وصايا لطلاب العلم للشيخ صالح السحيمي حفظه الله (المدرس بالمسجد النبوي )
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: وصايا لطلاب العلم للشيخ صالح السحيمي حفظه الله (المدرس بالمسجد النبوي )

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي وصايا لطلاب العلم للشيخ صالح السحيمي حفظه الله (المدرس بالمسجد النبوي )

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
    موقع المكتبة الصوتية للشيخ:

    صَالح بِنْ سَعد السُّحيْميّ –حفظه الله-
    www.alsoheemy.net

    محاضرة مفرَّغة بِعنوان:




    لفضيلة الشـيخ الدكـتور:
    موجِّه الدعاة بفرعِ وزارةِ الشُّؤون الإسلاميِّة
    بالمدينةِ النبويِّة والمُدرِّس بالمسجدِ النبويِّ

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُه ُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَىٰ اللهُ وَسَلَمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِٰهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
    أَمَّا بَعْدُ:
    فكلمتي هذه مستوحاةٌ ومقتبسةٌ من محاضرة شيخنا في الأسبوع الماضي: فضيلة شيخنا العلامة: عبد المحسن بن حمد العبَّاد البدر؛ حيث كانت محاضرته عن: "أهمية طلب العلم"،
    والوصايا لطلاب العلم تنبعث من أهمية العلم أيضًا؛ فلا تستغربوا إذا كانت بعض الكلمات أو الجمل متوافقة أو مستوحاةٌ من تلك المحاضرة بتبسيط وعنصرة معينة؛ حتى تكون أرسخ وأوقع في ذهن الْمُستمع أو الْمُخاطب.
    هذه الوصايا -إخوتي وأحبتي في الله- ستلحظون أنها مستمدة -بحول الله وقوته- من كتاب الله -عزَّ وجلَّ- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف الصالح، كما هو دأب دوراتنا التي تُقام في كل عامٍ ولله الحمد، كلها مبنية على هذين الوحيين: الكتاب والسنة، وفق منهج السلف الصالح، وتُدَّرسُ فيها كتب السلف الصالح -كما علمتم-. وإذا كنا قد اجتهدنا في انتقاء الكتب المهمة والنافعة على مدى عشر سنواتٍ ماضية، واختيار المشايخ الفضلاء الذين يسلكون المنهج الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو فيه ولا تقصير؛ فإن الوصايا ستكون مبنيِّة على هذه الأسس -بإذن الله -تبارك وتعالى-.
    الوصية الأولى: هي تقوى الله -عزَّ وجلَّ-؛ وهي وصية الله للأولين والآخرين، والسابقين واللاحقين، وصية الأنبياء والمرسلين؛ ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾[1]. وحقيقة التقوى -يا عبد الله!- هي امتثال أوامر الله -سبحانه وتعالى- واجتناب نواهيه، وتطبيق شرائع الإسلام قولاً وعملاً واعتقادًا؛ بحيث يمتثل المرء المسلم أمر ربه؛ فبالنسبة للأوامر يفعل ما استطاع؛ لأنها مبنية على الاستطاعة؛ وبالنسبة للنواهي يجتنبها جميعًا؛ لأنه بالإمكان تجنبها جميعًا؛ فاتقوا الله ما استطعتم، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتبوه)) أو كما قال صلى الله وسلم عليه وسلم. ومردُّ هذه الوصايا التي سنسمعها إلى هذه الحقيقة؛ إلى تقوى الله -عزَّ وجلَّ-. فمن أراد التقوى التي هي فعل طاعة الله على نور من الله، وابتغاء وجه الله، واجتناب معاصي الله على نور من الله ابتغاء وجه الله؛ حتى تكون محققًا لهذه التقوى؛ فإني أوصيكِ ونفسي -أخي طالب العلم! والمسلمين عامة- بما يلي:
    أولاً: العلم والتعلم، والفقه في دين الله -سبحانه وتعالى-؛ إذ أن التقوى لا تتحقق إلا بالعلم، لا تتحقق التقوى إلا بالعلم، ولا يتحقق العلم إلا بالتقوى؛ فالعلم مبنيٌّ على تقوى الله -عزَّ وجلَّ- وتقوى الله مبنية على العلم النافع المستمد من كتاب الله -عزَّ وجلَّ-، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن العلم هو الذي تتحقق به التقوى وتنبني عليه؛ ولذلك فإن أول ما أمر الله به هو العلم والتعلم؛ قال الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِي نَ وَالْمُؤْمِنَات ِ﴾[2]. وقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾[3]. ولا يمكن أن يتحقق التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وقبل ذلك العمل الصالح إلا بالعلم والتعلم والفقه في دين الله -عزَّ وجلَّ-. ذلك أن من يطلب العلم من مظانه -كما سيأتي بيانه- يتحقق له أمران لا يحصلان لغيره أبدًا .
    الأمر الأول: أنه يعبد الله على بصيرة؛ كما قال الله -جلَّ وعلا-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾[4]. فهو لا يعمل عملاً يتقرب به إلى الله؛ حتى يعلم أن هذا العمل مستندٌ إلى دليلٍ من الوحيين: الكتاب والسنة؛ فيعبد الله على بصيرة. يُفرِّق بالعلم بين التوحيد والشرك، وبين الهدى والضلال، وبين الحلال والحرام، وبين الخبيث والطيب، وبين السنة والبدعة، وبين الطريق المستقيم والطريق المُعوَج؛ فهو يعبد الله على بصيرة من أمره، على برهانٍ وحجة بالغة، أرسى من الجبال الراسيات.
    والأمر الثاني -الذي يتحقق لطالب العلم-: أنه يُضاعَفُ له الأجر عند الله -سبحانه وتعالى-؛ فإن له أجر عمله، كما أن له مثل أجور كل من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى هدىً فله مثل أجر من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة فعليه مثل وزر من تبعه لا ينقص من أوزارهم شيئًا)). ويقول صلى الله عليه وسلم: ((من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله)).
