في فنون أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي:
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 49
5اعجابات

الموضوع: في فنون أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي:

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي في فنون أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي:

    بسم الله الرحمن الرحيم.
    وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.


    مواضيع في فنون أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي:



    ملاحظات:
    - العناوين من وضعي في الغالب.
    - المواضيع على مذهب أهل السنة والجماعة.



    1- الإختلاف في عدد مجلدات الفنون:

    قال ابن رجب (يتحدث عن ابن عقيل):
    وأكبر تصانيفه: كتاب " الفنون " وهو كتاب كبير جدًا، فيه فوائد كثيرة جليلة، في الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصلين، والنحو، واللغة، والشعر، والتاريخ، والحكايات. وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره ونتائج فكره قَيَّدَها فيه.
    وقال ابن الجوزي: وهذا الكتاب مائتا مجلد. وقع لي منه نحو من مائة وخمسين مجلدة ..
    قلتُ: وأخبرني أبو حفص عمر بن علي القزويني ببغداد، قال: سمعتُ بعض مشايخنا يقول: هو ثمانمائة مجلدة.

    (كتاب ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب)


    2- أفضل وصف لكتاب الفنون:

    قلتُ: أفضل وصف وجدتهُ لكتاب الفنون; هو قول ابن عقيل في المجلد الثاني من كتاب الفنون:
    تُنتخب الفضائل من أفواه الرجال، وبطون صحائف العلماء، وما يسنح به الخاطر من الله تعالى فنسطّره.
    أو قول ابن عقيل في المجلد الأول من كتاب الفنون:
    فما أزال أعلق ما أستفيده من ألفاظ العلماء ومن بطون الصحائف ومن صيد الخواطر التي تنثرها المناظرات والمقابسات في مجالس العلماء ومجامع الفضلاء، طمعا في أن يعلق بي طرف من الفضل أبعد به عن الجهل، لعلي أصل الى بعض ما وصل اليه الرجال قبلي. ولو لم يكن من فائدته عاجلا إلا تنظيف الوقت عن الاشتغال برعونات الطباع التي تنقطع بها أوقات الرعاع . وعلى الله قصد السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل.



    3- ابن نبال; وباع ملكا له واشترى كتاب الفنون وكتاب الفصول لابن عقيل:

    قال ابن الجوزي:
    ابن الحسن العكبري ابو محمد المقرئ، ويعرف بابن نبال، سمع ابا نصر الزينبي وابا الغنائم بن ابي عثمان وعاصما وغيرهم، وحدث وتفقه على ابي الوفاء بن عقيل وابي سعد البرداني، وكان صحيح السماع من اهل السنة. وباع ملكا له واشترى كتاب الفنون وكتاب الفصول لابن عقيل، ووقفهما على المسلمين.

    (كتاب المنتظم لابن الجوزي).




  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي




    4- شذرة وعظية:

    ما أشد شؤم المعاصي! أبونا بينا يسمع قول الله لملائكته (اسْجُدُوا لِآدَمَ) حتى سمع النداء (اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا).
    بينا يرفل في حلل من السندس والاستبرق، حتى طفق يخصف على عورته من الورق! وإذا أردتَ أن تتلمح القدر السابق، فانظر الى قوله السابق: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً). خليفة في الارض ما يصنع في الجنة ؟

    ساقته الكلمة السابقة والعلم السابق إلى المستقر: ( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ.).
    (كتاب الفنون)


    5- ذمّ الاسترسال والانبساط:

    قال حنبلي:
    اعلم أنه سبحانه قد نبّهك على حفظ حرمك، وإلغاء الثقة عليهم بمن طالت صحبته وحسنت سيرته وتربيته، حيث أعلمك أن كريما من أولاد خيار الأنبياء; كان بين عزيز رباه و سيدة كريمة أكرمت مثواه، حانت منه معها خلوة، ثارت بينهما هَمّة، قارب بها حصول الفتنة والمحنة، لولا تدارك الباري له بالعصمة، وإقامة البرهان لصرف الهمة.
    من أين لك اليوم مثل ذلك الكريم؟ ومن أين لمن يخلو باهلك عصمة تطرد الهمة وبرهان يحول بينه وبين الفتنة؟ فالله الله على الثقة بإنسان مع نصح القرآن بهذا البيان.
    أما رأيت صاحب شريعتك كيف قال لزوجتين كريمتين خليا بأعمى من كرام الصحابة، فقال لهما في ذلك، فقالا: (يا رسول الله إنه أعمى)، فقال : (أفعمياوان أنتما لا تبصرانه؟). وأمر الغلام الوضيء الوجه أن يدور من وراءه.
    فإذا كان الشرع على هذا الاحتياط، فما هذا الاسترسال منكم والانبساط ؟ يقول الواحد منكم في الركابي والفرّاش إن كان شيخا: (هذا ربى أهلي) وإن كان حدثا: (هذا رباه أهلي). كذا يكون الفطناء ؟!
    هل قصد الباري الإزراء على أولاد الانبياء حين قص لك قصصهم في المكر والعداوة وإطلاق القول بما كان الباطن خلافه؟ لا ، ولكن قصد بذلك إيقاظك عن الإصغاء والاسترسال إلى قول بالبادرة لحسن الثقة، وأمرك بالتوقف عند كل شبهة، والتحرز من حسد الحاسدين، وكتم النعم عن السعاة في إزالتها من المفسدين.

    (كتاب الفنون)


    6- شذرة:

    قالوا: إساءة المحسن منع جدواه، وإحسان المسيء كف أذاه.

    (كتاب الفنون)


    7- من كلام أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه:

    كم مستدرج بالاحسان اليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله سبحانه أحداً بمثل الاملاء له.

    (كتاب الفنون)

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي



    8- توضيح:

    كان أبو الهذيل العلاّف شيخ المعتزلة في وقته، يرى أن ليس فعل مباح، بل الاعمال الواقعة منا لا تخلو أن تقع طاعة أو معصية.
    فقال له رجل كوفي: ألست تقول إن أفعالك لا تخلو من طاعة أو معصية؟
    قال: بلى .
    قال: فلُبسك ثيابك هذه الجدد طاعة لله أو معصية له؟
    فقال: إن كنت لبستها لأظهر بها نعمة الله عليّ، وأؤدي فيها فرائضه، فذلك داخل تحت قوله: (خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ). وإن كنت لبستها لأباهي بها الأغنياء، ولأغايظ بها الفقراء فهي معصية. ولا يمكنني أن أقول مفصحاَ (إني لبستها أريد بلبسي لها الجهة المحمودة) فأكون مزكّيا لنفسي، والله تعالى يقول : (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ). ولا أقول (لبستها للجهة المذمومة) فأكون قد فضحت نفسي، وقد نهاني الله عن ذلك بقوله: (لا يزال العبد في ستري ما ستر على نفسه)، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم ): من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله.
    قال حنبلي :
    قد أخلّ أبو الهذيل في تقسيمه بقسم يخلو من طاعة و معصية. وهو أن يلبسها للذة نفسه: إما لدفع البرد أوالحر، من غير أن يخطر بباله ستر عورة، أو قصد زينة لمسجد، أو إظهار نعمة الله، أو مباهاة لأحد، أو قصدا لمغايظة أحد.
    ولا يمكنه أن يقول إنه ليس لنا فيما يقع من أفعالنا حالة ذهول عن الأمريْن الذيْن ذكرهما. اللهم إلا أن يقول لا يجوز له أن يلبس إلا بنيّة، وأنه لا يخلو من قصد المباهاة، فذلك مكاثرة لما نجده من نفوسنا من الحالة الثالثة; وهي حالة غفلتنا عن القسميْن اللذين ذكرهما.

    (كتاب الفنون)


    9- شذرة:

    مع كل منظر حسنٍ رقيبٌ ينقِّص بهجته وينغِّص لذته.
    (كتاب الفنون)


    10- في تصغير واصل:

    قال أبو زيد: قلت للخليل:
    لِم قالوا في تصغير واصل (أُوَيْصل) ولم يقولوا (أُووَيْصل) ؟
    قال: كرهوا أن يشبه كلامهم نبح الكلاب .

    (كتاب الفنون)







  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    11- فصل جرى في االجزية هل تسقط بالإسلام:

    قال حنبلي: عقوبة تجب بالكفر، فسقطت بالإسلام، كالقتل.
    قال الشيخ الإمام جمال الإسلام أسعد: إن أردت أنها في الأصل عقوبة، مسلَّم، وأما إن أردت أنها تستوفى عقوبة، فلا. وكيف تكون عقوبة وقد جعلت الذمي محقون الدم، مبسّطا في دارنا، محمي الجانب بيننا ... فكيف تدعيها عقوبة وقد جلبت هذه الكرامة ؟
    فأجاب الحنبلي المحقق عن هذه الجملة:
    أنا أرثي له من هذه الكرامة. فإنك إذا خلفتَ إقامته في دار الإسلام، رأيته مذلة لا كرامة .
    فأقول:
    نصراني جاء من بلاد الروم، من دار الحرب، وهو حرب، فأُعطي الأمان، وكان معه تجارة، وله قريب ذمي في دارنا. فقال: ( كيف أنت هاهنا؟ حتى إذا كان مقامك كريما عقدتٌ معهم الذمة وأقمت عندك)
    وأنا أوازن ما ذكرتَ وما أذكرُه، هل هو مخرج لما ذكرتَ من كونه كرامة أم لا.
    فقال: حدثني، أنا رجل أتجر هناك في الخمر والخنازر، وأنجر الصلبان. هل هنا سوق أبيع فيها هذا ؟
    قال: لا، ومتى أظهرتها لتتجر فيها أهرِقت، وقُتلت الخنازير، وكُسرت الصلبان، وصٌفعت الصفع الوجيع.
    قال: هذه واحدة في المال. حدثني، فإن أردتُ أن أقعد على دكاني لبيع البقالة لا الخمر، أتلو الانجيل بصوتي، أقَرّ على ذلك؟
    قال له: في نية الذمي لا. بل تُصفع الصفع الوجيع.
    قال: أردت أن أخرج من فواضل أموالي ما أبني الى جنب بيعتكم هذه بيعة أخرى، أو في محلة أخرى. أمكَّن من ذلك؟
    قال: بل تُصفع وتُضرب ويُهدم ما بنيت.
    قال: أنا رجل أضرب بالناقوس هناك. فهل إن ضربت به هاهنا أمكَّن من ذلك؟
    قال: بل تُصفع وتُضرب ويُكسر الناقوس على رأسك.
    قال: فإن مات لي صديق فأخرج جنازته بالقرابين والشموع نهارا. أمكَّن من ذلك؟
    قال: وأيّ منعٍ! صفع، و ضرب، وتكسير الشموع، وتفريق الجموع، وصفع القرابين.
    قال: فإن كنت على دكاني، فأردت أن أتناول قدحا من خمر، كما أتناول قدح سكنجبين. أُمنَع من ذلك؟
    قال: وتُصفَع، ويكسر قدحك على رأسك.
    قال: فإن أردت أن أدفن ميتتي في مقبرة من مقابرهم، أو أبني قبة في تلك المقبرة. أُمنَع من ذلك ؟
    قال: وأيّ منعٍ! يُنبش ميتك فيُرمى به عليك، وتُصفع أنت وتٌضرب.
    قال: فإن دخلت الى دار كتبهم، فوجدت قوما يتفاوضون ويتناظرون في المذاهب، فأفضت في نصرة التثليث، أمكَّن من ذلك ؟
    قال: تُصفع. وربما رأى بعض المسلمين قتلك، وبعضهم نفيك الى دار الحرب.
    فإنه إذا كان صحيح العقل، قال: هذه الكرامة التي أشرت إليها: إما أنك ضعُف عقلك فتمنيتَ الحبس و الحصر و الذل والإهانة كرامة،
    أو أنك رجل رأيت نفسك قد سُلّت من السيف، يسهل عندك ضنك العيش. وإلا فجميع ما ذكرتَ مما سألتك عنه فهو الحصر و الكمد ونغصة العيش. واللهِ لقد ضيقتَ أنفاسي، فضاق عليّ المقام الى حين خروجي بهذا العيش الذي وصفته.

    (كتاب الفنون)


    12- المؤمن لا يذل نفسه:

    عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المؤمن لا يذل نفسه.
    قيل: يا رسول الله، فكيف يذل نفسه؟
    قال: يتعرض من البلاء ما لا يطيق.

    (كتاب الفنون)




  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    Post


    13- شذرة:

    قال سفيان بن عيينة:
    الناس كلهم جميعا يحبون أن يموتوا فجأة ولا يدرون! ألا تراهم كلهم يعلم أنه يموت ولا يحب أن يمرض؟
    قال حنبلي:
    صدق، لأنّ الموت بغير مرض هو الفجاءة.

    (كتاب الفنون)


    14- دعوة إلى النظر والتدبر:

    قال حنبلي :
    من فتح عينه على هذا الفضاء الفسيح، ورأى هذه الدار الواسعة العريضة، ذات الجبال الراسية، والبحار الزاخرة، والاشجار الباسقة، والأودية العميقة، والأنهار العذبة الجارية، والرياح الناشبة، والسحب الثائرة، وفي خلالها البروق اللامعة، وسمعَ زمجرة الرعود الزاجرة، السائقة للعموم الى القيعان الداثرة، المنشئة للأزهار المتنوعة، ورأى المعادن المعدة للحوائج العارضة، ورفع رأسه إلى الأفلاك الدائرة، والنجوم الزاهرة، ثم لا يمعن النظر و يحقق الفكر في هذه الأمور المشحونة بدلائل العبر، ثم يخرج من هذه الدار إلى الأخرى وما علم ولا خبر، هذا بمثابة طين عُمل لبناء ثم سال عائدا الى المقلع بصوت المطر، إذ لم يستفد بالوجود فائدة، بل ذاق مرارة الموت التي لم تقاومها حلاوة الوجود. غاية ما حصل من الدار ما عبلت به بنيته من الطعام و الشراب، واستعادته إليها مع تطاول العصور والأحقاب.

    (كتاب الفنون)


    15- شعر في ابن بقية الوزير لما صُلِب:

    قال أبو الحسن محمد بن عمر الانباري في ابن بقية الوزير لما صُلِب:

    لم يلحقوا بك عارا إذ صلبتَ بل باؤوا بعارك ثم استرجعوا ندما
    وأيقنوا أنهم في في فعلهم غلطوا وأنهم نصبوا من سؤدد عَلَماً
    فاستدركوه وواروا منك طوراعُلىً بدفنه دفنوا الأفضال والكرما
    لئن بليتَ فما يبلى نداك ولا تنسى وكم هالك ينسى إذا قدما
    تقاسم الخلق حسن الذكر منك كما ما زال مالك بين الخلق مقتسما
    بقية الجود فينا كنت فانقرضت فليس نعدم مذ فارقتنا العدما
    وكنت لله فينا أنعما سلبت ولو بقيت لنا لم نسلب النعما
    وكيف ينساك حر لم يجد عوضا مذ مت عنك و لا يبكي عليك دما

    (كتاب الفنون)
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ماجد مسفر العتيبي

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي



    16- لقد عظم الله سبحانه الحيوان، لا سيما ابن آدم:

    قال ابن رجب، يتحدث عن ابن عقيل:

    (فمن ذلك ما قاله في الفنون:

    لقد عظم الله سبحانه الحيوان، لا سيما ابن آدم، حيث أباحه الشرك عند الإكراه، وخوف الضرر على نفسه، فقال: " إلاَّ مَنْ أكْرهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان " النحل: 106.
    من قدَّم حرمة نفسك على حرمته، حتى أباحك أن تتوقى وتحامي عن نفسك بذكره بما لا ينبغي له سبحانه، لحقيق أن تعظم شعائره، وتقر أوامره، وزواجره. وعصم عرضك بإيجاب الحدّ بقذفك، وعَصَم مالك بقطع مسلم في سرقته، وأسقط شطر الصلاة لأجل مشقتك، وأقام مسح الخف مقام غسل الرجل إشفاقًا عليك من مشقة الخلع واللبس، وأباحك الميتة سدًّا لرمقك، وحفظًا لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجلٍ، ووعيد آجل، وَخَرق العوائد لأجلك، أنزل الكتب إليك. أيحسن بك - مع هذا الإكرام - أن تُرى على ما نهاك منهمكًا، وعما أمرك متنكبًا، وعن داعيه معرضًا، ولسنته هاجرًا، ولداعي عدوك فيه مطيعًا؟ يعظمك وهُوَ هُو، وتهمل أمره وأنت أنت. هو حط رتب عباده لأجلك، وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجُدها لك.
    هل عاديتَ خادمًا طالتْ خدمته لك لترك صلاة. هل نفيته من دارك للإخلال بفرض، أو لارتكاب نهي. فإن لم تعترف العبيد للموالي، فلا أقل من أن تقتضي نفسك للحق سبحانهُ، اقتضاء المساوي المكافي.
    ما أوحش ما تلاعب الشيطان بالإنسان بينا يكون بحضرة الحق، وملائكةُ السماء سجودٌ له، تترامى به الأحوال والجهالات بالمبدأ والمآل، إلى أن يوجد ساجدًا لصورة في حجر، أو لشجرة من الشجر، أو لشمسٍ أو لقمر، أو لصورة ثور خار، أو لطائر صفرة ما أوحش زوال النعم، وتغيّر الأحوال، والجَوْرَ بعد الكور.
    لا يليق بهذا الحي الكريم الفاضل على جميع الحيوان أن يُرى إلا عابدًا للّه في دار التكليف، أو مجاورًا لله في دار الجزاء والتشريف. وما بين ذلك فهو واضع نفسه في غير مواضعها.

    (كتاب ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب)


    17- ومن كلامه في تقرير البعث والمعاد:

    قال ابن رجب، يتحدث عن ابن عقيل:
    ومن كلامه في تقرير البعث والمعاد:
    واللّه لا أقنع من الله سبحانه بهذه اللمحة التي مزجت بالعلاقم، ولا أقنع من الأبدي السَّرمدي ولا يليق بذا الكرم إلا إدامة النعم. والله ما لوّح إلا وقد أعدّ ما تخافه الآمال. وما قدح أحدٌ في كمال جود الخالق وإنعامه بأكثر من جحده البعث مع تشريف النفوس، وتعليق القلوب بالإعادة، والجزاء على الأعمال الشاقة، التي هجر القوم فيها اللذات، فصبروا على البلاءة طمعًا في العطاء.
    ويَدُلُّ على أنّ لنا إعادةً تتضمن بقاءً دائمًا، وعيشًا سالمًا: أن أصح الدلالة قد دلّت على كمال البارىء سبحانه وتعالى، وخروجه عن النقائص. وقد استقرينا أفعالَه، فرأيناهُ قد أعدّ كل شيء لشيء. فالسمعُ للمسموعات، والعين للمبصرات، والأسنان للطحن، والمنخران للشمّ، والمعدة لطبخ الطعام. وقد بقي للنفس غرض قد عجن في طينها: وهو البقاء بغير انقطاع، وبلوغ الأغراض من غير أذى. وقد عدمت النفس ذلك في الدنيا. ثم إنا نرى طالما لم يقابل ولا تقتضي الحكمة لذلك. فينبغي أن يكون لها ذلك في دار أخرى.
    ولا أنظر إلى صُورة البلى في القبور، فكم من بداية خالفتها النهاية. فإن بداية الآدمي والطير ماء مُسَخَّن مستقذَرٌ ، ومبادي النبات حَبٌّ عَفِن، ثم يخرج الآدمي والطاوس. وكذلك خروجُ الموتى بعد البلى.

    (كتاب ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب)


    18- رؤيا:

    قال ابن رجب:
    قال ابن عقيل: وبينا أنا نائم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، لاحت لي مقبرة، وكأن قائلاً يقول: هذه خيم البلى، على باب الرجاء وعلى الوفاء. قال: وهذا الإلقاء من الله تعالى لكثرة لهجي بالبعث، وتشوفي إلى الاجتماع بالسلف النطاف، وتبرمي من مخالطة السفساف.
    (كتاب ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب)


    19- لا يعظم عندكَ بَذْلُك نفسك في ذاتِ الله:

    قال ابن رجب:
    وكان ابن عقيل يقول: لا يعظم عندكَ بَذْلُك نفسك في ذاتِ الله فهي التي بذلتها بالأمس في حب مغنية، وهوى أمرد، وخاطرتَ بها في الأسفار لأجل زيادة الدنيا. فلما جئت إلى طاعة الله تعالى عظمت ما بذلتَه، والله ما يحسن بذل النفس إلا لمن إذا أباد أعاد، وإذا أعاد أفاد، وإذا أفاد خلد فائدته على الآباد. وذاك الله الذي يحسن فيه بذل النفوس، وإبانة الرءوس. أليس هو القائل: " وَلاَ تَحْسَبَن الذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أمْوَاتًا " آل عمران: 170.
    (كتاب ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب)




    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ماجد مسفر العتيبي

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    20- شعر في العَين:

    يا من تشكّى وجع العين ... حاشى لعينيك من الشين
    عين من الناس أصابتهما ... ما أسرع العين إلى العين

    (كتاب الفنون)


    21- أبو يوسف القزويني:

    قال الذهبي:
    قال ابن عقيل في فنونه :
    قدم علينا من مصر القاضي أبو يوسف القزويني، وكان يفتخر بالاعتزال، ويتوسع في قدح العلماء، وله جرأة، وكان إذا قصد باب نظام الملك؛ يقول: استأذنوا لأبي يوسف المعتزلي. وكان طويل اللسان بعلم تارةً، وبسفه تارةً، لم يكن محققاً إلا في التفسير، فإنه لهج بذلك حتى جمع كتاباً بلغ خمس مئة مجلد، فيه العجائب، رأيت منه مجلدةً في آية واحدة، وهي: "وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ" ، فذكر السحر والملوك الذين نفق عليهم السحر، وتأثيراته وأنواعه.

    (سير أعلام النبلاء للذهبي).


    33- من كلام بزرجمهر:

    لم أر ظهيرا على تنقل الدول كالصبر، ولا مذلا للحساد كالتجمل، ولا مجلبة للاجلال كتوقي المزاح، ولا مجلبة للمقت كالكبر والعجب، ولا مخلقة للمروءة كاستعمال الهزل في مواطن الجد.
    (كتاب الفنون)



    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ماجد مسفر العتيبي

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي



    23- مسألة في الطلاق:

    قال ابن رجب:
    نقلت من بعض تعاليق الإمام أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه اللّه. مما نقله من الفنون لابن عقيل:
    حادثة رجل حلف على زوجته بالطلاق الثلاث: لا فعلتِ كذا، فمضى على ذلك مدة، ثم قالت: قد كنتُ فعلتُه. هل تصدق مع تكذيب الزوج لها. أجاب الشريف الإمام أبو جعفر بن أبي موسى: تُصَدَّق ولا ينفعه تكذيبه. وأجاب الشيخ الإمام أبو محمد: لا تصدق عليه، والنكاح بحاله.
    قلتُ: أبو محمد: أظنه التميمي.

    (ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب).


    24- شذرة:

    وليس يجهل العبد أن أوقات الموقف الأشرف المقدس ~ دام جلاله~ كلها مصروفة الى برد غلة ضمئان، أو سد خلة لهفان، فلا جرم أن عنايات الله تعالى بها تامة.
    (كتاب الفنون)


    25- فصل في توديع :

    وقد استعجلت الاستيحاش له، وتسلّفت الاشتياق إليه، والرِّكاب مُناخة، والدار بعدُ جامعة. فكيف حالي إذا .. وانقطعت العلائق، فضربت النوى بيننا سياجها، وزحمت بعضاً على بعض بمناكبها، وتعلّلنا بعد العين بالأثر، وبعد اللقاء بالخبر. وإلى الله أرغب في أن يفيض عليك جلباب السلامة راحلاً و نازلاً، ويجعلك في ضمان الكفاية مقيماً وضاعناً، ويوردك المقصد الذي تقصده، والمرمى الذي ترمي نحوه، محفوظاً بيده الطولى، ملحوظاً بعينه اليقظى، إنه سميع الدعاء سابغ النعْماء.

    (كتاب الفنون)


    26- الفتنة من ثلاث وجوه:

    قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه:
    الفتنة من ثلاث وجوه: حب النساء وهن سيف إبليس المرهف، وحب الأشربة، وهو فخ إبليس الصيود، وحب الدينار والدرهم، وهو سهم إبليس المسموم.

    (كتاب الفنون)


    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ماجد مسفر العتيبي

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    2,711

    افتراضي

    سلمت يمينك يا ابا المجد

    وسبحان الله كيف جعل الانباري سبباً لابن بقية فلم ينسى حتى اليوم
    لئن بليتَ فما يبلى نداك ولا *** تنسىوكم هالك ينسى إذا قدما
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو المجد الفراتي
    الليبرالية: هي ان تتخذ من نفسك إلهاً ومن شهوتك معبوداً


    اللهم أنصر عبادك في سوريا وأغفر لنا خذلاننا لهم

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    27- في المنافقين:

    قال ابن مفلح:
    قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: قَالَ تَعَالَى : { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ } .
    أَيْ : مَقْطُوعَةٌ مُمَالَةٌ إلَى الْحَائِطِ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا وَلَا هِيَ ثَابِتَةٌ ، إنَّمَا كَانُوا يَسْتَنِدُونَ إلَى مَنْ يَنْصُرُهُمْ ، وَإِلَى مَنْ يَتَظَاهَرُونَ بِهِ {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } لِسُوءِ اعْتِقَادِهِمْ { هُمْ الْعَدُوُّ } لِلتَّمَكُّنِ بَيْنَ الشَّرِّ بِالْمُخَاطَبَة ِ وَالْمُدَاخَلَة ِ.

    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    28-فصل في استخراج حكمة الله و قدرته :

    أنظر إذا أردنا نحن أن نؤلم الفيل لم يمكنا ذلك، إلا أن نعمل له آلة كبيرة لنوصل بها الألم، كالدافوقة الكبيرة، والمطرقة الغليظة، والعاقوس الكبير المسقيّ. و الباري إذا أراد إيلامه خلق البقّة والجرسسة. والجرسسة حيوان لا يتحصل لنا منه شكل نقدر أن نصوره ولا نشكله، بل يصغر عن أن نعمل برأس القلم مثله.
    فوصّل الألم به الى تلك الخلقة العظيمة، و الجثة الجافية الكبيرة. ليعلم العالمون أنّا نقوى بالعمل لا بالآلات، وإنما الآلات علامات ظاهرة، ولو كانت أعمالنا بها لكانت بحسبها، فلما كبُرت عليها عُلم أنها بنا جاءت، لا بها. والله أعلم.

    (كتاب الفنون)


    29- حادثة:

    رجل حلف بالطلاق أنه ليس كل الناس ولد آدم، لأنه قد قال بعض المفسرين في الآية (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا ) أنه كان في بعض الأزمان يخلق الله من الطين قوما لا بالتوالد.
    فقال حنبلي: هذا ليس طريقا صحيحا. لأنه لو كان ذلك كذلك، لكان نسل آدم انقطع، وصار هؤلاء المخلوقون آباء مَن بَعدَهم حتى انقطع نسل آدم. وهذا أمر يحتاج الى نقل متواتر، لا يكفي فيه قول بعض المفسرين.
    ولكن الخلاص لهذا الخلاف من وجه آخر. و هو أن آدم وحواء إنسانان، وليس واحد منهما ولد لآدم ولا لغيره، إذ لا والد لهما.
    فقد خرج من الناس اثنان ليسا بولدين لآدم ، فبرّ في يمينه.
    والله أعلم.

    (كتاب الفنون)


    30- حديث نبوي:

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: من استنجى من ريح فليس منّا.

    (كتاب الفنون)




  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ماجد مسفر العتيبي مشاهدة المشاركة
    سلمت يمينك يا ابا المجد

    وسبحان الله كيف جعل الانباري سبباً لابن بقية فلم ينسى حتى اليوم
    لئن بليتَ فما يبلى نداك ولا *** تنسىوكم هالك ينسى إذا قدما
    ---
    شكرا بارك الله فيك أيها الأخ الكريم.

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي



    31- مبادرة اللحظات في طلب العلم:

    قال ابن رجب:
    ذكر ابن عقيل في فنونه:
    قال حنبلي : أنا أقصرُ بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سفّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبزة، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرًا على مطالعة، أو تسطير فائدة، لم أدركها فيه.

    (ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب).


    32- في ملازمة أهل الميت لقبره:

    تذاكرنا يوماً ملازمة أهل الميت لقبره، فقلت أنا عذراً لهم:
    إنهم أحباب فارقوا بمعانٍ، وهي الأرواح و الأخلاق و النطق و الحس. ولم يبقَ عندنا منهم أثرٌ سوى الصوَر التي في الحفر، ولو أمكن تركها على وجه الأرض لتُركت، ولكنها مُنعت بسوء الرائحة والاستحالات الجثثية، فأودعت في التُرَب، وبه حُفظت. والذي بلغ إليه الجهد والطاقة والوسع ملازمة تلك الوهاد ، التي تضمنت تلك الأجساد ، من الأسلاف و الأولاد. ولا عيب على عاقل ألف كلاًّ، ففاته معظم ذلك الكلّ، ووجد بعضه، فلزم ما وجد لعجزه عما فقد، ولم يترك ما قدر على وصاله وقربه، لما عجز عن وصله ببعده.
    وكيف لا يُعذَر من تمسّك ببقعة تضمنت قالب الروح وهيكل النفس، وهو وطن لتلك الجوهرة العجيبة والنكتة الغريبة ؟ ومعلوم تمسّك النفس بآثار الظاعنين، كالديار و الجدار. وقد شبّبت الشعراء في أشعارها بآثار القدور والأحواض وتخاطيط البيوت ومراتع النعم، وما ذلك إلا لوجدٍ في النفس وشغف في القلب بآثار المألوفين. ومن أنكر ما اصطلح عليه العقلاء، فقد قال النكر وأبدع في القول.
    فأما مذهبي أنا الملازمةُ لباب من أخذ المألوف مني و سلبني، وهو الذي أعطاني في الأول ووهبني، ملازمةً أطلب منه فيها جمع ما شتّ من الشمل، ووصْلَ ما قطع من الحبل، تعويلا على وعْد دار السلام، الجامعة لأهل الإسلام. وأقول بدلاً من تعداد المعدّدين على القبور، ما يسلّي قلبي ويروّح روحي:
    سيّدي ! لا أعرف بولدي أو والدي سواك، من عندك جاء وإليك رجع، وفيما بين وهبتَه و سلبتَه قد ألفتُه وألفني، وأنستُ به وأنت آنستني. وأنا أعلم قدرتك على الإعادة حسبما ابتدأتَ، فبعزّتك ألا سكّنت نيران شوقي إليه بجمعي وإياه على ما كنا من طيب العيش ! فطالما كنا نتذاكر الثقة بوعدك حتى تركنا كثيرا من نقود العيش، ونتذاكر وعيدك حتى خفنا فهجرنا ملذوذ الطبع. فيا كامل الحكمة ! بلّغنا آمالنا فيك. ويا كامل القدرة ! أعدنا إعادة تظفرنا فيها بما رجوناه من فضلك ! وها أنا على بابك أيها الكريم أقتضيك بما لا يعزب عنك، و لا غناء لي عنه، فلا تخيّب قصدي في وعدي، و لا قصد سعيي في عقدي، واحفظ لي عندك روح هذا المفقود الذي كنتُ بالأنس معه على أكمل لذة و أتمّ نعمة، وها هو اليوم رهين هذه الحفرة، وأنا في أثره .
    فلا أزال أطالبك بما آتيتني من أدوات الطلب حتى تنفذ أو تقف بي على المطلب. يا ملك الدنيا والآخرة ! ارحم هذه الأعظم النخرة. يا حنّان، يا منّان ! يا من مَنّ بالإيجاد قبل الإشاقة بالوعد ! مُنّ بالإعادة، فقد شوّقتنا إلى البعث.

    (كتاب الفنون)


    33- شذرة :

    هو رب حقيقة. هل كنت أنت عبدا له حقيقة ؟ هل في الوجود من كان لله قَطّ كما كان الله له ؟
    (كتاب الفنون)


    34- قال بعض الخبراء بالزمان وأهله :

    إن حسن الظن في هذا الزمان وأهله عجز، والرجاء لهم طمع، والثقة بهم فساد تصور. ومن تكشفت له أحوالهم، وأنس بهم وإليهم، فما يُؤتى إلا من قِبَل نفسه، والله سبحانه وتَعالى بريء من عهدة بلائه ومصابه، لأنه سبحانه قص قصص الاوائل، و ما تم منهم وعليهم، وكشف أحوال الثواني بالملابسة لهم ممن لم يردعه الخبر، و لا حذّره النظر; فهو كالفراشة تطيش في الضياء وتنغمس في اللهبة فتحرق نفسها. فلا رحم الله من هذه صفته، يقتحم النار ببصره.

    (كتاب الفنون)



  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي



    35- في مخالطة السلطان:

    قال ابن مفلح: قَالَ ~ابن عقيل~ فِي الْفُنُونِ:
    أَكْثَرُ مَنْ يُخَالِطُ السُّلْطَانَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلَى تَنْفِيقِ نُفُوسِهِمْ عَلَيْهِ بِإِظْهَارِ الْفَضَائِلِ وَتَدْقِيقِ الْمَذَاهِبِ فِي دَرَكِ الْمَبَاغِي وَالْمَطَالِبِ، يَبْلُغُونَ مَبْلَغًا يَغْفُلُونَ بِهِ عَنْ الصَّوَابِ؛ لِأَنَّ السَّلَاطِينَ دَأْبُهُمْ الِاسْتِشْعَارُ ، وَالْخَوْفُ مِنْ دَوَاهِي الْأَعْدَاءِ، فَإِذَا أَحَسُّوا مِنْ إنْسَانٍ تَنَغُّرًا وَلَمْحًا تَحَرَّزُوا مِنْهُ بِعَاجِلِ أَحْوَالِهِمْ. وَالتَّحَرُّزُ نَوْعُ إقْصَاءٍ، فَإِنَّهُ لَا قُرْبَةَ لِمَنْ لَا تُؤْمَنُ مَكَايِدُهُ وَعَنْهُمْ يَفْتَعِلُونَ الدَّوَاهِيَ لِمَا عَسَاهُ يُلِمُّ بِجَانِبِهِمْ، فَإِنَّ التَّغَافُلَ أَصْلَحُ لِمُخَالَطَتِهِ مْ مِنْ التَّجَالُدِ وَإِظْهَارِ اللَّمْحِ، فَإِنَّ لِلسُّلْطَانِ كَنْزًا لَا يَجِبُ ظُهُورُهُ إلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَيَخَافُ مِنْ تَكَشُّفِ أَحْوَالِهِ الدُّخُولَ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الْخِبْرَةِ بِهِ، وَالْأَوْلَى فِي الْحِكْمَةِ أَنْ لَا يَنْكَشِفَ الْإِنْسَانُ بِخُلُقٍ فِي مَحْبُوبِهِ وَلَا مَكْرُوهِهِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ مِنْهُ.

    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    36- حكمة:

    التجني رسول القطيعة وداعي الغل، وسالب السلو، وهو أول منازل الهجران.
    (كتاب الفنون)


    37-
    ما بال الملائكة شغلوا بالتسبيح و التقديس؟:

    سأل سائل حنبليا له قدم في التحقيق :
    ما بال الملائكة شغلوا بالتسبيح و التقديس؟
    وهل هم مع ذلك أفضل من الأدميين أم لا ؟
    فقال الحنبلي :
    أمّا علة تسبيحهم و استدامة تقديسهم فإنهم أمة لا شغل لهم يقطعهم ولا حاجات تمنعهم ، قد كُفّوا مؤونة الأغذية والأدوية و التكسب لتحصيلها. والآدميون مغموسون في الاشتغال بالصنائع و الأعمال التي يكتسبون بها الأموال لتحصيل الأقوات التي لا قوام لهم إلاّ بها، والأدوية لما يعرض من الأمراض و العلل، وغير ذلك مما لا يستغنى فيه عن الأدوية التي لا يظفرون بها إلا بالأموال المحصّلة لهم بالكد والاجتهاد، ثم في تناولها أكدّ شغل وأطول زمان، ثم طلب الراحة بعد ذلك التعب بالاستطراح للمنام.
    ومع ذلك كله فلا يخلّون بالطاعات في أوقاتها ووظائف الأعمال والمناسك وإخراج الأموال في وجوه الإخراج.
    و الملائكة مع خلوهم من الاعمال وتعطلهم من الأشغال، يشهدون من جلال الله وعظمته وملكوت السماوات ما يوجب لهم التسبيح والتهليل والتقديس.
    والآدميون مع ما ذكرنا من انقطاع أزمانهم بأشغالهم، لو لمع برق، أو دمدم رعد، أو عصف ريح، أو تحركت أرض، أو انقض كوكب، أو خسف قمر، أو كسفت شمس، فزعوا إلى التسبيح والتهليل والصلاة والتوبة من الذنوب، ثم ما يعانونه من المصائب بفقد الأولاد، بعد تَمكُّن محبتهم من القلوب والأكباد، ومجاهدة الأعداء في ذات الله و لإعلاء كلمة الله، وهجران ما تتوق اليه النفوس لأجل نهي الله . ولمّا امتحن بعضهم بما سلّط على بني آدم من تكليف بترك ما تميل اليه الطباع في حقّ هاروت وماروت، أفلسوا عمّا صُمخ عليه بنو أدم .
    فقد تضمن هذا الجواب بيان علة دوام تسبيحهم، وأن فضل الآدميين عليهم. والله أعلم .

    (كتاب الفنون)









  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي




    38- فِي حِلِّ الدَّيْنِ بِالْمَوْتِ:


    قال ابن مفلح:
    قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُجَلَّدِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ الْفُنُونِ فِي حِلِّ الدَّيْنِ بِالْمَوْتِ : وَأَنَا أَقُولُ : الْمُطَالَبَةُ فِي الْآخِرَةِ فَرْعٌ عَلَى مُطَالَبَةِ الدُّنْيَا، وَكُلُّ حَقٍّ لَمْ يَثْبُتْ فِي الدُّنْيَا فَلَا ثَبَاتَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ . وَمَنْ خَلَّفَ مَالًا وَوَرَثَةً فَكَأَنَّهُ اسْتَنَابَ فِي الْقَضَاءِ، وَالدَّيْنُ كَانَ مُؤَجَّلًا فَالنَّائِبُ عَنْهُ يَقْضِي مُؤَجَّلًا، وَالذِّمَّةُ عِنْدِي بَاقِيَةٌ، وَلَا أَقُولُ: الْحَقُّ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَعْيَانِ، وَلِهَذَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ، وَيَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْمَيِّتِ لِبَقَاءِ حُكْمِ الذِّمَّةِ فَلَا وَجْهَ لِمُطَالَبَةِ الْآخِرَةِ.
    فَقِيلَ لَهُ: الَّذِي امْتَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَانَ مُعْسِرًا ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَ " هَلْ خَلَّفَ وَفَاءً ؟ " فَقِيلَ : لَا ، وَقَدْ أَجَّلَ الشَّرْعُ دَيْنَ الْمُعْسِرِ أَجَلًا حُكْمِيًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } . ثُمَّ أَجَّلَهُ حَالَ الْحَيَاةِ لَمْ يُوجِبْ بَقَاءَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى شَهِدَ الشَّرْعُ بِارْتِهَانِهِ.
    فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : تِلْكَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمٌ بِأَنْ كَانَ مُمَاطِلًا بِالدَّيْنِ ثُمَّ افْتَقَرَ بَعْدَ الْمَطْلِ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ، فَحُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي عُرِفَ مِنْهُ، وَقَضِيَّةُ الْأَعْيَانِ إذَا اُحْتُمِلَتْ وُقِفَتْ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ الْأَصْلِ الْمُسْتَقِرِّ لِأَجْلِهَا، وَالْأَصْلُ الْمُسْتَقِرُّ هُوَ أَنَّ كُلَّ حَقٍّ مُوَسَّعٍ لَا يَحْصُلُ بِتَأْخِيرِهِ فِي زَمَانِ السَّعَةِ وَالْمُهْلَةُ نَوْعُ مَأْثَمٍ، بِدَلِيلِ مَنْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا يَأْثَمُ، بِخِلَافِ مَنْ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ مَعَ التَّأْخِيرِ وَالْإِمْكَانِ مِنْ الْأَدَاءِ. وَلِلْقَاضِي فِي الْخِلَافِ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ فِيمَنْ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ: لَمْ يَأْثَمْ وَتَسْقُطْ بِمَوْتِهِ، قَالَ: لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهَا فِي الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ. وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَأْثَمَ، وَالْحَقُّ فِي الذِّمَّةِ كَدَيْنِ مُعْسِرٍ لَا يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، وَلَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ لِدُخُولِ النِّيَابَةِ لِجَوَازِ الْإِبْرَاءِ وَقَضَاءِ الْغَيْرِ عَنْهُ .
    وَقِيلَ لَهُ: لَوْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ لَطُولِبَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ وَلَحِقَهُ الْمَأْثَمُ كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ.
    فَقَالَ: هَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَالْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).



    39- (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا):


    سأل سائل: كيف ساغ لعيسى أن يقول : (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) ؟
    قيل له: أولا، ليس هذا نطقه، وإنما نطق، لأنّ لسان مثله في السنّ التي كان فيها ليس بآلة للنطق. وإنما هو كاليد و الرجل التي تُستنطَق يوم القيامة. وإن مستنطقا، كان الباري هو الذي أخبر عن حاله في المستقبل، وأنه يموت، ويوم يُبعث يكون على حال السلامة. وما هو إلا كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم نطقاً من طريق الوحي: أنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر. هذا نطق عن الوحي، إذ لا اطّلاع له بنفسه، ولا استدلال له على حاله يوم البعث.
    (كتاب الفنون)




    40- الأمراض مواسم العقلاء:


    الأمراض مواسم العقلاء يستدركون بها ما فات من فوارطهم وزلاتهم، إن كانوا من أرباب الزلات، ويستزيدون من طاعاتهم إن لم يكونوا أرباب زلات، ويعتدّونها إن خلصوا منها بالمعافاة حياة بعد الممات. فمن كانت أمراضه كذا، اغتنم في الصحة صحة، فقام من مرضه سليم النفس والدين.
    والكامد ينفق على الادوية، ويعالج الحمية، ويوفّي الطب الاجر، وليس عنده من علاج دينه خبر. فذلك ينصرع بالمرض انصراع السكران، ويفيق من مرضه إفاقة الإعداد لسكر ثان.
    (كتاب الفنون)



  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي




    41-
    لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى غَيْرِهِ:

    قال ابن مفلح:
    قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي الْفُنُونِ : قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّين َ:
    لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى غَيْرِهِ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ قَتَلَ لِإِنْسَانٍ وَلَدًا ، وَأَحْرَقَ لَهُ بَيْدَرًا ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْ إحْرَاقِ الْبَيْدَرِ دُونَ قَتْلِ الْوَلَدِ لَمْ يُعَدَّ اعْتِذَارًا ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَذْهَبُ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ تَكَاسُلًا كَفَرَ، وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. انْتَهَى كَلَامُهُ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    42- مناظرة في الكرامات:


    إحتج بعض من لا يرى الكرامات بأن قال:
    معلوم أن الأعصار لاتخلو من صلحاء، فإذا شاعت الكرامات، وهي ما يخرج عن العادات، صارت بكثرتها وشياعها عاداتٌ، فطعنت في المعجزات. لأن عماد العجز هو الخرق للعادة. فما يصير عادة، يخرج عن كونه خارقا.
    قال له حنبلي:
    هذا باطل بالمعجزات نفسها. فإنها كثرت بكثرة الأنبياء صلوات الله عليهم، ثم لم تصر عادات، بل كانت مع كثرتها قبيلاً خارقا ونمطاً خارجا عن العادات.
    قال له المتكلم الأول: هذا القبيل، وهو المعجز، لا يجيء إلا بالتحدّي، والكرامة تجيء من عير تحدّ. فإذا كثرت، صارت عادة مستقرة، فتطعن في المعجزات، إذ تصير صادرة عن وجود مستمر، لا تخرج عن كونها عادة بذلك الاستمرار.
    ووجدتُ لبعض من جحد الكرامات، أنها متى وُجدت أفسدت اعتقاد المكرم وغيره، فإنه يزول تعظيم المعجزات من النفوس، لأنها تصير مألوفة، ومتى صارت مألوفة، خرجت عن الدهش بها والتعظيم لها.
    قال حنبلي:
    كل ما يرد من وراء القدر والعادات فهو منبّه على الله سبحانه وألطافه. ولقد رُوي أن البقر، حيث أجدبت أرض بيت المقدس، خارت نحو السماء، فأنبع الله لها العين المعروفة بعين البقر. وروي فيما صحّت به الروابة أن سليمان عليه السلام خرج للإستسقاء، فوجد نملة رافعة قوائمها نحو السماء وهي تقول: (اللهم ! إنا خلقك ، ليس بنا غناء عن رزقك ، فاسقِنا.) فقال: ارجعوا، فقد سُقيتم بدعوة غيركم.
    فإذا كان الله سبحانه يأتي بالألطاف بطلب البهائم، فلا يحسن إنكار ألطافه بالخواص من عباده، إيقاظا للقلوب وتنبيهاً للإيمان في النفوس.
    فلا معنى لقولكم تبرّد في القلوب بدوامه، بل تحقّق الإيمان باستمراره. فكلّ ما جاء من الله منبّه عليه جل جلاله.
    (كتاب الفنون)


    43- شذرة:



    يقال: الغبن غبنان، غبن الغلاء وغبن الرداءة. فإذا اشتريت فاستجد، تزح أحد الغبنين.
    (كتاب الفنون)



    44- مذاكرة يُفسدها أحمق:


    تذاكرنا في بعض مجالس الفضلاء في شأن غلام بلغ من خدمة سيّد كان يخدمه جُهدَه. ثم وقع سيده في ورطة. وكان يتهافت ويخاطر في محبته وخدمته بنفسه وماله وولده، ولا يتستر ولا يراقب. وآخر من غلمانه كان يخدمه ويتعهده في شدته وحال طلبه له، غير أنه كان يتستر ويتصاون، ولا يظهر ما يفعله.
    ثم إن السيّد زالت عنه الشدة، وعادت إليه النعمة، أيهما ينبغي أن يزيد في إكرامه: المتهافت، أم المتماسك ؟
    فقلتُ: المتماسك، لأنه أنبأ تماسكه في الخدمة عن عقل و حكمة، حيث أكرم غيره، وحفظ نفسه. وهذا القول اختياري. والحكمة والعقل يوجبان إكراما بحسبهما.
    وقال غيري: ينبغي أن يكرم المتهافت، ويزيده إكراما على المتماسك. وعلّل من نصر هذه الطريقة بأن تهافته أنبأ عن إفراط محبته له، وحصل في طيّ ذلك المخاطرة بنفسه، ومن خاطر بعصمته قي حقه وجب له بحسب ما بذل.
    فبينما نحن كذلك، إذ دخل الموضعَ حشويٌ جاهل، فحكينا له ما جرى، بعد أن سأل ( فيم أنتم ؟ ) فقال: عندي غير ذلك. فقلنا : أفدنا. فقال: اتركوا الناس مع الله فإنهما جميعا فضوليّان، الذي تهافت و الذي تماسك، والله المنعم بما يشاء، المانع ما يشاء، يقضي الآجال وقت ما يشاء. فطلبُ المفاضلة فيما أدخلا أنفسهما فيه طلب باطل، إذ لا فضل فيما فعلاه جميعا.
    فدهشنا من كلامه. وسكتوا، فبادرت أنا لأعلمه مقداره من الحمق، لئلا يظن أنه قال شيئا، ولئلا يغتر بكلامه بعض الحاضرين ممن يناسب عقله فيوهمه كلامه أنه صالح أن يُعَدَّ جوابا ثالثا، فقلتُ:
    يا شيخ ! هذا كلام من يسقط الخطاب الشرعي و الحكم العقلي، ويرى أن الأمر سدى، ولا عقل يرجّح به بين فضل الفاضل و نقص الناقص، ولا حقيقة يميّزها العقل بفضل أو نقص. فما أشبه أن تكون مسفسطا ! وإلا فأين الرأي عن أبي بكر وتركه لنبي الله مع الله، لا يحرسه، ولا يحوطه، ولا يهاجر، ولا يدخل معه الغا، ولا يسد كوّة الحَريش برجله معه، ولا يذبّ عنه ؟ وأين هذا الرأي عن الأنبياء حيث بلّغوا و ألحّوا، وطالت مدة بلاغهم ؟ وأين الله سبحانه عن هذه الحكمة حيث أنزل الكتب، و أرسل الرسل، وحذّر وأنذر، ونهى وأمر، وفضّل السابقين بالإنفاق والقتال على الذين لحقوا في ذلك بمن تقدّمهم فيه حيث يقول: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح و قاتلوا ) ؟ وقدّم العقلاءُ أهلَ الفضل و التفضّل، وأخّروا أهل التقصير و التعطّل.
    وهلاّ تركتنا مع الله في حالنا، ولم تسل عما كنا فيه ؟ ولعل كلامك في هذا فضول، وأنت فيه منقوص مفضول.
    فسكتَ هنيّة، وقال: ما قرأتُ من الهندسة شيئا ! فضحك الجماعة به، وتفرّقنا لرقاعته عن المجلس، لئلا ينقطع بما لا ينفع.
    وقلتُ لمّا نهضنا: سبحان من لا يخلي مجلساً من ثقيل ينغّصه، أو أحمق يفسده، أو محتشم يقبض أهله عن الانبساط !
    فقال لي قائل كان طيّبا: المجالس عندك على الحقيقة ما هي ؟
    قلتُ: هي المجالس الجامعة للعقلاء المتحابّين المتناصفين، حتى إذا جرت مذاكرة، أو حدثت حادثة، لم يَشُبها ضغينة فتفسد، ولا تحاسد فتخرج عن التحقيق و تبعد، وإنما اعتبرتُ العقل لأنه أداة التمييز، وإنما اعتبرتُ التحابّ لأنه يزيل العنت و العناد، فخرج الكلام صافياً.
    قالوا: فهل وجدتَ ذلك قط، أم تقوله بالاستدلال دون الوجدان ؟
    قلتُ: لا يجوز أن يصح هذا في الدنيا، لأنها دار الشوائب والنوائب، وإنما هي أمنية لأمر لا يستحيل كونه. وما أحقّ بذلك أهل العلم الذين يتطلّبون الحقائق و يرومون رضا الخالق !
    (كتاب الفنون)


    45- فصل:


    إن ذممت الدنيا بالغرور، فهلّا مدحتها بما وعظت به من تصاريفها على مر الدهور. والله لقد تكشّفت عن معائب توجب الزهد فيها، كما أبرزت عن محاسن توجب الرغبة فيها.
    (كتاب الفنون)







  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي



    46- وحشيٌّ والصحابة:

    رُوي أنه كان أنصاري شارك وحشيا في قتل حمزة. فقال الأنصاري في ذلك:
    يسائلني الناس عن قتله ** فقلت: ضربت وهذا طَعنْ
    فنحن شريكاان في قتله ** كما شارك الروح هذا البدن
    قال وحشي: فلما قدمت المدينة وقد وليَ أبو بكر، سألني: (كيف قتلت حمزة؟) فأخبرته، فقال لي: (غيّب وجهك عني). فكنت أخالفه الطريق، فإذا سلك طريقا سلكتُ طريقا أخرى. حتى تُوُفّي وولي ابن حنتمة ~ يعني عمر بن الخطاب~ . قال حنبلي: وقوله (ابن حنتمة) يدل على ما يدل عند العقلاء~ فأرسل إلي فدعاني، فقال: (كيف قتلت حمزة؟) فأخبرته، فقال لي: (لا تساكنّي في المدينة). فخرجتُ إلى الشام. فلما وليَ أمير المؤمنين معاوية، أنزلني داراً وأجرى عليّ رزقا من بيت المال.
    قال حنبلي:
    فافتقد الناس على معاوية ذلك، كما افتقدوا على عثمان رد طريد رسول الله، ~وهو الحكم بن أبي العاص نفاه إلى الطائف لكونه حاكى مشيته عليه الصلاة والسلام ~ فكان ردّه له من بعض ما أخذوه عليه من الذنوب. فهذه الفلتات من بني أمية معدودة عند أقوام من نفاق كان متخمرا معهم.
    قال حنبلي :
    وهي عندي من غلبات الطباع التي لا تمنع صحة العقائد، فقد كانت تغلب على الانبياء ~صلوات الله عليهم. فمن ذلك أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قَبِل إيمان هند، و كان يكره أن ينظر إليها حتى عاتبه الله فيها و شهد لها بالايمان، ولم يغلب علمه بإيمانها على طباعه ( صلى الله عليه وسلم ) في كراهية نظره إلى وجهها ، حيث يراها وقد أكلت كبد عمه وبذلت حيلتها في قتله. و كان عمه أبو طالب على ما كان و طبعه يغلب رقة عليه وميلا إليه حتى يكاد يستغفر له ، فعوتب في ذلك بغلبات الطباع لا ينكرها إلا من لا يتأمل حقائق الأحوال. فهذا رق عليه مع الكفر، وهذه يقسو عليها مع الايمان.
    فلا ينبغي للعاقل أن يأخذ من فلتات الكلام الصادر عن الطباع نفي الايمان ولا إثبات النفاق، لاسيّما مع شواهد الوحي بإيمان القوم.
    فهذا قدر تأويلي وجهدي. والله أعلم وهو الطريق الأسلم.
    (كتاب الفنون)



    47- (إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ..):


    قال ابن مفلح، يتحدث عن ابن عقيل:
    قِيلَ لَهُ فِي الْفُنُونِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، { إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ : أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَتَنَزَّهُ مِنْ الْبَوْلِ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ } كَيْفَ يُعَذَّبَانِ بِمَا لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ ؟ وَالصَّغَائِرُ بِتَرْكِ الْكَبَائِرِ تَنْحَبِطُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } فَقَالَ فِي الْخَبَرِ " كَانَ " وَكَانَ لِدَوَامِ الْفِعْلِ فَلِهَذَا بِالدَّوَامِ حُكْمُ الْكَبِيرَةِ عَلَى أَنَّ فِي الْخَبَرِ تَعْذِيبَهُمَا بِالصَّغَائِرِ وَفِي الْآيَةِ إخْبَارٌ بِتَكْفِيرِهَا وَتَكْفِيرُهَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْآلَامِ وَالْبَلَايَا وَلَعَلَّ الْمُعَذَّبَيْن ِ لَمْ تُكَفَّرْ صَغَائِرُهُمَا بِمَصَائِبَ وَلَا آلَامٍ .
    كَذَا قَالَ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).



    48- وجوب التسليم لله عز وجلّ في قضائه:


    .. الصبي يطلب بطبعه، والأب يمنعه عما طلب، ويعطيه ما يراه لا ما طلبه. فكذلك الطبيب، وكذلك المؤدب. وما كان ذلك إلا لمرتبة المعرفة من الطبيب، و الأدب من المؤدب، والإشفاق من الأب.
    فحكمة الله جامعة لما يفرق في هؤلاء، وهو الممد لهؤلاء بالإشفاق و الآداب و الحكم، فهو أحق بالتسليم وترك التمني عليه و التجني. فمن عاش مع الله كذا، تعجل الراحة في الدنيا، و سلمت عاقبته في الأخرى.
    (كتاب الفنون)




    49- ما بالنا نجد للمنام روعة وحشمة ليست لليقظة ؟


    سأل سائلٌ حنبلياً:
    ما بالنا نجد للمنام روعة وحشمة ليست لليقظة ؟ حتى أن أحدنا يقطع أن اليقظة أوفى، ويجد من المنام ما يوفي على اليقظة.
    قال الحنبلي:
    للمنامات روعة، إذ كان فيها ما هو إشعار من جهة الله تعالى، وجزء من الوحي و النبوة، وفيها رموز وإشارات مضمرات، ولهذا يُعبَّر عنها بغير ما يُرى. وفي اليقظة لا يُعبَّر بالبقرة السمينة عن سنة خصبة، ولا بالبقرة العجفاء عن سنة جدبة، ولا بأكل الطير من حامل خبز على رأسه بأنه مصلوب يأكل الطير من رأسه. وعلى هذا أبدا، لا يُعبَّر عما يشاهد بأنه خلاف ما شاهد.
    فاعترض السائل على الحنبلي المجيب بأن الاقتضاء الصريح من نص الكتاب المقطوع بأنه كلام الله يقول: (لا تقربوا الزنا) (لا تأكلوا الربا) (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر)، والناس على ذلك مصرّون، و للمخالفة مرتكبون، لا يتوبون ولا يقلعون، فإذا رأى أحدهم مناما كأن خيال نبي يعاتبه، أو ملٌكا يوبّخه، أو شخصا يقول له: (ما هذا الإصرار على هذه الذنوب الكبار ؟ ) أصبح متوجّعا متفزّعا، ونهض الى جاره الصالح أو العالم بالتوبة على يده مسرعا، ولازم المحراب، وتخشّنَ بعد التنعّم، واجتمع بعد التبسّط، وخشع بعد الأشر و البطر، أليس هذا من عظيم المحن أن لا تعمل فيه القطعيات، وتعمل فيه التخيّلات، مع توحّد القرآن بالحق الذي لا يشوبه تغيير ولا تبديل ولا يعتريه شك ؟ والمنام يدخله التخاليط بين وقوعه عن سوداء ومرة و بلاغم، وبين شياطين تخيَّل إليه، والنجوى من الشيطان !
    فأجاب بأن الخطاب العام يهون على كثير من الناس، كالواحد في الزحام. والمنام تخصيص للرأي. وللتخصيص من التأثير و الوقع ما ليس للخطاب العام. ولهذا كثير من الصحابة لمّا أخبرهم النبي (صلى الله عليه وسلم ) بذكر من جهة الله كالداهش: (أَو قد ذكرت هناك؟ ) وقد علم أن الخطاب قد تناوله حيث قيل: ( يا أيها الناس ) الخطاب الجملي الذي يدخل فيه المسلم و الكافر، و الخطاب الذي تحته ( يا أيها الذين آمنوا). فإذا جاء خاصِّ في شخص بعينه ارتاع حتى قال: (أَو قد ذكرت هناك ؟)، وأيضا فإنه يكون مسوّفاً نفسه بالتوبة والاعتذار، فإذا جاء المنام استشعر الازعاج والإزهاق والتخويف من سرعة اللقاء و قرب الأجل.
    (كتاب الفنون)




    50- ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ:


    قال ابن مفلح:
    قِيلَ لِابْنِ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ : أَسْمَعُ وَصِيَّةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : { ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } وَأَسْمَعُ النَّاسَ يَعُدُّونَ مَنْ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ مُنَافِقًا ، فَكَيْفَ لِي بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّخَلُّصِ مِنْ النِّفَاقِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : النِّفَاقُ هُوَ : إظْهَارُ الْجَمِيلِ ، وَإِبْطَالُ الْقَبِيحِ ، وَإِضْمَارُ الشَّرِّ مَعَ إظْهَارِ الْخَيْرِ لِإِيقَاعِ الشَّرِّ ، وَاَلَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ إظْهَارُ الْحَسَنِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَبِيحِ لِاسْتِدْعَاءِ الْحَسَنِ .
    فَخَرَجَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ النِّفَاقَ إبْطَالُ الشَّرِّ وَإِظْهَارُ الْخَيْرِ لِإِيقَاعِ الشَّرِّ الْمُضْمَرِ ، وَمَنْ أَظْهَرَ الْجَمِيلَ وَالْحَسَنَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَبِيحِ لِيَزُولَ الشَّرُّ فَلَيْسَ بِمُنَافِقٍ لَكِنَّهُ يَسْتَصْلِحُ أَلَا تَسْمَعُ إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } فَهَذَا اكْتِسَابُ اسْتِمَالَةٍ ، وَدَفْعُ عَدَاوَةٍ ، وَإِطْفَاءٌ لِنِيرَانِ الْحَقَائِدِ ، وَاسْتِنْمَاءُ الْوُدِّ وَإِصْلَاحُ الْعَقَائِدِ ، فَهَذَا طِبُّ الْمَوَدَّاتِ وَاكْتِسَابُ الرِّجَالِ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).



  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي



    51- - الْوَيْلُ لِلْكَاتِمِ مِنْ الْمُتَكَشِّفِي نَ:

    قال ابن مفلح:
    قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ : لِلْإِيمَانِ رَوَائِحُ وَلَوَائِحُ لَا تَخْفَى عَلَى اطِّلَاعِ مُكَلَّفٍ بِالتَّلَمُّحِ لِلْمُتَفَرِّسِ ، وَقَلَّ أَنْ يُضْمِرَ مُضْمِرٌ شَيْئًا إلَّا وَظَهَرَ مَعَ الزَّمَانِ عَلَى فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ .
    وَقَدْ أَخَذَ الْفُقَهَاءُ بِالتَّكَشُّفِ عَلَى مُدَّعِي الطَّرَشِ وَالْعَمَى عِنْدَ لَطْمِهِ ، أَوْ زَوَالِ عَقْلِهِ عِنْدَ ضَرْبِهِ ، أَوْ الْخَرَسِ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُعْلَمُ صِحَّتُهُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَلَا تُمْكِنُ الشَّهَادَةُ بِهِ .
    .. وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ التَّكَشُّفَ عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَزَلْ يَذْكُرُ الْمَذَاهِبَ وَيُعَرِّضُ بِهَا وَيَذْكُرُ الْأَفْعَالَ الْمُزْرِيَةَ فِي الشَّرْعِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْهَا الطَّبْعُ وَيَنْظُرُ هَشَاشَتَهُ إلَيْهَا وَتَعَبُّسَهُ عِنْدَ ذِكْرِهَا وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ الْبَحْثُ بِصَاحِبِهِ حَتَّى يُوقِفَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ الدَّلَائِلِ ، فَافْهَمْ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ مُرِيحٍ مِنْ كُلِّ إقْدَامٍ عَلَى مَا لَا تَسْلَمُ مِنْ عَاقِبَتِهِ ، وَيَعْصِمُ مِنْ كُلِّ وَرْطَةٍ وَسَقْطَةٍ يَبْعُدُ تَلَافِيهَا ، وَذَلِكَ دَأْبُ الْعُقَلَاءِ ، فَأَيْنَ رَائِحَةُ الْإِيمَانِ مِنْكَ وَأَنْتَ لَا يَتَغَيَّرُ وَجْهُكَ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَتَكَلَّمَ ، وَمُخَالَفَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاقِعَةٌ مِنْ كُلِّ مُعَاشِرٍ وَمُجَاوِرٍ فَلَا تَزَالُ مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْكُفْرُ يَزِيدُ ، وَحَرِيمُ الشَّرْعِ يُنْتَهَكُ ، فَلَا إنْكَارَ وَلَا مُنْكِرَ ، وَلَا مُفَارَقَةَ لِمُرْتَكِبِ ذَلِكَ وَلَا هِجْرَانَ لَهُ .
    وَهَذَا غَايَةُ بَرَدِ الْقَلْبِ وَسُكُونِ النَّفْسِ وَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي قَلْبٍ قَطُّ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ إيمَانٍ ؛ لِأَنَّ الْغِيرَةَ أَقَلُّ شَوَاهِدِ الْمَحَبَّةِ وَالِاعْتِقَادِ .
    حَتَّى لَوْ تَحَجَّفَ الْإِنْسَانُ بِكُلِّ مَعْنًى وَأَمْسَكَ عَنْ كُلِّ قَوْلٍ لَمَا تَرَكُوهُ وَيُفْصِحُ لِأَنَّهُمْ كَثْرَةٌ وَهُوَ وَاحِدٌ وَالْكَلَامُ شُجُونٌ ، وَالْمَذَاهِبُ فُنُونٌ ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَنْطِقُ بِمَذْهَبٍ وَيُعَظِّمُ شَخْصًا ، وَآخَرُ يَذُمُّ ذَلِكَ الشَّخْصَ وَالْمَذْهَبَ وَيَمْدَحُ غَيْرَهُ ، وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَهِشَّ لِمَدْحِ مَنْ يَهْوَى ، وَيَعْبَسَ لِذَمِّهِ ، وَيَنْفِرَ مِنْ ذَمِّ مَذْهَبٍ يَعْتَقِدُهُ فَيَكْشِفَ ذَلِكَ .
    فَالْعَاقِلُ مَنْ اجْتَهَدَ فِي تَفْوِيضِ أَمْرِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي سَتْرِ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ وَكَشْفِ مَا يَجِبُ كَشْفُهُ، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَتْعَبُ وَلَا يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ الْغَرَضَ .
    لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَهِشَّ بِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إنْ كَانَتْ الْمُنَاظَرَةُ فِيهِمَا ، وَلَا إلَى الْقَدَرِ وَلَا إلَى نَفْيِهِ وَلَا حُدُوثِ الْعَالَمِ وَلَا قِدَمِهِ ، وَلَا النَّسْخِ وَلَا الْمَنْعِ مِنْ النَّسْخِ ، وَالسُّكُونُ إلَى هَذَا وَبَرْدُ قَلْبِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَافِرٌ لَا يَعْتَقِدُ إذْ لَوْ كَانَ لِهَذَا اعْتِقَادٌ بِحَرَكَةٍ لَهَشَّ إلَى نَاصِرِ مُعْتَقَدِهِ ، وَلَأَنْكَرَ عَلَى مُفْسِدِ مُعْتَقَدِهِ .
    فَالْوَيْلُ لِلْكَاتِمِ مِنْ الْمُتَكَشِّفِي نَ. وَإِرْضَاءُ الْخَلْقِ بِالْمُعْتَقَدَ اتِ وَبَالٌ فِي الْآخِرَةِ ، وَمُبَاغَتَتُهُ مْ فِيهَا وَمُكَاشَفَتُهُ مْ بِهَا وَبَالٌ فِي الدُّنْيَا وَتَغْرِيرٌ بِالنَّفْسِ، وَلَا يَنْجُو مِنْهُمْ الْمُشَارِكُ لَهُمْ فِي الْحِيَلِ .
    وَالْأَحْرَى بِالْإِنْسَانِ أَنْ يَتَمَاسَكَ عَمَّا فِيهِ وَيَتْرُكَ فُضُولَ الْكَلَامِ ، وَإِذَا تَوَسَّطَ اعْتَمَدَ عَلَى اللَّهِ فِي إصْلَاحِ دُنْيَاهُ ، وَإِذَا قَصَدَ إظْهَارَ الْحَقَّ لِأَجْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْصِمُهُ وَيُسَلِّمُهُ وَمَا رَأَيْنَا مِنْ رَدِّ الْبِدَعِ إلَّا السَّلَامَةَ.

    انْتَهَى كَلَامُهُ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    52- فصل: المبتدعون خوارج الشرع:

    كما لا يحسن في سياسة الملك العفو عمن سعى على الدولة بالخروج على السلطان، لا يحسن أيضا أن يُعفى عمن ابتدع في الأديان. لأن فساد الأديان بالإبتداع كفساد الدول بالخروج على الملك والاستتباع. فالمبتدعون خوارج الشرع.
    (كتاب الفنون)


    53- فصل: لا تعاشر متلوناً:

    احذر ممن إذا غلبت عليه حال من الأحوال، استحال حتى لم يظهر فيه تقييد العقل عن الشطح، وإن غضب تأسّد، فلم يبق فيه ما يكفّه عن الصول، وإن اعتراه النهم، خرج بصورة رخم ساقطاً على ما وجد من المطاعم، لا يلوي عن تناول المستقذارات في الطبع والمكروهات في الشرع، وإن عرض بها طالب الحق ومقتضى الشرع راغ روغان الثعلب، لا يمزج روغانه ثبات، ولا إصغاء إلى إذعان، ولا استجابة لهذا الشأن. فهذا لا يُدّخر عنده الإحسان، لأنه كالوعاء المخترق، ولا يرجى منه الخي. فاحذر معاشرة أمثاله، فإنه من أعظم الأخطار، ومجموع هذا في كلمة: لا تعاشر متلوناً.

    (كتاب الفنون)



    54- الْحَسَدُ:

    قال ابن مفلح:
    قالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: افْتَقَدْتُ الْأَخْلَاقَ فَإِذَا أَشَدُّهَا وَبَالًا عَلَى صَاحِبِهَا الْحَسَدُ فَإِنَّهُ التَّأَذِّي بِمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ فَكُلَّمَا تَلَذَّذَ الْمَحْسُودُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى تَأَذَّى الْحَاسِدُ وَتَنَغَّصَ فَهُوَ ضِدٌّ لِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى سَاخِطٌ بِمَا قَسَمَهُ مُتَمَنٍّ زَوَالَ مَا مَنَحَهُ خَلْقَهُ ، فَمَتَى يَطِيبُ بِهَذَا عَيْشٌ وَنِعَمٌ تَنْثَالُ انْثِيَالًا ؟ وَهَذَا الْمُدَبِّرُ لَا يَزَالُ بِأَفْعَالِ اللَّهِ مُتَسَخِّطًا وَمَا زَالَ أَرْحَمَ النَّاسِ لِلنَّظَرِ فِي عَوَاقِبِهِمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا النَّزْعُ وَحَشْرَجَةُ الرُّوحِ فَكَيْفَ بِمُقَدِّمَاتِ الْمَوْتِ مِنْ الْبِلَى وَالضَّنَى فَمَنْ شَهِدَ هَذَا فِيهِمْ لَمْ يَحْسُدْهُمْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    55- فصل: المخاصمة موازنة:

    المخاصمة موازنة، فمتى خاصم الإنسان قبل موازنة الحال بالحال، غُلب وخسر. فمن أشكال الرجال ما يكون مخاصمة عنه، ومن أشكالهم ما يكون وبالا عليه. فمن الناس من يكون له سمت عليه مسحة من توضع وذل، فمتى خاصمه من عليه سيماء الجلادة، كان الناس كلهم مع صاحب السمت، لما يغلب على ظنهم من ضعف ذلك الستميت ووقاره، وفورة ذلك الجََلَد وتسلطه. فمخاصم ذلك السمتيت معين على نفسه، حيث حمل الناس بخصومته على ظهره. ومن خاصم الناس خُصم. ومن اعتمد على ما يعلمه من نفسه وبراءته، لم يكد ينفعه علمه مالم يجعل عليه شاهدا من براءته. وكم وقعت التهم بالصور والأشكال، وبعدت عن المجرمين لصور وأشكال.
    فالعاقل من لم يقنع في الأحكام بفراسته، وقد خوّفنا الله سبحانه من الحكم بالفراسة و الظاهر بما ذكره لنا من قصة صواع العزيز ، ودم قميص يوسف، وبكاء إخوته عند دعواهم أنه أكله الذئب. فأيّ حكم يبقى عند العاقل لهذه الظواهر مع إيقاف الباري لنا على مخالفة الباطن؟
    ولقائل أن يقول: إن كانت هذه القصص تمنع من الحكم بالظواهر، فالحكم بتخريق القميص من دبر، يحمل ويحث على أخذ الجنايات من الأمارات و الدلائل الظاهرة. ولو سلم لأحد الحكم بما يقع له ، لكان رسول الله يحكم بها. وقد قال: إنكم لتختصمون إليّ، ولعل أحدكم ألحن بقصته من صاحبه، فمن قطعت له بشيء فلا يأخذه، إنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها.

    (كتاب الفنون)


    56- شذرة:

    في قوله سبحانه: ( فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)، (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا)، (أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)، (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ)، فموسى عتب، وهارون اعتذر، لا بالقدر. ما جرى على لسان موسى عذر لأخيه بقدر باريه، ولا جرى على لسان هارون اعتذار بالقدر.
    والسامري لما قال له: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ) قال : (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).
    فتعلّموا من الأنبياء، ولا تحدّثوا ما لم يُسمَع من ذكر القضاء والقدر.

    (كتاب الفنون)



  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    57- في الرد على أهل التوسل:


    قال ابن القيم:
    قال ابن الجوزي في آخر منتخب الفنون، مما بلغه عن ابن عقيل من غير الفنون:
    قال: سمعت أبا يعلى بن الفراء يقول: (من قال إن بينه وبين الله سرا فقد كفر، واي وصلة بينه وبين الإله ؟ وإنما ثم ظواهر الشرع. فإن عنى بالسر ظاهر الشرع فقد كذب، لأنه ليس بسر، وإن شيئا وراء ذلك، فقد كفر .
    وقال في قول المتوسلين بالميت (اللهم إني أسلك بالسر الذي بينك وبين فلان) : أي سر بين العبد وبين ربه لولا حماقة هذا القائل؟
    (بدائع الفوائد لابن القيم).

    58- سأل سائل عن حالنا مع إبليس، كيف يكون لنا به قوة وهو يرانا ونحن لا نراه؟



    فأجاب حنبلي، بأنه لو كانت معاداته تحتاج إلى مناضلة ومضاربة، أضرّ بنا عدم رؤيته. فأما وأذيّته إلقاء الى القلوب ووسوسة في الصدور، فجواب المسألة منها كما يُقال. فكما أن سهامه كالخواطر العارضة يلقيها بالأفكار الصحيحة الصادرة عن العقول الصاحية السليمة من الهوى، فإذا ألقى إلى النفوس ما ليس بصواب، رده العقل بأحسن جواب.
    (كتاب الفنون)

    59- أمران، أحدهما لا تُحمد عقباه إلا الشركة
    ، والآخر لا يصلح إلا بالوحدة :

    قال عالم ينطق بالحكمة:
    لنا أمران، أحدهما لا تُحمد عقباه إلا بالكثرة والشركة. والآخر لا يصلح إلا بالوحدة، وتفسده الشركة.
    فالأول: الرأي، فإن المشورة أمر بها القرآن، واتفق العقلاء أجمع على الاجتماع لها والمشاركة فيها.
    والثاني: الإمارة والملك، لا يتم صلاحه ويُؤمن فساده إلا بالوحدة.
    والقرآن شهد بذلك حيث قال: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) .
    وقال قائلهم يوم السقيفة، لمّا قالت الأنصار ( منا أمير ومنكم أمير): (سيفان في غمد لا يصطلحان أبدا ).
    (كتاب الفنون)



    60- إنتقاد:


    قال ابن مفلح:
    قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ : قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُحَقِّقِينَ :
    إذَا كَانَتْ مَجَالِسُ النَّظَرِ الَّتِي تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ عَقَدْتُمُوهَا لِاسْتِخْرَاجِ الْحَقَائِقِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى عَوَائِرِ الشُّبَهِ وَإِيضَاحِ الْحُجَجِ لِصِحَّةِ الْمُعْتَقَدِ مَشْحُونَةً بِالْمُحَابَاةِ لِأَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ تَقَرُّبًا ، وَلِلْعَوَامِّ تَخَوُّنًا ، وَلِلنُّظَرَاءِ تَعَمُّلًا وَتَجَمُّلًا، فَهَذَا فِي النَّظَرِ الظَّاهِرِ ، ثُمَّ إذَا عَوَّلْتُمْ بِالْأَفْكَارِ فَلَاحَ دَلِيلٌ يَرُدُّكُمْ عَنْ مُعْتَقَدِ الْأَسْلَافِ وَالْإِلْفِ وَالْعُرْفِ وَمَذْهَبِ الْمَحَلَّةِ وَالْمَنْشَأِ خَوَّنْتُمْ اللَّائِحَ، وَأَطْفَأْتُمْ مِصْبَاحَ الْحَقِّ الْوَاضِحَ، إخْلَادًا إلَى مَا أَلِفْتُمْ ، فَمَتَى تَسْتَجِيبُونَ إلَى دَاعِيَةِ الْحَقِّ ؟ وَمَتَى يُرْجَى مِنْكُمْ الْفَلَاحُ فِي دَرْكِ الْبُغْيَةِ مِنْ مُتَابَعَةِ الْأَمْرِ، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى وَالنَّفْسِ، وَالْخَلَاصُ مِنْ الْغِشِّ ؟ هَذَا وَاَللَّهِ هُوَ الْإِيَاسُ مِنْ الْخَيْرِ، وَالْإِفْلَاسُ مِنْ إصَابَةِ الْحَقِّ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ مِنْ مُصِيبَةٍ عَمَّتَ الْعُقَلَاءَ فِي أَدْيَانِهِمْ ، مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى غَايَةِ التَّحْقِيقِ ، وَتَرْكِ الْمُحَابَاةِ فِي أَمْوَالِهِمْ ، مَا ذَاكَ إلَّا ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشَمُّوا رِيحَ الْيَقِينِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْضُ الشَّكِّ ، وَمُجَرَّدُ التَّخْمِينِ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).

    61- فصل: ( فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ):

    في قوله تعالى: ( فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا) (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ):

    فأخبر سبحانه وتعالى أنه يحرّم المباحات في زمان النبوات، عقوبة على أكل المحرّمات. والآن، فلم يبق طريق للنسخ فيحرّم عليك.
    لكن احذر لا يحرِمك، فإنه كما يمنع بالتحريم منعاً شرعيا، يمنع بالفقر تارة، مع وجود المشتهيات و تعذّر الأثمان. وتارة يوجد المال، ثم يسلّط على الأبدان أنواع الأمراض المانعة مع تأتّي الأثمان وإباحة الشرائع. هذا من بعض عقوباته الآجلة.
    احذر لا يوقع فيك علّة تستقذرك الزوجات و الأولاد. من بعض أجناده الجُذام القاطع بينك وبين سائر الآنام.
    قال سبحانه: ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا). ومِن محقه إخراج المال في غير وجهه بجمعه، وبثمنه بالربا يخرجه من يدك على أحلى ما يكون في قلبك الى العطارين والصيادلة والأطباء، لا في مستحلى، ولكن في حشائش مُرّة وتقطيع العروق وفتح الدمّل. وتخرج ما جمعتَ منه في أكره مكروه. هذا من بعض محقه للربا. وإلا فيقلب الأسعار حتى لا يعود إليك رأس المال. هو إذا محق محق، كما أنه إذا بارك بارك.
    تطلب الزيادة بالطريق الذي نهاك عنه، يحرِمك الزيادة من حيث جرت العادة به; لا زرع يزكو، ولا بضاعة تربح. هذا جزاء عبد خالف مولاه بشهوة، لا حاجة.
    (كتاب الفنون)


  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    62- فصل:


    أستشعر أنك غير منفكّ من تحمّل أثقال الخلق; في حال الشبيبة مكابدةُ الآداب للمشايخ، وفي حال كبرك تحمل أثقال الصبر على الأصاغر. وهل وجد الصدور حلاوة التصدّر إلا بالصبر على مرارة التخلّق بالحكمة؟ وهل حُلوُ الحكمة إلا تجرّع مرارة الأدب في الصغر، ومكابدة غُصَص الحِلم عن السفهاء حال الكبر ؟ وقَلّ أن تحصل الرئاسة لمن لا يتحمّل أثقال السياسة.
    وفي الجملة والتفصيل، لا مستفاد إلا بإنفاق حاصل، وإنما يترجح الحاصل على الإنفاق بنوع من ربح فيسهل، وإلا فالعلوم المكتسبة إنما تتحصل بإنفاق الأعمال، كما أن الرئاسة تتحصل ببذل الدرهم والدينار. وما نالت النفس قطُّ لذةً إلا بنوع نغصة. ولو علم العقلاء ما في الزهد من الراحة، لكسدت سوق الدنيا عن راغب، وتعنّست بهجتها عن خاطب. وما أخذ بالعزم ولا الحزم من خاطر بِنفيس ما تحصّل فيما عساه لا يتحصّل. وإن كانت المخاطرة علوّ همة، فالبخل بالحاصل نوعٌ من الحزم.
    (كتاب الفنون)




    63- في الأذان:


    في الفنون: سُئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه، عن رجل سمع مؤذنا يقول: (أشهد أن محمدا رسول الله)، فقال: (كذبت). هل يكفر ؟
    فقال: لا، لا يكفر، لجواز أن يكون قصدُه تكذيبَ القائل فيما قال، لا في أصل الكلمة، فكأنه قال: (أنت لا تشهد هذه الشهادة)، كقوله (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ).
    (بدائع الفوائد لابن القيم).




    64- فصل: إعتبار:


    إن امرءاً لو تتحصّل له العبرة بين منازل الأسلاف والأحباب الدائرة، وبين رُممهم في التراب عظاما ناخرة، لَكشفَ الحجاب عن الدنيا والآخرة.
    لو كان الحزن مكتسبا، لكان هذا من آكد أسباب الإكتساب، فكيف وهو طبع غريزي، وخُلُق طبعي، ولا يحركه مثل هذا المزعج المهول ؟ نعم، هذا ولا خلَفَ به يتسلى، ولا عوضَ عنهم به يتعزى، بل ديار من الأهلين خالية، وأجساد في أعماق الأرضين بالية، وآثار تستحضر للنفوس، وتشكّل للقلوب شخوصهم ماثلة.
    فواهاً على عمر مضى ليس له رجوع، وذنب ثابت ما عنه نزوع ! أف لحسرة وعَبرة، لا تعقب يقظة وعِبرة !
    (كتاب الفنون)



    65- فصل: في قوله سبحانه: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ):


    انتقد أهل المسكنة و الضعف عن المال لبقية كانت معه من القوى حيث فقد المال. فوجد من دون تلك الأمّة إمرأتين معهما ذود من الغنم في أواخر الناس. (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ) إذا شرب أهل السقاية و صدروا عنها رووا، (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ). كذا من ضَعُف ناصرُه ، وغاب آخر عن بلوغ الأغراض والآداب. حرّكتهُ أخلاق النبوة، فرفع الصخرة ومدّ واستقى فأمدّ، (ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) فاستمد طلباً للكسر، وما عنده من البعثة خبر. فلما رجعتا إلى الشيخ قبل أوانهما، أنكر شأنهما. فلما وصفاه، عرفه بالوصف، وشهده بالنعت فاستدعاه. فلما أضافه وأدناه وخطبه واصطفاه وقضى الأجل فوفاه، سار بأهله وناداه مفاجأة من غير مواعدة ولا مواطأة: (يا راعي غنم كنعان ! يا موسى بن عمران !) وما دار بخلده ما جرى من ذلك الشان .
    سبحان من يختص برحمته من يشاء، ولا يضيع أجر المحسنين !
    سبحان من تحجّب بنعوت جلاله عن أن ينال و يتحلى بأفعاله وتأثيراته بكل حال !
    قلّب العصا، ودكّ الجبل، وقلّب اليد بيضاء، وأظهر ناراً حمراء على عوسجة خضراء، ليعلم موسى أن الكلام لمن هذه أفعاله.
    (كتاب الفنون)




    66- ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ شِعْرِية:

    قال ابن مفلح:

    رَوَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
    أَذِنَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ إذْنًا عَامًّا، فَلَمَّا احْتَفَلَ الْمَجْلِسُ قَالَ: أَنْشِدُونِي ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ كُلُّ بَيْتٍ مِنْهَا مُسْتَقِلٌّ بِمَعْنَاهُ ، فَسَكَتُوا، فَلَمَّا سَكَتُوا عَلِمَ أَنَّهُمْ قَدْ أُعْيُوا ، إذْ طَلَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَقِيلَ : مِقْوَلُ الْعَرَبِ وَعَلَّامَتُهَا ، فَقَالَ أَبَا خُبَيْبٍ فَقَالَ مَهْيَمْ قَالَ: أَنْشِدْنِي ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ كُلُّ بَيْتٍ قَائِمٌ بِمَعْنَاهُ، قَالَ: بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ: وَتُسَاوِي، قَالَ: فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ وَأَنْتَ وَافٍ كَافٍ. فَأَنْشَدَهُ لِلْأَفْوَهِ الْأَوْدِيِّ :
    بَلَوْتُ النَّاسَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ *** فَلَمْ أَرَ غَيْرَ خَتَّالٍ وَقَالٍ
    قَالَ : صَدَقْت هِيهِ قُلْ الْبَيْتَ الثَّانِيَ ، فَقَالَ :
    وَذُقْت مَرَارَةَ الْأَشْيَاءِ طُرًّا *** فَمَا طَعْمٌ أَمَرُّ مِنْ السُّؤَالِ
    قَالَ : صَدَقْت قُلْ الْبَيْتَ الثَّالِثَ فَقَالَ :
    وَلَمْ أَرَ فِي الْخُطُوبِ أَشَدَّ وَقْعًا *** وَأَصْعَبَ مِنْ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ.

    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    67- قال حنبلي في قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( إذا حضرت الصلاة والعشاء فابدأوا بالعشاء، و إذا حضرت الصلاة والخلاء فابدأوا بالخلاء):

    ما أبله قوما قالوا: ( بدأ بحظوظنا قبل حقوقه ). فعدٍّوا هذا رفقاً بطباعهم وتقديما لحظوظهم. وكَلاّ أن يكون الشرع قصد ذلك، وإنما الفقه أنه أحب أن لا يدخلوا الصلاة بقلوب مشغولة بطلب الغذاء، أو دفع الأذى، فلا يتكامل الخشوع، ولا تحضر القلوب، فدفع المشغلات توفُّراً على قيام الإنسان بحقوق العبادات، مثل قوله: ( لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان) طلباً للاعتدال، لئلا يحصل الميل لمكان نفور الطبع، لأنه معيار الحق. ونحن نصون معيار الأثمان والمأكولات عن العين التي تُخلّ بحقيقة وزنه، فكيف بميزان الشرائع و الحقوق ؟
    فهذا فقه الحديث، وعليه قاس الناس صيانة الشاهد عن أن يكون عدوّاً أو يكون أباً، لأن تمثّل الغضب غير لابث، ولكنه نفور يمنع تحقيق النظر، فكيف بهوى النفس في الأولاد ومحبة إيصال الخير إليهم ؟ فلم يبقَ الشرعُ تُمْسِكه الأديان والعدالات العارضة عن أن يوقع التهمة بأربابها لأجل الطباع الموضوعة فيهم.
    فافهم هذا، فإنه من أحسن فقه الحديث.

    (كتاب الفنون)


    68- الِاحْتِرَازَ لَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ:

    قال ابن عقيل في الفنون:
    الْعُقَلَاءُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الِاحْتِرَازَ لَا يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ وَأَنَّ دَقِيقَ الْحِيَلِ مِنْ الْأَعْدَاءِ يُدْفَعُ بِلَطِيفِ التَّحَرُّزِ وَالْمُبَالَغَة ِ فِي التَّحَفُّظِ.

    (موقع الجمعية السعودية للسنة وعلومها).


    69- مسألة:

    قد ورد: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ). وورود المنع من اليقين أو الظن بما يوجب الشك لبيقى على حكم الأصل . فإن قوله (صلى الله عليه وسلم ) لمّا سألوا الراعي عن الماء هل ورد عليه ما ينجّسه : لا تعلمهم. وقال عمر للسائل عن الميزاب : يا صاحب الميزاب لا تعلمهم. وأمر بأخذ كف من الماء للميزر عقب الإستنجاء . كل ذلك دفع للظن ، أو العلم بما يوجب البقاء على الأصل. فكيف الجمع ؟
    قال حنبلي: يُحمل قوله الأول على الإستحباب، أو في المأكول والمشروب و المنكوح، دون الطهارات والتعبدات التي طريقها المسامحة.

    (كتاب الفنون)


    70- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: مقام الرسل:

    قال أبو الوفاء ابن عقيل في الفنون: من أعظم منافع الإسلام، وآكد قواعد الأديان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح؛ فهذا أشق ما تحمله المكلف، لأنه مقام الرسل، حيث يثقل صاحبه على الطباع، وتنفر منه نفوس أهل اللذات، ويمقته أهل الخلاعة. وهو إحياء السنن، وإماتة البدع.
    - إلى أن قال - لو سكت المحقون، ونطق المبطلون، لتعود النشء على ما شاهدوا، وأنكروا ما لم يشاهدوا؛ فمتى رام المتدين إحياء سنة، أنكرها الناس، فظنوها بدعة، وقد رأينا ذلك.

    (كتاب: الدرر السنية في الكتب النجدية).


    71- قال حنبلي - وسمع واعظا يزري على الدنيا و نعيمها، ويزعم أنها كالميتة ، و أهلها كالكلاب عليها، وأغرق في هذا و أمثاله:

    بيني وبين هذا المزري على أبناء الدنيا، والمستخفّ بخير منها، جوعة تذلّه و تصرعه، حتى أوقفت الكليم عليه السلام يقول في ظلّ شجرة: (رب إني لما أنزلتَ إلي من خير فقيرٌ ).
    ويُترَك أمثالنا اليوم على أبواب أرباب الأموال الأنذال، بذلّ الطلب، مع التحجّب عنا، والإيقاف لنا على الدهاليز، كالأيتام على أبواب الأوصياء.
    وأدنى شبق و عشق يبذّلنا بقول العزل، والوقوف على أقبية البيوت والروازن، والتّيم والهيمان و اللهج بالنساء والمردان، حتى يخلع العذار، ويرفض الوقار، ويكشف الأسرار، في النثر والأشعار.
    وأدنى مصاب يصيبنا في الأموال والأولاد يجعلنا كالنسوة الثواكل، نتفاً للشعور، وتخريقاً للجيوب، و صكاً للخدود.
    وأيسر شبهة تعرض، إما من طريق الأفعال، أو الإشتباه في الأقوال،
    ننطق بالاعتراض، ونخرج عن طريق الاستسلام والتسليم، إلى التسخّط على من ليس لنا طريق الى الاعتراض عليه. يشهد لذلك يوم عمر، والقضايا دأب الصحابة، وطرحهم في الشكوك الموبقة بما كان تحته شبهة تزيلها كلمة ( أقال لكم العام ؟).
    ..
    وأدنى غضب يعترض، يهيّج من غليان دم القلب، طلب الانتقام على الذنب، حتى يصير كالسبع الضاري، والأسد الصائل، ممن تحيله الحاجات، كيف يزري على الدنيا ؟
    كان لنا شيخ بدرب الديوان، يُعرَف بابن زيدان، له حلقة بجامع المهدي، يتكلم فيها بالمعاريف و المجاويد ولسان التصوّف، وكان شطاحاً بالاضافة الى أصحاب الأحوال. والى جنب حلقته حلقة الشيخ الدباب من أصحاب عبد الصمد. فقال له ابن زيدان: أقوام الجواري، عندهم كهذه السواري؟ فقال الدباب: واللهِ إنّ ذاك بُلي بعشق مغنية، حمل وراءها طبلها ..
    أمَا رأيت صاحب الشرع كيف عزل و أبعد عن مقامات الرأي والعقل و التعبّد للربّ ؟ فقال : (إذا حضرت الصلاة والعشاء، فابدأوا بالعشاء)، ليس هذا لما يعتقده البُلْه من أنه تقديم لحظ النفس على حق الربّ، لكن لعلمه بأن الجائع لا يصلح لخدمة الحق. فاشتغال الشيء الذي يحتاج الى إجتماعه بتلك الكسرة، هو الذي أبعده عن الحضرة، ليكون همه مجموعا في تلك اللحظة. فإن الدواعي المتوثِّبة مشوّشة للهمّ .
    وكذلك قوله: ( لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان )، كرامة للمنصب أن يقوم فيه مشوّش الأدوات، وعلى هذا أبداً. حتى إنه عزل الآباء عن شهادتهم للأبناء، لمكان شغفهم بالأولاد. ومغلوب بالطبع لا يُجعَل معياراً في الشرع .
    فعلى هذا كل مُهوَّن في الشرع عظيم في الطبع. وتهوين الشرع له علاج ومداواة، فلا ينبغي للواعظ و الناهي أن يُدخل فيه مدخل المقاواة، فإنّ الحمية مقاومة للطبيعة، ولا تقاوَم إلا بما هو أقوى منها، وليس عند هؤلاء من اليقين ما يهوِّن عندهم المحسوسات العاجلة، فينبغي أن يُسلَك معهم مسلكُ اللطف و المداراة، وتعظيم أمر الآخرة، ولذاتها الموفية على لذات الدنيا، فأما أن تُحقَّر اللذات، و تُجعَل كالمزابل و الميتات، و يُجعَل أهلها كالكلاب، فهذا لا يقوله إلا من أتلفته الحمية و جعلته شِلواً.
    فأما من يزاحمهم على اللذات، والاستكثار بما يوفي على الكفايات، لا يحسن به أن يستخِف و يستزري بمن يطلب ما يطلب، ويرغب فيما يرغب.
    إذا رَآنا العوام على أبواب أرباب الأموال مطَّرَحين، ولعل أكثرهم بما يقتنعون به من أجور أعمالهم وأكسابهم عنهم يتعفّفون، فإذا لم يزروا علينا، فأولى أن لا نزري عليهم. لأن العلوم توجب علينا ظلف النفوس عن الدنايا، فإذا لم تقيّدنا العلوم عن طلب الدنيا، فأولى أن لا نزري على العوام الذين لا رابط لهم و لا ضابط.

    (كتاب الفنون)



صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •