فرط المحبة أو التعلق المذموم

أبو محمد بن عبدالله

من أسباب التعلق المذموم المحبةُ المُفْرِطة لشخص أو شيء ما، و"حبُّك للشيء يُعْمِي ويُصِم" (1) فإذا لم تنضبط المحبة بشريعة من الله، آلت بصاحبها إلى ما لا تُحمد عقباه من الفتنة والانحراف. وقد تؤول به حتى إلى الشرك كما قال الله- تعالى-:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ}[البقرة:165]، حتى وصل بأحدهم أحبَّ امرأة سوداء إلى أن صار يحب كلَّ أسود حتى الكلاب السود، و"الإنسان قد يبغض شيئًا فيبغض لأجله أمورًا كثيرة بمجرد الوهم والخيال. وكذلك يحب شيئا فيحب لأجله أمورًا كثيرة؛ لأجل الوهم والخيال. كما قال شاعرهم:
أحبُّ لحبها السودان حتى ... أحبَّ لحبها سود الكلاب
فقد أحب سوداء؛ فأحب جنس السواد، حتى في الكلاب، وهذا كله مرض في القلب في تصوره وإرادته."[ابن تيمية، مجموع الفتاوى ، (10، 82).]، وربما حَدى هذا التعلق بأناس إلى التلفظ بألفاظ؛ لو أُخِذوا بها لأَوْبَقَتْ دنياهم وأُخراهم، ويوجد هذا في الشعراء أكثر من غيرهم، وقد يعتذرون هم، أو يعتذر لهم غيرهم بأنهم لا يَقصِدون، أو أنه الشعر فقط، أو أنه الترويح فحسب! وأي ترويح أو دعابة يسمح بالصلاة لبشر؟! وأي هونٍ لألفاظ تُسوي بين الخالق والمخلوق؟! وإنّ صراحة ألفاظهم لا تساعد على أن الأمر هين، وأقل ما يقال فيه في ميزان الشرع أنها ألفاظ شركية تجعل صاحبها على خطر عظيم. فقد قال مجنون ليلى(2):
أراني إذا صليت يممت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلَّى ورائيا
وما بي إشراك ولكن حبهـا كعود .. الشجا أعيا الطبيب المداويا

وآخر يهوى (بنتَ الجزائر) - وسواء قصد حقيقة الفتاة أو هو رمز الشعر!- فيقول:
بنت الجزائر أهوى فيك طلعتها ... فكل ما فيك من أوصافها خُلق
أحبها مـثل حب الله أعبـــدهـا ... آمنت بالله لا كـــــفر ولا نزق

وآخَرُ يُدْعَى للمعالي والسؤدد فيقول(3):
يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... وأي جهـاد غـيرهنَّ أريد
لكل حديث بينهنَّ بشاشةٌ ... وكل قتـيل عندهنَّ شـهيد

بينما في الطرف المقابل تصح بصيرة الأعشى فيقول:
أرى سفهًا للمرء تعليق قلبه ... بغانية خودٍ متى تدنُ تَبْعُدِ(5)
اللهم ارزقنا حبَّك وحبَّ من يحبك وحبَّ عمل يقربنا إلى حبِّك، اللهم إنا نعوذ بك من الحبِّ إلا ما ترضى.

---------------------------
-[1] يروى حديثاً ضعيف السند، ولكن معناه صحيح، ولا شك إنه إذا تجاوز حبُّ الشيء حدَّه، فيصبح عندئذ من الحب المذموم المؤدي إلى التعلق المذموم.
2 - قيس بن الملوّح العامري ت(68هـ-688م).
3- جميل بن عبد الله بن معمر (82هـ -701م)، ديوان جميل بثينة ،بيروت- دار صادر ، ط3 ( 28هـ-2007م)، 144 صفحة، ص: 40.
-[6] الأعشى ميمون بن قيس ( 7هـ-629م)، ديوان الأعشى.
والمقال مقتطف من كتابنا: التعلق المذموم

<span style="font-family:traditional arabic;"><font size="5"><span style="color: rgb(0, 0, 255);">http://saaid.net/Doat/abumohammed/10.htm