    الوصية الثانية -يا عبد الله!-: الإخلاص لله وحده؛ إذ أن طلب العلم عبادة، والعبادة لابد فيها من الإخلاص، أن يبتغي بطلب العلم وجه الله والدار الآخرة، لا يريد من وراء ذلك جزاءً ولا شكورًا. والإخلاص أمرٌ قلبي وأمرٌ عزيز، يحتاج من العبد إلى مجاهدة للنفس؛ حتى يؤدي عمله بإخلاص، يحتاج إلى مكابدة ومجاهدة، يحتاج إلى جدٍ واجتهاد، يحتاج إلى لجوءٍ إلى الله -سبحانه وتعالى- وتضرعٍ إليه ودعاءٍ له، وانكسارٍ بين يديه؛ حتى يرزقك الله الإخلاص؛ ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾[5]؛ ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾[6]، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾[7]، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾[8]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله -جلَّ وعلا-: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه))؛ لأن مما يناقض الإخلاص: الشرك، والرياء، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا. ويقول صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى))، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((لا هجرة بعد الفتح؛ ولكن جهادٌ ونيَّة)).
    والوصية الثالثة: تحرِّي الصواب -يا عبد الله!-؛ وذلك بأن تقتدي بنبيك صلى الله عليه وسلم بأقوالك وأفعالك ومعتقداتك، وحركاتك وسكناتك، وجميع أمورك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على مثل البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك. فاجتهد أن يكون عملك مطابقًا وموافقًا للسنة؛ لأن هذا هو طريق الجنة؛ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[9]. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[10]. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوه َا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[11]. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾[12]. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)).
    والوصية الرابعة: الجدُّ والاجتهاد في فَهمِ الكتاب والسنة، من منطلق منهج السلف الصالح الذي لا إفراط فيه ولا تفريط. وإن بعض الناس الجهلة! يدندنون أننا لسنا متعبَّدِينَ بسلوك منهج السلف، ويدَّعي الاستقلال، ويدَّعي أنه أتى بما لم يأتِ به الأوائل، ويزعم أنه يتفقه في دين الله دون الرجوع إلى فهم السلف الصالح، من الصحابة والتابعين، والتابعين لهم بإحسان، والله -تبارك وتعالى-يقول:
    ﴿والسابقون الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾[13].
    ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[14]. ويقول سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾[15]. ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾[16]. ويقول سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[17]. ولا يمكن هذا الاتباع إلا بسلوك منهج الصحابة والتابعين، وهذا ما بيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بيَّن الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة؛ عندما ذكر افتراق الأمم، ((وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة؛ وهي الجماعة))، وفي رواية: ((من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)).
    والوصية الخامسة: الجدُّ والاجتهاد في العبادة التي تقرِّبُك إلى الله، وفق الشروط المتقدمة: أن تكون خالصةً لوجه الله، ومطابقةً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم. فقربك من الله -عزَّ وجلَّ- بعبادته وفق ما يرضيه؛ من أعظم أسباب النجاح، ومن أعظم أسباب الفلاح. فاجتهدوا في العبادة من الفرائض والنوافل التي تُقرِّبُك إلى الله، ويجعل الله لك بها من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ومن كلِّ بلاءٍ عافية. إن البعض من طلبة العلم يُفرِّطُ في العبادة ولا هم له إلا القيل والقال، وإضاعة الأوقات فيما لا ينفع، والعبادة -يا عبد الله!- مردودها عليك عظيم الفائدة في الدنيا والآخرة. في الآخرة: الأجرُ العظيم، ومحبَّةُ رب العالمين. وفي الدنيا: يفرِّجُ الله لك بها الكُربات ويُقيل بها العثرات، وتبلغ بها رفعة الدرجات، وتُرفَع لك بها الحسنات، وتُحَطُ عنك بها السيئات. واستمع -يا عبد الله!- إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل ذلك إلى قول الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾[18]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[19]. ويقول سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾[20]. إلى أن قال -بعد أن ذكر عددًا من العبادات والتحذير من السيئات- قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[21]، وقال في آخر السورة: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾[22]؛ أي لولا عبادتكم لي. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[23]. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله -جلَّ وعلا-: ((وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إليَّ ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر بها، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)) رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. ويقول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس، وكان رديفه ذات يوم: ((يا غلام! إني أُعلِّمُكَ كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بأمرٍ قد كتبته الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بأمر قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف)). فالله الله -أيُّها الإخوة!- في مضاعفة العبادة، والجدُّ والاجتهاد فيما يُقرِّبُك إلى الله -عزَّ وجلَّ-، وبخاصةٍ النوافل، والتهجُّدُ آخر الليل، تتعرض لنفحات الله ولرحمته، عندما ينزل حينما يبقى الثلث الأخير من الليل فينادي عباده: ((من يدعوني فأستجيب له، من يستغفر لي فأغفر له، من يسألني فأعطيه)).
    وهذا ينقلنا إلى الأمر السادس -وهو جزءٌ من العبادة-: ألا وهو: الدعاء، والتضرع إلى الله -تبارك وتعالى-، والإنكسار بين يديه، والخضوع له، والجدُّ والاجتهاد في اللجوء إليه، والخضوع بين يديه، ومناشدته ودعائه؛ فإنه لا يضيع دعاء من دعاه؛ بشروطٍ معروفة مأخوذة من الكتاب والسنة؛ نُلخِّصها؛ لأن الدعاء يحتاج إلى محاضرة خاصة:
    أولها: الإخلاص لله، والبعد عن الشرك في الدعاء، والرياء والسمعة.
    وثانيها: ألا يكون الداعي من أكلة المال الحرام.
