الوقف على: لفظ الجلالة: [إلا اللَّهُ] للشيخ جمال القرش
قال تعالى: [وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ [قلي] وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ][آل عمران: 7].
التوجيه النحوي:
توجيه الوقف يكون بالنظر إلى إعراب الواو في ( وَالراسِخُونَ فِي وَالرَّاسِخُونَ فِي) والمشهور فيها قولان:
1. أن تكون الواو مستأنفة.
2. أن تكون الواو عاطفة
القول الأول: وهو مذهب الكسائي والفراء والزجاج والأخفش [1]
والقول الثاني: قول أبي جعفر النحاس، ومكي بن أبي طالب، والزمخشري. وأبو السعود، وابن عاشور[2].
فالاستئناف باعتبار أن (الراسخون) مبتدأ خبره جملة يقولون آمنّا[3]
والعطف يكون على لفظ الجلالة مرفوع وعلامة رفعه الواو، وجملة يقولون: حال من الراسخون، أي قائلين. [4]
مناقشة التوجيهات:
والمسألة تدور حول (التأويل) فهو نوعان:
النوع الأول: نوع انفرد الله بعلمه: بمعنى: حقيقة الشيء وما يؤول إليه.
النوع الثاني: نوع يمكن وصول الخلق إليه. بمعنى التفسير والبيان.
فيكون الراسخون ابتداء بالنظر إلى الأول، وعطفا بالنظر إلى الثاني [5]
وكلا القولين مروي عن ابن عباس.
فعلى التأويل الأول يكون الوقف على ( إلا الله)
وعلى التأويل الثاني فلا وقف على ( إلا الله) [6]
أقوال المفسرين:
القول الأول: الاستئناف، وهو قَوْلُ ابن عمر وابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَالْحَسَنِ، وَعُرْوَةَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي نَهِيكٍ الْأَسَدِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، والكسائي، والفراء، والجلبائي، وَالْأَخْفَشِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَاخْتَارَهُ: والطبري، والواحدي، والسمعاني، وابن جزي ، والْخَطَّابِيُّ وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ، والشوكاني، والشنقيطي، وهو قول الجمهور.[7]
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
1-أن التأويل في كلام العرب وأكثر استعمال القرآن ما يؤول إليه معنى الكلام ويرجع، ويراد به حقيقة الشيء .كقَوْلهُ تَعَالَى: { وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يُوسُفَ: 100] وَقَوْلُهُ (9) {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الْأَعْرَافِ: 53] أَيْ: حَقِيقَةُ مَا أُخْبَرُوا بِهِ مِنَ أَمْرِ الْمَعَادِ، وهو مما انفرد الله به ولا يعلم حقيقته إلا الله [8]
2-قراءة عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ: آمَنَّا بِهِ" [9]
3-قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود لمذهب العامة: (( إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)) [10]
4-أن لفظ ( أما ) في قوله تعالى: ( فأما الذين في قلوبهم زيغ) تدل على قسم آخر يخالف الراسخون في العلم في الإيمان بأن حقائق الأمور مرجعها إلى الله .
5-أنه وَلَوْ كَانَتِ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَالرَّاسِخُونَ لِلنَّسَقِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فَائِدَةٌ [11]
6-أنه لو كان المراد عطف (الراسخون) لقال بعدها : (ويقولون) [12]
7-أن القول بأنها حال غير صحيح, لأنه لا يجوز إضمار الفعل والمفعول معاً, ولا يجوز ذكر حال إلا مع ظهور الفعل، فإن لم يظهر الفعل لا تأتي الحال, و إلا لجاز أن يقال: عبد الله راكباً [13]
8-دلالة الاستقراء في القرآن الكريم أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئا وأثبته لنفسه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك كقوله:( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) [14]
9-أن قوله:(ءامنا به) يدل على تسليمهم لأمر لم يفقهوا معناه. ويؤكد ذلك قوله تعالى: ( كل من عند ربنا) وإلا لما كان لقولهم الأخير فائدة [15]
10- أن الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم المراد بها إلا الله إذ لم يقم دليل على شيء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من لغة العرب. فالجزم بأن معناها كذا على التعيين تحكم بلا دليل" [16]
11- ما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: تلا رسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } (آل عمران:7) قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى الله، فاحذرهم .[17]
القول الثاني: وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والربيع ، وأنس، وابن قتيبة، وأبي جعفر النحاس ، ومكي بن أبي طالب، والزمخشري. وأبو السعود، وابن عاشور. [18]
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
1- دَعَاء النبي صلى الله عليه وسلم لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ"[19] قال ابن كثير: وَأَمَّا إِنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ الْمَعْنَى الْآخَرُ وَهُوَ التَّفْسِيرُ وَالتَّعْبِيرُ وَالْبَيَانُ عَنِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} [يُوسُفَ: 36] أَيْ: بِتَفْسِيرِهِ، فَالْوَقْفُ عَلَى: {وَالرَّاسِخُون فِي الْعِلْمِ} [20]
2- عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله[21] ،
3-أنه لا يوجد في القرآن أمرا مبهما غير معلوم المعنى ، فما من أية إلا وتكلم فيها الصحابة والتابعون، وهذا مقتضى قوله تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا أياته )
4-أنه لم يذكر أحد المفسرين أنه توقف عند معنى أية وقال إنها من المتشابه فلا أعلم معناها.
أقوال علماء الوقف:
الأول: تام ، وهو اختيار ابن الأنباري، والداني[22]
الثاني: لازم ، وهو قول السجاوندي[23].
الثالث: التفصيل بين التام وعدم الوقف، وهو قول النحاس، و الأشموني[24].
الرابع: لا وقف ، وهو قول الأنصاري[25].
1-قال الزجاج: فالوقْفُ التام قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) أي لا يعلم أحد متى البعث. (غير اللَّه). [26]
2-قال ابن الأنباري: « ( إلا الله) تام: لمن زعم أن الراسخين فى العلم لم يعلموا تأويله، وهو قول أكثر أهل العلم. [27]
3-قال أبو جعفر النحاس رحمه الله: الوقف تام: وما بعده منقطع منه نيف وعشرون رجلا من الصحابة والتابعين والقراء والفقهاء وأهل اللغة[28]..
4-قال أبو عمرو الداني رحمه الله: الوقف تام: على قول من زعم أن الراسخين فى العلم لم يعلموا تأويله، وهو قول أكثر أهل العلم من المفسرين والقراء والنَّحويين[29].
5-قال السجاوندي: وقف لازم في مذهب أهل السنة والجماعة، لأنه لو وصل فهم أن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه- كما يعمله الله- [ وهذا ليس بصحيح ]، بل المذهب أن شرط الإيمان بالقرآن العمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه[30].
6-قال الأنصاري: [إلاَّ الله]: تام: على قول الأكثر أن الراسخين لم يعلموا تأويل المتشابه[31].
قال الأشموني: (( تامّ إن كان والراسخون مبتدأ خبره يقولون على أن الراسخين لم يعلموا تأويل المتشابه، غير تام إن كان معطوفا على الجلالة، وأن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه[32]
حدثني الدكتور عبد العزيز القارئ، قال: عندما كانت لجنة مصحف المدينة النبوية تراجع وقوف المصحف، جرى بحثٌ علميٌّ نفيسٌ طويلٌ، استغرقَ أيامًا، في هذه الآية، فسائر المصاحف تضع هنا رمز الوقف اللازم. ورأينا أنَّ هذا الرمز يترتب عليه إبطالُ أحدِ القولين في التفسير، أو في المعنى، بينما هما وجهان صحيحان معتبران:
القول الأول: أن التأويل لا يعلمه إلا الله.
القول الثاني: أنهم يعلمون التأويل.
فعلى القول الأول يختلف معنى التأويل عنه في القول الثاني.
فالتأويل الذي يعلمُه [الرَّاسِخُونَ]هو ما خفي من معاني القرآن، وكان يحتاج إلى استنباط لا يقدر عليه إلا خواصُّ العلماء. ولذلك كان ابنُ عباسٍ- رضي الله عنهما- وهو من أخصِّ خواصِّ العلماء، وأعلم الناس بالتفسير؛ كان يصل هذه الآية ويقول: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله.
أمَّا التأويل الذي لا يعلمه أحدٌ ولا يعلمُه إلا الله فله معنى آخر، وهو معرفة كلِّ الأشياء وحقائقها المغيبة عن الإنسان مثل: حقائق ما أخبر عنه في القرآن من أحوال يوم القيامة، ومن أشياء يوم القيامة، وحقائق الصفات ونحو ذلك، هذا لا يعلمه إلا الله.
فإذا وصل فعلى المعنى الأول، أو على القول الأول.
وإذا وقف فعلى القول الثاني، فوجدنا أن رمز الوقف اللازم يصير فيه تحكم وإبطال لأحد القولين وكلا القولين صحيحان. لذلك اختارت اللجنة ألا تجعل الوقف هنا أو لا ترمز هنا إلى الوقف اللازم، بل وضعت (قلي) » [33] .
القول الراجح:
بعد عرض أقوال النحاة والمفسرين وأهل الوقف يظهر أن الرأي الراجح هو الرأي الأول بمعنى: حقيقة الشيء وما يؤول إليه.مع احتمالية القول الثاني بمعنى التفسير والبيان، فالآية لا تدل على أن في القرآن شيئاً لا يُعلم تفسيره وبيانه, لأن الآية الكريمة ذمت مبتغى تأويل المتشابه، وهو معرفة حقيقته وما يؤول إليه، وفرق بين طلب التأويل وبين طلب التفسير، فطلب التفسير غير مذموم لأنه طلب لفهم الآية ، وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين في هذا الموضع[34] .
1-قال شيخ الإسلام ابن تيمية: « وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف على قوله [وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ]وهذا هو المأثور عن أبيِّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم[35].
2-قال الشوكاني: « الذي عليه الأكثر أنه مقطوع عما قبله، وأن الكلام تم عند قوله: [إِلاَّ اللَّهُ]هذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وأبي الشعثاء وأبي نهيك وغيرهم، وهو مذهب الكسائي والفراء والأخفش وأبي عبيد وحكاه ابن جرير الطبري عن مالك واختاره وحكاه الخطابي عن ابن مسعود وأبي بن كعب» [36]
3-قال أبو جعفر النحاس رحمه الله: الوقف تام على ( إلا الله ) وما بعده منقطع منه نيف وعشرون رجلا من الصحابة والتابعين والقراء والفقهاء وأهل اللغة[37]..
رموز المصاحف:
اختلفت المصاحف في الوقف على ( إلا الله ) كما يلي
الأول: وضع علامة الوقف اللازم (مـ) أشار إليه مصحف الشمرلي بـ(الديار المصرية)، والباكستاني
الثاني: وضع علامة (قلى) أشار إليه مصحف المدينة، ودمشق
فمن وضع (مـ) لم يجنح إلى معنى التفسير .
ومن وضع (قلى) جنح إلى معنى التفسير مع تغليب الأول وهو المتشابه، وهو الذي أميل إليه لأن فيه سعة حيث يقبل الوصل على معنى التفسير، مع تغليب الأول، الذي هو بمعنى حقائق الأشياء والله تعالى أعلى وأعلم.

[1] معاني القرآن للفراء: 1/137، ومعاني القرآن لزجاج: 1/ 378، ومعاني القرآن للأخفش: 1/208
[2] معاني القرآن للنحاس: 1/123 ، ومشكل إعراب القرآن 1/ 149، والزمخشري: 1/337 ، والتحرير والتنوير: 3/24.
[3] المجتبى من مشكل إعراب القرآن: 1/109.
[4] الجدول في إعراب القرآن الكريم: 3/ 112، والتبيان للعكبري: 1/ 239
[5] التسهيل لعلوم التنزيل: 1/ 145 .
[6] انظر: تفسير القرآن العظيم/2/6: 12، وفيض القدير/1/ 473، ومجموع فتاوى1/29.
[7] تفسير الطبري: 6/176، وابن أبي حاتم ، 2/ 599، ومعالم التنزيل: 1/ 324، والقرطبي: 4/12، التسهيل: 1/ 145، وبحر العلوم: 1/138 ، والبحر المحيط 3/ 28، وفيض القدير/1/473، وأضواء البيان: 1/189.
[8] تفسير ابن كثير: 2/11
[9] تفسير عبد الرزاق رقم (377) .
[10] تفسير ابن كثير: 2/11.
[11] فتح القدير: 1/ 362
[12] أضواء البيان : (1/317)
[13] الجامع لأحكام القرآن،(5/26)
[14] أضواء البيان: 1/318
[15] أضواء البيان: 1/381
[16] أضواء البيان: 1/319
[17] رواه البخاري، باب منه آيات محكمات: رقم / 4547
[18] تفسير الطبري: 6/176، وابن أبي حاتم ، 2/ 599، ومعاني القرآن للنحاس: 1/123 ، ومعالم التنزيل: 1/ 324، ، ومشكل إعراب القرآن 1/ 149، والزمخشري: 1/337 ، وإرشاد العقل السليم: 2/8 ، والتحرير والتنوير: 3/24.
[19] أخرجه أحمد: 1/266، وصححه الألباني، قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[20] تفسير ابن كثير: 2/11
[21] الرسالة التدمرية/1/39، وتفسير القرآن العظيم/2/ 12
[22] انظر: إيضاح الوقف والابتداء ص: 292، 293 ، المكتفى: ص/195- 196.
[23] انظر: علل الوقوف: 1/361
[24] انظر: القطع والائتناف: 124-125، ومنار الهدى: 30
[25] انظر: المقصد، 155
[26] معاني القرآن للزجاج: 1/ 378
[27] إيضاح الوقف والابتداء ص: 292، 293 .
[28] انظر: القطع والائتناف: 124-125
[29] المكتفى: ص/195- 196.
[30] المقصد، 155
[31] علل الوقوف: 1/361
[32] منار الهدى: 30
[33] لقاء خاص مع فضيلته، وانظر: التقرير العلمي لمصحف المدينة المنورة: 50- 51، وللاستماع إلى اللقاء يراجع السلسلة الصوتية لكتاب زاد المقرئين.
[34] مجموع الفتاوى:13/275
[35] مجموع فتاوى ابن تيمية 1/29.
[36] فيض القدير/1/473
[37] انظر: القطع والائتناف: 124-125

أصل البحث من كتاب مسك الختام في معرفة الوقف والابتداء لـ جمال القرش