: أنا أخوك الكبير، ولا تخافي مني، ولكنني وقتها تصديت له، واستفززت أعصابه بغلطة بدرت مني، فبعث كل الصور لأخواتي على الفيسبوك، وهددني أن يرسلها إلى خطيبي وأهلي وأمي، وكل أقاربي وأصدقائي.


رجوته أن لا يفعل هذا، وأن يرأف بحالي، ولكنه أصر أن يؤذيني، وابتزني أما أن أدفع له نقوداً، أو يفضحني ويشهر بسمعتي، لم أجد حلاً إلا أن أخبر خطيبي، وقلت ربما إخلاصي له وحبي وصراحتي يشفعون لي عنده، فيغفر لي الماضي ويحاول مساعدتي، لكن للأسف.. خطيبي تركني.


لم أجد حلاً إلا أن أخبر أبي وأمي، ولا يوجد كلام في الدنيا يصف أبي، فهو سيد الرجال، وأكثرهم شرفاً وأخلاقاً، لم يذل نفسه يوماً لأي إنسان، ولكنني أنا البنت العاقة قد أذلته، وكدت أن أضيع مستقبل وشرف العائلة، التي لم يتكلم أحد عنها بسوء لقرون من الزمن، تصرفنا وأخذنا حساب أخو الشاب المبتز، وكلمناه، وكلم أبي الشاب شخصياً، ورجاه أن لا يفعل هذا بي، ولكن الشاب اعتذر لأبي، وأخبره أنه لم يقصد أن يصل الأمر له، ولم يكن جاداً في فضحي أو في ابتزازي، بل كان يريد أن ينكد علي، وأن يذلني بسبب أنني استفززت أعصابه.


في تلك الفترة لم أجد شيئاً، ولا وسيلة لحماية نفسي من دمار مستقبل عائلتي إلا ربي والدعاء، لم أكن يوما أصلي، ولكنني صليت وبكيت ودعوت من قلب محروق ومكسور، قلت يا رب لا يوجد لي غيرك، لا تكسر قلبي، ولا تكسر قلب أبي وأخواتي، وهم أبرياء لم يذنبوا يوماً، لا تكسر قلب خطيبي وهو مضرب للمثل في الأخلاق والشرف، كما كنت أنا في المدرسة والجامعة والعمل، لم يستطع أحد يوماً أن يقول عني كلمة واحدة، فكنت أشرف أهلي بتصرفاتي، لم أصافح شاباً في يوم من الأيام، لم أخرج مع أي شاب إلى المقاهي يوماً، لم أخطأ إلا مرة، ودفعت الثمن غالياً.


أصبت بالانهيار العصبي، لم أكن أنام إلا بالمهدئات والمنومات، مرت أيام لم أذق فيها الماء ولا الطعام، أصبت بالإغماء المتكرر من الرعب الشديد الذي أحسست به، ومن الألم بعد أن خسرت من أحببت، بعد أن انتظرته شهوراً، وبعد أن تسببت في إذلال أبي، ولكن الله استمع لدعواتي، والشاب اعتذر لأبي، وأرسل لنا فيديو وهو يمسح كل شيء، وقال اعملوا لي حظراً، واعتذر لي، ولكنني بقيت مكسورة القلب.


إنها أصعب تجربة مررت بها في حياتي، لم أبكِ في حياتي كما بكيت لأجل هذا، لم أخف يوماً كما خفت هكذا، فخطيبي تركني ولا أدري ماذا أفعل بحياتي بعد ذلك؟ لكنني لم أكلّ ولم أمل، قلت: يا رب أنت القادر على المعجزات.


هل أنسى الذي فات ومضى؟ أم أن هناك احتمالا أن يرجع الشاب ويبتزني لو تزوجت وأصبحت أماً؟ أنا أثق بربي ولكنني خائفة، خائفة أن يدمر حياتي بعد أن أرتبط، وخاصة لو خطيبي رجع لي، لأنني أحس أنه سوف يرجع لأنه يحبني، لا شيء سيرجع كما كان، لقد كسرت خاطر أبي وخطيبي، لقد رأيت دموع أبي وهو يقول لي: لو وسوس لك الشيطان تذكري دموعي، لا أطيق نفسي، ولا أستطيع التركيز في عمل، ولا أستطيع النوم، ولا أستطيع الأكل.


أصاب بحالات من الارتعاش وبرودة في الظهر، وأحس أنني سوف أستفرغ لو أكلت، أعلم أن ربي نجاني، ولكنني خائفة، لا شيء يضمن لي، خاصة وأنه قد أعطاني الأمان قبل ذلك، وقال إنه مسح الصور.


أرجوكم انصحوني، أنا لن أبتعد عن ربي مرة أخرى، سأبقى قريبة منه حتى يحميني، أرجوكم ساعدوني، أنا في حيرة لا توصف، حتى وإن مت فإن العار سوف يطال أهلي وهم بريئون، وإن انتحرت سوف أفضحهم أكثر.


الإجابــة



مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة- في موقعك، ونشكر لك التواصل والاهتمام، ونسأل الله أن يتوب عليك، وأن يجنبك الحرام، وأن يقدر لك الخير ويثبتك، فأنت بنت للكرام، وأملنا في الكريم عظيم، فسيري بعون الله وقوته إلى الأمام.


رغم مرارة ما حصل، إلا أن المهم هو أخذ العبرة، والمؤمنة لا تلدغ من الجحر الواحد مرتين، ولعل الله أراد بك خيراً (وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)، ومن الخير الذي ظهر، هذا الموقف الرائع من أسرتك، فلهم منا التحية، وأنت -ولله الحمد- على خير، ولكن أكثري من التعوذ بالله من شيطان همه أن يجلب الأحزان، وهدفه أن يشجع ويزين الفحشاء، فإذا أوقع الإنسان بدأ في تخويفه، ليدفعه لليأس من رحمة الرحيم، ويخوفه من الفضيحة، ويريد منه أن يعالج الخطأ بما هو أكبر وأخطر.


ومن واجبنا أن نعرف مكائد الشيطان الذي أخبرنا بأنه عدو مبين، ثم وجهنا فقال: (فاتخذوه عدواً)، ولا تتحقق العداوة للشيطان إلا بطاعة الرحيم الرحمن، فأقبلي على ربك واشكريه، وتوكلي عليه واستعيني به، وثقي بأنه يدافع عن أهل الإيمان.


ونؤكد لك أن ذلك المجرم لن يعيد تهديده، وخسارته لا تقل عن خسارتك، فقد أوقع نفسه في ورطة تنكس رأسه حتى أمام الرجال، وأي دناءة أسوأ من ابتزاز فتاة لسلب أموالها، وأي خبث أكبر من تهديد من تركت الشر الذي وقعت فيه في لحظة ضعف، بعد انتباهتها وتوبتها، فلا تفكري في هذا الاتجاه، واعلمي أن هذه المشاعر من الشيطان الذي قلنا همه أن يحزن أهل الإيمان.


ولأن سيرتك طيبة، ولم يمسسك بشر، ولم تصافحي الرجال، فكلنا أمل في أن يعود الخاطب إليك، وإذا لم يرجع فالكرام كثر، ولن يضيع الله من صدقت في توبتها، وأخلصت في أوبتها، فاشكري الله، واجعلي شكرك له -سبحانه- بمزيد من العمل بطاعته، واعلمي أن قلب ذلك الشاب وقلوب العباد بين أصابعه يقلبها ويصرفها، وتذكري أن ما عند الله من الخير والتوفيق لا ينال إلا بطاعته سبحانه.


وهذه وصيتنا لك بتقوى الله، فإن فيها تيسير الأمور، وهي سبب للخروج من الورطات، وأهلها هم أهل القبول والدرجات، وأكثري من اللجوء إلى من يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، وعليك بالصبر؛ فإن العاقبة لأهله، وإذا التزمت بالتوجيهات، وأقبلت على الله، فإننا نقول لك أبشري وأملي بما يسرك، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، ونسعد بتواصلك المستمر مع الموقع، ونتشرف بخدمة أبنائنا وبناتنا، ولك منا خالص الدعوات، وأصدق الأماني.

http://consult.islamweb.net/consult/...ils&id=2244458