    وثالثها: ألا يستبطئ الإجابة، ولا يقول: "دعوت فلم يُجبْ لي!".
    ورابعها: ألا يكون فيها اعتداء أو قطيعة رحم.
    وخامسها: أن يكون صاحبها مبتغيًا بدعائه وجه الله -سبحانه وتعالى-.
    ومن آداب الدعاء: أن تتحين أوقات الإجابة التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة، وتتحرى ذلك؛ لأنها من أعظم الأوقات التي تُقرِّبُكَ إلى الله -سبحانه وتعالى-. فعليك بالدعاء بأن يرزقك الله العلم النافع والعمل الصالح؛ فإن الدعاء هو العبادة، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. الدعاء سهام الليل، متى توافرت شروطه؛ فإنك لابد أن تنال به أحد ثلاثة أمور: إما أن يستجيب الله دعاءك وسؤلك، وإما أن يرفع بها درجاتك، وإما أن يدخرها لك في حسناتك يوم القيامة أو يحط بها من سيئاتك. فتضرَّع إلى الله -عزَّ وجلَّ- والجأ إليه، وإيَّاك والزهد في الدعاء؛ لأن الدعاء من أخص أنواع العبادة التي يتقرب بها العبد إلى ربه -سبحانه وتعالى-. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾[24] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُ وا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[25]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾[26]. وعليك أن تختار جوامع الكلم، وأن تجتهد في حفظ الأدعية النبوية الثابتة في الكتاب والسنة.
    والأمر السابع: عدم الوقوف عند حدٍّ معينٍ في العلم، وطالب العلم الحق: هو الذي كلما استزاد من العلم؛ كلما ازداد رغبةً وشوقًا إلى الزيادة فيه. يقول الله -جلَّ وعلا-: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾[27]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾[28]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((منهومان لا يشبعان: طالبُ علمٍ وطالب مال)). فعليك أن لا تقتنع باليسير من العلم؛ وإنما عليك أن تطلبه إلى أن تلقى الله -سبحانه وتعالى-؛ لأنه طريق الجنة؛ ((من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة)). وإيَّاك أن تتخذه للمفاخرة، والمبارزة، والرياء والسمعة، وحب الظهور، وما إلى ذلك؛ فإن ذلك يفسد عليك علمك، ولا يزال الرجل عالمًا ما طلب العلم؛ فإذا ظنَّ أنه قد عَلِمَ فإنَّه قد جَهِلَ.
    والأمر الثامن: العمل بهذا العلم، والتقرُّب إلى الله به؛ فإن الذي لا يعمل بعلمه من أشدِّ النَّاس جرمًا وإثمًا وعذابًا يوم القيامة؛ يقول الله -جلَّ وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾[29]. ويقول جلَّ وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[30]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث اسامة بن زيد، قال: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة؛ فتندلق أقتابه -أي: أمعاؤه- في جهنم فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى؛ فيقال: يا فلان! ألم تكن تؤمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)) والعياذ بالله. وأخبر أنه أول ما تُسعَّرُ النار بثلاث؛ وذكر منهم رجلٌ أو عالمٌ يؤتى به يوم القيامة وقد قرأ القرآن؛ فيُعرَّف نعمة الله فيعرفها؛ ثم يقال: ماذا عملت بها؟ فيقول: قرأت كتابك وأقرأته للناس؛ فيقال: إنما قرأت ليُقال أنك قارئ؛ وقد قيل؛ ثم يؤمر به فيُسحَبُ على وجهه في النار -والعياذ بالله-.
    الأمر التاسع: التواضع، فإن المتكبر لا يتعلم؛ لأن الكبر يمنعه من العلم، ما منعه إلا الكبر؛ ولذلك في أمرٍ قد يظنه الناس يسيرًا من السنن؛ وهو عظيم؛ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: ((كُلْ بيمينك؛ قال: لا أستطيع؛ قال: لا استطعت)) ما منعه إلا الكبر؛ فما رفعها إلى فِيهِ بعد ذلك. فالكبر يحول بينك وبين العلم، والبعض من الناس يمنعه أمران: إما الكبر والتعاظم والتعالي، ليس عنده استعداد أن يتتلمذ على من هو أصغر منه سنًا. وإما الحياء المزعوم؛ وهو ليس حياءً؛ وإنما هو رياءٌ خشية أن يسمعه الناس فينتقدونه! خشية أن يسمعه الناس عندما يقرأ خطأً فينتقدونه. وهذا من أعظم ما يحول بينك وبين طلب العلم. اطلب العلم حتى على من هو أصغر منك، والصحابة كانوا يرجعون إلى بعض صغار السن الذين يفوقونهم علمًا؛ كابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأسامة بن زيد، وغيرهم، ومعاذ بن جبل، وهم ليسوا من كبار الصحابة سنًّا؛ لكنهم من كبارهم علمًا؛ فمن تواضع لله رفعه. التواضع من أعظم ما يوصلك إلى العلم، والكبر من أعظم الوسائل التي تبعدك عن العلم، ومن تواضع لله رفعه.
    الأمر العاشر: التخلُّق بالأخلاق الفاضلة، من أعظم ما يجب أن يتحلى به طلبة العلم: التخلق بالأخلاق الفاضلة؛ أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[31]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وخالق الناس بخلقٍ حسن))، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((أكمل الناس إيمانًا أحسنهم خُلُقًا)) أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فبالغلظة، وجفاء الطباع لا يمكن أن تتعلم؛ ولذلك وصف الله نبيَّه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم -وهو قدوتنا- بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[32].
    الوصية الحادية عشرة: التثبت، وعدم التسرع في قبول الشائعات، وبخاصة طلبة العلم؛ فإنَّ التسرع في نقل الشائعات من أخطر الامور التي تفسد على طالب العلم علمه وأخلاقه، وتجعله إمعةً، يلهثُ خلف كلِّ ناعق، يجري خلف كل شائعة، ويطير بها في الآفاق؛ فيفقد رونق علمه؛ بل ويفقد الاستفادة من علمه. فإيَّاك أن تكون مِذيَاعًا تتسرع في نقل الأخبار والشائعات، وتشيعها بين النَّاس، وقد تنتج عنها أمورٌ لا تُحمدُ عُقباها؛ يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾[33]. ويقول جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[34]. ويقول الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾[35]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إيَّاكم والظنّ، فإن الظنَّ أكذبُ الحديث)). ويقول صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمع)). فالله الله في الوقوف طويلاً متأملين هذه النصوص العظيمة؛ فإيَّاك أن تُفشيَ خبرًا حتى يكون أوضح عندك من الشمس في رابعة النهار، وأن توازن بين مصلحة أو مفسدة إظهاره أو إسراره.
