في فنون أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي: - الصفحة 3
صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123
النتائج 41 إلى 49 من 49
5اعجابات

الموضوع: في فنون أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي:

  1. #41
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    Post

    (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ):


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
    وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى الْعَجْزِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْعَوَاقِبِ فَقَالَ تَعَالَى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ).
    فَفِي عُقُولِنَا قُوَّةُ التَّسْلِيمِ وَلَيْسَ فِيهَا قُدْرَةُ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ.
    وَقَدْ يَدْعُو الْإِنْسَانُ فَلَا يُجَابُ فَيَنْدَمُ، وَهُوَ يُدْعَى إلَى الطَّاعَةِ فَيَتَوَقَّف. فَالْعَجَبُ مِنْ عَبِيدٍ يَقْتَضُونَ الْمَوَالِيَ اقْتِضَاءَ الْغَرِيمِ، وَلَا يَقْتَضُونَ الْغَرِيمَ وَلَا يَقْتَضُونَ أَنْفُسَهُمْ بِحُقُوقِ الْمَوَالِي.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    فصل:


    لأبي العلاء المعري الأبيات المطبوعة التي تغنّى بها، ويعجبني معناها، وطال ما تواجد عليها شيوخ الصوفية. وهي قوله:
    منكِ الصدود ومني بالصدود رضى ** من ذا عليّ بهذا في هواك قضى
    بي منكِ ما لو غذا بالشمس ما طلعتْ ** من الكآبة أو بالبرق ما ومضَا
    إذا الفتى ذم عيشا في شبيبته ** فما يقول إذا عصر الشباب مضى
    وقد تعوّضتُ من كلٍّ بمشبهِه ** فما وجدتُ لأيام الصبا عِوضا
    وقد غرِضتُ من الدنيا فهلْ زمَني ** معطٍ حياتي لغرٍّ بعدُ ما غرِضا
    جرّبتُ دهري وأهليه فمَا تركَتْ ** لي التجاربُ في ودّ امرئ غرضا
    وليلةٍ سرتُ فيها وابنُ مُزنتها ** كَمَيّتٍ عاد حياً بعد ما قبضا
    كأنما هي إذ لاحتْ كواكبُها ** خَوذٌ من الزنج تُجلى وُشِّحتْ خَضضا
    كأنما النسر قد قُدتْ قوائمه ** فالضعف يكسر منه كلما نهضا
    والبدر يحتثُّ نحو الغرب أينُقَه ** فكلما خاف من شمس الضحا ركضا
    ومنهلٍ تِرد الجوزاء غمرتَه ** إذا السِّماكان شطر المغرب اعترضا
    وَردتُهُ ونجوم الليل وانيةٌ ** تشكو إلى الفجر أن لم تَطعم الغَمَضا
    طال ما وجد الواجدون على البيت الأول من كبار القوّالات المحسنات، ومُزِّقت الأطمار، وانكشفت الأسرار، حيث استعاروا لما سُمّي من الخلق صدوداً ما ورد من بلاوي الحق المقابلة برضا أهل العرفان، حيث امتلأوا بعرفانه مسرّة، فلم يجدوا بإيلام طباعهم مضرة، نظروا الى المبلي في البلى، فعذُبَ العذاب عندهم وَحَلا. أما سمعتَ قول الحق في السحَرة في حال الغفلات: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْراً)، وقولهم عند طلوع شموس العرفان: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) فكان ذلك موجباً خطبة تعجيل البلاء. والآخر لمّا أحياه بعد القتل، وكلّمه كفاحا ً، قال له: تمنّ علي ّ، قال: أتمنى عليك أن تعيدني الى الدنيا، فأقتَلَ دفعة أخرى.
    وأما قول ابي العلاء (فما وجدتُ لأيام الصبا عوضا); قال حنبلي:
    هذه طريقة سلكها الأوائل، واحتذاها بعدهم الأواخر. وهي طريقة من لم يشمّ رائحة العرفان، ولا ذاق طعم الوجد الذي عقبه الوجدان. فإن الصغر مطية الغباوة و الغفلة، وعلو السن حال يقظة، وقوة مزيدة على الفطرة السليمة بالتجربة. وما طلبَ من طلبَ الغفلة أو السكر المغطي على العقل إلا لِثقل التكليف وتعاظم العرفان. وللطباع حظها، كما أن للمعارف حظها. ومُركّب من أشتات لا يعيش إلا باختلاف الأحوال، غفلة تعيش بها طباعه، ويقظة يصفو بها اطلاعه. ولهذا كان بلوغ السفير عليه السلام بالإعانة في خلال أحواله لعيش طباعه، ويظل عند ربه، فيغنيه عن القوام في وقت اجتذابه إلى ذلك المقام.
    (كتاب الفنون)


    من كلام علي عليه السلام:


    الهيبة خيبة، والحياء يمنع الرزق. وعليكم بالصبر; فإن الحازم به يأخذ، والجازع إليه يرجع.
    (كتاب الفنون)


    في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ. فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ):


    قوله تعالى: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)، هذا أمر تكوين لقلب الضرر، يخرجهم عن التكليف، أو ينفيهم مع قلب الضرر على التكليف.
    وما معنى: (خَاسِئِينَ)؟ وما معنى: (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا)؟ وما معنى: (وَمَوْعِظَةً)؟ وما وجه التخصيص بالمتقين؟
    قيل ~وبالله التوفيق~:
    أمّا قوله تعالى: (كُونُوا قِرَدَةً)، فليس بأمر حقيقة، لأن الأمر هو الاستدعاء من الأعلى للأدنى، والانخلاق فعل الخالق ~جلّت عظمته~ ليس إلى المخلوق منه شيء، مكلّفاً كان أو غير مكلّف، حيواناً كان أو جماداً.
    لكن (كُنْ) حرفان يظهرهما الباري لملائكته، فيكون عقيبهما ما يكوّنه بقدرته. هذا إذا حُمل الكلام على حقيقته، وهو الأصل. فقلب صورة الإنسان إلى صورة قرد كقلب الماء إلى علقة، إلى مضغة، الى عظام، إلى لحم ، على ما ورد من التارات السبع.
    والدليل على أنه جُوّز وليس باستدعاء حقيقة، أنه قد أضافه سبحانه إلى المعدوم، ثم ذكر تكوّنه والإيجاد، لا يسأل عاقل أنه إخراج من كتم العدم، وذلك مما ينفرد به الباري سبحانه. والأشياء بعد وجودها لا ينصرف الأمر إليها إلا بعد إكمال أدوات الاستدعاء.
    فإذا ثبت هذا في التكوين عقيب (كُنْ)، كان قول الله تعالى: (فَقُلْنَا لَهُمْ) قلبنا صورهم من الإنسانية الى القِردية (خَاسِئِينَ) مبعدين، (اخْسَئُوا فِيهَا) ابعدوا ، وصورة القردية تبعيد عن الصورة الحسنة إلى صورة مشوّهة، (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً).
    وقوله في الأول: (كُونُوا) خطاب مذكّر. وقوله (فَجَعَلْنَاهَا) راجع الى تأنيث المسخة، وهي الصورة المشوهة، وعظاً وزجراً، (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا)، لِما قدّمت من ذنوبها، (وَمَا خَلْفَهَا)، لِما يُعمَل به بعدها ليَخاف مَن بعدها أن يعمل مثل عملها، فيؤخَذ بما عمل كما أُخذت به.
    قال الحسن: (لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا)، لما قدّموا من الأعمال السالفة، (وَمَا خَلْفَهَا)، خلف الأعمال السالفة; وهو صيدهم الحيتان يوم السبت.
    قال حنبلي:
    وقد بان من صيد الحيتان بالرواية أنهم قدّموا نصب الشباك قبل السبت، فوقعت الحيتان فيها يوم السبت، فأخذوها يوم الأحد، فأخذهم الله بالنصب الذي كان قبل السبت، لمّا كان سبباً باقياً مؤثّراً لوقوع الحيتان يوم السبت، فصاروا بآثار أفعالهم كالصائدين يوم السبت.
    وقوله (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) إنما خص المتقين لأنهم العاملون بحكم الموعظة، وإلا فالموعظة بالنكال والمسخ موعظة عامّة لكل مكلف. هذا من أخوات قوله سبحانه : (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا )، وهو منذر الكل ممن يخشى ولا يخشى، لكن خص بذلك من انتفع بالإنذار. ومثل قوله: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا)، يعني من انتفع بإنذارك فحيّ بالإيمان، (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ)، الذين هم كالأموات، الذين لم ينتفعوا بالحياة، كما سمّاهم (صُمًّا وَعُمْيَانًا)، حيث لم يستعملوا الأبصار والأسماع في الاستبصار الذي به غرض المدارك الموضوعة للانتفاع. فإذا لم ينتفع بها، صار عدم الانتفاع بها كَعَدمها.
    (كتاب الفنون)

  2. #42
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    افْتِئَاتٌ وَسَخَطٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    الْوَاحِدُ مِنْ الْعَوَامّ إذَا رَأَى مَرَاكِبَ مُقَلَّدَةً بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَدُورًا مَشِيدَةً مَمْلُوءَةً بِالْخَدَمِ وَالزِّينَةِ، قَالَ: (اُنْظُرْ إلَى مَا أَعْطَاهُمْ مَعَ سُوءِ أَفْعَالِهِمْ)، وَلَا يَزَالُ يَلْعَنُهُمْ وَيَذُمُّ مُعْطِيَهُمْ وَيَسْقَفُ حَتَّى يَقُولَ: (فُلَانٌ يُصَلِّي الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمَعِ، وَلَا يَذُوقُ قَطْرَةَ خَمْرٍ، وَلَا يُؤْذِي الذَّرَّ، وَلَا يَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهُ، وَيُؤَدِّي الزَّكَاةَ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، وَيَحُجُّ وَيُجَاهِدُ، وَلَا يَنَالُ خُلَّةً بِقُلَّةٍ)، وَيُظْهِرُ الْإِعْجَابَ كَأَنَّهُ يَنْطِقُ عَنْ تَخَايُلِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الشَّرَائِعُ حَقًّا لَكَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ مَا نَرَى، وَكَانَ الصَّالِحُ غَنِيًّا وَالْفَاسِقُ فَقِيرًا.
    مَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّهُ لَحَظَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَى هَذَا أَمْوَالَ الْأَيْتَامِ وَالْوُقُوفِ، بِأَنْ يَأْكُلَ الرِّبَا وَيُفَاسِدَ الْعُقُودَ، وَهَذَا افْتِئَاتٌ وَتَجَوُّزٌ وَسَخَطٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
    فَإِنَّ لِلَّهِ كِتَابًا قَدْ مَلَأَهُ بِالنَّهْيِ وَحِرْمَانِ أَخْذِ الْمَالِ الْحَرَامِ وَأَكْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَوْ كَانَ مُنْصِفًا لَقَالَ لَهُ تَدَبَّرْ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ مَمْلُوءٌ بِالنَّهْيِ وَالْوَعِيدِ، فَصَارَ الْفَرِيقَانِ مَلْعُونَيْنِ، هَذَا بِكُفْرِهِ وَهَذَا بِارْتِكَابِ النَّهْيِ.
    وَمِنْ الْفَسَادِ فِي هَذَا الِاعْتِقَادِ أَنَّهُ لَا يُبْقِي فِي الْعَقْلِ ثِقَةً إلَى دَلَالَةٍ قَامَتْ عَلَى شَرِيعَةٍ أَوْ حُكْمٍ.
    فَإِنَّ يَنْبُوعَ الثِّقَةِ وَمَصْدَرَهَا إنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُؤَيِّدُ غَيْرَ الصَّادِقِ، وَلَا يُلْبِسُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ.
    فَإِذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَلَا ثِقَةَ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    أكبر الكبائر بعد الكفر بالله; السكر:


    قال بعض الحنابلة المحقّقين: أنا أرى أن أكبر الكبائر، بعد الكفر بالله; السكر.
    قال له جماعة عجبوا من كلامه: نسمع منك غرائب!
    قال: أنتم الغرباء عن الفهم. ليس كلامي غريبا. ولئن كان غريبا، عرّفه الدليل و البرهان. وما زال الحق غريبا بين المبطلين، والعلم غريبا بين الجُهال. فاسمعوا برهان ما أقول:
    إنّ السكر يعمل عمل الجنون فيما يضر، وهو يغطي العقل، فيعدم العلم الصالح للعاجلة من سياسات الدنيا وذخائر الآخرة. ولا يخفف عن العبد كما يخفف عن المجنون من إسقاط الحساب ودخول الجنة مجانا من غير عمل. فيعدم منافع العقل، ولا يقيم العذر في ركوب الجنايات، بل يبقى عليه تكليف العقلاء، حيث كان مُكسباً لتغطية العقل.
    ولو لم يكن من شؤم السكر إلا انقطاع ما بين صاحبه وبين ربه، وعدم معرفته بدينه. فالسكران لا يعرف دينه فيعتذر منه، ولا ربه فيعتذر ويتوب إليه.
    فهل في المعاصي ما يبلغ بصاحبه هذا المبلغ ؟
    (كتاب الفنون)


    لأمير المؤمنين عليّ ~رضي الله عنه وأرضاه:


    إخشوشن الناس علي جِدّا
    إلا أداريهم بقيتُ فردا
    و ما أرى لي من أناس بُدّا
    (كتاب الفنون)


    في قوله تعالى : (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ):
    مما يعطي قبول شفاعته في عصاة أمته. لأن رد السؤال خزيٌ عند العرب.
    (كتاب الفنون)

  3. #43
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    تعاريف في محلّها:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
    الْوَحْشَةُ انْقِبَاضٌ فِي الْقَلْبِ لِفَقْدِ الْمَأْلُوفِ ..
    وَحَدُّ الْقَلَقِ تَتَابُعُ حَرَكَةِ الْقَلْبِ لِمُزْعِجٍ.
    وَالْوَجِيبُ أَشَدُّ حَرَكَاتِ الْقَلْبِ.
    وَالطُّمَأْنِين َةُ سُكُونُ الْقَلْبِ وَدَعَتُهُ.
    وَالتَّشَفِّي دَرْكُ الْقَلْبِ غَرَضَهُ مِنْ الِانْتِقَامِ.
    وَالْغَيْظُ أَخْفَاهُ طَلَبُ الِانْتِقَامِ لِلْعَجْزِ عَنْ إيقَاعِهِ.
    وَالْمُؤَاخَذَة ُ الْمُجَازَاةُ عَلَى الْإِسَاءَةِ.
    وَالْهَيَمَانُ الذَّهَاب فِي طَلَب غَرَضٍ لَا غَايَةَ لَهُ.
    وَالْكَلَفُ الشَّغَفُ.
    وَاللَّهَجُ تَطَلُّبُ الْغَرَضِ.
    وَالْحَمَاقَةُ إهْمَالُ قَوَانِينِ الْحِكْمَةِ.
    وَالتَّمَنِّي تَطَوُّحٌ بِالْأَمَلِ.
    وَالشَّرَهُ إسْرَافُ الطَّبْعِ فِي الْمَطْلُوبِ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    لو عرفتَ قبل الأعمال لسهلت عليك:


    لو عرفتَ قبل الأعمال لسهلت عليك، لكنك لم تتقن المعارف، فثقلت عليك التكاليف. وما استعمل قط إلا المعارف. فينبغي لك أن تتقن عرفان المكلِّف، وتنظر كيف التكليف على أركانك، ثقيلا أم خفيفا.
    إذا فتحت عينيك ونظرت، ثم أمعنت فكرك، فخبرت حال هذا الدائر المرصّع، وتصاريف هذا الكون المجنَّس المنوَّع، وتَقلّبَ هذا المبدَّد المجمَّع، وشهدت بعقلك ما وراءه من المؤثّر العظيم، الذي خلق وأبدع، فبصَّر و أسمع. ثم تنظر في حال السفير الذي أبهرت معجزاته العقول: إن انتقل عن الخطبة على جذع حنَّ إليه، وإن تناول حصيَّات سبّحن في يديه، وإن أشار إلى القمر انشق، وإن ترك يده في إناء فار بالماء وجاش، ون استدعى شجرة أسرعت، وإن كلّم ظبياً أجاب، وإن استدعى ببعير سجد، وإن برّك يده على صدر ضال اهتدى، وإن تفل على ملدوغ برئ، وإن أشار إلى جو قد أجدب والتهب عاد بالغمام محتجباً، و بالغيث هاطلا ساكبا. ومن طوِّعت له الأشياء كذا، وجبت طاعته على سائر الورى.
    فإذ خبرتَ ونظرتَ إلى المعنى الذي يشير إليه، وعرفت مقدار الداعي إليه- سبحانه -والسفير، تذللت لك نفسك بطاعته فيما إليه دعاك، ولم تعبد بعد الهدى والإيمان هواك. فهنالك-والله-هان عليك ما بذلت، وعظم عندك قدر من أطعت، وإليه بطاعتك تقربت.
    (كتاب الفنون)


    حديث نبوي:


    في الحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:
    إن الناس يُعطَون أجورهم على قدر عقولهم دون اعمالهم.
    (كتاب الفنون)


    بين نبي كريم كليم، ووليّ عليم:

    قال حنبليّ:

    جمع بين نبي كريم كليم، وبين وليّ عليم، ونبذ من حكمه الصميم ثلاث فعلات يضيق عن حملها العقل السليم; تشعيث مركب صحيح لمساكين لم يظهر منه إلا الافساد، بغير إحماد. وشفعه بقتل نفس زاكية، بغير سبب ولا جناية ظاهرة. ثم تلاه بالاستطعام مع القدرة على الاكتساب. فلما تتابع الاعتراض مع ما تقدم من العهد على الاتباع من غير إنكار، قُوبل بالمفارقة بعد بيان المصالح المنطوية في تلك المفاسد.
    وكفى ذلك الكليم عليه السلام في اقتضائه فيما بعد بالإمساك عن الاعتراض على أفعال الحكيم. وقصّ علينا القصة، فأوجب ذلك علينا الإمساك عن الاعتراض على ما يصدر عنه سبحانه وإن آلم الطباع وأنكرته العقول بظاهر الحال، لتجويزنا أن يكون في مطاويه أمثال تلك المصالح. فإذا أمات لنا ولداً على شبيبة، وقطع آمالنا فيه، فآلم طباعنا وخيّب آمالنا، وجب علينا نقل تلك القصة الى هذه الحالة المؤثرة أمرّ نغصة، فنقول : علم أنه لو جاوز هذا السن، لتعدّى إلى طريقة توجب فساد العاقبة. وكنا بمثل هذا التأويل عاملين بما ندَبَنا إليه، وحثنا عليه، بقوله تعالى: (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
    فإن حاكت في النفوس اعتراضات بمطالبة غير إقناعية، بل شافية للعقل بحسب ما سبق فيه من إثبات القدرة المطلقة ومنع الفساد الآخر بغير الفساد الأول. ~لأن الإفساد لا يحسّنه العقل وإن قلّ، إلا مع العجز عن دفع أكثر الفساديْن بدون الإفساد الأقلّ، كالطبيب منا الذي حَسُنَ منه قطع جارحة لحفظ الجملة، لعجزه عن حفظ الجملة دون إفساد بعضها~ فادفع هذا الاعتراض الأقصى لما أثبتَّه من القدرة المطلقة بالتسليم للفعل والتعليل لِما علمتَه من الحكمة البالغة التامّة، ولا تطلب منه بحسب ما عُرف من القدرة، إلا مع الاقتضاء لنفسك بالتسليم لما عرفتَ من الحكمة.
    فكم قصّ عليك من مبادئ أفعال مزعجة للطباع و العقول .. وإشعارات مبهجة كان عقيبها أمور مزعجة، وإشعارات مزعجة كان عقيبها أمور مبهجة، كمنام يوسف في إسجاد النيران له عَقِبه مِحن مؤلمات رَمَتْه في الجبّ، وإخراجه إلى الرقّ، ثم ترويعه بالتهمة بأفحش ذنب، ثم تعذيبه بالسجن. ومنامِ الخليل ترويع بذبح إسحاق أو إسماعيل، ثم عقّبه بالنسخ إلى ذبح البهيم، ثم الدحو به في حبال المنجنيق نحو نار كالجحيم. ثم يتزيّدها عنه بالتكوين ترويع نبيّنا (صلى الله عليه وسلم) بمخافة القتل، والهرب إلى الغار، والشقاء بالأسفار، والمخافة من الوطن إلى دار غربة، ثم الصدّ عن الكعبة في عمرة القضاء. ومعاناة الذل في محو الاسم ومنع الهدى وردّ المستجير. ثم عقّب ذلك المنام والوعد بصريح الفتح بما نزّل من الوحي. ثم عقّب ذلك كله بالفتح.
    فوجب بهذا وأمثاله أن لا نأنس ببادرة خير ولا بادرة شر، بل نكون مع بادرة الشر على رجاء عاقبة خير، ونكون مع بادرة الخير خائفين من عاقبة شر. فكتم العواقب دأب الحقّ، ليكون العبد معتمدا عليه سبحانه في الأمريْن، هذا هو التكليف. ولو كشف العواقب سقط التكليف بالكلّية. لكن ترك الخلق بين الخوف والرجاء، ليكون العبد أبداً على باب اللجاء.
    (كتاب الفنون)


    لو كُشفت العواقب سقط التكليف


    قال بعض أهل العلم:
    لو كُشفت العواقب سقط التكليف.
    قال حنبليّ: وصدق; فانه لو قُطع العبد عن دخول النار، ترك العمل. وأما كشف العاقبة بالجنة، فإنه لا يترك العمل. لأنه إن سقط العمل لأجل الأمن من العقوبة، لم يسقط العمل لشكر المنعم بالجنة.
    (كتاب الفنون)

  4. #44
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    فِي تَمَسَّكِ النَّاسِ بِالْخُرَافَاتِ:


    قال ابن مفلح: قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    لَوْ تَمَسَّكَ النَّاسُ بِالشَّرْعِيَّا تِ تَمَسُّكَهُمْ بِالْخُرَافَاتِ لَاسْتَقَامَتْ أُمُورُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقَدِّمُونَ إدْخَالَ مُسَافِرٍ عَلَى مَرِيضٍ، وَلَا يُنَقَّبُ الرَّغِيفَ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ حَرْفِهِ، وَلَا يُكَبُّ الرَّغِيفَ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَا يُتَزَوَّجُ فِي صَفَرٍ، وَلَا يَتْرُكُ يَدَيْهِ مُشَبَّكَةً فِي رُكْنَيْ الْبَابِ، وَلَا يَخِيطُ قَمِيصَهُ عَلَيْهِ إلَّا وَيَضَعُ فِيهِ لِيطَةً.
    وَلَعَلَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ لَوْ عُوتِبَ عَلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لُبْسِ الْحَرِيرِ لَأَهْوَنُ بِالْعُتْبَةِ.
    فَهَذَا قَدْرُ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهِ. وَلَعَلَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ: (لَا يَحِلُّ طَرْحُ الرَّغِيفِ عَلَى وَجْهِهِ) ثِقَةً بِمَا يَسْمَعُ مِنْ النِّسَاءِ الْبُلْهِ وَالسَّفْسَافِ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    في قوله تعالى : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ):

    قيل في التفسير:
    تجعلون جزاء نعمتنا عليكم برزقكم تكذيبكم برسلنا.
    (كتاب الفنون)


    سأل سائل عن قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا):


    ذكر المفضّل قال:
    المراد به أن ملائكة كانت تنزل مع جبريل تحفظ ما يورده من الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم عن استراق الجن له وحمله إلى كفاتهم.
    (لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ); قيل: ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل : ليعلم الانس والجن أن قد أبلغت الملائكة رسالات ربهم.
    (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ): أي علم بما عندهم.
    (كتاب الفنون)


    زِنُوا أَنْفُسَكُمْ:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
    زِنُوا أَنْفُسَكُمْ; مِنْ الْمَبَادِئِ مَاءٌ وَطِينٌ، وَفِي الثَّوَانِي مَاءٌ مَهِينٌ، وَفِي الْوَسَطِ عَبِيدٌ مَحَاوِيج لَوْ حُبِسَ عَنْكُمْ نَسِيمُ الْهَوَاءِ لَأَصْبَحْتُمْ جِيَفًا، وَلَوْ مُكِّنَتْ مِنْكُمْ الْبُقُوقُ عَنْ السِّبَاعِ لَأَكَلَتْكُمْ، كُونُوا مُتَعَرِّفِينَ لَا عَارِفِينَ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).

  5. #45
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    فصل:


    المطالب مبثوثة في هذا العالم الواسعة أقطاره، وهي بين ظاهرة مشهورة، وخافية مستورة . والدواعي في الطباع طالبة، والعقول عن المطالب باحثة، والوجدان متفاوت بين واجد بعسر وتعب، وبين مفاض عليه مطلوبه، فوجدانه بغير تعب ولا نصب. والمراد يسيل سيلاً من جهة الممدّ، المفيض جوده عن قدرة مطلقة، القاسم بحكمة تامة. فعطاؤه عن غنى وقدرة مطلقة، وقسمته بين خلقه بحكمة.
    والطالبون بحكم دواعيهم وطباعهم كالصبيان، دأبهم طلب ما يشهّيهم فقط، لجهلهم بما يصلح وما يفسد. وليس عطاء الحق بحسب قدرته المطلقة، ولا بحسب جوده الفائض، ولا بحسب دواعي الطباع الشرهة، لكن عطاؤه بحسب حكمته القاسمة على قدر المصالح.
    فهذا أصل يجب إتقانه، والخلق فيه طبقات، فطبقة تتناول المطلوب بحسب دواعيها الشهوية، إذا كانت غير مربوبة، كالأيتام العادمين للآباء والأمهات والحواضن والدايات والأطباء والمعلمين، فهم كالسوائم بغير راع يجنبها المراتع الوخيمة ويتحرى لها المراعي السليمة، فناشئة هؤلاء هم الهمج الرعاع، فإذا انبسطوا في مطالبهم بحسب ما نشأوا عليه من تخلّيهم، أدّبهم أرباب التسلّط، فهم بين مصفوع بدِرّة المحتسب فيما صغر من الذنوب، وبين مضروب بسياط الشُّرَط ، وبين محصود بسيف السلطان، وذلك غلّ التخلية وعدم التربية.
    ومن رأى جنايات التشرد، فاستيقظ لنفسه من جانب فطنته وتلمّحه ومزيّته بعقله، ورأى فساد أحوال المتشردين، فتحرّى يلقط الآداب من المتميزين بالعقول والتجارب والصنائع، فهو أبدا يستشير المشايخ، ويتعلم من أرباب الصنائع، ويحتمي بقول الأطباء، ويتوقف عن الإقدام على ما يجهل مغبّته بما يستفيده من آراء الألبّاء، فإذا سلك هذا المسلك السليم، انتقل به إلى ما هو أعلى وأوفى، وهو تأدية الشرائع الصادرة عن الخالق الصانع، فسلمت له العواقب، وبلغ بذلك الرغائب، وعلت طبقته، فسلّم لله سبحانه أفعاله فيه من جميع ما يتشاوش، كما انخرط في سلك أحكامه، استطرح بالتسليم والتفويض لمختلفات أقداره، ورضي بأقسامه، واعتمد في مطالبه على الدعاء، وتأدّب في الدعاء بأن لا يطلب الإجابة بنفس ما طلب وعين ما سأل، بل يثق بالإجابة بحسب ما يصلحه، لا ما يصلح له، وحسب ما يُرى له، لا بحسب ما يراه لنفسه، ويكون على يقين بأن المنعَ لعين ما سأل إجابةٌ. فكم من منع هو عين العطاء ! ..
    (كتاب الفنون)


    حِكَم:


    يقال:
    الجزع من إخوان الزمان.
    والخوف حارس الاعراض.
    قد خاطر من استغنى برأيه.
    التدبير قبل العمل يؤمن الندامة.
    أشرف الغنى ترك المنى.
    الصبر جُنة الفاقة.
    المودة قرابة مستفادة.
    الطمأنينة قبل التجربة ضد الحزم.
    مبدأ القطيعة التجنّي.
    (كتاب الفنون)


    شذرة:
    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    جُهَّالُ الْأَطِبَّاءِ هُمْ الْوَبَاءُ فِي الْعَالِمِ ، وَتَسْلِيمُ الْمَرْضَى إلَى الطَّبِيعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تَسْلِيمِهِمْ إلَى جُهَّالِ الطِّبِّ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    العقل:


    قال عالم :
    العقل أفضل ما منحه الله خلْقه، وامتن به عليهم في استعماله في طاعة مانحه وتعظيم أمره و نهيه، ليقع الشكر من النعمة موقعه، واستعمله بعد ذلك في مكارم الاخلاق مع خلق الله. فإنّ من جميل شكره الاحسان الى خلقه. و ثمرة العقل طاعة الله فيما أمرك به و نهاك، وعدلك في معاملة الناس في التأدب لهم و الانصاف. فعقل لا يثمر طاعة الحق ولا إنصاف الخلق، كعين لا تبصر وأذن لا تسمع.
    (كتاب الفنون)

  6. #46
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    ما أغناك عن الكذب!


    إذا كان كل مخلوق يشتمل على نقائص و فضائل، فما أغنى المادح والذام عن الكذب إذا سخط أو رضي! فإن غضب وجد نقائص يكون بذكرها صادقا، فما باله وإلحاق النقص بنفسه بكذبه ؟ وإذا رضي وجد فضائل، فما باله يكذب بذكر ما لا يجد مع وجود ما يمكنه المدح به ويكون صادقا ؟ فما باله ألحق المدحة بغيره والنقيصة بنفسه حيث زاد بما لم يجد ؟ ألا ترى أن الله سبحانه لمّا ركّب عيسى ما بيْن فضل هو النبوة و إظهار المعجز على يديه بإحياء الميّت و إبراء الأكمه والأبرص، و غلا فيه قومه فقالوا إنه إله، قال فيه : (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) وهذا مدح يقتضي النبوة، ثم قال ( كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ). وهذا نقص في الكمال يقتضي التغذية، وهي في الحقيقة قيام الذات بغيرها، وحاجتها إلى التقويم بسواها. وهذه سمة تنافي عنّا الإلهية، فإن الاله ما احتاجت إليه الأشياء، واستغنى بذاته عن الأشياء. وأراد بذكر هذا النقص نفي الغلوّ فيه بدعوى الإلهية. فما من شيء إلا وقد ضمّنه الله نقصا و كمالا. فما أغناك عن الكذب بالتزيّد في النقائص أو الفضائل والخصائص؟
    (كتاب الفنون)


    يقال:


    أهلك الناسَ حب الفخر وفوت الفقر!
    (كتاب الفنون)


    من كمال الآداب:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ في الفنون:
    من كمال الآداب تلمح النفس وإزالة كل ما يكره منها ويؤذي عند المخالطة وإن أمكن ذاك ، وإلا فإراحة الناس بالانفراد والاعتزال فالثقيل المخالط سقم في الأبدان ومؤنة على القلوب ، وتضييق للأنفاس ، وحصر للحواس والألم يعري الأرواح تفضلا عن الأشباح ، والقذر نقضه المجالس ، والمستعلم عما يستره الناس مكشف لأستار التجمل ، والأرعن مرتعد الطباع المغلوبة بالحكمة ، والأحمق مفسد للقوانين ومحوج إلى سوء أخلاق المعلمين ، ومزر على أهل الدنيا والدين ، والمهازل مسقط لوقار المجالس مذهب لحشمة المنازل وما حط شرفا مثل هزل . وقطع الروائح الكريهة ، والبعد عن مجالس الأنس فكم من أنيس بين جلساء أوحشه مداخلة ثقيل يجهل ثقل نفسه على الناس ، وتقليل الكلام من حسن الإصغاء والإنصات، والبعد عن العاملين ذوي النشاط إذا اعتراك التثاؤب والنعاس فذلك يكسل العمال ويفتر الصناع ، وانتقاد الألفاظ قبل إخراجها إلى الأسماع فكم من نم أراق دماءكم من حرف جر حنقا وإياك والكلام فيما ليس من مجارك فذاك يحط قدرك ، ويكشف عن محلك وأنت مع سكوتك مخبوء تحت لسانك تترامى ظنون الناس فيك بين من يعتقدك بذلك عالما فإذا ظهر مقدارك من لفظك تعجل سقوط قدرك .
    لا تواكلن جائعا إلا بالإيثار ، ولا تواكلن غنيا إلا بالأدب ، ولا تواكلن ضيفا إلا بالنهمة والانبساط ولا تلقين أحدا بما يكره وإن كنت ناصحا فإن ذلك ينفره عن القبول لنصحك ولا تدعه من الأسماء إلا بأحبها إليه ، وتغافل عن هفوات الناس فذلك داعية لدوام العشرة ، وسلامة الود ، وخفف مؤنتك بترك الشكوى ، وإذا كرهت من غيرك خلقا فلا تأته ، وإذا حمدته فتخلق به ، ولا تستصغر كبير الذنب فتعرى ، ولا تستكبر صغيرها فتيأس ، وأعط كل ذنب حقه من عقوبته إن قدرت ، ومن اللائمة والهجران إن عن العقوبة عجزت ولا تقتض الناس بجراء إحسانك اقتضاء البائع بثمن سلعته ، ولا تمنن عليهم فالمن استيفاء لمعروفك أو تكدير لبرك فإن قدرت على هذه الخلائق في معاشرتك وإلا فالعزلة خير لك وخير للناس ، فإنك بستر نفسك تستريح من احتقاب الآثام بإسقاط جرم الأنام ، والسلام .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).

  7. #47
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    Post

    شذرة:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ :
    مِنْ أَكْبَرِ مَا يُفَوِّتُ الْفَوَائِدَ تَرْكُ التَّلَمُّحِ لِلْمَعَانِي الصَّادِرَةِ عَمَّنْ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْحِكْمَةِ ، أَتَرَى يَمْنَعُنِي مِنْ أَخْذِ اللُّؤْلُؤَةِ وِجْدَانِي لَهَا فِي مَزْبَلَةٍ ؟ كَلًّا سَمِعْت كَلِمَةً بَقِيَتْ مِنْ قَلِقِهَا مُدَّةً ، وَهِيَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَقُولُ عَلَى شُغْلِهَا وَتَتَرَنَّمُ بِهَا;
    كَمْ كُنْت ~بِاَللَّهِ~ أَقولُ لَك; إنَّ لِلتَّوَانِي غَائِلَةً وَلِلْقَبِيحِ خَمِيرَةً تَبِينُ بَعْدَ قَلِيلٍ؟
    فَمَا أَوْقَعَهَا مِنْ تَخْجِيلٍ عَلَى إهْمَالِنَا الْأُمُورَ، غَدًا تَبِينُ خَمَائِرُهَا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    رُويَ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (لو علم المؤمن ماعند الله من العقوبة، ما طمع في جنته. ولو علم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته):


    قال حنبلي :
    وما يحتاج الى ذكر الجنة والنار في هذا الشان. بل إذا رأى بطشاته سبحانه في العالم وألطافه، كان ذلك مقتضيا بالمؤمن إلى الفزع، والكافر إلى الطمع.
    (كتاب الفنون)


    فصل:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
    إذَا تَأَمَّلَ الْمُتَدَيِّنُ أَفْعَالَ الْخَلْقِ فِي مُقَابَلَةِ إنْعَامِ الْحَقِّ اسْتَكْثَرَ لَهُمْ شَمَّ الْهَوَاءِ، وَاسْتَقَلَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَكْثَرَ الْبَلَاءِ; إذَا رَأَى هَذِهِ الدَّارَ الْمُزَخْرَفَةَ بِأَنْوَاعِ الزَّخَارِيفِ، الْمُعَدَّةَ لِجَمِيعِ التَّصَارِيفِ وَاصْطِبَاغًا وَأَشْرِبَةً وَأَدْوِيَةً، وَأَقْوَاتًا وَإِدَامًا وَفَاكِهَةً، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَقَاقِيرِ، ثُمَّ إرْخَاءَ السَّحَابِ بِالْغُيُوثِ فِي زَمَنِ الْحَاجَاتِ ثُمَّ تَطْيِيبَ الْأَمْزِجَةِ وَإِحْيَاءَ النَّبَاتِ، وَخَلْقَ هَذِهِ الْأَبْنِيَةِ عَلَى أَحْسَنِ إتْقَانٍ، وَتَسْخِيرَ الرِّيَاحِ وَالنَّسِيمِ الْمُعَدِّ لِلْأَنْفَاسِ، إلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ النِّعَمِ، ثُمَّ نِعْمَةَ الْعَقْلِ وَالذِّهْنِ ثُمَّ سَائِرَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الصَّانِعِ، ثُمَّ إنْزَالَ الْكُتُبِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى الطَّاعَاتِ وَتَرْدَعُ عَنْ الْمُخَالَفَةِ، ثُمَّ اللُّطْفَ بِالْمُكَلَّفِ، وَإِبَاحَةَ الشِّرْكِ مَعَ الْإِكْرَاهِ، وَأَمَرَ بِالْجُمُعَةِ فَضَايَقُوهُ فِي سَاعَةِ السَّعْي بِنَفْسِ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْبَيْعِ فِي أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَعَظَّمُوا كُلَّ مَا هَوَّنَهُ وَارْتَكَبُوا كُلَّ مَا هَوَّنَهُ حَتَّى اسْتَخَفُّوا بِحُرْمَةِ كِتَابِهِ، فَأَنَا أَسْتَقِلُّ لَهُمْ كُلَّ مِحْنَةً.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    فصل:


    قال حنبلي :
    إنّ من عرف محلّ نعمة الله تعالى على خلقه بالعقل، حرس النعمة بجهده، وشكر عليها بمبلغ وسعه وجدِّه. وأرى السواد الأعظم قد بخسوه حقه. فإنهم ينوحون حال كبرهم نياحة بالغة، نظماً ونثراً، على زمان الصبا. حتى قال قائلهم:
    فإن تولى فزمانُ المدام *** حيث تردّى بِرِدا الغلام
    ومعلوم أنهم حال الكبر قد صحا العقل عن شببه حال الشبيبة، لأنّ حال الصبوة والنزاقة الطبع غالب، والغباوة عن مطالعة العواقب ودواعي الشهوات واللذات ورعونات الطباع القاطعة للوقت بما يوجب المقت. حالُ الكبر قد ظفر العقل بتصفّح الأحوال، وتدرّبَ بالتجارب، وصحا له جوّ الأراء، فتكشّفت له العواقب، واكتسب الوقار، وزالت عنه خلاعة الصبا، وذاق طعم العرفان بمراشد العقل المهدي له إلى حقائق ما تضمّنه النقل بتدبير الآيات، والتذكّر بأنواع الدلالات، ووقف على ما كان عنه غافلًا، وعن البحث عنه عاطلًا. فيحسن بمن بلغ بكبر السنّ هذه الرتبة ، أن يتذكّر حال انحطاطه عنها بالتأسّف والتشوّق إلى حال كان محجوباً عن درك غاية المطالب وأكبر الرغائب، كذا يكون العقلاء.
    وما هذا عندي إلا بمثابة من وصل إلى المنزل و الوطن، فتشوّقَ الى وعثاء السفر وعناء الطريق وكلفة النقل. أو بمثابة من بلغ من العلم غاية امتاز بها، فأخذ في التشوّق الى أيام الطلب، وأوقات النظر والفكر والبحث، وزنقات الطرق، ومرارات التردد، ومعاناة الشكوك، ولم يغلب عليه درك حلاوة الوقوع على المطلب، حتى يرى أيام الطلب أيام عناء وشقاء، فيقول كما قال أهل الجنة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ)، أو كما قال أهل الأديان بعد عبادة الأوثان: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا). فهذا دأب كل واجد بعد أن كان طالباً.
    فاعترض هذا الحنبليَّ خاطرٌ كأنه سائل يقول:
    قد خفي عليك شيء لا ينكره العقل، بل يسنده ويقيم العذر فيه لمن صدر عنه التأسّف و التشوّق إلى أيام الصبا والغباوة. وذلك لِما يدخل على العاقل من ثقل التكليف; حتى قال خواص السلف: ليتني كنتُ شجرة تعضد! ليتني كنتُ مثلك يا طائر! ليتني كنتُ نسياً منسياً!
    وتَمنّي الجمادية والبهمة أقصى من التأسّف على زمان الغباوة والصبوّة. أو رأوا أنّ الأجسام مراكب الأرواح والعقول، فطلبوا ما يقيمها، ولا يقيمها إلا الغفلة، دون الصحو و اليقظة، فلذعوا الأجساد بذلك حتّى خطب بعضهم الغفلة، لِما يعتريهم من انهدام مركب العقل. فالغفلة كالزاد لمراكب العقول، وهي الأجساد. فكان طلبهم لها لأجل العقل أيضاً، وإن دخل عليه نوع ذهول عاجل، لكنه لاستدامة الأجل. فتصير الغفلات كالأغذية المبقية لمحلّ العقل، وهي الأجساد.
    (كتاب الفنون)


    فصل وعظي:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
    عِنْدَك ذَخَائِرُ وَوَدَائِعُ بِاَللَّهِ لَا تَضَعْهَا فِي التُّرَّهَاتِ ، وَدُمُوعٌ وَدِمَاءٌ وَنُفُوسٌ. بِاَللَّهِ لَا تَجْرِي الدُّمُوعَ إلَّا عَلَى مَا فَاتَ وَيَفُوتُ، وَلَا تُرِقْ الدِّمَاءَ، إلَّا فِي مُكَافَحَةِ الْأَعْدَاءِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِنَا. وَأَنْفَاسٌ مِنْ نَفَائِسِ الذَّخَائِرِ، فَبِحَقِّنَا لَا تَتَنَفَّسْ الصُّعَدَاءَ إلَّا فِي الشَّوْقِ إلَيْنَا، وَالتَّأَسُّفِ عَلَيْنَا.
    كَمْ نَخْلَعُ عَلَيْك خِلْعَةً نَفِيسَةً تَبْذُلُهَا فِي الْأَقْذَارِ، وَتَخْلُقُهَا فِي خِدْمَةِ الْأَغْيَارِ. اشْتَغَلْتَ بِالصُّوَرِ، شَغْلَ الْأَطْفَالِ بِاللَّعِبِ، فَاتَتْكَ أَوْقَاتٌ لَا تَتَلَافَى ..
    فَإِنْ كَسَرْنَا عَلَيْك لُعْبَةً مِثْلَ أَنْ نَسْلُبَك وَلَدًا مَنَحْنَاهُ، أَخَذْت تُضَيِّعُ الدُّمُوعَ وَتَخْرُقُ الْجُيُوبَ، وَا أَسَفَا عَلَى أَوْقَاتٍ فَاتَتْ. أَمَا رَأَيْت الْمُتَدَارِكِي نَ هَذَا يَقُولُ: هَلَكْت وَأَهْلَكْت، وَهَذَا يَقُولُ: زَنَيْت فَطَهِّرْنِي؟ زَاهِدًا فِي مُصَاحَبَةِ نَفْسٍ خَائِنَةٍ فِيمَا عَاهَدَتْ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ يُقِيمُ لَهَا التَّأْوِيلَ وَيَقُولُ: " لَعَلَّكَ قَبِلْت " وَذَاكَ مُصِرٌّ عَلَى التَّشَفِّي مِنْ النَّفْسِ الْمُخَالِفَةِ لِلْحَقِّ.
    أَتُرَاهُ سَلَّطَ هَذِهِ الْبَلَاوِيَ إلَّا لِيُظْهِرَ هَذِهِ الْجَوَاهِرَ فِي الصَّبْرِ عَلَيْهِ وَالْغَيْرَةِ؟
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    قال بعض أهل العلم:


    من نازعك في أن القرآن علماً ظاهراً أو معجزا باهراً، فاعدلْ عن الكَلام معه إلى الكِلام، وعن الحِجاج إلى الشِجاج.
    وليس جواب من أنكر الحجة الواضحة إلا الشجّة الموضحة.

    (كتاب الفنون)

  8. #48
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    موعظة صحيحة:


    حجّ عبد الملك بن مروان، فخطب بمكة. فلما انتهى إلى موضع العظة من خطبته، فقام إليه رجل من الصوحان، فقال: مهلاً، مهلاً! إنكم تأمرون، ولا تأتمرون، وتنهون، ولا تتناهون، وتعظون ولا تتعظون. أفنقتدي بسيرتكم في أنفسكم أم نطيع أمركم بألسنتكم ؟
    فإن قلتم (اقتدوا بسيرتنا)، فأنّى، وكيف، وما الحجة، ومَن النصير من الله في الاحتذاء بسيرة الظلمة الجَورة الفَسقة الخَونة الذين أكلوا مال الله دُوَلا، وجعلوا عباد الله خَوَلا؟
    وإن قلتم (أطيعوا أمرنا واقبلوا نصيحتنا) فكيف ينصح غيره من غش نفسه؟ أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عدالته ولا تجوز في الإسلام شهادته؟
    وإن قلتم (خذوا الحكمة حيث وجدتموها، واقبلوا العظة ممن سمعتموها) فعلامَ قلّدناكم أزمّة أمورنا، وحكّمناكم في أموالنا ودمائنا؟ أوَما تعلمون أنّ فينا من هو أفصح بصنوف العظات، وأعرف بوجوه اللغات منكم؟
    فإن كانت الإمامة تُستحقّ بذلك، فتحلحلوا عنها، أو اطلقوا أعقالها وخلّوا سبيلها، يبتدرها أهلها الذين شرّدتموهم في البلاد، وقتلتموهم في كل واد.
    أما لو ثبتت في أيديكم باستيفاء المدة وبلوغ الغاية.. إذ لكل قائم منكم يوماً لا يعدوه، وكتابا بعده يتلوه، (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً)، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ).
    قال حنبلي:
    وهذا إن لم يكن للإمساك عنه علّة، وإلا فهو بعيد عندي أن يتم في أيام عبد الملك، لاسيما إن كان في صحبته الحجاج، وإلا فالسياسة مع القدرة تمنع من سماع هذه المقالة الشنيعة مع إبلاع قائلها ريقه. فإن كانت صحيحة، وإلا فهي موعظة .. واعتراضات على بني مروان لازمة. (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) يوم (تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ).
    (كتاب الفنون)


    شذرة:
    قال ابن مفلح: فِي فُنُونِ ابْنِ عَقِيلٍ:
    قَالَ حَنْبَلٌ: الْخَيْرُ بِالتَّعَوُّدِ ، وَالشَّرُّ طَبْعِيٌّ ، وَانْظُرْ إلَى وَضْعِ الشَّرْعِ { مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ } فَلَمَّا جَاءَ إلَى الشَّرِّ { فَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ } لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ أَكْثَر فِي الْمُجْتَمِعِين َ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    قيل:

    غِرّة الغضب تورث ذلّ الاعتذار.
    (كتاب الفنون)


    إكثارٍ الدُّعَاءِ وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    كُنْت أَرَى النَّاسَ يُكْثِرُونَ الدُّعَاءَ وَزِيَارَةَ الْقُبُورِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَلَا أَعْلَمُ هَلْ يَرْجِعُونَ إلَى شَيْءٍ.
    فَوَجَدْتُ فِي سَمَاعِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ عَنْ الْغِطْرِيفِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: {دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِ الْأَحْزَابِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاء ِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَعَرَفْنَا السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ}. قَالَ جَابِرٌ: فَمَا نَزَلَ بِي أَمْرٌ مُهِمٌّ عَارِضٌ إلَّا تَوَخَّيْتُ تِلْكَ السَّاعَةَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَدَعَوْتُ فَعَرَفْتُ الْإِجَابَةَ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    من أدب الخوف من الله:


    قال حنبلي:
    من أدب الخوف من الله أن تخاف من عدله فيك. فان خفت الحيف، فبئس الخوف. و إياك أن تخاف مما وراء العدل، فان ذلك تجوير لله. و لهذا لو فصح بذلك فقال: (ما أخاف إلا مما وراء عدل الله) فكانه يقول: ( إني أخاف الحيف). والخوف من غير عدله سبحانه هو سوء الظن به.
    (كتاب الفنون)


    الْبُخْلُ:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    الْبُخْلُ يُورِثُ التَّمَسُّكَ بِالْمَوْجُودِ، وَالْمَنْعَ مِنْ إخْرَاجِهِ لِأَلَمٍ يَجِدُهُ عِنْدَ تَصَوُّرِ قِلَّةِ مَا حَصَلَ وَعَدَمِ الظَّفَرِ بِخَلَفِهِ. وَالشُّحُّ يُفَوِّتُ النَّفْسَ كُلَّ لَذَّةٍ، وَيُجَرِّعُهَا كُلَّ غُصَّةٍ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ):


    وصفت أعرابية قوما بالبخل، فقالت: (القائمون إلى الصَلاةَ بِلا أَذان، مخافة أن تسمعه آذان الضيفان)، فآخذه بعض الشعراء، فقال:
    أَقاموا الدَيدَبانَ عَلى يَفاعٍ *** وَقالوا لا تَمُر لِلديدَبانِ
    فَإِن آنَستَ شَخصاً مِن بَعيدٍ *** فَصَفِّق بِالبَنانِ عَلى البَنانِ
    تَراهُم خَشيَةَ الأَضيافِ خُرساً *** يُقيمون الصَلاةَ بِلا أَذانِ


    قال حنبلي له فهم و اطلاع على مناسبة المعاني :
    يمحو هذا كله قوله تعالى في أصحاب الجنة: (فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ)، و كان جوابهم من المنعم على كتمهم النعم عن المؤاساة للمحاويج قوله: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ).
    سبق واللهِ حرمانه إياهم حرمان المساكين، و كان سبقه أيضا بذلك خفية عنهم حال منامهم، لإضمارهم الحرمان وعزمهم على إخفاء النعم تركا للاحسان. ف(مَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) .
    قال الخادم: فمن هاهنا طاب إظهار النعم لأرباب الحاجات إيقاظا لهم للطلب بشكر المنعم عليهم، يشهد لذلك قوله سبحانه: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ. وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) ليسمع السائل فيطلب، فتشكر نعمة ربك بالعطاء، فانه لا يجوز ان يُحْمَل إلا على هذا الوجه. لأن الحديث بالنعمة بين المسلوبين من غير مؤاساة بها وفيها، تعريض لإسخاطهم على المنعم، حيث حرمهم ما أعطاه غيرهم.
    (كتاب الفنون)


    علماء السوء:


    قال ابن مفلح: قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    يَا عُلَمَاءُ! مَا نَقْنَعُ مِنْكُمْ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ زِيِّ تَصَارِيفِكُمْ، فَإِنَّ طَبِيبًا بِهِ مِثْلُ مَرَضِي فَضَيَّقَ عَلَيَّ الْأَغْذِيَةَ وَلَا يَحْتَمِي مَشْكُوكٌ فِي صِدْقِهِ عِنْدِي، فَالْحَظُوا حَالَ مَنْ أَنْتُمْ مِنْ وَرَثَتِهِ كَيْفَ غُفِرَ لَهُ ثُمَّ قَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ.
    يَا سِبَاعُ! يَا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ! لَا تُرَوْنَ إلَّا عَلَى مَطَارِحِ الْجِيَفِ. نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَعَ مِنْ الْمَرْأَةِ بِإِشَارَتِهَا إلَى السَّمَاءِ، وَأَنْتُمْ تُشَكِّكُونَ النَّاسَ فِي الْعَقَائِدِ، انْفَتَحَ بِكَلَامِكُمْ الْبَثْقُ الْعَظِيمُ وَهُوَ كَلَامُ الدَّهْرِيَّةِ وَالْمُلْحِدَةِ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    شذرة:


    الصامتة من الجامدات والنبات ناطقة بشهادة الصنعة للصانع والحكمة للخالق.
    (كتاب الفنون)

  9. #49
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    Post

    الْجُهَّالُ يَفْرَحُونَ بِسُوقِ الْوَقْتِ:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل:
    الْجُهَّالُ يَفْرَحُونَ بِسُوقِ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ اجْتَمَعَ أَلْفُ أَقْرَعَ يَزْعَقُونَ عَلَى بَقَرَةِ هَرَّاسٍ لَقَوِيَ قَلْبُهُ بِمَا يَعْتَقِدُ أُولَئِكَ ، وَيَنْفِرُ قَلْبُهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْمُحَقِّقِينَ . بَهِيمَيةٌ فِي طِبَاعِ الْجُهَّالِ لَا تَزُولُ بِمُعَالَجَةٍ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    (لعنَ اللهُ صبياً أكبر من أبيه):


    أنت أبدا تنسى نفسك وقدْرك عند كلامك في الله واعتراضك عليه، ولو ذكرت مقدارك بالإضافة إليه، تكلمتَ كلاما صغيرا بحسبك ولا تتكلم كبارا بقول (لمَ) و(كيف) و( لو صنع هذا كان أحسن وأتقن ) و( لو قال كذا لكان أفصح ).
    العامة تقول: ( لعن الله صبيا أكبر من أبيه )، ولكن ما أوْقع اللعنَ في حق عبد أكبر من سيده، ومخلوق يتكبر على خالقه، ومحكَّم يتحاكم على محكِّمه !
    ما بلغ علمك الى الحد الذي يزري على علوم الشرع، وتدابير هذا الرب سبحانه، ولكن هذا كله وأمثاله دخل من باب جهلك بنفسك. ولو علمتَ مقدارك لعلمتَ صانعك، إما تعظيما لنفسك فعظِّم من صنعها، أو استزراءً لها فلا تتحاكم على محكِّمها، فأنت في كلا الحالين معظِّما لنفسك أو مقلِّلا لها; لا ينبغي أن تبدو منك بادرة اعتراض عليه ولا تَحكّم، لكن يجب عليك بحكم الصيغة أن تسلّم لأفعاله وتحكّم حكمته.
    (كتاب الفنون)




    توحيد وإستغفار:




    سيدي ! قد تدبّرتُ الخلق فما رأيت منهم إلا صانعاً أو مصانعاً. ورأيت جلّ غرضهم وأكبر هَمّهم الدنيا. وكل منهم قد اعتمد على ذخيرة، فهذا يذْخر العقار وهذا يذّخر العقار، .. وهذا يقتني الدرهم و الدينار، وهذا يذّخر معارف الرجال. ورأيت كلاًّ منهم عند الموت يفزع الى إسمك وتوحيدك والتعلّق بأذيال عفوك. فرأيتهم بعين الإفلاس من الرأي، حيث لم يقدّموا من أمرهم ما أخّروا، وتعجّلوا من التعلّق بك ما أجّلوا.
    فكنتُ إذا فرح الناس بموجودهم منك وعُنوا بما آتيتهم من لدنك، غنيّاً بوجودك، معوِّلا على شهودك، مذّخِراً لك في شدائدي، معوّلاً عليك في أوابدي، فما خاب قطّ أملي فيك، ولا رجائي في لطفك، بل وجدتُك في شدائد الدنيا آخذاً بضبعيّ، إن عثرتُ أنعشتَ، وان افتقرتُ أغنيتَ، وإن سقمتُ عافيتَ وشافيتَ، وإن تشردتُ آويتَ، وإن عطشتُ أرويتَ، و إن جعتُ أطعمتَ، وإن ضللتُ هديتَ.
    فأنبأني عنك عاجل أمري، وحدّثتني آمالي فيك عن تواني أحوالي معك.
    فها أنا لا أرجو سواك، ولا آمل غيرك، ولا تَعبدُ أطماعي أحداً من خلقك. وطالما عبدت، لأنني كنتُ بصورة من استقرئ طرق الطلب حتى وجدتُ، وأُنِحتُ عن طريق سليم إليك حتى ظفرتُ، ولم أجد ذلك إلا في خُبري بخلقك وأنهم مفاليس من كل ضرّ ونفع. ومع ذلك فأنا أستغفر الله من وقوفي معهم حال تصفّحي لأحوالهم، وأنا أشهدُ أن لا إله إلا الله من شركي حال الإعتماد عليهم اختباراً لهم، وأقطع زنانير الإضافات إليهم.
    (كتاب الفنون)



    - فصل تذكير:


    من كان عَبقاً بالأذكار بحيث إن عطس قال ( الحمد لله )، وإن مات له ميت قال (إنا لله)، وإن قُدِّم بين يديه طعام ليأكل قال (بسم الله)، وإن أَخبر فلم يُصدَّق قال (أقسم بالله)، وإن عرضت له حاجة قال (يارب)، وإن مسه الضر نادى، وإن أظلم عليه الليل ناجى، لا يكون في الأفعال كذا، بل عن الأوامر متخلف، وبالنواهي كلف شغف، ومع الرسم لا يقف.
    المؤذن ينادي الى الصلاة وأنت معرِض. وحوْلُ الزكاة قد حال وأنت في وجه الفقير معبِّس وللزكاة غير مخرِج. وإن اتجه نحوك حق كنتَ بالتأويل مسقطاَ. وما هذه حال من صدرت تلك الأقوال عنه بحقيقة وجِدّ، لكن باستعارة لفظ . وهذا لا يعمل مع الله عملا، لأنه كالتملّق. وذلك إنما ينفق على من لا يعوّل إلا على الظاهر، وهو بالعكس في حق الباري، لأنه لا ينظر إلا إلى المقاصد والسرائر.
    الظواهر عنده صور منحبطة، إن لم تصدر عن مقاصد صافية خالصة. ألم تسمعه يقول: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ)؟
    من يسمعك عبق اللسان بذكره في القسم والدعاء والأكل والشرب وعند الحاجة وعند كل حركة وسكنة، يحسبك محِباً أو متخصِّصاً، فإذا خبرك في باب التكليف عرفك.
    ليس تعظيم الله كثرة اذّكاره باللسان، إنما التعظيم لله سبحانه بحسن الاستجابة والامتثال. ليس تعظيم شعائر الله أن تسمّن البُدن للهدايا والنحر بمنى، تعظيم شعائر الله أن تحكّ البَدن في خلوة، فتخاف بحكّ الموضع قطع شعرة، فتحكّه بباطن كفّك. نعم، وتكون أفعالك متناسبة.
    من يحترم لله في الإحرام بحيث لا يشفي نفسه من حكّ جسده، لا يشتفي من أخيه المسلم حال غضبه، ولا يشفي النفس من محظورات الشرع في الخلوة. حرمة الاحترام أكد من حرمة الإحرام. من هجر المحيط في الإحرام لا يلبس إذا رجع إلى بيته لباس الفجور والآثام: الابريسم المحض، أو الثوب الغصب، أو المبتاع بالمال الغصب.
    الباري موجود بكل معنى وبكل حال، ولا تخصَّص حشمته ومواقيته ببعض الأماكن و الأحوال. من يلصق جبهته بالأرض في القبلة، ويقبّل حجرا في الله، ويعدو حول بيته من غير أن يظهر له في ذلك حكمة وعلّة; لا يتعجرف على الحاكم إذا دعاه الى استخلاص حق عبد الله، ولا يجوز سنة في أهواء نفسه مع مخالفة الله، هذه أفعال مصانع أو صانع، وإلا فالإخلاص يوجب تسوية الأحوال في حق العمّال.
    إذا نظرتَ الى حقائق التكليف، عرفتَ أنه كلّفك ضد ما تميل إليه الطباع بالكلّية. استعبدَ عقلك بالتسليم والتحكيم فيما تحتكُّ عندك فيه الشبه العارضة، ليخضع العقل له بكونه عبدا حكّمه خالقه وكلّفه الاستدلال عليه بآثار صنعته. وكلّف النفوس الرقة والرأفة أن تذبح الحيوان وتتقرب إليه بإزهاق النفوس في أجل، فكلّفها الرقة في بعض الحيوان الذي اطمأنت على اصطدياه في كل مكان. وكلّف الأعضاء الخضوع والسجود و الكفّ عما تميل إليه عبثا و تناولا و كمشاً. وأعدّ للطاعة أوفى جزاء وأسبغ عطاء.
    (كتاب الفنون)

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 123

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •