"كاد" إثباتها إثبات ونفيها نفي

أولا

تمايز معنى التراكيب في إطار الرتبة


تقوم اللغة على الاحتياج المعنوي والأهمية المعنوية ، والإنسان يتحدث بمستويات متعددة وبلغات متعددة تحت رعاية الاحتياج المعنوي غالبا واللفظي نادرا مع علامات أمن اللبس ليكون بعيدا عن اللبس والتناقض وهو غاية كل لغة من لغات العالم ،كما هو الحال في هذين التركيبين اللذين يتمايزان من حيث المعنى في إطار الرتبة نظرا لاختلاف منزلة المعنى بين أجزاء التراكيب:
يقـول العرب: ما كاد يفعل .
ويقول العرب: كاد لا يفعل .
التركيب الأول يعني :ما قارب الفعل ، أي أنه لم يفعل ،فالمقاربة منتفية والفعل منتفٍ ،أما التركيب الثاني فيعني :قارب عدم الفعل ، أي أنه فعل ، فالمقاربة مثبتة والفعل مثبت .
ثانيا

تمايز معنى التراكيب في إطار التضام

يقول العرب: ...كاد زيد يبكي .
ويقول العرب: ما كاد زيد يبكي .
التركيب الأول يعني : قارب زيد البكاء ،لكنه لم يبك ، فالمقاربة ثابتة والبكاء منتفٍ ،أما التركيب الثاني فيعني :لم يقارب البكاء ،ولم يبك ،فمقاربة البكاء منتفية والبكاء منتفٍ انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة،ومما يدل على ذلك الآيات الكريمة والأشعار التالية :
قال تعالى:"ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ""قال الزمخشري:دخلت كاد للمبالغة أي :لم يقارب الاستساغة" بدليل قوله :يتجرعه" الدال على التكلف،فهو يشرب مرغما،وقال تعالى:"ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها "أي:لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها ، بدليل قوله "ظلمات بعضها فوق بعض " وقال تعالى:"فذبحوها وما كادوا يفعلون" أي: فذبحوها بعد أن لم يقاربوا الذبح ،أو فذبحوها بعد أن كانوا بعيدين عن ذبحها ، أو ذبحوها مضطرين أو مكرهين بدون إرادة ،أو ذبحوها عن غير طيب نفس ، وقال تعالى:"حتى إذا بلغ بين السدَّين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا* قالوا يا ذا القرنين إنَّ يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا " أي:لم يقاربوا الفقه ،وهنا كذلك مبالغة بدليل الحوار الذي دار بينهم ، وقال تعالى على لسان فرعون:"أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين" أي : لم يقارب الإبانة ،وفي هذا مبالغة أيضا ، ومع أن سيدنا موسى كان مصابا بالتأتأة ،وغير فصيح اللسان تماما،وطلب من الله – تعالى- أن يبعث معه أخاه هارون لأنه أفصح منه لسانا ، إلا أن في هذا مبالغة ،وتهكم من فرعون ، لأن الله تعالى اختار سيدنا موسى لحمل الرسالة ومن غير المعقول أن يختار شخصا غير مؤهل لحمل الرسالة .
وقال زهير بن أبي سلمى :
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو//وأقفر من سلمى التَّعانيقُ فالثَّقْلُ

أي أنه قارب عدم السلوان ولكنه سلا بدليل قوله :صحا القلب .
وقال ذو الرمة :
إذا غيَّر النأي المحبين لم يكد//رسيس الهوى من حب ميَّة يبرح

فحب محبوبته باق على حاله لم يقارب البرح أو الزوال .

وبهذا يتضح أن اللغة تقوم على الاحتياج المعنوي والأهمية المعنوية ، وأن الإنسان يتحدث بمستويات متعددة وبلغات متعددة تحت رعاية الاحتياج المعنوي غالبا واللفظي نادرا مع علامات أمن اللبس ، وأن الإنسان يتحدث بحسب الأهمية المعنوية في الأصل وفي العدول عن الأصل ،وأن منزلة المعنى هي الضابط والمعيار في تمايز معنى وإعراب و نظم التراكيب ، وباختصار:الإنسا يتحدث تحت رعاية الأهمية المعنوية وعلامات أمن اللبس، ويكفي المتكلم أن يقول كلاما مفهوما بعيدا عن اللبس والتناقض .