    وهذا ينقلنا إلى الأمر [الثاني] عشر: وهو عدم التسَّرع في الأحكام على الآخرين؛ فإنَّ البعض من النَّاس، وقد يكونون من المنتمين إلى طلب العلم؛ بمجرد أن يتلقى شائعةً أو خبرًا عن أحد إخوانه؛ حكم عليه من خلال هذه الشائعة؛ فربما كفَّره، أو فسَّقه، أو بدَّعه، أو أخرجه من السلفية، أو قوَّله ما لم يقل، أو ألزمه بما لا يلزم. ونحن الآن أمام سيلٍ من المؤلفات الكثيرة التي بُنِيَ كثير منها على الشائعات وعلى الإلزامات، وعلى بتر الكلام، ولا سيما لدى بعض أوساط أنصاف المتعلمين، ومن لا فقه عنده في الدين؛ فعليهم أن يتقوا الله -تبارك وتعالى-. لقد امتلأت مواقع الإنترنت من الهراء الذي يتولى كِبْرَهُ بعض المنسوبين إلى العلم؛ فربما الزموا إخوانهم بما لا يلزمهم، وربما نسبوا وقولوا بعض العلماء ما لم يقولوا، وربما قالوا على الله بغير علم، وربما، وربما. وإني أوصي هؤلاء بأن يتقوا الله -سبحانه وتعالى-، وأن يكون نصب أعينهم -دائمًا- قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[36]. وقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَا نِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[37]. البعض من أنصاف المتعلمين، ومن غير المتخصصين في العلم، وممن ضُخِّموا وكُبِّروا وأُعطوا فوق أحجامهم، ووصفُوا بأنهم العلماء؛ حتى وُصِفَ بعض صِغَارهم بأنه أكبر عالمٍ في الجرح والتعديل! هذه والله هي قاصمة الظهر! وتورثه الكبر، وتورثه عدم خشية الله -سبحانه وتعالى-. (رحم الله امرأ عرف قدر نفسه). واسمحوا لي أن أقف وقفة عند هذه النقطة؛ لأننا نرى سيلاً مما في المواقع، ومن المؤلفات بعضها تنتقد كتب شيخ الإسلام بن تيمية، وابن القيِّم، والإمام أحمد قبل ذلك، وربما نال بعضهم حتى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبار التابعين! بسبب التعـالم، وبسبب تضخيم الأمور، وبسبب إعطاءها فوق حجمها، وبسبب التسرع، وعدم التثبت وعدم التريُّث. الأمر الذي جعل بعض المشايخ وطلبة العلم يتجنبون هذه المواقع، ويتجنبون المهاترات التي تدور فيها. انتبه -يا عبد الله!-، هذه المسألة خطيرة جدًا، وقف طويلاً متأملاً، تلك المواقع المشبوهة التي أخذ القائمون على أنفسهم إزاء العلماء، وإزاء أولياء الله، وإزاء طلبة العلم كبارًا وصغارًا، فوصفوهم ببعض الألقاب من صفة الإرجاء أو نحو ذلك من الصفات التي يتبجح بها بعض الجهلة، وبعض المتعالمين، الذين ناصرهم من ناصرهم من الجهلة، وكبَّروهم وضخَّمُوهم؛ حتى أصبح يُقال لبعضهم: إنه شيخ السنة أو شيخ الحديث، وهو أجهل من حمار أهله! وهو من صغار الشباب ومن صغار طلبة العلم، وأصبح يتزعمُّ تأليف كتبٍ يُلزِمُ فيها بما لا يلزم، ولا يتحرى الصدق، وربما حذف وبتر، وربما أنشأ له مواقع ملأها بالهراء، وملأها بالإلزامات، وملأها بالألقاب، وربما نقل بعض كلام أهل العلم الفُضلاء، وحمله على بعض طلبة العلم وهم بريئون من هذا الحمل، والعلماء لم يقصدوا ذلك المحمول عليه. هذه نتيجةٌ حتميِّة لعدم التواضع، لقبول الشائعات، للتعالم، للرياء، لحب الظهور، لحب الذات. فهذه الوصية أرجو أن تقفوا عندها كثيرًا، وأن تتأملوها جيدًا، وأن تعرضوا كل ما يعرض لكم على كتاب الله -عزَّ وجلَّ-، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهج السلف الصالح، الذي الانتماء إليه لا يكون بالدعاوى، ولا يكون بالكلمات المُنمَّقة، ولا بالأشرطة المسجوعة، ولا بما تذخر به بعض المطبوعات؛ وإنما يكون بالتحرِّي وتحرِّي الصدق، واللجوء إلى الله -عزَّ وجلَّ-، والخوف منه وخشيته، قبل أن تطلق أيَّة كلمة في الأحكام على الآخرين. وقبل أن تطلق كلمةً تقوِّلُ فيها إخوانك ما لم يقولوا، وقبل أن تُطلِق كلمة تلبس فيها الحق بالباطل بقصدٍ أو بغير قصد. فعليك أن تراقب الله -عزَّ وجلَّ- في هذه الأمور الخطيرة المصيرية، وأن يكون خوف الله وخشيته هي رائدك قبل كلِّ شيء، قبل أن تكتب كلمة، أو تنطق بكلمة أو تسجل كلمة، أو تودع كلمة في زبالات الإنترنت، عليك أن تخشى الله، وعليك أن تتقيَ الله، وعليك أن تخاف الله -جلَّ وعلا-، وعليك أن تراقب الله -سبحانه وتعالى- في السرِّ والعلن.
    الوصية الثالثة عشرة: أن يعلم كل مسلم، وكل طالب علم أن الحق واحد يصيبه من يصيبه، ويخطؤه من يخطؤه، الحق لا يتعدد، الحق واحد لا يتعدد، وعليك أن تتحرَّى فيه منهج العلماء الربَّانييِّن، الذين ينفون عن كتاب الله -جلَّ وعلا- تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
    والوصية الرابعة عشرة: الجدُّ والاجتهاد في قبول الحق، وفي تحري الحق، وفي تحري الصواب، ولا سيَّما في الفتاوى، الفتاوى لها أهلها، ولها أقطابها، ولها علماؤها. أما أنا وأنت وأمثالنا من الصغار؛ فعلينا أن نتقِّيَ الله -عزَّ وجلَّ- قبل أن نطلق أيَّة فتوى. وقد تصدَّر للفتوى عبر بعض المواقع كثيرٌ من الجهلة والسفهاء، الذين وصل بهم الأمر إلى استباحة ما حرَّم الله، وإلى إباحة المحرمات؛ كإباحة الغناء، والمعازف، والربا، ومصافحة النساء، والاختلاط، والقول على الله بغير علم، والكذب على الله وعلى رسوله، ونحو ذلك. فاتقِّ الله -يا عبد الله!- ولا تُفتِي بغير علم، واعطي القوس باريها؛ فإذا تحمَّلت ذنوب هؤلاء الناس الذين تفتيهم بغير علم، فما موقفك أمام الله يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم؟! عندما يسألك أولئك الذين أضللتهم بفتاواك البعيدة كل البعد عن الحق، فما أنت قائلٌ لربك غدًا، يوم تذهلُ كلُّ مُرضعةٍ عمَّا أرضعت، وتضع كلُّ ذاتِ حملٍ حملها، وترى النَّاس سُكارى، وما هم بِسُكارى؛ ولكنَّ عذاب الله شديد؟!
    الوصية الخامسة عشرة: على طالب العلم أن يتحلَّى بالحكمة، والصدع بالحق؛ ولكن بالحكمة، وأن يوازن بين المصالح والمفاسد إذا أراد أن يطرح أمرًا من الأمور. قبل أن تتكلم ببنت شفه؛ وازن بين المصلحة والمفسدة فيما تريد قوله، ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يُلقي بها على بال؛ تقع به في جهنم سبعين خريفًا)). يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: ((امسك عليك هذا؛ قال: أو نحن مآخذون بما نتكلم به؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم)). وعليك أن تجتهد في لزوم السنة، والرد على أهل البدع بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلاج الأمور على منهج النبوة.
    وهنا أنبِّهُ إلى أمر خطير: عندما ندعو إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد، لا نعني بذلك ما قد يتصوره بعض المبتدعة والمنافحين عنهم من أنَّك لا ترد على أهل البدع والأهواء، أو أنَّك تُبيِّن محاسن أهل البدع قبل أن ترد عليهم؛ فإن هذا المنهج الفاسد يُهوِّن من شأن البدع؛ ولذلك عليكم أن تتأملوا منهج السلف؛ إذا ألَّفوا في الرجال؛ فإنهم يذكرون المحاسن والمساوئ. إذا ألَّفوا في التاريخ -تأليفات مطلقة- يذكرون المحاسن والمساوئ. أما عندما يردون على المبتدعة وأهل الأهواء؛ فإنهم يبيِّنون عورهم، ويبيِّنون ما فيهم، وكان بعض السلف يطوف -من علماء الحديث- ويقول: فلانٌ وضَّاع، فلانٌ كذَّاب، فلانٌ سيء الحفظ، فلانٌ ضعيف، فلانٌ منكر الحديث، فلانٌ يضع الحديث، فلانٌ سيء الحفظ، وهكذا. لا تفهموا من قولي ودعوتي إلى الأخذ بالحكمة، والموازنة بين المصالح والمفاسد أننا ندافع عن المبتدعة، ونذكر محاسنهم عندما نريد الرد عليهم! لا، أبدًا -يا عبد الله!- هذه ليست من الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ بل هذه من موالاة أهل البدع والأهواء. فرقٌ بين أن تترجم لشخص، وتبيِّن ما له وما عليه، وأن تحذِّرَ منه ومن أشرطته، أو من كتبه إذا كان ممن ينشر البدعة؛ لأن من ألَّف فقد استَهدَف. فعندما يُردُّ على أصحاب الأشرطة الباطلة، والكتب المفسدة التي تدعو إلى البدع والخرافات؛ فإنَّ ذلك يتطلب أن ترد شبههم، وأن تنقض أقوالهم قولاً قولاً حتى لا تلتبس تلك الشبه على المسلمين فيما بعد؛ لأن سكوت أهل العلم عن الرد على هؤلاء يُجرِّئُ العامة على الوقوع فيها؛ ولكن من الذي يتصدى لذلك -يا عبد الله!-؟! يتصدى لذلك العلماء الكبار، الذين يعرفون كيف يردون على الشبه. أما الصِّغار فإنهم قد يسِيئون من حيث أرادوا أن يحسنوا، وقد يريدون نقض شبهةٍ فيزيدونها غموضًا، ويلبِّسونها أكثر. فتنبَّه لهذا -يا عبد الله!- واجتهد فيما يُقرِّبُك إلى الله، واجتهد في العلم النافع والعمل الصالح الذي يُقرِّبُك إلى الله -يا عبد الله!-. واجتهد في تطبيق هذه الوصايا، اجتهد في تطبيق هذه الوصايا على الوجه الذي يُرضِي الله -سبحانه وتعالى-؛ فإنَّه لا يتحقق لك العلم النافع إلا بتطبيق مثل هذه الوصايا الذي ذكرت بعضها على سبيل المثال، وليس على سبيل الحصر. وإيَّاك والتعالم، وإيَّاك والجرأة على الفتوى؛ إنما أخشى على أمتي الأئمة المضلِّين، والعلم لا ينتهي بأن يُنتزَع من صدور النَّاس؛ وإنما يقبض العلم بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يبقى عالم؛ اتخذ الناس رؤوسًا جُهَّالاً؛ فسُئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا. وها هم يموتون واحدًا تلو الآخر في هذه السنوات الأخيرة؛ فقد فقدنا بالأمس القريب الكثير منهم؛ من أمثال الشيخ: ابن باز، والشيخ: العثيمين، والشيح: الألباني، وقريبًا فقدنا ركنًا من الأركان، وشيخًا من المشايخ الفُضلاء؛ وهو: شيخنا الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن الغُديَّان -رحمه الله رحمة واسعة، وحفظ لنا البقية الباقية، وجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا-. فالزموا غَرْزَهُم، الزموا غرز من بقي، وارجعوا إليهم؛ من أمثال شيخنا: سماحة المفتي، وسماحة الشيخ: صالح اللحيدان، وسماحة شيخنا الشيخ: صالح الفوزان، والشيخ: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ: عبد المحسن بن حمد العباد، والشيخ: ربيع بن هادي المدخلي، والشيخ: علي بن ناصر الفقيهي، والشيخ: زيد بن هادي المدخلي، وغيرهم من المشايخ الأفاضل ممن لم أذكرهم؛ لأن من ذكرتهم إنما ذكرتهم على سبيل المثال. والحمد لله في من بقي خيرٌ كثير، في من بقي خير عظيم، فارجعوا إليهم، والزموا غرزهم، واجتهدوا في التتلمذ عليهم، وابتعدوا عن الصغار، عن المتعالمين، عن المتطفلين على العلم، عن الذين يبتغون الشهرة، عن الذين يبحثون عن الذات، عن الذين يلبِّسون على الناس، عن الذين يتساهلون في الفتاوى، عن الذين يتجرَّأون على الفتوى بحلِّ المحرمات، عن الذين يدافعون عن أهل البدع والأهواء، عن المميِّعين، الذين يوالون أهل البدع والهواء. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى، أن يوفقني وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، ونسأله -تبارك وتعالى- أن يرزقنا الاستقامة على طاعته، والعمل بما يرضيه. ونسأله تبارك وتعالى أن يحفظ ولاة أمورنا، وأن يوفقهم للعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يرزقهم البطانة الصالحة. نسأل الله أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين، وأن يرزقه البطانة الصالحة، وسمو ولي عهده الأمين، وسمو النائب الثاني، وبقية ولاة أمرنا، نسأل الله أن يوفقهم لردع أهل الباطل، نسأل الله أن يوفقهم لردع أهل البدع، نسأل أن يوفقهم وأن يزيدهم من الخير، وأن يحفظهم بحفظه، وأن يكلأهم برعايته، وأن يرزقهم الاستقامة على طاعته، والعمل بما يرضيه، وأن يكلأهم برعايته، وأن يوفِّق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابه، وتحكيم شرعه. إنك ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    |{|{|{|{
    : 43].

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي

    المُقـدِّم:
    جزى الله شيخنا خير الجزاء على ما أتحفنا به هذه الفوائد والنصائح، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم والعمل. ونستأذن شيخنا في طرح بعض الأسئلة على ما يسمح به الوقت. الشيخ: تفضل
    [الأسئلة] السؤال: يقول السائل: أحسن الله إليكم، ما هي وصيتكم لطالب العلم إذا رجع إلى بلده، وهناك تكثر الفتن والمغريات والقيل والقال؟
    الجواب: وصيتي لطلبة العلم الذين يفدون من خارج هذه البلاد وقد يواجهون فتنًا في بلادهم، وبدعًا وشركيات، وأمور كثيرة: أن يتحلَّوا بالصبر، وأن يتواصوا بالحق وأن يتواصوا بالصبر، وأن يجتهدوا في تعليم الناس الخير، وأن يعمدوا إلى التأصيل، لا تبادور أهل تلك البلاد بشيء من الغلظة أو الجفوة أو التسرع، أو نحو ذلك؛ وإنما أشعروهم أنكم تخاطبونهم من منطلق الإشفاق عليهم، ومحبة الخير لهم. لكن ليس معنى ذلك أن تذبون بينهم، وتمارسون طقوسهم المحرمة والبدعية، لا، ليس الأمر كذلك. ابتعدوا عن ذلك. لكن مع ذلك تحلَّوا بالحكمة والصبر، وأشعروهم أنكم تريدون لهم الخير وتحبون لهم الخير، وتودون لهم الرفعة، والعودة إلى دين الله الحق. واعتنوا كثيرًا بالتأصيل، التأصيل الذي يُبيَّنُ فيه الحق بدليله، ويُجتهد فيه بالتأصيل بإقامة المسائل على الأدلة الشرعية المستمدة من الكتاب والسنة. حبِّبوا إليهم الكتاب والسنة؛ وقولوا لهم: هذا هو مرجعكم، وأنتم تحبون ذلك، وأثنوا على علمائهم القُدامى من أمثال الأئمة الأربعة، ومن سار على نهجهم؛ فإن ذلك من أعظم الوسائل للقبول. تفضل يا شيخ!
    óóóóóóóó
    السؤال: أحسن الله إليكم. وهذا سائلٌ يقول: ما حكم أخذ العلم عن من وقع في بعض البدع والشركيات؟
    الجواب: يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ هُ مِنْهُمْ﴾[38]. ويقول جلَّ وعلا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[39]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما العلم بالتَّعلُّم، وإنما الحلم بالتحلم)). ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)). ويقول التابعي الجليل محمد بن سيرين -رحمه الله تعالى-: "إنَّ هذا العلم دينٌ فاعرفوا عمن تأخذون دينكم". فالعلم يؤخذ عن أهله، عن العلماء الربَّانييِّن، المعروفين بملازمتهم للسنة والدعوة إليها والفقه في دين الله -سبحانه وتعالى-. فإن قال قائلٌ: أليس بعض العلماء المتقدمين عندهم بعض الأخطاء، ونحن نأخذ العلم عنهم؟ فالجواب عن ذلك: أن هؤلاء العلماء: أولاً: أنهم عُرفوا بلزوم السنة، ولعلَّ ما وجِدَ عندهم من هفواتٍ تنغمرٍ -بإذن الله تعالى- في خضم ما قدَّموه للإسلام والمسلمين من لزومٍ للسنة؛ من أمثال: الحافط بن حجر، والنووي وغيرهما. مع التنبيه على ما وُجِدَ في كتبهم من أخطاء. وأما كثيرٌ من أدعياء العلم في هذا العصر من أهل البدع والأهواء؛ فهؤلاء لم يعرفوا بالدعوة إلى السنة، ولا لزومها؛ فيجب الحذر منهم والبعد عنهم. نعم.
    óóóóóóóó

    السؤال: أحسن الله إليكم؛ يقول: إن بعض طلبة العلم قد افتتنوا بمشاهدة مباريات كرة القدم هذه الأيام. فما حكمها جزاكم الله خيرًا؟ الجواب: أقول لهم هذا البيت -وأكتفي به-: «قد هيَّؤوك لأمرٍ لو فطنت له .. فاربأ بنفسكَ أن ترعى مع الهملِ»
    óóóóóóóó

    السؤال: يقول: جزاكم الله خيرًا. هل من وصية للنساء في طلب العلم؟
    الجواب: أوصي أخواتي المؤمنات بالجدِّ والاجتهاد في طلب العلم، ونشره بعد أن تتثبتنَّ مما تحملتنَّ، والجد والاجتهاد في الإفادة من العلماء الأفاضل الذين ذكرت بعض أسمائهم. وكثير من النساء بعيدات عن الأوساط العلمية، فقد يفتتن بعض المتعالمين، أو بعض الذين يفتون بغير علم، أو بعض الذين يُحِلُّون لهنَّ بعض المحرمات. وأقول لأخواتي المؤمنات: ماذا ستقولين غدًا، إذا فعلتِ ما يُفتي به بعض هؤلاء؟ تقولين: أفتاني فلان؟! ومن قال لكِ أن فلان عالمٌ من العلماء؟! فلان السفيه الذي لم يُعرف إلا بمخالطة النساء، والتسكع بينهن، والتمثيل معهن، والتباكي على حقوقهنَّ على حد زعمه، وحقوقهن إنما كفلها الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا سواه. فأختي المؤمنة: أنتِ مُكرَّمةٌ معزَّزَةٌ في دين الله، والله قد أكرمكِ. فإيَّاكِ أن تُنزِّلي نفسكِ إلى مهاوي الردى التي يدعو إليها دعاة الشر، ودعاة الباطل، ودعاة الاختلاط، ودعاة أدعياء حقوق المرأة، الذين يريدونها أن تنسلخ من دينها، ويريدونكِ أن تكوني لُعبةً لهم، يتمتعون بكِ ثمَّ يرمونكِ كسَقَطِ المتاع. فالإسلام هو الذي كرَّمكِ، وعُنِيَ بكِ. فاعتني بدينكِ -أختي المؤمنة-، واسمعي هذه البشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلَّت المرأةُ خمسها، وصامت شهرها، وحفِظَت فرجها، وأطاعت بعلها، دخلت الجنَّة من أيِّ أبوابها الثمانية شاءت)). نعم.
    óóóóóóóó

    السؤال: أحسن الله إليكم. يقول: ما حكم دراستي في الجامعات المختطلة التي ابتُلينا بها في بلادنا؟
    الجواب: لا أرى الدراسة فيها، وعلى طالب العلم أن يبحث عن الأمان، وعن طريق الأمان. نعم.
    óóóóóóóó

    السؤال: وهذه أختٌ أيضًا تسأل؛ تقول: أريد أن أعلِّم أولادي حتى يكونوا علماء -بإذن الله-، وهم الآن في سن الرابعة، والخامسة، والسادسة. فمتى أبدأ معهم؟ وما هي أهم الوصايا التي تنصحني بها؟
    الجواب: الوصايا المُتقدِّمة التي ذكرنا بعضًا منها، مع العناية بهم، وحفظهم من بعض المشاهدات الخطيرة التي تعرضها القنوات المنتشرة في الساحة. نعم.
    óóóóóóóó

    السؤال: يقول: جزاكم الله خيرًا، ما هي الكتب التي يبدأ بها طالب العلم في بداية طلبه، وصولاً إلى أمهات الكتب؟
    الجواب: يبدأ بكتاب الله -عزَّ وجلَّ- فهو أعظم كتاب، ويحفظ ما استطاع منه مع التدبر والتأمل والفهم وفق فهم السلف الصالح. وإن استطاع أن يحفظ مع ذلك الأربعين النووية، وبعض المتون الأخرى كـ: "البيقونية"، أو كتاب: "من أطيب المنح في علم المصطلح"، ويبدأ بـ: "الملخص الفقهي" لشيخنا الشيخ: صالح الفوزان -حفظه الله-. ويبدأ بحفظ "الأصول الثلاثة"، "وكتاب التوحيد المجرد". ثمَّ بعد ذلك ينقلب إلى أمهات الكتب على العلماء الربَّانيين. نعم.
    óóóóóóóó

    السؤال: يقول: أحسن الله إليكم، ما هي نصيحتكم بين ما شاع وذاع من الاختلاف بين طلبة العلم، بالتبديع لأدنى شبهة تحصل للمخالف؟
    الجواب: نبهت عليها في الوصايا، وقلت: على طالب العلم أن يتَّقيَّ الله -عزَّ وجلَّ-، وأن لا يتسرَّع في تبديع إخوانه أو تفسيقهم، أو تكفيرهم، وعليه أن يحفظ لسانه، وأن يُرجِع الأمور إلى العلماء الكبار، هم الذي يُقيِّمون مثل هذه الأمور. أما ما يوجد في بعض البلاد التي لا يوجد فيها علماء؛ فتجدهم يبدِّعُ بعضهم بعضًا وهم طلبة علم صغار، وربما إنهم ليسوا طلبة علم، ويتهاجرون ويتدابرون لأتفه الأسباب، دون أن يرجعوا إلى العلماء الربَّانيين، وربما حكموا على بعضهم أو غيرهم، وربما حكموا حتى على بعض طلبة العلم الكبار بالإرجاء أو التبديع أو التفسيق أو ما إلى ذلك؛ فأُذَكِّر هؤلاء بأنهم على خطر، وأنهم سيحاسبون على كلِّ ما تتشدَّقُ به ألسنتهم.
    óóóóóóóó

    السؤال: يقول: أحسن الله إليكم. أنا في أوروبا وأريد الهجرة إلى بلاد الإسلام، فهل تنصحني -يا شيخ!- بالهجرة إلى بلدي أو إلى أي بلد آخر؟
    الجواب:
    إن وجدت سبيلاً إلى ذلك؛ فمهما كان الأمر في البلاد الإسلامية وما يوجد فيها من مخالفات؛ فإنها خيرٌ من بلاد الغرب.
    óóóóóóóó

    السؤال: يقول: شيخنا -جزاكم الله خيرًا- كما ذكرتم أن على طالب العلم أن يُجاهد نفسه في تصحيح النية؛ ولكني لا أعرف كيف أصلح نيَّتي، وكيف أُعاهدها؛ فكيف يكون ذلك؟
    الجواب: ابتعد عن الصوارف التي تصرفك، وتُقسِي قلبك، واقرأ القرآن الكريم، واقرأ الأحاديث النبويِّة، واقرأ كتب الترغيب والترهيب الصحيحة، وابتعد عن الموضوعة والضعيفة، والزم طلبة العلم الربَّانييِّن الذين ينفعونك ((مثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن تبتاع منه وإما أن يُحذيك، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة)). نعم. ولا تقسوا على نفسك بأن ترهق نفسك بالطلب، ساعةً وساعة. وابتعد عن المؤثرات الخارجية المحرمة أو المكروهة أو التي تُقسِي قلبك. نعم.
    óóóóóóóó

    السؤال:
    يقول: أحسن الله إليكم، نريد منكم نصيحة لطلبة العلم الذين لا يلقون السلام أو عليهم العبوس.
    الجواب: هذه ظاهرة خطيرة؛ وهي أكثر ما توجد عند الخوارج والتكفريين، أو عند الجهلة الذين ربما تصوروا، فإذا رأووا شخصًا مثلاً قد ابتُليَ بالتقصير؛ عبثوا في وجهه، وكشَّروا في وجهه، وهذا خطأ، أنت يجب أن تشفق عليه، وأن تتودد إليه. نعم، لا تشاركه في شيء من طقوسه؛ ولكن عليك أن تحب له الخير، وأن تجتهد في نصحه، وأن تُشعِرهُ أنك إنما توجِّه إليه النصائح من واقعِ محبتك له، ومحبتك الخير له. نعم. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)).

    óó
    óóóóóó
    السؤال: أحسن الله إليكم، يقول: نشهد الله -يا شيخ!- أننا نحبكم في الله. الشيخ: أحبكم الله. السائل: ما هو موقف طالب العلم من المسائل الخلافية؛ كمسائل الفقه وغيرها؟
    الجواب: نحيلها إلى العلماء الربَّانييِّن الذين أسلفت وصفهم، وما عرفه بعد التحرِّي والدقة والرجوع إلى قواعد أهل العلم، وكان هو قد ملك شيئًا من الصنعة والآلة العلمية، فلا بأس أن يوازن بين أدلة العلماء في المسائل الفقهية، ويأخذ ما ترجح بالدليل. أما إذا كان مبتدأً فعليه أن يرجع إلى أهل العلم في كل صغيرةٍ وكبيرة. وأما المسائل الكبار؛ حتى ولو كان طالب علم متمكِّن؛ لكن عليه أن يرجع إلى من هو أعلم منه. نعم.
    óóóóóóóó

    السؤال: يقول: أحسن الله إليكم، ذكرتم بعض المواقع على شبكة الإنترنت، فهل هناك مواقع تنصحوننا بها؟
    الجواب: أنا لست صاحب خبرة في هذه المواقع؛ لكن من علمتموه يذبُّ عن السنة؛ فالزموه، واستفيدوا منه، ومن عرفتموه -يعني- يدعو إلى البدع وإلى إحياء البدع؛ فابتعدوا عنه. نعم.
    óóóóóóóó

    السؤال: يقول -أحسن الله إليكم-: من الملاحظ في هذه الدورات عدم تناول مادة التاريخ الإسلامي فيها، علمًا بأن فيها من العبر والعظات ما نحن بحاجة إليه اليوم، فهل من كلمة حول هذا؟
    الجواب: بلى، في بعض الدورات قررنا السيرة النبويِّة، وأظن كنَّا قررنا: (الرحيق المختوم)، وغيره، وإن شاء الله تعالى في المستقبل يُنظر إلى هذا. لكن نريد السيرة المُحرَّرة الدقيقة، المبنيَّة على الصحة، وليس بعض السير الغثائية، التي تجمع ما هبَّ ودب.
    óóóóóóóó

    السؤال: أحسن الله إليكم، يقول: إن بعض طلبة العلم يقولون: إن الصلاة خلف من يستغيث بغير الله صحيحة، فهل هذا القول صحيح؟ الجواب: أبدًا، هذا القول باطل، ما قال به أحد من طلبة العلم، وأنت تقول إن طلبة العلم يقولونه! لا يمكن أن يقول هذا طالب علم، فضلاً عن عالم أو متعلم! من يستغيث بالله فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فهو مشرك، وصلاته باطلة، وبالتالي فإن صلاة من خلفه كذلك باطلة. والقاعدة عند أهل العلم: أنَّ من صحت صلاته لنفسه؛ صحت صلاته لغيره؛ حتى وإن وجد عنده تقصير في نفسه؛ لكن ليس عنده شرك، وليس عنده كفرٌ ولا مروقٌ من الدين؛ فهذا تصح الصلاة خلفه، مع أهمية التحرِّي، تحرِّي أهل التقى والصلاح. وأما أن يُقال: أن من يدعو الموتى أو يستغيث بهم أن الصلاة خلفه صحيحة؛ هذا ما يقول به مسلم فضلاً عن طالب علم. السائل: يتسائل -يا شيخ!- يقول: فإن لم يكن صحيحًا؛ فأنا قد صلَّيتُ خلف من يستغيث بغير الله سنتين؟ الشيخ: إذا كنت لا تعرف حالهم، أو كانوا مستورين؛ فلا تُلزم بالإعادة. أما إذا كنت تعلم حالهم وأنهم دعاة شرك؛ فأُحيلك إلى شيخنا: الشيخ: عبد المحسن العباد البدر واطرح عليه هذه المسألة، أو إلى سماحة المفتي. نعم.
    óóóóóóóó

    السؤال: أحسن الله إليكم يقول: هل للحرمين الشريفين ميزة على غيرهم من المساجد، خاصة في مسألة المرور بين يدي المصلي؟
    الجواب: أما الميزة من حيث العبادة؛ فلا تخفى على شريف علمكم؛ المسجد الحرام صلاةٌ فيه بمئة ألف صلاة، والمسجد النبوي الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. أما أن تكون هناك ميزة في المرور وعدم المرور هذا يرجع إلى الضرورة، والضرورة تقدَّرُ بقدرها سواء في المسجدين الحرمين الشريفين أو في غيرهما؛ إن كان الذي يمر مضطرًا فلعله معذور؛ فاتقوا الله ما استطعتم، وإن كان غير معذور فادفعه ولا تجعله يمر بين يديك. نعم.
    óóóóóóóó


    [1] [النساء: 131].
    [2] [محمد: 19].
    [3] [العصر: 1-3].
    [4] [يوسف: 108].
    [5] [الزمر: 2].

    [6] [الزمر: 11].
    [7] [القصص: 77].

    [8] [الشورى: 20].
    [9] [آل عمران: 31].
    [10] [الأحزاب: 21].
    [11] [التوبة: 24].
    [12] [الحشر: 7].
    [13] [التوبة: 100].
    [14] [النساء: 115].
    [15] [الأنعام: 90].
    [16] [الزمر: 18].
    [17] [الزمر: 55].
    [18] [النحل: 128].
    [19] [البقرة: 153].
    [20] [الفرقان: 63]
    [21] [الفرقان: 70].
    [22] [الفرقان: 77].
    [23] [الذاريات: 56].
    [24] [غافر: 60].
    [25] [البقرة: 186].
    [26] [النمل: 62].
    [27] [طه: 114].
    [28] [يوسف: 76].
    [29] [الصف: 2-3].
    [30] [البقرة: 44].
    [31] [القلم: 4].
    [32] [آل عمران: 159].
    [33] [الحجرات: 6].
    [34] [النساء: 94].
    [35] [الحجرات: 12].
    [36] [الإسراء: 36].
    [37] [ق: 16- 18].
    [38] [النساء: 83].
    [39] [النحل

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •