في فنون أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي: - الصفحة 2
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 49
5اعجابات

الموضوع: في فنون أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي:

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    72- في تعاليل القائسين للأحكام والمعلّلين للأفعال:


    ذكر بعض أهل العلم أن تعاليل القائسين للأحكام والمعلّلين للأفعال، أفسدت من الشريعة أكثر مما أصلحت، ونبّهت العقول على ما لم تكن به شعرت. ولم يكُ في القياس و التعليل ما يرضي العقول من هذه الإقناعيات التي قامت بإزائها اعتراضات الأوائل و جدل المتكلمين.
    قال له قائل: فما الحيلة في ذلك ؟
    قال حنبلي:
    يكفي أن يكون الإنسان مستطرحا على باب التسليم للحكيم الأزلي - جلّت عظمته - بلا اعتراض يحوِج الى الاعتلال.
    قال له العالم: يا هذا، تطلبون من الناس الإمساك عما لم يستطع الأنبياء الإمساك عنه! أليس هذا الكليم يقول لعالم قد أعلمه الباري أنه آتاه علما من لدنه: (أَخَرَقْتهَا لِتُغْرِق أَهْلهَا) (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ). ليس في العقول أن تصبر عن الاعتراض وهي معايير التحسين و التقبيح. و الباري سبحانه لم يقل له: ( ليس لك هذا، ولا جواب لاعتراضك )، بل عدل الى إجابته بمثل ما نطق به العلماء من التعاليل الاقناعية التي لا ترضي هؤلاء الذين زعمتَ أنهم يعترضون.
    فإنا إذا قلنا لهم: ( كسر السفينة لئلا تؤخذ في الصخرة) (وقتل الغلام لئلا يبلغ فيكفر ويكفر أهله) تضاحكوا بهذه التعاليل، وأخلدوا الى التعطيل، وقالوا : ( أليس كان في سعة القدرة منع الفساد بغير فساد ؟ فما بال هذا العلاج بالإفساد ؟ )
    ومعلوم أن الله سبحانه قنع به بياناً لحكمة الكسر و القتل، وموسى قنع به عذرا لما وقع، فإذا لم يقنع به آحاد أهل وقتنا، كان ذلك تعطيلا لتعاليل الشرع.
    فإذا عاد الواحد بعد هذا الرد للتعليل يقول (أنا أرجع الى الرضا و التسليم ) قلنا له إنما يكون هذا منك حسنا إذا كان اطّراحك لكل علة نطق بها مخلوق و استخرجها متكلم، فأما إذا كنت تقول (أنا لا أرضى بهذا التعليل الذي صرّح به الشرع )، وكان عدم رضاك ، لأنه عذر غير شاف في العقل، فلا فرق بين قولك هذا لرد تعليل الشرع و بين قولك هذا في أفعاله التي لم يكشف عن التعليل لها، فإما أن تسلم الكل، الأفعال المعللة بعلل الشرع و الغير معللة، وترضى بعلل الشرع وبيان وجه الحكمة التي بيّنها، وإما أن لا ترضى بالكل، ثم تقول ( أنا أسلم)، فلا تسليم مع ردك التعليل، كما لا تسليم مع ردك للأخبار، لأن الجميع منه سبحانه.
    فأما أن تقول ( أنا أسلم أفعاله، وأرضى بها كيف كانت، ولا أرضى بتعليله )، فلا فرق بين ردك لفعله، أو لمصلحة فعله التي بيّنها وكشف عنها ورضي بها.
    ومثال أذكره لإبطال هذا المذهب :
    إن قائلا لو قال: ( أنا أثق الى حكمة هذا الطبيب، فأيّ شيء طبني به من دواء أو فصد سلّمته لحكمته ) حَسُن هذا القول منه، فإذا فصده ذلك الطبيب فصدة منكرة فقال له هذا المسلِّم: ( لمَ فصدتي هذه الفصدة ؟ ) فقال: ( لكذا وكذا ) -أمرٌ ذكره من الأمراض وادعى أنه يصلح له الفصدة المنكرة- فقال المدّعي الثقة الى حكمته ( ما هذا تعليل يرضي ولا يقوم لك به عندي العذر) لَعُدَّ متناقضا في قوله، حيث ادعى جملة الحكمة و التسليم لها، ثم إنه اعترض على التعليل الصادر عن الفاعل بالحكمة. فيعطي هذا أن من وجبت الثقة به في الفعل وجبت أن تحصل الثقة به في تعليل الفعل. والله أعلم.
    (كتاب الفنون)




    73- قصة دارٌ مسكونةٌ بالجنّ:


    حكى ابن عقيل في الفنون، قال:
    كان عندنا بالظفرية دار كلما سكنها ناس أصبحوا موتى. فجاء مرة رجل مقريء، فقال: أكروني إياها.
    فقالوا: قد عرفت حالها.
    قال: قد رضيت.
    فبات بها وأصبح سالماً. فعجب الجيران، وأقام بها مدة، ثم انتقل، فسئل عن ذلك فقال: لما دخلتها صليت العشاء، وقرأت شيئاً، وإذا بشاب قد صعد من البئر، فسلم علي، فبهت، فقال: لا بأس عليك، علمني شيئاً من القرآن. فشرعت أعلمه. فلما فزعت قلت: هذه الدار كيف حديثها؟ قال: محن قوم من الجن مسلمون نقرأ ونصلي، وهذه الدار ما يكتريها إلا الفساق، فيجتمعون على الخمر، فنخنقهم.
    قلت: وفي الليل أخاف منك فأجعل مجيئك في النهار.
    قال: نعم. فكان يصعد من البئر في النهار، ووالفته. فبينما هو قاعد عندي يقرأ إذا بمعزم في الدرب يقول: المرقي من الدبيب ومن العين ومن الجن.
    فقال: إيش هذا؟ قلت: هذا معزم يعرف أسماء الله، ويفعل ما تسمع.
    فقال: اطلبه. فقمت وأدخلته، فإذا بالجني قد صار ثعباناً في السقف، فضرب المعزم المندل وعزم، فما زال الثعبان يتدلى حتى سقط في وسط المندل. فقام ليأخذ ويدعه في الزنبيل، فمنعته، فقال: أتمنعني من صيدي؟ فأعطيته ديناراً وأخرجته. فانتفض الثعبان، وخرج الجني وقد ضعف واصفر وذاب، فقلت: ما لك؟ قال: قتلني هذا الرجل بهذه الأسامي، وما أظنني ألفح، فاجعل بالك الليلة، متى سمعت من البئر صراخاً فانهزم.
    قال: فسمعت تلك الليلة النعي، فانهزمت.
    قال ابن عقيل: وامتنع أحد أن يسكن تلك الدار.
    (آكام المرجان للشبلي)




    74- حكمة:


    لا ينبغي للملك ولا لصدر من الصدور أن يُظهر من الغضب إلا بحسب ما أعدّ له من العقوبة. فإن كانت بطشته دون غضبه، حُقّر غضبه، واستهين بسخطه، وانكشف عجزه.
    وقد قال الناس في ذلك: (إذا ما غضب السّوقيّ ، فالحبة تٌرضيه ).
    (كتاب الفنون)




    75- شذرة:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ :
    وَاَللَّهِ مَا أَعْتَمِدُ عَلَى أَنِّي مُؤْمِنٌ بِصَلَاتِي وَصَوْمِي، بَلْ أَعْتَمِدُ إذَا رَأَيْتُ قَلْبِي فِي الشَّدَائِدِ يَفْزَعُ إلَيْهِ ، وَشُكْرِي لِمَا أَنْعَمَ عَلَيَّ.
    قَدْ صُنْتُكَ بِكُلِّ مَعْنًى عَنْ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا لِعَبْدٍ وَأَعْلَمْتُكَ أَنِّي أَنَا الْخَالِقُ الرَّازِقُ فَتَرَكْتَنِي وَقَبِلْتَ عَلَى الْعَبِيدِ ، كُلُّكُمْ تَسْأَلُونِي وَقْتَ جَدْبِ الْمَطَرِ ، وَبَعْدَ الْإِجَابَةِ يَعْبُدُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ }.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).




    76- وعظ وإرشاد:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
    أَمَا تَسْتَحْيِي وَأَنْتَ تُعَلِّمُ كَلْبَ الصَّيْدِ يَأْخُذُ إبْقَاءً عَلَيْكَ فَيَقْبَلُ تَعَلُّمَكَ وَتَكْسِرُ عَادِيَةَ طَبْعِهِ وَتُكَلِّبُ نَفْسَهُ عَنْ الْفَرِيسَةِ وَهُوَ جَائِعٌ مُضْطَرٌّ إلَيْهَا ، حَتَّى إذَا أَخَذْتَ الصَّيْدَ إنْ شِئْتَ أَطْعَمْتَهُ وَإِنْ شِئْت حَرَمْتَهُ ، يَنْتَهِي حَالُك مَعِي وَأَنَا الْمُنْعِمُ الَّذِي أَنْشَأْتُك وَغَذَّيْتُك وَرَبَّيْتُك إنَّنِي كَلَّفْتُك أَنْ تُمْسِكَ نَفْسَكَ عَنْ الْبَحْثِ فِيمَا يُسْخِطُنِي ، لَمْ تَضْبِطْ نَفْسَكَ بَلْ غَلَبَتْك عَلَى ارْتِكَابِ مَا نُهِيت وَعِصْيَانِ مَا أُمِرْت ، بَلَغَتْ الصِّنَاعَةُ مِنْ هَذَا الْحَيَوَانِ الْخَسِيسِ أَنْ يَأْتَمِرَ إذَا أُمِرَ ، وَيَنْزَجِرَ إذَا زُجِرَ ، عُلِّقَتْ الْآدَابُ بِالْبَهِيمِ وَمَا تَعَلَّقَ بِقَلْبِك طُولُ الْعُمْرِ وَكَمَالُ الْعَقْلِ.
    تَنْشَطُ لِزَرْعِ نَوَاةٍ وَغَرْسِ فَسِيلَةٍ وَتَقْعُدُ مُنْتَظِرًا حَمْلَهَا ، وَيَنْعَ ثَمَرِهَا ، وَرُبَّمَا دُفِنْت قَبْلَ ذَلِكَ وَلَوْ عِشْت كَانَ مَاذَا وَمَا قَدْرُ مَا يَحْصُلُ مِنْهَا ؟ وَأَنْتَ تَسْمَعُ قَوْلِي { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ } وَقَوْلِي : { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ } هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ لَا تَنْشَطُ أَنْ تَزْرَعَ عِنْدِي مَا تَجْنِي ثِمَارَهُ النَّافِعَةَ عَلَى التَّأْبِيدِ ، هَذَا لِأَنَّك مُسْتَبْعِدٌ مَا ضَمِنْت فِي الْأُخْرَى ، قَوِيُّ الْأَمَلِ فِي الدُّنْيَا ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْله تَعَالَى { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ }.
    وَتَسْمَعْ : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } . وَأَنْتَ تُحَدِّقُ إلَى الْمَحْظُورَاتِ تَحْدِيقَ مُتَوَسِّلٍ أَوْ مُتَأَسِّفٍ كَيْفَ لَا سَبِيلَ لَك إلَيْهَا.
    وَتَسْمَعْ قَوْله تَعَالَى { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ }. تَهِشُّ لَهَا كَأَنَّهَا فِيكَ نَزَلَتْ ، وَتَسْمَعُ بَعْدَهَا { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } فَتَطْمَئِنُّ أَنَّهَا لِغَيْرِك .
    وَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ هَذَا الْأَمْرُ ، وَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الطَّمَعُ ، اللَّهَ اللَّهَ هَذِهِ خُدْعَةٌ تَحُولُ بَيْنَك وَبَيْنَ التَّقْوَى .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).



    77- فصل:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
    الطِّبَاعُ الرَّدِيَّةُ أَبَالِسَةُ الْإِنْسَانِ ، وَالْعُقُولُ وَالْأَدْيَانُ مَلَائِكَةُ هَذَا الشَّأْنِ .
    وَفِي خِلَالٍ تَعْتَلِجُ وَلَهَا أَخْلَاقٌ تَتَغَالَبُ وَالشَّرَائِعُ مِنْ خَارِجِ هَذَا الْجِسْمِ لِمَصَالِحِ الْعَالَمِ وَمَا دَامَ الْعَبْدُ فِي الْعِلَاجِ فَهُوَ طَالِبٌ ، فَإِذَا غَلَّبَ الْعَقْلَ وَاسْتَعْمَلَ الشَّرْعَ فَهُوَ وَاصِلٌ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).




    78- فصل كلاميّ على جاحدي النبوات:


    إن جاءت الحكماء بما واطأ العقل، - كقول القائل منهم للتلاميذ استثارة للرأفة و الرحمة: (يا هؤلاء ! لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان! ألا تستحيون ؟ هذا الحيوان البهيم أسير في أيديكم، يحب الحياة كما تحبون، ويؤلمه من الحجر والحديد والخشب ما منه تألمون، وأنتم عليه متسلّطون!) - فقد قابل ذلك ما جاءت به الرّسل مما أبهر العقل من الأمور الخارقة. وليس حكمة المخلوق بأكثر من حكمة الخالق. والحكيم سبحانه قد آلم الحيوان البهيم ولم يطعن ذلك عند الحكماء في حكمته. فتشريعه لإيلام الحيوان لا يكون طاعنا في حكمته، لأن التعليل لإماتة الحيوان بحكمة إما ظاهرة أو باطنة، وكذلك تشريع ذبحه. فإذا لم يطعن في الحكمة عندكم إماتة الحيوان بفعله، لم يطعن في الشرع عندنا تشريع قتل الحيوان وذبحه.
    (كتاب الفنون)



    79- مناظرة للمعتزلة:


    قال ابن القيم: قال ابن عقيل في مناظرته لبعض المعتزلة:
    أنتم اعتمدتم في نفي التثنية على دليل التمانع. وهو بعينه ينقلب عليكم في خلق الأفعال.
    لأنا إذا قدرنا أنه تعالى أراد تحريك جسم، وأراد العبد تسكينه، فلا يخلوا إلى آخره ..
    وفعل الله لا يدخل تحت مقدور العبد. وفعل العبد لا يدخل تحت مقدور الله عندكم. فلا انفكاك لكم البتة عن هذا السؤال. فأين توحيدكم؟!
    (بدائع الفوائد لابن القيم).




    80- (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ):


    قوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) يدل ذلك على أن لنا استكبارا بحق، وهو الاستعلاء والتعاظم على أهل البغي والكفر والظلم، فذلك استكبار بحق. ولهذا لما رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) رجلا يخطر بين الصفين في مشيته فقال: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا المقام.
    وكذا من أسماء الله المتكبر، إسم مدحة، لأنه عظيم متكبر بالحق، لأنه يتكبر على العصاة والكفار.
    (كتاب الفنون)


    81- بركات الإخلاص في العمل:


    قال ابن القيم: قال ابن عقيل:
    شهدت شيخنا ومعلمنا المناظرة، أبا إسحاق الفيروزبادي، لا يخرج شيئا إلى فقير إلا أحضر النية، ولا يتكلم في مسألة إلا قدم الاستعانة بالله وإخلاص القصد في نصرة الحق، دون التزين والتحسين للخلق، ولا صنف مسالة إلا بعد أن صلى ركعات. فلا جرم شاع اسمه واشتهرت تصانيفه شرقا وغربا، هذه بركات الإخلاص.

    (بدائع الفوائد لابن القيم).



    82- وجدت في تعاليق بعض العلماء :


    لايكون الرجل مؤمنا حتى يندرج في مدارج كل واحدة منها تبيّن عند معرفته كفرا لكن غير مؤاخذ به لتركه و الخروج عنه. وذلك أن الباحث يترامى به النظر كل مرمى. كإبراهيم قال عند رؤية النجم (هذا ربي ) وكذلك القمر و الشمس. حتى انتهى به النظر إلى إثبات الفاطر..
    وكفر البحث والزلات مغفورة. وأول الإيمان خطور الباري بالبال بحسب الحال التي تكون في المكلف في أول وهلات نظره بإخطار النظر بباله عليها.
    وموسى أول قوله (أَرِنِي) وآخر قوله (تُبْتُ إِلَيكَ وَأنا أوّلُ المؤمِنِين).
    (كتاب الفنون)




    83- ما أعجب شأن العارف، وأعجب شأن الخلق معه !


    ما أعجب شأن العارف، وأعجب شأن الخلق معه ! تبذّلَ التجار منهم في طلب الأرباح وتعبئة الأموال ولم يعابوا، وتبذّلَ المحبّون والعشاق والمتيّمون في محبة الأشخاص ولم يلاموا، و تبذّلَ قوم في محبة الخيل والطيور والصيد ولم يعابوا.
    تبذّلَ قوم في عبادة بارئهم فكثُر اللوّام والعذّال، واستُهجنت منهم الأحوال والأقوال، وقيل فيهم كل مقول، ونُسبوا الى كل عظيم من الخطأ و مهُول، وقيل: (ما لهم عقول).
    ومعلوم أنّ المتبذِّل في الله لا يُلام عقلًا، لأنه ليس فوق إنعامه إنعام، ولا على إحسانه إحسان، نعمه تنهال، وبره لم يزل ولا يزال، يمدح على القليل وهو المعطي، ويرضى باليسير وهو الموفّي. إنكم لفي قول مختلف. لا أرى لك ثبات قدم على ندم، ولا جود، ولا موجود. ما لهذا خُلقت، ولا بذا أُمرت، فارجع وأنب، واستغفر وتب، فقد رحل إخوانك سابقين، و بقيت أنت مع المتخلّفين!
    (كتاب الفنون)

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    84- (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً):


    قال الله سبحانه وتعالى: (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً).
    قبلة: جهة للطاعات ومسقبلا لله سبحانه في العبادات.
    ومن كان مأمورا أن يجعل بيته قبلة، وهو موضع الغفلة ومناخ البطالة، أوْلى أن يعقل عن الله أن يجعل مواطن العبادات محترمة عن تبديلها بأمور الدنيا.
    وأرى أهل زماننا جعلوا مساجدهم متاجر وأسواقا، و جعلوا بيوتهم قبورا.
    (كتاب الفنون).




    85- الْإِعْجَابُ وَمَدَاخِلُه:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل:
    الْإِعْجَابُ لَيْسَ بِالْفَرَحِ، وَالْفَرَحُ لَا يَقْدَحُ فِي الطَّاعَاتِ لِأَنَّهَا مَسَرَّةُ النَّفْسِ بِطَاعَةِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِمَّا سَرَّ الْعُقَلَاءَ وَأَبْهَجَ الْفُضَلَاءَ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي فَدَخَلَ عَلَيَّ صَدِيقٌ لِي فَسَرَّنِي ذَلِكَ. فَقَالَ: لَكَ أَجْرَانِ أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ}. وَإِنَّمَا الْإِعْجَابُ اسْتِكْثَارُ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرُؤْيَةُ النَّفْسِ بِعَيْنِ الِافْتِخَارِ ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ اقْتِضَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا أَتَى الْأَوْلِيَاءُ وَانْتِظَارُ الْكَرَامَةِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ ، وَيَنْكَشِفُ ذَلِكَ بِمَا يُرَى مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ مِنْ إمْرَارِ أَيْدِيهِمْ عَلَى أَرْبَابِ الْعَاهَاتِ وَالْأَمْرَاضِ ثِقَةً بِالْبَرَكَاتِ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ مِنْ الْخُدَعِ، حَتَّى أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ لَوْ كُسِرَ لَهُ عَرَضٌ قَالَ عَلَى سَبِيلِ الِاقْتِضَاءِ لِلَّهِ ؟ أَلَيْسَ قَدْ ضَمِنْتَ نَصْرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا يَدْرِي الْجَاهِلُ مَنْ الْمُؤْمِنُ الْمَنْصُورُ ؟ وَمَا النَّصْرُ ؟ وَ مَاذَا شَرْطُ النُّصْرَةِ؟
    .. إنَّ الْعُجْبَ يَدْخُلُ مِنْ إثْبَاتِ نَفْسِكَ فِي الْعَمَلِ وَنِسْيَانِ أَلْطَافِ الْحَقِّ وَمِنْ إغْفَالِ نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وَإِلَّا فَلَوْ لَحَظَ الْعَبْدُ اتِّصَالَ النِّعَمِ لَاسْتَقَلَّ عَمَلَهُ وَإِنْ كَثُرَ أَنْ يُقَابِلَ النِّعَمَ شُكْرًا.
    وَيَدْخُلُ مِنْ الْجَهْلِ بِالْمُطَاعِ، فَلَوْ عَرَفَ الْعَبْدُ مَنْ يُطِيعُ وَلِمَنْ يَخْدُمُ لَاسْتَكْثَرَ لِنَفْسِهِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ ذَلِك ، وَاسْتَقَلَّهَا أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً مَعَ أَمْلَاكِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ .
    وَيَدْخُلُ أَيْضًا عَنْ طُرُقِ الْجَهَالَةِ بِكَثْرَةِ الْخَلَلِ وَالْعِلَلِ، الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَهَا عَلَى غَايَةِ الْخَجَلِ ، وَالْخَوْفِ مِنْ أَنْ يَقَعَ الطَّرْدُ وَالرَّدُّ، فَإِنَّ الْفَيْءَ مُسْتَوْحَشٌ.
    وَيَدْخُلُ أَيْضًا مِنْ النَّظَرِ إلَى الْخَلْقِ بِعَيْنِ الِاسْتِقْلَالِ ، وَإِدْمَانِ النَّظَرِ إلَى الْعُصَاةِ الْمُتَشَرِّدِي نَ، وَلَوْ أَنَّهُ نَظَرَ إلَى الْعُمَّالِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَاسْتَقَلَّ نَفْسَهُ .
    فَهَذِهِ مُعَالَجَةُ الْأَدْوَاءِ، وَحَسْمُ مَوَادِّ الْفَسَادِ فِي الْأَعْمَالِ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).




    86- لُطْفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِخَلْقِهِ:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل:
    اُنْظُرْ إلَى لُطْفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِخَلْقِهِ كَيْفَ وَضَعَ فِيهِمْ لِمَصَالِحِهِمْ مَدَارِكَ تَزِيدُ عَلَى الْعِلْمِ، وَدَوَاعِيَ تَحُثُّهُمْ عَلَى فِعْلِ مَا فِيهِ الصَّلَاحُ وَالْكَفُّ عَنْ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، مِنْ ذَلِكَ وَضْعُهُ لِلشَّهْوَةِ وَهَيَجَانِ الطَّبْعِ لِطَلَبِ الْجِمَاعِ، وَذَلِكَ طَرِيقُ النُّشُوءِ وَحِفْظُ النَّسْلِ، وَآلَامٌ تَحْصُلُ مِنْ الرِّقَّةِ عَلَى الْحَيَوَانِ لِيَحْصُلَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْإِيلَامِ ، وَيَحْصُلُ مَنْعُ الْمُؤْلِمِ وَكَفُّ الْمُتَعَدِّي وَجَعْلُ الْمَسَرَّةِ الْوَاقِعَةِ بِالْمِدْحَةِ دَاعِيَةً إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ، إذْ لَا يُمْدَحُ إلَّا عَلَى الْخَيْرَ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ وَيَجْلِبُ الْخَيْرَ لَمْ يُخَلِّهِ مِنْ دَوَاعٍ بَاعِثَةٍ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَوَاذِعَ زَاجِرَةٍ عَنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ .
    فَسُبْحَانَ مَنْ يَفِيضُ جُودُهُ بِالْخَيْرِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ حَسَنٌ نَافِعٌ ، وَيَصْرِفُ السُّوءَ لِعِلْمِهِ بِقُبْحِهِ وَغَنَائِهِ ، وَيُصَرِّفُ خَلْقَهُ بِأَنْوَاعِ الصَّوَارِفِ الْعَاجِلَةِ ، وَالصَّوَارِفِ بِالْوَعِيدِ وَبِالْعِقَابِ الْآجِلِ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).




    87- ذم الرياء:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل:
    إنَّك لَوْ عَلِمْتَ أَنَّ إكْرَامَ الْخَلْقِ لَك رِيَاءٌ سَقَطْتَ مِنْ عَيْنِكَ ، أَفَأَقْنَعُ أَنَا مِنْكَ أَنْ تَجْعَلَنِي فِي الْعَادَةِ جُزْءًا مِنْ كُلٍّ بَعْضًا مِنْ جَمَاعَةٍ ؟
    مَا يَحْلُو لَكَ الْعَمَلُ حَتَّى تَحْلُو لَكَ تَسْمِيَتُهُمْ بِعَابِدٍ وَزَاهِدٍ ، فَارْثِ لِنَفْسِكَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ وَلَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا مَا حَظِيتَ بِهِ مِنْ الصِّيتِ ، تَدْرِي كَمْ فِي الْجَرِيدَةِ أَقْوَامٌ لَا يَؤُبْهُ لَهُمْ إلَّا عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الْقُبُورِ ، وَكَمْ يُفْتَضَحُ غَدًا مِنْ أَرْبَابِ الْأَسْمَاءِ مِنْ الْخَلْقِ بِعَالِمٍ وَصَالِحٍ وَزَاهِدٍ. نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ طُفَيْلِيٍّ تَصَدَّرَ بِالْوَقَاحَةِ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).




    88- فصل في قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ):


    قال حنبلي:
    نقول جملة، ثم نشرح ذلك تفصيلا يكشف عن ذلك.
    فالجملة أنه مخلوق في مكابدة الخروج من الأم الى الفساح، ثم مكابدة اجتذاب اللبن من البدن، ثم مكابدة الرضاع و التربية، ثم مكابدة الأعراض والأمراض، ثم مكابدة الآداب، وبعد ذلك مكابدة المعاش.
    فبينما تراه في صورة بهيمة يحرث، ثم يسني و يسدف، ثم يسمّد ويسقي، ثم يراعي و ينظر، ثم يحصد، ثم يدوس، ثم يذري وينقّي، ثم يطحن، ثم يعجن، ثم يخبز.
    فلو رآه من لا يعرف الغرض الأقصى لأدهشه ذلك، وظن أنه من الأغراض الفاخرة، فإذا به لِأُكلة غايتها معالجة خروج الأذى، وقد سبقها تشكّله وتصوّره بصورة أنواع من البهائم، تارة بصورة بقرة، وتارة بصورة حمار، وتارة بصورة سبع، وتارة بصورة طائر. وخروجه في أبواب من الحيل وضروب من الخداع والمصاولة والذلّ والضراعة. فهذا نوع من المكابدة في نوع من الأغراض، وهو الأكل.
    فكيف بمقاساة الخلق: بين حاسد وباغض، وغاصب و ناهب، ومواثب ومواشي، وكاذب وخادع، والبهيم: بين لاسع و ناهش، ورافس وناطح، ومضار الأغدية: بين مسهّل وعاصم وقابض، ومحمّي ومبرّد، ومرطّب ومجفّف، ومورّم ومدقّق، والأزمنة: بين حارّ وبارد ومعتدل ؟
    فهذا مبسوط الكَبَد. ومجموعه أنها حياة منغّصة، مشوبة بالأذايا، ثم إنها منقطعة.
    فالعاقل مَن طلب من الله العافية الصافية الدائمة. فلا يغسل هذا الكَبَد إلا ذلك العيش الدائم على الأبد. وما هذا إلا كما قال الشاعر :
    كمَا قال الحمَام لِقوس رامٍ .......لقد جمَّعتَ مِن شتّى لأمري
    فإنّ الصائد جمّع بين خشب وعصب وعظم وغراً وتُوز ووتر، والغرض كله صيد حمامة.
    (كتاب الفنون)




    89- المذهب مَا نَصَره دليله:


    إذا كانت المذاهب تنتصر بوصلة هي الدولة والكثرة، أو حشمة الإنعام، فلا عبرة بها. إنما المذهب ما نصره دليله، حتى إذا انكشف بوحدته ساذجا من ناصر محتشم ومال مبذول كان طاهرا بصورته في الصحة والسلامة من الدخل والاعتراضات، كالجوهر الذي لا يحتاج الى صقالة وتزويق، والحسن الذي لا يحتاج الى تحسين.
    ونعوذ بالله من مذهب لا ينتصر إلا بوصلة. فذلك الذي اذا زال عنه ناصره أفلس الذاهب إليه من الانتصار بدليل أو وضوح تعليل.
    والدَّيِّن من خلّص الدلالة من الدولة والصّحة من النصرة بالرجال، وقلّما يعوّل في دينه على الرجال.
    (كتاب الفنون)




    90- أبو بكر الصِّدّيق رضي الله عنه:


    عجبي ممن ينتحل نحلة الإسلام ، ويزعم أنه على دين محمد (صلى الله عليه وسلم )، وهو يعلم محلّ الصِّدّيق من الدين، وتأثيره في الإسلام، بالسبق إلى التصديق والإنفاق بالهجرة والنصرة وما أيّد به هذه الملة، حتى عجز الأهل عن مقامه وتقاعدوا عن إقدامه، ثم إنه يقدّم عليه شخصاً أو يفضّل عليه أحداً .
    ما هو - واللهِ - إلا الزندقة التي أوجبت بغض من اختبر هذا الأمر. ومحال محبة شخص أو ملة مع التقاصر بمُقيّمهما وناصرهما. ما أثّر - و الله - بغضُه أو تنقّصه إلا بغض ما قام به ، ولا معيار التديّن عندي إلا نُحْل ذلك الشيخ الكريم و الشخص النبيل العظيم ..
    (كتاب الفنون)




    91- فصل:


    قال ابن مفلح:
    قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    مَنْ صَدَرَ اعْتِقَادُهُ عَنْ بُرْهَانٍ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ تَلَوُّنٌ يُرَاعِي بِهِ أَحْوَالَ الرِّجَالِ. { أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ }.
    كَانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِمَّنْ يَثْبُتُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ فَلَمْ تَتَقَلَّبْ بِهِ الْأَحْوَالُ فِي كُلِّ مَقَامٍ زَلَّتْ بِهِ الْأَقْدَامُ ..
    وَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُسْلِمًا إلَى أَنْ يَضِيقَ بِهِ عَيْشٌ ، وَإِنَّمَا دِينُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى شَعْثِ الدُّنْيَا وَصَلَاحِ الْآخِرَةِ فَمَنْ طَلَبَ بِهِ الْعَاجِلَةَ أَخْطَأَ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).




    92- الله الله في أذية عباده:


    من أعظم الذنوب وأقبحها أن تغرّ أخاك بفعل، حتى إذا فعله عدتَ بفعله ذامّاً ومعيّراً، وهذا عُقوبتُه من الله عظيمة، ومقابلته سريعة.
    لأن الله سبحانه جعلك أهدى الى الخير والشر بقوّة الرأي، فصرفتَ القوة التي هي نعمة الله عليك الى إغواء أخيك وغروره، حتى إذا وقع في ورطته، واستحكمت مصيبته بما دلّستَ عليه من أمره، زدتَه بالمعيرة بلاءً. والله مطّلع، وهو المعطي السالب، ومن أحدّ عقوباته استرجاع نعمته وتركك تتعثر في أمورك وتتخبط عشواء في أرائك.
    فالله الله في أذية عباده ! فإنه بالمرصاد.
    (كتاب الفنون)

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    93- مسألة:


    سأل سائل عن قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (خيركم القرن الذي بُعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يبقى قوم لا خلاق لهم) ~ورُوي: (حثالة كحثالة التمر)~. وقوله: (أمتي كالغيث أو كالمطر، لا يُدرى أوله خير أم آخره ).
    كيف يُجمع بين هذيْن ؟
    فأجاب حنبلي بأنه لا شك أنه لم يرد كل القرن الذي بُعث فيه، بل يخرج منهم المنافقون والكفار ويبقى الأخيار. فكذلك خير أمته الذين أشار إليهم هم الذين قال فيهم: ( واشوقاه الى إخواني ! ) قالوا: ( ألسنا إخوانك ؟ ) قال: ( أنتم أصحابي، إخواني، قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني ). -وروي: ( قوم يصلحون إذا أفسد الناس )- الهراب بذنبهم من شاهق الى شاهق.
    فهؤلاء الذين يدعون إلى الصلاح عند فساد الناس، وهم الذين لا يٌدرى أَهُم خير، أم الذين كانوا يقاتلون على أن تكون كلمة الله هي العليا.
    (كتاب الفنون).


    94- وَيْلٌ لِعَالِمٍ لَا يَتَّقِي الْجُهَّالَ بِجَهْدِهِ:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل:
    وَيْلٌ لِعَالِمٍ لَا يَتَّقِي الْجُهَّالَ بِجَهْدِهِ .. وَكَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّحَرُّزُ مِنْ مَضَارِّ الدُّنْيَا الْوَاقِعَةِ مِنْ جُهَّالِ أَهْلِهَا بِالتَّقِيَّةِ ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَحْلِفُ بِالْمُصْحَفِ لِأَجْلِ حَبَّةٍ ، وَيَضْرِبُ بِالسَّيْفِ مَنْ لَقِيَ بِعَصَبِيَّتِهِ ، وَيَرَى قَنَاةً مُلْقَاةً فِي الْأَرْضِ فَيُنَكِّبُ عَنْ أَخْذِهَا ، وَالْوَيْلُ لِمَنْ رَأَوْهُ أَكَبَّ رَغِيفًا عَلَى وَجْهِهِ ، أَوْ تَرَكَ نَعْلَهُ مَقْلُوبَةً ظَهْرُهَا إلَى السَّمَاءِ ، أَوْ دَخَلَ مَشْهَدًا بِمَدَاسِهِ ، أَوْ دَخَلَ وَلَمْ يُقَبِّلْ الضَّرِيحَ ..
    هَلْ يَسُوغُ لِعَاقِلٍ أَنْ يُهْمِلَ هَؤُلَاءِ وَلَا يَفْزَعُ مِنْهُمْ كُلَّ الْفَزَعِ ؟ وَيَتَجَاهَلُ كُلَّ التَّجَاهُلِ فِي الْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ مِنْهُمْ فَإِنَّ الذُّنُوبَ مِمَّا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ عَنْهَا وَلَا إقَالَةَ لِلْعَالِمِ مِنْ شَرِّ هَؤُلَاءِ إذَا زَلَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَكْرَهُونَ وَيُنْكِرُونَ ، وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ هَوَانٌ ، وَأَبَى إلَّا إهْمَالَهُمْ ، نَظَرًا إلَيْهِمْ بِعَيْنِ الِازْدِرَاءِ لَهُمْ، فَقَدْ ضَيَّعَ نَفْسَهُ ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ أَهْوَنُ ، وَهُمْ مِنْهُ أَكْثَرُ ، وَعَلَى الْإِضْرَارِ بِهِ أَقْدَرُ ، وَهَلْ تَقَعُ الْمَكَارِهُ بِالْمُسْلِمِ إلَّا مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ ؟
    فَإِذَا احْتَشَمَ الْإِنْسَانُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ تَوْقِيرًا لَهُمْ وَتَعْظِيمًا ، أَوْجَبَ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ احْتِشَامَ هَؤُلَاءِ تَحَدُّرًا وَاتِّقَاءَ فَتْكِهِمْ ، وَهَلْ طَاحَتْ دِمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاء ِ إلَّا بِأَيْدِي هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ ؟ حَيْثُ رَأَوْا مِنْ التَّحْقِيقِ مَا يُنْكِرُونَ ، فَصَالُوا لِمَا قَدَرُوا عَلَيْهِ ، وَغَالُوا لِمَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ، فَهُمْ بَيْنَ قَاتِلٍ لِلْمُتَّقِينَ مُكَاشَفَةً حَالَ الْقُدْرَةِ ، أَوْ غِيلَةً حَالَ الْعَجْزِ ، فَاسْمَعْ هَذَا سَمْعَ قَابِلٍ فَإِنَّهُ قَوْلٌ مِنْ نَاصِحٍ خَبِيرٍ بِالْعَالِمِ ، وَلَا تُهَوِّنْ بِهِمْ فَتُهَوِّنَ بِنَفْسِك ، وَيَطِيحُ دَمُك مِمَّا رَأَيْت مِنْ جَهْلِهِمْ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    95- في نفي التكليف عن البهائم:


    قال بعض أهل العلم :
    ليس بيننا وبين البهائم إلا عدم الفهم لما ينطق به وفهم ما ينطَق به. وإلا فلو وضح لنا منطقها ووضح لها منطقنا، لكانت لنا كما يكون بعضنا لبعض، وصدر عنها ما يصدر عنا من الأفعال المحكمة.
    والدلالة على ذلك أنه لما كُشف لسليمان عن معاني مرادها بما أوزعه الله سبحانه مِن فهم منطقها أخبرنا بما لا يستطيع الواحد منا، بل الحكيم منا.
    فمن ذلك قوله سبحانه: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ)، (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ) ~أمرٌ لهنّ~ (لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) بيان علة الأمر، وهي توْقيَتُهُنّ من الضرر.
    وقوله عن الهدهد: (مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ) وهذا صرف الآية إليه بتأخّره عما ندب له. ثم قال (لَأُعَذِّبَنَّ ُ) وهذا وعيد، والوعيد لا يلحق إلا بمكلّف لأمر يمتنع منه (أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ). وهذا يعطي أن ليس بيننا و بينهم إلا إيهام الألفاظ، فيصير كالعجمة في حق الآدمي، وإذا لم يكن بيننا و بينهم إلا العجمة، ثبت أنهم مكلَّفون. ولهذا قال سليمان للهدهد: (اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) ~يعني تَوار. وهذه أوامر مصروفة نحو الهدهد و مناهٍ.
    وقد قال الله تعالى ما يدل على ذلك، وهو قوله: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم). ومعلوم أنه لم يرد أمثالا في الصور، لم يبق إلا أنها في خاصّ من خصائص الانسانية، وهي الفهوم والفطن. وقال: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). وقال النبي (صلى الله عليه وسلم ): لولا أن الكلاب أمة لأمرت بقتلها.
    قال حنبلي:
    هذا كلام يفوح منه القول بالتناسخ. وما تعلّقتم به من هدهد سليمان فذاك يجوز أن يخصّ به كرامة له و تسخيرا له، كنا قال في حق داود: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ). وقال: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاق). وقال: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ). فإذا كانت الأشياء تخرج عن طباعها تسخيرا جاز أن يخصّ بعض الحيوان البهيم بأن يخلع عليه ما يخرجه عن البهيمة تسخيرا و كرامة، كما سبّح الحصا في يد نبيّنا (صلى الله عليه وسلم )، وحنّ إليه الجذ ، وجاءته النخلة منقادة. ولا يدلّ ذلك على أنّ جنس النخيل مُكلّف مستجيب مأمور، ولا الأجذاع حنّانة كلها.
    قال الحنبلي:
    وقد نطق الكتاب العزيز بذلك، فقال: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيح تَجْرِي بِأَمْرِهِ ). تُرى صارت الريح مكلّفة، أم مسخّرة، خارجة عن سمت النار والماء الذي لم يسخّر له؟ و التسخير هو أن الباري يتولى إجراءها عند أمره فيتبع أمر سليمان تكوين الرحمان لجريها، كذلك في حقّ البهائم. والله أعلم.
    (كتاب الفنون)


    96- الْجُهَّالُ يَفْرَحُونَ بِسُوقِ الْوَقْتِ:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل:
    الْجُهَّالُ يَفْرَحُونَ بِسُوقِ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ اجْتَمَعَ أَلْفُ أَقْرَعَ يَزْعَقُونَ عَلَى بَقَرَةِ هَرَّاسٍ لَقَوِيَ قَلْبُهُ بِمَا يَعْتَقِدُ أُولَئِكَ ، وَيَنْفِرُ قَلْبُهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْمُحَقِّقِينَ . بَهِيمَيةٌ فِي طِبَاعِ الْجُهَّالِ لَا تَزُولُ بِمُعَالَجَةٍ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    97- فصل:


    قال بعض العقلاء:
    الصبر على سفهاء العشيرة والطائفة خير من استئصالهم، فإنه لا عز لقوم قلّ سفهاءهم، فكيف إذا عدموا؟
    والصبر على الصلحاء من العشيرة، فإن الحشمة بهم توجب الصبر عليهم، فلا حشمة لقوم لا صلحاء لهم.
    والجاهل من أفنى سفهاء قومه ضيقاً عن حلمهم، وكسر صلحاء قومه خوفا من استطالتهم.
    (كتاب الفنون)


    98- شذرة:


    قال ابن مفلح:
    قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    .. وَاكَمَدَاهُ مِنْ مَخَافَةِ الْأَعْيَارِ ، وَاحَصْرَاهُ مِنْ أَجْلِ اسْتِمَاعِ ذِي الْجَهَالَةِ لِلْحَقِّ وَالْإِنْكَارِ ، وَاَللَّهِ مَا زَالَ خَوَاصُّ عِبَادِ اللَّهِ يَتَطَلَّبُونَ لِنُزُوحِهِمْ بِمُنَاجَاتِهِم ْ رُءُوسَ الْجِبَالِ وَالْبَرَارِي وَالْقِفَارِ ، لِمَا يَرَوْنَ مِنْ اسْتِزْرَاءِ الْمُنْكِرِينَ بِشَأْنِهِمْ مِنْ الْأَغْمَارِ .. فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُنْكِرَ تَضْلِيعَ أَحْوَالِهِ ، وَتَكْدِيرَ عَيْشِهِ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    99- (لعنَ اللهُ صبياً أكبر من أبيه):


    أنت أبدا تنسى نفسك وقدْرك عند كلامك في الله واعتراضك عليه، ولو ذكرت مقدارك بالإضافة إليه، تكلمتَ كلاما صغيرا بحسبك ولا تتكلم كبارا بقول (لمَ) و(كيف) و( لو صنع هذا كان أحسن وأتقن ) و( لو قال كذا لكان أفصح ).
    العامة تقول: ( لعن الله صبيا أكبر من أبيه )، ولكن ما أوْقع اللعنَ في حق عبد أكبر من سيده، ومخلوق يتكبر على خالقه، ومحكَّم يتحاكم على محكِّمه !
    ما بلغ علمك الى الحد الذي يزري على علوم الشرع، وتدابير هذا الرب سبحانه، ولكن هذا كله وأمثاله دخل من باب جهلك بنفسك. ولو علمتَ مقدارك لعلمتَ صانعك، إما تعظيما لنفسك فعظِّم من صنعها، أو استزراءً لها فلا تتحاكم على محكِّمها، فأنت في كلا الحالين معظِّما لنفسك أو مقلِّلا لها; لا ينبغي أن تبدو منك بادرة اعتراض عليه ولا تَحكّم، لكن يجب عليك بحكم الصيغة أن تسلّم لأفعاله وتحكّم حكمته.
    (كتاب الفنون)


    100- مَذْهَبُ الْعَجَائِزِ أَسْلَمُ:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل:
    قَدْ تَكَرَّرَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا سِيَّمَا أَصْحَابُنَا قَوْلُهُمْ : مَذْهَبُ الْعَجَائِزِ أَسْلَمُ فَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ كَلَامُ جَهْلٍ ، وَلَوْ فَطِنُوا لِمَا قَالُوا لَاسْتَحْسَنُوا وَقْعَ الْكَلِمَةِ وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَةٌ صَدَرَتْ عَنْ عُلُوِّ رُتْبَةٍ فِي النَّظَرِ ، حَيْثُ انْتَهَوْا إلَى غَايَةٍ هِيَ مُنْتَهَى الْمُدَقِّقِينَ فِي النَّظَرِ ، فَلَمَّا لَمْ يَشْهَدُوا مَا يَشْفِي الْعَقْلَ مِنْ التَّعْلِيلَاتِ وَالتَّأْوِيلَا تِ بِالِاعْتِرَاضِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ ، وَقَفُوا مَعَ الْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ مَرَاسِمُ الشَّرْعِ ، وَجَنَحُوا عَنْ الْقَوْلِ بِالتَّعْلِيلِ ، فَإِذَا سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ ، وَقَفُوا مَعَ الِامْتِثَالِ حِينَ عَجَزَ أَهْلُ التَّعْلِيلِ فَقَدْ أَعْطَوْا الطَّاعَةَ حَقَّهَا ، وَلَقَدْ عَلَّلَ قَوْمٌ فَمَنَعُوا الْعَقْلَ عَنْ الْإِصْغَاءِ إلَى ذَلِكَ الْإِذْعَانِ بِالْعَجْزِ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    101- توحيد وإستغفار:


    سيدي ! قد تدبّرتُ الخلق فما رأيت منهم إلا صانعاً أو مصانعاً. ورأيت جلّ غرضهم وأكبر هَمّهم الدنيا. وكل منهم قد اعتمد على ذخيرة، فهذا يذّخر العقار، .. وهذا يقتني الدرهم و الدينار، وهذا يذّخر معارف الرجال. ورأيت كلاًّ منهم عند الموت يفزع الى إسمك وتوحيدك والتعلّق بأذيال عفوك. فرأيتهم بعين الإفلاس من الرأي، حيث لم يقدّموا من أمرهم ما أخّروا، وتعجّلوا من التعلّق بك ما أجّلوا.
    فكنتُ إذا فرح الناس بموجودهم منك وعُنوا بما آتيتهم من لدنك، غنيّاً بوجودك، معوِّلا على شهودك، مذّخِراً لك في شدائدي، معوّلاً عليك في أوابدي، فما خاب قطّ أملي فيك، ولا رجائي في لطفك، بل وجدتُك في شدائد الدنيا آخذاً بضبعيّ، إن عثرتُ أنعشتَ، وان افتقرتُ أغنيتَ، وإن سقمتُ عافيتَ وشافيتَ، وإن تشردتُ آويتَ، وإن عطشتُ أرويتَ، و إن جعتُ أطعمتَ، وإن ضللتُ هديتَ.
    فأنبأني عنك عاجل أمري، وحدّثتني آمالي فيك عن تواني أحوالي معك.
    فها أنا لا أرجو سواك، ولا آمل غيرك، ولا تَعبدُ أطماعي أحداً من خلقك. وطالما عبدت، لأنني كنتُ بصورة من استقرئ طرق الطلب حتى وجدتُ، وأُنِحتُ عن طريق سليم إليك حتى ظفرتُ، ولم أجد ذلك إلا في خُبري بخلقك وأنهم مفاليس من كل ضرّ ونفع. ومع ذلك فأنا أستغفر الله من وقوفي معهم حال تصفّحي لأحوالهم، وأنا أشهدُ أن لا إله إلا الله من شركي حال الإعتماد عليهم اختباراً لهم، وأقطع زنانير الإضافات إليهم.
    (كتاب الفنون)


    102- شذرة:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل:
    كُلُّ يَوْمٍ تَمُوتُ مِنْك شَهْوَةٌ وَلَا تَحْيَا مِنْك مَعْرِفَةٌ ، وَاعَجَبًا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي مَاهِيَّةِ الْعَقْلِ وَلَا يَدْرُونَ، فَكَيْفَ يُقْدِمُونَ عَلَى الْكَلَامِ فِي خَالِقِ الْعَقْلِ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    103- فصل تذكير:


    من كان عَبقاً بالأذكار بحيث إن عطس قال ( الحمد لله )، وإن مات له ميت قال (إنا لله)، وإن قُدِّم بين يديه طعام ليأكل قال (بسم الله)، وإن أَخبر فلم يُصدَّق قال (أقسم بالله)، وإن عرضت له حاجة قال (يارب)، وإن مسه الضر نادى، وإن أظلم عليه الليل ناجى، لا يكون في الأفعال كذا، بل عن الأوامر متخلف، وبالنواهي كلف شغف، ومع الرسم لا يقف.
    المؤذن ينادي الى الصلاة وأنت معرِض. وحوْلُ الزكاة قد حال وأنت في وجه الفقير معبِّس وللزكاة غير مخرِج. وإن اتجه نحوك حق كنتَ بالتأويل مسقطاَ. وما هذه حال من صدرت تلك الأقوال عنه بحقيقة وجِدّ، لكن باستعارة لفظ . وهذا لا يعمل مع الله عملا، لأنه كالتملّق. وذلك إنما ينفق على من لا يعوّل إلا على الظاهر، وهو بالعكس في حق الباري، لأنه لا ينظر إلا إلى المقاصد والسرائر.
    الظواهر عنده صور منحبطة، إن لم تصدر عن مقاصد صافية خالصة. ألم تسمعه يقول: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ)؟
    من يسمعك عبق اللسان بذكره في القسم والدعاء والأكل والشرب وعند الحاجة وعند كل حركة وسكنة، يحسبك محِباً أو متخصِّصاً، فإذا خبرك في باب التكليف عرفك.
    ليس تعظيم الله كثرة اذّكاره باللسان، إنما التعظيم لله سبحانه بحسن الاستجابة والامتثال. ليس تعظيم شعائر الله أن تسمّن البُدن للهدايا والنحر بمنى، تعظيم شعائر الله أن تحكّ البَدن في خلوة، فتخاف بحكّ الموضع قطع شعرة، فتحكّه بباطن كفّك. نعم، وتكون أفعالك متناسبة.
    من يحترم لله في الإحرام بحيث لا يشفي نفسه من حكّ جسده، لا يشتفي من أخيه المسلم حال غضبه، ولا يشفي النفس من محظورات الشرع في الخلوة. حرمة الاحترام أكد من حرمة الإحرام. من هجر المحيط في الإحرام لا يلبس إذا رجع إلى بيته لباس الفجور والآثام: الابريسم المحض، أو الثوب الغصب، أو المبتاع بالمال الغصب.
    الباري موجود بكل معنى وبكل حال، ولا تخصَّص حشمته ومواقيته ببعض الأماكن و الأحوال. من يلصق جبهته بالأرض في القبلة، ويقبّل حجرا في الله، ويعدو حول بيته من غير أن يظهر له في ذلك حكمة وعلّة; لا يتعجرف على الحاكم إذا دعاه الى استخلاص حق عبد الله، ولا يجوز سنة في أهواء نفسه مع مخالفة الله، هذه أفعال مصانع أو صانع، وإلا فالإخلاص يوجب تسوية الأحوال في حق العمّال.
    إذا نظرتَ الى حقائق التكليف، عرفتَ أنه كلّفك ضد ما تميل إليه الطباع بالكلّية. استعبدَ عقلك بالتسليم والتحكيم فيما تحتكُّ عندك فيه الشبه العارضة، ليخضع العقل له بكونه عبدا حكّمه خالقه وكلّفه الاستدلال عليه بآثار صنعته. وكلّف النفوس الرقة والرأفة أن تذبح الحيوان وتتقرب إليه بإزهاق النفوس في أجل، فكلّفها الرقة في بعض الحيوان الذي اطمأنت على اصطدياه في كل مكان. وكلّف الأعضاء الخضوع والسجود و الكفّ عما تميل إليه عبثا و تناولا و كمشاً. وأعدّ للطاعة أوفى جزاء وأسبغ عطاء.
    (كتاب الفنون)

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    Post



    فصل:



    لِعمرو بن الأهتم المنقري:


    ومُسْتنْبِحٍ بعدَ الهُدُوءِ دَعْوَتُهُ = وقد حانَ من نَجْم الشِّتاءِ خُفُوقُ
    يُعالِجُ عِرْنيناً منَ اللَّيلِ بارداً = تَلُفُّ رِياحٌ ثَوْبَهُ وبُرُوقُ
    فقمتُ فلم أُفْحِشْ عليهِ ولم أَقُلْ = لأَِحْرِمَهُ: إِنَّ المكانَ مَضِيقُ
    وقلْتُ لهُ: أَهلاً وسهلاً ومَرحباً = فهذا صَبُوحٌ زاهِر وغَبوقُ
    وضاحكتُه من قبل عِرفاني اسمَه = ليأنسَ بي إن الكريم رفيق
    وقُمتُ إِلى البَرْكِ الهَواجِدِ فاتَّقَتْ = مَقاحِيدُ كُومٌ كالمَجَادِلِ رُوقُ
    بأَدْماءَ مِرْباعِ النِّتاجِ كأَنَّها = إِذَا عَرَضَتْ دُونَ العِشارِ فَنِيقِ
    بِضَرْبةِ ساقٍ أَو بِنَجْلاَءَ ثَرَّةٍ = لهَا مِن أَمامِ المَنْكَبَيْنِ فَتِيقُ
    وقامَ إِليها الجَازِرَانِ فأَوْفَدَا = يُطِيرَانِ عَنها الجِلْدَ وَهْيَ تَفْوقُ
    فَباتَ لَنَا منها وللِضَّيْفِ مَوْهِنا = شِوَاءٌ سَمِينٌ زراهِنٌ وصليقُ
    وبَاتَ لهُ دُونَ الصَّبَا وهْيَ قَرَّةٌ = لِحَافٌ ومَصْقُولُ الكِسَاءِ رَقِيقُ
    وكلُّ كَرِيم يَتَّقِي الذَّمَّ بالقِرَى = ولِلخَيْرِ بينَ الصّالحينَ طَريقُ
    لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بِلاَدٌ بأَهْلِهَا = ولكنَّ أَخلاقَ الرِّجالِ تَضيقُ



    قال حنبلي:
    أرى أهل الحضر والأمصار، إذا نبس أحدهم بوصف طعام اصطنعه، جاءته المحن من كل مكان. حتى صنّفوا (دعوة التجّار) وجعلوها مثلاً و سمرا. وهذا ما قد سمعتم من صفات العرب للأطعمة والذبائح. وأكثروا، حتى ضمّنوه الإفتخار وذم البخلاء.
    فلِمَ خُصّ أهل الحضر بذمّهم على وصفهم لأطعمتهم وهم يبلغون في تحسين الأطعمة ما لا يبلغه أهل البادية ؟ ثم لو تكلّم من عمل طعاماً أنفق عليه ألف دينار بكلمة تتضمن مدح الطعام ونهوضه إلى ذبح الذبائح ووزن أثمان الأطعمة الفاخرة، لَأتته المعائب من كل مكان. حتى صنّفوا معائب لقّبوها ب(دعوة التجّار)، وقبّحوا فيها آثارهم بذم الطعام، وذكر كيفية الحال.
    لا بد أن يكون بينهما فرق أوجب لهؤلاء المدح أو الإمساك عن القدح، وأوجب لهؤلاء القدح فيما اعتمدوه من الوصف. فإن لم تكن علة توجب الفرق، فهو الظلم الصرف والبغي البحت.
    وأصل هذه الرذيلة في أهل الحضر وعلّتها إنما هي تكدير الأطعمة بالنظر إليها بعين التعظيم الذي لا يخلو من نوع افتخار بذلك، وامتنان على الآكلين لذلك الطعام. وهذه علة لا تختص أهل الحضر، فلمَ خُصّوا بالذم عليها دون أهل البدو ؟
    قال الحنبلي:
    وأنا أخرج معنى كلامهم هذا الى الوجود، وأعرضه على العقول; فإن أبَته فهو رذيلة، وإن استحسنته فهو فضيلة. فأقول:
    رجل في الحضر أتاه مسافر قريب عهد بشقاء السفر. فأخذ يصف تغيّر وجهه وجسمه ونحافته، وذكر حسن استقباله، و مبادرته بالكلام المقوّي لنفسه. ثم عدل عن ذكر ما ظهر من تغيّر وجهه الى المسرّة بكلام. ثم عاد يذكر أغناماً له، ويصف شاة اختارها للذبح لضيافة ذلك الضيف، وشحمها ولحمها. ثم أخذ في وصف الشفرة التي اعتمد على تناولها، وذكر لوم الراعي له على ذبحها، وتأسّفه على إراقة دمها، والأسف بها، وودّه بأن يفديها بنفسه وأهله.
    فلو سمع الحضريّ وأهل الحضر ذلك، لتعيّر بذلك العار الذي لا يغسله الماء، و لا يبليه الدهر، ولودّ ذلك الضيف أنه مات جوعا ولم يتعرّض للنزول به وعليه.
    هذا هو الذي نجده من طباعنا، ومن كابر في ذلك كان خارجاً عن حكم طباعنا وعادتنا. وما صدر هذا الكلام إلا عن استعظام الطعام، وما هذه سجيّة الكرام، وما هُتكت أستار القوم وكشفت عن شحهم في أنفسهم بأوضح من هذا. وكلّ خلة ذكرها هذا المُنشد وأمثاله، لو لم يكن لها وقع في نفسه و مكابدة لِطبعه الشحيح، لَمَا ذكرها. وما هي واللهِ عندي إلا كالنياحة على ميّت ذكر في نياحته النائحُ عليه علّتَه و مرضه وآلامه وأدويته التي سُقيَها، وكيف جاء ملك الموت قبضَ روحه، وكيف استهال الجيرة والأهل صبره على فقدان ميّته، واستهالوا قلة جزعه.
    وأحسن كشف لأحوالهم، التي هي وراء كلامهم، قول الباري لهم، مع تمدّحهم بالضيافة، وتعظيمهم للمسرة بالصبيان، وبذلهم للطعام مع السغب والقحط، وعقرهم لمراكبهم التي لا غناء بهم عنها، فقال لهم مع هذا كله:
    الذي أدركته منكم من جناياتكم المكتومة المستورة بحسن عملكم، أريدكم ألا تعتمدوا قتل الأولاد خشية الإملاق (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)، (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) .. فهتك واللهِ بهذا أستارهم. أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ. فطاح التمدح بالكرم مع هذا من الله المطّلع على جِنّات القلوب وما تجنّه الصدور. وبان عيب الكلام بما ظهر من استقباح أهل الحضر فيما بينهم واتفاقهم على أن المبالغة في وصف الطعام لا يصدر إلا عن اللئام. ~والسلام.
    فلا يبقى نوع يفتَخر به مع هذه الإطالة منهم إلا ما أنبأ الله سبحانه به من قوله، وهو الخالق ~جلت عظمته ( وأُحْضِرَت الأنفُسُ الشُّح ). فتكون الفضيلة لهم بذلك على كافة من لم يتجمّل على الأضياف والسؤال بمكابدة طبعه، ومعالجة شحه، وإخراج المحبوب وهو المال. وهذه لعمري فضيلة صادقة. وهي أفضل من مبذول طبعاً، ومِنْ بَذْل مَنْ وجد من نفسه مسامحة بالمال.


    الفنون.



  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    الإفراط في الإحتياط تضييع في الحقيقة؛ عقلاً وفقهاً وعادة:

    أما في العقل، فإن الانسان إذا دقّق في تحرّي الاحتياط، كثر شكُّه واستشعاره في الناس، ففاتته الأرباح في التجارات، والنصرة في الحروب. لأن الإقدام على الذمم، وبيع النسيئة، والاسفار، أسباب لمصادفة الأرباح الجمة. ومن تجعّد واستشعر الجنايات في المداينات، والغرق في البحر، وقطع الطريق على الظَّهْر، قلّت نهضاته، فوقفت تجاراته، ففاتته الاباح.
    ومن استشعر في الحرب من قلة العدو كمينا وراء الصف، وأعدادا ممدة للعدو في الحرب، فاته باستشعاره اختلاس الفرصة في النكاية في العدو مع القلة، فصار كمينا عليه من نفسه.
    وأما في الفقه، فمن أودع وديعة في صندوق فقفله بقفلين، فقال بعض أصحاب الشافعي: يضمنه بالسرق. لأنه لما أكد الإحراز، أوهم نفاسة المحرز وعظّم قيمته ، لأن اللص يعلم أنه لا يُزاد الاحراز إلا على الأنْفَس، فيكون إغراء له بالأخذ من القافل بزيادة قفل.
    وأما في العادة والحس، فإن الحزّام إذا شد يده على بعض الحزمات الاخيرة، استرخت التي قبلها، لأن المحزوم يلطف.
    وقد قالت العامة: (شدة الشد يُرخي). وهذا كلام سخيف اللفظ خطير المعنى أتيتُ أنا به في صورة حسنة، وهي قولي: (الافراط في الاحتياط تضييع).
    و ذلك أن الوصية للمحارب بالتحرز من خصمه و بيان فضله في الحرب يوجب إيقاظا له، لكن إذا أكثر، أوجب جورا في الطبع. فإن النفس، كما أنها قد تُغلب بترك التحر، قد تقدم مع الجهالة بحال الخصم، وتجبن عند التعريف. ولو لم تعلم ذلك حكماء العرب لما انتسبت عند اللقاء والبراز. و لا شك أنها لم تقصد إلا إضعاف قلوب المبارزين. فإن الانسان إذا عرف الصور المبارزة، استولى عليه الانخذال والاسترسال واستشعر الهزيمة، لما يلحظ من أيام المنتسب ووقعاته وما تقدم له من سوابق الغلبة.
    ومن ذلك ما يفعله بعض العقلاء من تهوين بعض الامور، فإنما يقصدون الوسط لا الغاية و الافراط، كتأخرهم لقفز النهر، فانه كما يتهيئا للقفز من جانب النهر حتى يفسح وراءه للتحمي ، كذلك لا ينبغي أن يبعد حتى يفزع نفسه ويقطع قلبه عن الاقدام. لأن الانسان كما أنه يحتاج أن يتهيب ليحترز، يحتاج أن لا يفرط فينقطع.
    وتخليص الاعتدال والمقاومة طب العقل. وما أصعب هذا الامر عند من خبر تغالب الاشياء و تَقاومها، وانتهى كل شيء الى ضده!
    و ما أحسن ما بيَّن الحقّ سبحانه سلوك الوسط بقوله; (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا). فهو الذي ركّب في الطباع الغالب. و جعل بينها واسطة تنهى عن الإسراف والإضاعة والبخل والإمساك، و هو الشرع المؤدِّب والعقل المجرِّب، سبحانه وتعالى .
    ومن فهم هذا الفصل من كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) أيضا كما فهمَه من الآية، عَلم أن الأدلة متناصرة. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( صادقْ صديقك هوناً ما عسى أن يكون عدوك يوما ما. وعادِ عدوك هوناً ما عسى ان يكون صديقك يوما ما).

    (كتاب الفنون).


    للحسن:

    قال ابن مفلح:
    قَالَ ابْنُ عَقِيلِ فِي الْفُنُونِ :
    قَالَ الْحَسَنُ مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ التُّهَمَةِ لَمْ يَكُنْ أَجْرُ لِلْغِيبَةِ.

    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    فصل:

    قد عُرف محلّ الأقوال والأفعال في حق أقوام عاصروا النبوات.
    هذا يقول في عظم نخر: ( مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) فينزّل الله تعالى فيه: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ). وهذا يقول: ( أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) فيميته الله مئة عام ثم يبعثه .. وهذا يرفع صوته، فيُقال: (لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ).
    فلو كان الوحي متصلا، لَساءك ما ينزل فيك عند فرطاتك و غلطاتك وتهجمك بالاعتراض والقول الذي لا تحتمله الحكمة منك. فإن فاتك الوحي في جواب كلماتك و تصرفاتك، فلا تفوتك موازنة ما تقول وتفعل بما نزل في مثله العتبى أو العقوبة. فإذا وازنتَ علمتَ أن لك عند الله جوابا لم يفُتْك منه إلا تعجيله، وأنه مؤجّل لك الى وقت يسوءك الموافقة فضلاً عن المقابلة.
    ولو أنصفتَ نفسك اليوم، لكان في حوادث الايام من دلائل القدرة ومتقنات الحكمة ما يكون لك جواباً ولشبهتك مزيلا. فإذا خطر على قلبك أو جرى في قولك: (أَنَّىَ يُحْيِـي) كانت سحائب السماء بوابلها ألسناً ناطقة بالتهجين لك، حيث حَيَّا بها عشب الأرض ونباتها وزهرها، حتى عادت عيوناً محدّقة وذواتاً محقّقة تشهد لصانعها بالقدرة و لمُحكمها و مُتقنها بالحكمة .
    وما أغناك عن التدبر بسواك ! يكفيك ما أحيا منك وأمات فيك من أعضاء و صفات و قوى وأخلاق. تمسي على صفة فتصبح بغيرها. وتصبح بخلق فتمسي وقد عدمته. ذاك الذي أمات الاشخاص، وفرّقَ الأجزاء، وأعدم الصفات، وهو المعيد لما أمات، والمفيد لما أفات.

    (كتاب الفنون).


    مذاكرة:

    تذاكرنا في بعض مجالس المذاكرات والمقابسات من أين يجيء تنافر الناس في مقادير الإكرام من الهشاشة و القيام، الى ما شاكل ذلك عند التلاقي؟ وما ينبوع التنافس في المجالس و التشاجر في المناصب عند الاجتماع ؟
    قال عالم: أقول، وبالله التوفيق لإصابة الغرض:
    إن الناس متفاوتون في الأقدار بحسب أسباب الأقدار، وكل منهم يرى السبب الذي يمتّ به بعين التعظيم.
    كالنسيب يرى نسبه فيرفعه في عين نفسه فيمتلئ به، حتى إنه يرى انحطاط كل مَن دونه، سيما إن أعانه على ذلك توحّده بالنسب في محلته أو دربه الذي يسكنه، فيُخاطَب بالشريف و السيد، ويتقاصر له مَن دونه في نسبه تقاصرا يوجبهم انحطاط رتبهم عن نسبه، فيألف الاكرام من أولئك الأقوام، فيخرج الى من يرى نفسه بنوع آخر من الفضل، كعالِم بين جهّال يدأب نفسه في العلوم ويجهدها في تخليص الفهوم، فيتقاصر عنه جيرته وأهل محلته وعشيرته تقاصر الجهّال للعالم، فيرى لنفسه حقا على من جهل علمه، وإن كان نسيبا فيخرج الى ذلك النسيب. وآخرٌ ينقطع إلى عبادة ربه، ويتصور بإدمان الخلوة أن لا رتبة تستحق الاكرام دون رتبته، ويُخلّ بإدمان آداب المخالطة فيخرج على ما به. وآخر يتميز بنوع حدة. وغنيٌّ بين فقراء ربما واساهم فأكرموه لمواساته أو للطمع فيه، فيضرعون له ضرع الطامعين للمطموع فيه، فيخرج على ما به.
    حتى إذا جمع هؤلاء مجلس ترفّع كل واحد منهم بامتلائه بخصيصته فيقع التنافر بينهم.
    والمُعدّل لهذه الأحوال هو العقل، الذي يحصل به الانصاف لمن أنصف، أو المسامحة لمن قصّر في الحق و طفّف. فالعاقل يزن نفسه بزنتها; فإن اجتمع به منصف رضي بما ظهر من إنصافه، فقد زال الخلاف بينهما. وإن اجتمع به متحيّف متعجرف جاهل بمقدار غيره لامتلائه برؤية نفسه، ألان له هذا العاقل جانبه و سامحه، فترك الاقتضاء بحقّ نفسه، ووفّى ذلك الجاهل حقه وزاده ما يرضيه به من الإكرام.
    فالعقل سكّان كل شِغاب و فسادِ اعتدال.
    وأرى العاقل إن كان ذا سلطان ويُدان، لا يسامَح، بخلاف الأمثال ممن لا سلطان له. وإنما فرّقتُ بين السلطان المتسلّط وبين المماثل لأن المماثل استحببنا له التواضع و المسامحة، كيلا يقع الخلف وينشأ الشغب و الفساد. فأما السلطان، فإنه إذا قوّم المتأوّد، وحقق على المتعجرف، وردّ كل إنسان عن استطالته الى حدّه ورتبته، أُمِنت غوائل تحقيقه على رعاياه لقوّته و تسلّطه.
    فكما أنه يحقّق مقادير الرجال، يقوّم من تعدّى عند تحقيق هذه الحال، وينتفع بتقويمه جماعة المستطيلين والمستطال عليهم. لأن المستطيل بجهالته لا يخلو من مغالب له ومصاول. وصول السلطان أحب إلينا من صول الرعايا، لأن صول السلطان يمنع المنافرة بين الرعايا، وصول بعضهم على بعض يفضي إلى التهارج.
    وما أقبح بالعاقل أن يُحْوَج الى تقويم السلطان، لأنه يفضي الى دوام تأديبه. لأنه حال الطفولة تحت أدب الوالدين مقوَّم بتقويمهما، وبعد أن شبّ وترعرع صار تحت حُجر المعلم والأستاذ، فإذا كبر وشاب صار تحت حُجر السلطان، لا يستغني عن تقويمه. فمتى يخرج هذا عن حُجر الرجال ؟ ومن كان كذا لا يكون راعيا لنفسه قط، بل غيره يرعاه، فهذا كالسوائم. فما الذي أفاده العقل ؟ وما الذي هذّب منه الشرع ؟
    نعوذ بالله من خذلان يحمل على ترك الانحياش لله، و الكونِ تحت تصريفه و تأديبه، والرضا بالكون تحت حُجر المخلوقين و الأمثال !

    (كتاب الفنون).


  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    ما أعظم تفاوت الأحوال !

    ما أعظم تفاوت الأحوال ! بعض الحكماء الإلهيين يقولون: ( في الحكمة ما يغني عن السفراء )، فعطّلوا الشرائع واقتنعوا بما تؤدّيهم إليه العقول وتؤدّبهم به الألباب والنهى.
    وبعض الفطناء جعلوا العقول مستعبدة للشرع، حاكمة على أمر الدنيا وسياساتها التي لم يوجد فيها نصّ من شرع. وبعض السفساف عطّلوا الشرائع طلباً للراحة من الحَجر والتكلّف، وعطّلوا العقول، فهم أبداً في الدنيا بين استطالة الشرعيّين عليهم بإقامة الحدود والإهانة بسائر العقوبات، وبين استطالة العقلاء عليهم في تقويمهم عند شطحهم وخروجهم عن سمت سياسات العقل. فهم كالبهائم، إن خليت أكلتها الوحوش، وإن صمدت للأعمال وحمل الأثقال أتى عليها الكدّ بالهلاك والاستئصال.
    فسبحان القسّام بين الخلق حظوظهم من المنافع و المضارّ !

    (كتاب الفنون).


    فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل:
    وَأَمَّا السَّتْرُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ هُنَا فَالْمُرَادُ بِهِ السَّتْرُ عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ مَعْرُوفًا بِالْأَذَى وَالْفَسَادِ. وَأَمَّا الْمَعْرُوفُ بِذَلِكَ ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُسْتَرَ عَلَيْهِ ، بَلْ تُرْفَعُ قِصَّتُهُ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةً ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ عَلَى هَذَا يُطَمِّعُهُ فِي الْإِيذَاءِ وَالْفَسَادِ وَانْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ وَجَسَارَةِ غَيْرِهِ عَلَى مِثْلِ فِعْلِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي سَتْرِ مَعْصِيَةٍ وَقَعَتْ وَانْقَضَتْ ، أَمَّا مَعْصِيَةٌ رَآهُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ بَعْدُ مُتَلَبِّسٌ ، فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِإِنْكَارِهَا عَلَيْهِ وَمَنْعُهُ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا يَحِلُّ تَأْخِيرُهَا ، فَإِنْ عَجَزَ لَزِمَهُ رَفْعُهَا إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ .
    وَأَمَّا جَرْحُ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْأُمَنَاءِ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَالْأَوْقَافِ وَالْأَيْتَامِ وَنَحْوِهِمْ فَيَجِبُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَلَا يَحِلُّ السَّتْرُ عَلَيْهِمْ إذَا رَأَى مِنْهُمْ مَا يَقْدَحُ فِي أَهْلِيَّتِهِمْ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ ، بَلْ مِنْ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ .

    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    تذاكرنا في بعض المجالس أمر المُصاب، هل الأفضل تخفّره عن الناس واعتزاله، أو تكشّفه وظهوره ؟

    فقال بعض الحاضرين :
    بل ظهوره; ليتسلى بكلام المعزّين له، ويتشاغل عن أن يخلو به الحزن فيعمل في نفسه وينكي قلبه، خير من الانفراد، فإن المنفرد يخلو بمصابه ويتشكل له المصاب به نصب عينيه، فلا يزال يعمل في صفاته حتى يأتي على مقاتله.
    وقال آخر:
    بل انفراده; ليستريح من كلفة التجمّل و التعمّل، لأنه ربما أراد إظهار التجلد لحاسد، والتعمّل لحكيم ناه له عن الجزع، والتباكي في غير أوان البكاء خوفَ عيّاب له على الصبر، فإن كما في الناس عائب على الحزن والجزع ~وهم أعداد من أهل الشرع والحكمة، كذلك فيهم عيّاب على التماسك، لأنهم يعدّون ذلك قلة وفاء وأُلف وحباسة طبع وقساوة قلب، وكلاهما عيب.
    وما أشغل المصاب المحزن بحزنه عن تكلّف هذه الأمور وتحمّل هذه الأثقال ! نعم، وفي خلال ذلك إن قصّر بحقّ قاصد، فالويل له من القاصد يَنسُبه في ذلك إلى الكبر والخيلاء و العجرفة.
    وجرى بين الفريقين تخليط كثير ومداخلة وشغب.
    فقالت الجماعة لي: ماذا تقول أنت ؟
    قلت - وبالله التوفيق :
    أنا أفصّل تفصيلاً يُصلح بين الفريقين، لا يقتضي الجواب سواه، وإنما يقتضي الجواب تفصيلا لاختلاف أحوال الناس في ذلك، وجواب الإجمال فيما يقتضي التفصيل، كالتفصيل لِما لا يقتضي التفصيل، فأقول:
    مَن علمَ من نفسه الجزع، وعلم من القاصدين له إعانة النفس على الجور والجزع دون إعانة الدين على الصبر والسلوة، فالاعتزال أولى به، لأن العزلة تقطع عادته تثوير التسخط على الله سبحانه وإنهاض النفس على جزعها .
    ومن علم أنه إذا خلا، خلا به الشيطان وهاجت أحزانه، كان اجتماعه بمن يعلم منه التسلية والتعزية أحرى من وحدته، لأن المخالطة لبعض الناس دواء، ولبعض الناس إِدواء.
    وفي الجملة; العزلة عن الأخيار مذمومة، وعن العلماء مشؤومة، والاجتماع بهم بركة واستشفاء.

    (كتاب الفنون).


    إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْلَمَ مَحَلَّ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ:

    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل:
    إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْلَمَ مَحَلَّ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ فَلَا تَنْظُرْ إلَى زِحَامِهِمْ فِي أَبْوَابِ الْجَوَامِعِ ، وَلَا ضَجِيجِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ بِلَبَّيْكَ ، وَإِنَّمَا اُنْظُرْ إلَى مُوَاطَأَتِهِمْ أَعْدَاءَ الشَّرِيعَةِ. عَاشَ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ وَالْمَعَرِّيُّ عَلَيْهِمَا لَعَائِنُ اللَّهِ يَنْظِمُونَ وَيَنْثِرُونَ، هَذَا يَقُولُ : حَدِيثُ خُرَافَةَ، وَالْمَعَرِّيُّ يَقُولُ: تَلَوْا بَاطِلًا وَجَلَوْا صَارِمًا *** وَقَالُوا صَدَقْنَا فَقُلْنَا نَعَمْ
    يَعْنِي بِالْبَاطِلِ; كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
    وَعَاشُوا سِنِينَ وَعُظِّمَتْ قُبُورُهُمْ وَاشْتُرِيَتْ تَصَانِيفُهُمْ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُرُودَةِ الدِّينِ فِي الْقَلْبِ .

    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    تجارى قوم في ذكر الاستدلال على كون الباري عالما بإحكام أفعاله وإتقان صنائعه:

    فوجّهَ عليه بعض الأصوليين أربعة أسئلة :
    أحدها: أن بعض الأفعال المحكمة قد تصدر على وجه الإتقان في بعض الأحيان. مثل خروج خط يخرج بحروف صحيحة عن يد غير كاتب، والإصابة بالسهم من غير رامِ (كما يقال: رمية من غير رامِ).
    والثاني: أنه قد تصدر الأفعال المحكمة ممن لا حكمة له. وحقيقة الإحكام مناسبة الأفعال، والإعداد لما يكون سادّاً من الحاجات في ثاني الحال. مثل العناكب والنحل و النمل، في إحكام أعشاش وأحجرة وأقوات لأزمان مستقبلة، كبيوت النمل التي تُحفَظ فيهن أقواتهن عن المياه و العفن .. ومثل عش العقعق ببابيْن، وبيت اليربوع بباب لخروجه و دخوله، وباب لفراره وهربه، والى أمثال ذلك، ولا حكمة لهذه الحيوانات.
    السؤال الثالث، قالوا: لا يخلو أن يكون الباري قادراً على فعل المثبّط، أو قادرا على المحكم المتقن فقط، غير قادر على غير المحكم، فإن قلتم: ( لا يقدر إلا على المحكم ) صار كالملجأ، أو كالطبع الذي لا يصدر عنه إلا فعل على وجه واحد، وإن قلتم: ( يقدر على المثبّط المحكم )، فإذاً صدر غير المحكم عنه، على أنه عالم.
    السؤال الرابع: أنه قد صدر الى الوجود غير المحكم من الأفعال، فهلا دلّ المثبّط منها على النقيض، وهو الجهل أو عدم العلم ؟

    أجاب حنبلي فقال:
    أما الإتقان، فليس لنا، على من أثبت أن أفعال الآدميين خلق فيه. وخروج الفعل المحكم بغير قصد من أحد أدلّتنا على كون الأفعال خلقاً لله سبحانه. ومقالة أهل الإتقان أخسّ المقالات عندنا.
    وأما ما يصدر عن الهوام و البهائم، فإنه يصدر عن أحد طريقين:
    إما إلهام من الله وهو الحكيم العالم فما صدرت إلا عنه، ويشهد لذلك قوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) ، بمعنى ألهمها ..
    وأما قولكم: ( هل ما يصدرمنه المحكم لا يقدرعلى غيره)، فكلاّ ! بل الباري قادر على أن يفعل المثبط، غير أنه إذا فعله لم يصدر عن جهل ولا عدم علم وحكمة، لكنه قصد به المعنى المحكم، وإن كانت صورته من طريق الحس مثبطة، وذلك مثل المرض العارض على الصحة، والتشويه المضاد للتحسين، إما محنة وابتلاء ليعوّض عليه بالنعيم الدائم، أو أو ليعلّم به ضده وهو الإحكام، ويعرّف العباد مقدار النعمة بالإحكام و الإتقان. ولو لم يكن قادراً على المثبّط لما بان فضل الحكمة وهو المنع منه بالحكمة.
    وأما وجود المثبّط وما دلّ على نقيض العلم، فإنه ما خلا من معنى محكَمٍ متقن، مثل مصلحة توفي على ذلك في الدنيا، من الاعتبار والاختيار وظهور النعمة و الشكر على السلامة في حقّ من سلم من تفاوت الخلق ونقصان الأعضاء، كما يحصل من تنقيص البنية في حق الطبّ طلباً لسلامة الأصل.

    (كتاب الفنون).


  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي



    بين يحي وعيسى عليهما السلام:

    كان يحي لا يُلقى إلا وهو مقطّب، وعيسى لا يُلقى إلا وهو مستبشر.
    فقال يحي لعيسى : يا ابن خالتي! ألقاك كأنك آمن.
    قال له عيسى: يابن الخالة! ألقاك كأنك آيس.
    فأوحى الله إليهما: أحبكما إليّ أبشكما بصاحبه.

    (كتاب الفنون)


    { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ }:

    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    سُؤَالٌ عَنْ قَوْلِهِ : { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ }.
    كَيْفَ سَاغَ لِعُمَرَ أَنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ حِينَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ صَيْدٍ قَتَلَهُ فَقَالَ : اصْبِرْ حَتَّى يَأْتِ حَكَمٌ آخَرُ فَيَحْكُمَ لِنَفْسِهِ إنَّهُ أَحَدُ الْعَدْلَيْنِ.
    قِيلَ: إنَّمَا نَهَى عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالْمَدْحِ وَالْإِطْرَاءِ الْمُورِثِ عُجْبًا وَتِيهًا وَمَرَحًا، وَمَا قَصَدَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ، إنَّمَا قَصَدَ فَصْلَ حُكْمٍ وَهُوَ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ ذَلِكَ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ : {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ } فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَنْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِافْتِخَارِ .
    وَلِذَلِكَ قَالَ: { أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ } فَنَفَى الْفَخْرَ الَّذِي هُوَ الْإِعْجَاب.

    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    دين الله واحد:

    إجتمع العلماء على أن دين الله واحد، الذي عليه الانبياء كافة. يشهد لذلك قوله سبحانه لنبينا صلى الله عليه وسلم ولأمته: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ). وانظر ما بين نوح ونبينا. قال: (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ).
    وقال تعالى: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ).
    وروى البخاري في صحيحه: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يوافق أهل الكتاب فيما لم يوح إليه فيه شيء).

    (كتاب الفنون)


    مَجْلِس مُذَاكَرَة:

    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل فِي الْفُنُونِ:
    جَرَى فِي مَجْلِسٍ مُذَاكَرَةٌ فَقَالَ قَائِلٌ: إنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي ضِيقًا وَإِنْ قَصُرَتْ يَدَيَّ بَلْ طِيبَ النَّفْسِ كَأَنِّي صَاحِبُ ذَخِيرَةٍ.
    فَقَالَ رَئِيسٌ فَاضِلٌ قَدْ جَرَّبَ الدَّهْرَ وَحَنَّكَتْهُ التَّجَارِبُ:
    هَذِهِ صِفَةٌ إمَّا رَجُلٌ قَدْ أَعَدَّتْ لَهُ الْأَيَّامُ سَعَادَةً شَعَرَتْ نَفْسُهُ بِهَا لِأَنَّ فِي النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ مَا يُشْعِرُ بِالْأَمْرِ قَبْلَ كَوْنِهِ ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ ثِقَةً بِاَللَّهِ لِكُلِّ حَادِثٍ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ حَكِيمٍ لَا يَضَعُ الشَّيْءَ إلَّا فِي مَوْضِعِهِ ، فَيَسْتَرِيحُ مِنْ تَعَبِ الِاعْتِرَاضِ وَعَذَابِ التَّمَنِّي ..

    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    الإحتراز لا ينافي التوكل:

    قال حنبلي:
    إن سوّل لك مسوّل من شياطين الإنس أو الجن أن ( لا انتفاع بالعمل مع القدر )، فقل له : (ولا توقٍّ مع الأجل). فإن قال: (وكذاك هو )
    قل: (فهل تستطرح للأعداء ؟ وهل تطرح عند الأمراض العلاج و الدواء؟ ) فإن قال: ( لا، فإن حبي لنفسي يحملني على مكابدة المؤذي ومدافعته عنها)، فجواب المسألة منها: أن النفس محبوبة، والوعيد على ترك الواجبات وفعل المحظورات قد جاءت به النبوات. والتحرّز واجب في العقل. وحُب النفس حرّكك في التداوي ودفع الصائل، فليحملك خوف فساد العاقبة على النفس على الاستجابة لِما جاءت به النذر.
    ثم صاحب القدر أمرك بالتحرز. فيحسن أن تطرح التحرز ممّن لا خبرة له بالقدر إلا من طريق السماع والخبر، فقال لك: (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ )، (وَأَعِدُّوا لَهُمْ) (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ); الآيات. هاجرْ الى المدينة، فإن قومك قد عزموا على قتلك، وهو القائل: (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ).
    فإذا كان هذا قول صاحب القدر، تلقّيت أنت قول الجهال بقولهم: ما ينفع التحرز والعمل؟
    اعقل أمرك واعمل، وتشاغل بما كتب إليك، ولا تشتغل بما كتب عليك، فما عطّلَ خطابَ التكليفِ وما جاءت به الرسل باطلاً بسهو الباطل العاطل.

    (كتاب الفنون)


  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    Post

    فصل:

    قال حنبلي :
    إذا تلمح العاقل كلام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) لأصحابه، علم أنه أعطى كل واحد على مقداره، وما يصلح به و له. نحو قوله لبلال: أنفق بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً. وقوله لأبي بكر: ما تركت لأهلك ؟ قال: الله ورسوله. وقال لعمر: ما تركتَ؟ قال: تركتُ ثلثي مالي. ورُوي: نصف مالي. وقال لأبي لبابة لما انخلع من ماله: يجزيك من ذلك الثلث الثلثَ، والثلث كثير. لئن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس. فلحظ حال كل واحد منهم، ورضي منهم بما علم من حاله.
    فإذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يكلم الناس على قدر أحوالهم نظرا إلى مصالحهم، فمن يعلم أن الإقلال يسخطه فيفسد دينه يقنع منه بترك بعض ماله، أو ينهاه عن إخراج جميع ماله كيلا يعود ذلك بوباله. فما ظنك بقسم الباري الأرزاق بين خلقه بحسب ما علم من أحوالهم. وقد نص على ذلك بقوله: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ). ثم لم يقتصر على إطلاق المشيئة حتى عقب ذلك بقوله: ( إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ). ووصفه لنفسه بالبصارة والخبرة يعطي أن القسمة بحسب ما علمه من الأصلح توسعة أو تقتيرا أو توسّطا. وأمر بالإنفاق على قدر الأصلح، فقال سبحانه: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ). ثم بين علة النهي، فقال: (فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ). فالملامة على التقتير كالملامة على التبذير. لأن التقتير يحصل به منع الحقوق، والتبذير يورث الاسف و الحسرة و التسخط على الرازق؛ وذلك بين تفسيق وتكفير.

    (كتاب الفنون)


  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    Post

    فصل وعظي:


    قال حنبلي:
    ما بلغ مِن محلّ عبد مع سيّده أن يكشف له عن أسرار أفعاله فيه. بل غاية محلّ العبد فيكم ولكم أن يحترم أمره ونهيه جزماً: (لا تأكل من الأطعمة هذا !) (ولا تغرف لنفسك من هذا القِدْر ) و(كلْ من هذه !) (اشربْ هذا القدح وإن كان مرّاً !) (لا تمض في هذا الطريق وامض في الآخر !) (مُدَّ يدك اليوم الى الطبيب وانفصد !) .. ولا في أدب العبودية تقتضي المَلَكة أن ينطق العبد في ذلك بِ( لمَ ؟) ولا (كيف ؟). هذا حكمكم مع عبيد ما خلقتموهم، ولا لكم فيهم سوى حبس الرّقّ. ولا يثبت لك عند العبيد والاماء من الحكمة مع الملكة ما يوجب حسن التأويل لتصاريفك فيه .
    أنتَ مُخرَج من العدم، مبنيّ ببنائه ساقاً ساقاً، قد أحكم صناعته فيك إحكاماً يشهد له عندك بالحكمة البالغة. لم تقنع بما وضعه فيك من الفطنة بحكمته بشواهد صنعته حتى كاتبك وراسلك، وأخذ بحكم كلامك لك مخرج الإعتذار كاعتذار النظير، يقول لك فيما خفي عليك ألّا يعتريك نفور أو اعتراض باطن: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) إنّ تقسيم الغنائم على خمسة أصناف (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ). فبيّن لك وجوه منعه وإعطائه وإيقاع العقوبة، ومن الذي أوجب عليه هذا ؟
    وأنتَ مع عبيدك لا خالق ولا بانٍ ولا منشئ لهم، ليس لك فيهم إلا حبس الحبس الذي هو جعله لك، وأنتَ لا ترى العبد أهلاً أن تقول له: (إنما تقدمتُ بفصدك وحجامتك وحميتُك من الطعام الفلاني لمصلحتك) ولو نطقتَ بذلك لأزرى عليك أمثالك من سادة العبيد، فقالوا: (فلان يعتذر الى عبده. هذا إطماع له وإفساد لحكم السيادة مع للعبودية. ما للعبد وما إليه حتى يقول له سيّده: (إنما فعلتُ كذا لكذا؟ ). ولو كاتَبه أو أرسل إليه رسولاً لقيل: (هذا غاية الإستفساد. هذا مما لا يُسمح به للعبد فيعدو طوره). وأنتَ متى أخفى عنك علة فِعلٍ فعله فيك، أو أمرٍ أمرك به، تشرّدتَ وتوانيتَ عن فعله، وكذاك فيما نهاك، تطَلُّباً لعلّة ذاك، فتعدّيتَ طورك. تُرى ما سمعتَ قوله: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) ما ينبّهك هذا على الإنتهار والاستنكار لما أبداه، حتى يوجب عليك إمّا التأويل له فيما أخفاه، وحمل ما سكت عن الإعتلال فيه لما أبداه، أو الإستسلام لما ثبت له من الملكة والحكمة، وبيان علل الإشفاق عليك فيما علّله لك ؟؟؟
    أنا أقول قولا لم يمتدّ إليه نظر غيري، وهو أنّكم تلعنون من أشرك به بضم إله آخر إليه، وتُكفّرون ذلك القائل، وأفعالكم وأقوالكم تُعطي أنّكم أثبتتم نفوسكم إثبات الشركة له، إذ ليس انتقادكم على أفعاله وأقواله انتقاد النظير فقط، بل ربّما كان ذلك انتقاد من فاقت حكمته، وعلت رتبته، وعبد يرى نفسه نظير سيّده، آبقٌ أعلى الأبّاقين. لأنّ الهارب أسقط حقّ سيّده من الخدمة، والمقيمُ المعترض زاحم سيّده في أحكام الملكة، فهذا يَعُدّه الملوك أكبر خارجي ..
    (الفنون)




    - فصل:


    قال رجل من أهل العلم:
    الباري سبحانه أخبر أنهم بلغوا من العناد الغاية التي لا رجاء لراجٍ معها استجابة، فقال سبحانه: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ). ومع ذلك الكشف لما أدركه من أحوالهم و عاقبة أمرهم، بعلمه الذي لا يتغير ولا يختلجه شك، ولا يتطرق عليه ريب، أمره بالبلاغ، وحثه على الإنذار لهم، واللطف بهم، و العفو عنهم. وكذلك أمر موسى باللين في القول لفرعون مع العلم بعاقبة أمره. فما أبطنوا التكليف على العلم، ولا حسّن بمقتضى تحسين العقل، فإن خطاب من قطع الشاهد بعدم استجابته للمخاطِب يجعل الخطاب لغواً، و البلاغ عبثاً و إتعاباً، ليس فيه ولا وراءه فائدة، ويجعل المخاطِب بذلك كالمترجّي لخلاف ما وقع له. و ليس العلم من هذا القبيل، بل العلم هو الكاشف عن المعلوم، المدرك له على ما هو به. والعلم كشَف عن عدم الإستجابة. والخطاب استدعاء ظاهره الترجّي للإستجابة. فعُلم أنه قد حَسُن من الله تعالى في باب التكليف ما لا يحسن في الشاهد.
    (الفنون)




    كان الحسن يقول:


    يصبح ابن آدم بين نعمة زائلة، وبلية نازلة، ومنية قاتلة.
    (الفنون)




    من العَجَب:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل فِي الْفُنُونِ:
    مِنْ عَجِيبِ مَا نَقَدْت مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ كَثْرَةُ مَا نَاحُوا عَلَى خَرَابِ الدِّيَارِ ، وَمَوْتِ الْأَقَارِبِ وَالْأَسْلَافِ ، وَالتَّحَسُّر عَلَى الْأَرْزَاقِ بِذَمِّ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ وَذِكْرِ نَكَدِ الْعَيْشِ فِيهِ ، وَقَدْ رَأَوْا مِنْ انْهِدَامِ الْإِسْلَامِ ، وَشَعَثِ الْأَدْيَانِ ، وَمَوْتِ السُّنَنِ ، وَظُهُورِ الْبِدَعِ ، وَارْتِكَابِ الْمَعَاصِي وَقَضٍّ فِي الْفَارِغِ الَّذِي لَا يُجْدِي ، وَالْقَبِيحِ الَّذِي يُوبِقُ وَيُؤْذِي ، فَلَا أَجِدُ مِنْهُمْ مَنْ نَاحَ عَلَى دِينِهِ ، وَلَا بَكَى عَلَى فَارِطِ عُمْرِهِ، وَلَا آسَى عَلَى فَائِتِ دَهْرِهِ وَمَا أَرَى لِذَلِكَ سَبَبًا إلَّا قِلَّةَ مُبَالَاتِهِمْ بِالْأَدْيَانِ وَعِظَمَ الدُّنْيَا فِي عُيُونِهِمْ ضِدَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَرْضَوْنَ بِالْبَلَاغِ وَيَنُوحُونَ عَلَى الدِّينِ .
    (الآداب الشرعية)

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    في تقصير الآمال:

    ما تصفو الأعمال إلا بتقصير الآمال، فان كل من عدّ ساعته التي هو فيها كمرض الموت حسنت اعماله، فصار عمره كله صافيا. وإلى هذا أشار صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم حيث قال : وعُدّ نفسك من الموتى، إذا أصبحت فلا تحدّث نفسك بالمساء، وإذ أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح.
    وهذا قول عارف بأن التسويف يؤخر الأعمال ببسط الآمال. ومن قصّر أمله رآى قلة البضاعة و صيانة العيش الساعة التي هو فيها، فجوّد العمل، خوفاً أن يكون ذاك القدر هو المَقطع. وليس هذا عندي مجتمعا بالأعمار بل بالأموال. كذلك يجب أن يكون إحسانك من المال الحاضر بحسبه و ان قلّ، و لا تتسوف بكثرة المال في الثاني. و العاقل من لم يحضره قليل الرزق إلا و شكر الله بحسبه. فتعجيل القليل مع حضور الوقت و المهلة، خير من التمادي و التأخير انتظارا لكثيره . وليس تأثير الأعمال بالكثرة بل بالخلوص. ولهذا جرى في مدح القرآن على ذلك الخبز الشعير : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ). فاذا سمع القائل هذه المدحة .. إغتنم الشكر بحسب الحاضر من الحال ولم يتسوف بالامال.

    (كتاب الفنون)


    نصيحة:

    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ :
    فِعْلُ الْخَيْرِ مَعَ الْأَشْرَارِ تَقْوِيَةٌ لَهُمْ عَلَى الْأَخْيَارِ، كَمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْرَمَ الْخَيْرُ أَهْلَهُ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْرَمَ الْخَيْرَ حَقَّهُ ، فَإِنَّ وَضْعَ الْخَيْرِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ ظُلْمٌ لِلْخَيْرِ كَمَا قِيلَ : لَا تَمْنَعُوا الْحِكْمَةَ أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ ، وَلَا تَضَعُوهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا ، كَذَلِكَ الْبِرُّ وَالْإِنْعَامُ مُفْسِدٌ لِقَوْمٍ حَسَبُ مَا يُفْسِدُ الْحِرْمَانُ قَوْمًا ، .. فَهُوَ كَالنَّارِ كُلَّمَا أُطِيبَ لَهَا مَأْكَلًا سَطَتْ فَأَفْسَدَتْ ..
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    فصل:

    قال حنبلي :
    لو لم يسبق في العقل حسن وقبيح سبق العلم بالشرائع، لمَا حسن في الشرع توبيخ ولا تعنيف على فعل. إلا أن يكون قد سبق به أمر من الشرع فترك، أو نَهي ففعل. فلّما قال : ( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ)، (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ)، (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا)، فهذه كلها توبيخات عقلية؛ فوبّخ الشرع أرباب العقول التي سبق فيها القبح والحسن.
    وقوله: ( أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ ) وهذا توبيخ على ترك التحرز من المضار، وهو من قضايا العقول.
    وقوله: (وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ)؛ كل ذلك إيجاب التحرز؛ وما أوجب التحرز إلا العقل.

    (كتاب الفنون)


    شذرة:

    البِشْر مُؤَنّس للعقول، ومن دواعي القبول، والعبوس ضده.
    لو كان في العبوس خير، ما عتب عليه النبي صلى الله عليه وسلم .

    (كتاب الفنون)


    فِي الْقُرَّاءِ فِي السُّوقِ:

    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    قَالَ حَنْبَلِيٌّ : كَمْ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ تَخْرُجُ مَخْرَجَ الطَّاعَاتِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَهِيَ مَأْثَمٌ وَبُعْدٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِثْلُ الْقِرَاءَةِ فِي أَسْوَاقٍ يَصِيحُ فِيهَا أَهْلُ الْمَعَاشِ بِالنِّدَاءِ وَالْبَيْعِ وَلَا أَهْلُ السُّوقِ يُمْكِنُهُمْ السَّمَاعُ، ذَلِكَ امْتِهَانٌ .
    قَالَ حَنْبَلِيٌّ: أَعْرِفُ هُوَ، وَلَعَلَّ أَهْلَ السُّوقِ يَسْمَعُونَ النَّهْيَ عَنْ مُرَاءَاتٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فَيَتْرُكُونَهَ ا.

    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    أرجأ آية في كتاب الله:

    قال أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه، لرجل آية في القرآن قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). كأنه يقول: المصيبة عقوبة. وما عفا الله عنه في الدنيا، فهو أمجد وأكرم وأجود من أن يعود في شيء عفا عنه.
    قال حنبلي: فهذه أرجأ آية في كتاب الله. وقد ورد في الخبر: حتى الشوكة يُشاكُها، إذا انقطع شِسْع نعل أحدكم، فليسترجع، فإنها مصيبة. ومعلوم كثرة اللواذع والمصائب في المال والأهل والنفس والعرض، فإذا أخبر الله تعالى أنها مقابلات وعقوبات ، وضمن على نفسه العفو عن كثير، فما قصرت المصائب في الدنيا عن مقابلته سقط بالعفو الذي ضمنه سبحانه. فهذه الآية تُهوّن مصائب الدنيا عند العقلاء.

    (كتاب الفنون)


  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    Post




    روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما المؤمن الذي نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة.




    قيل لحنبلي له تحقيق:
    ما معنى هذا ؟
    فأجاب بأن نفسَه منه في عناء، لان الإيمان يقيّد الفتك، والنفس تطلب من الناس الحظ، و تتقاعد عن الحق لما معها من العرامة بالطبع.
    والاوائل قالوا :
    أتروض عِرسَك بعدما هرمتْ
    ومن العناء رياضةُ الهرِم
    وأنا أقول :
    أتروض عِرسَك في حداثَتِها
    ومن العناء رياضة العَرِم
    وأدل عليه بأن العرامة تشرد مع قوة، والقوي تشتد مقاواته ومعه عدم خبرة. و الهرِم إن صعبتْ رياضته فغايته لاستمرار العادة. ولكن يُقابِل ذلك ضعف قوته، وسلالة استجابته، لضعفه عن المقاواة، وقوة خبرته وتجربته المعينة له على القبول والاستجابة للحق.
    (كتاب الفنون)



    سَاعَةُ إجَابَةٍ:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابن عقيل:
    كُلُّ حَالٍ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمَ تِلْكَ اللَّحْظَةَ فَإِنَّهَا سَاعَةُ إجَابَةٍ .
    فَحُضُورُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَلْبِ الْعَبْدِ حُضُورٌ وَاسْتِحْضَارٌ، وَخَيْرُ أَوْقَاتِ الطَّلَبِ اسْتِحْضَارُ الْمُلُوكِ، وَمَنْ اشْتَدَّتْ فَاقَتُهُ فَدَعَا، أَوْ اشْتَدَّ خَوْفُهُ فَبَكَى، فَذَلِكَ الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ فِيهِ فَإِنَّهُ سَاعَةُ إجَابَةٍ وَسَاعَةُ صِدْقٍ فِي الطَّلَبِ. وَمَا دَعَا صَادِقٌ إلَّا أُجِيبَ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).






    الشيب مرض الموت:


    الشيب مرض الموت، لولا أنه مألوف، وإلا فسل عنه الطب، فقل: ما هذا العارض ؟ هل هو زائل أم لا ؟ فإذا أجمع الكل على أنه ذبول يتزايد وتحلّل يترادف و يتتالى، فاعلم أنه مرض الموت. أنظر ما تفعله في مرض الموت، يقول لك الطّب: ما لهذا برء ولا شفاء، ولا يُرجى له علاج، ولا يُوجد له دواء، فافعله إذا ابيضت لحيتك ورأسك، فما بعد بياض اللحية والرأس إلا الانحلال والانعكاس. تأهّبْ للنقلة، فقد استحكمت العلّة.
    أليس قد جرت عادتكم بتوزيع الأموال وتحسين الأعمال وتأكيد الوصيّة وتجديد التوبة ومجالسة الاصدقاء والمعاملين، مع تجويز خطأ الطب في القول وذهابهم عن الصواب، لأن العلل مختلفة ؟ فهل يختلف اثنان أن المشيب طلائع الموت وعنوان الفوت، وعلة لا تتزايل، ومرض لا يفارق؟
    وحياتِك إني لك ناصح، وإني لعيبك كاشف و لك فاضح، لا لأني لك عدو ولا كاشح، و لكن أؤلمك لأبرئك، وآمرك لأخليك. وحياتِك يا أخي، ما غسلت سيئة بأحسن من دمعةِ حسرةٍ على فائت من عمرك في غير ما خُلقتَ له، وحقِّك أيها الصديق ما تردد في قلب ولا حاك في خاطر أجلّ من حزن وأسىً، على عمر انقضى في سَوْفَ ولَعَلّ وعَسى ..
    (كتاب الفنون)



    الزهد في عصرنا:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    هِجْرَانُ الدُّنْيَا فِي عَصْرِنَا هَذَا لَيْسَ مِنْ الزُّهْدِ فِي شَيْءٍ ، إنَّمَا الْمُنْقَطِعُ أَنِفَ مِنْ الذُّلِّ، فَإِنَّ مُخَالَطَةَ القُذراء، وَالتَّخَلِّي عَنْهُمْ نَزاهَة، وَمَنْ طَلَّقَ عَجُوزًا مُنَاقِرَةً فَلَا عَجَبَ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).



    فصل وعظي:


    ما أجودك من معلّم غير متعلم ! وما أجودك من مؤدب، لكن لا يتأدب! تعلّم الكلاب، مع نهمتها وتكلبها على الصيود وفرط حاجتها، بأن تمسك عليك ولا تأكل من صيدها، وكذلك جوارح الطير والسباع . وتروض المهارة والحجورة حتى تتأدب لركوب الملوك. وأنت عاقل ناطق، الرسالة إليك، وكتاب الله ينزل عليك، والآباء، والمعلمون، والعلماء، والوعاظ، والمُفتون، والقصاص، والقرآن يتلى، والعبر تُتربّى، وآثار الأمم البائدة والقرون الخالية، كما تسمع وترى. فلا الآداب بأخلاقك عبقت، ولا التعاليم بطباعك علقت. فسبحان من سخرالأشياء لك وجعلها طوع يدك وأمرك، وأنت تتشرد عليه كذا!
    (كتاب الفنون)

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي



    فصل:


    بينما أنت معجب بالواحد من أهل الدهر حتى يملولح عذبه، ويكتهل عشبه، ويضيق رحبه. فالاغترار بهم غباء، وودُّهم عند التحقيق هباء، والاعتماد عليهم إفلاس.
    (كتاب الفنون)



    لا تَسْتَبْطِئِ الْإِجَابَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    تَسْتَبْطِئُ الْإِجَابَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِأَدْعِيَتِك فِي أَغْرَاضِك الَّتِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي بَاطِنِهَا الْمَفَاسِدُ فِي دِينِك وَدُنْيَاك ، وَتَتَسَخَّطُ بِإِبْطَاءِ مُرَادِك مَعَ الْقَطْعِ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَمْنَعُك شُحًّا وَلَا بُخْلًا وَلَا نِسْيَانًا.
    وَقَدْ شَهِدَ لِصِحَّةِ ذَلِكَ مُرَاعَاتُهُ لَك ، وَلَا لِسَانَ يَنْطِقُ بِدُعَاءٍ ، وَلَا أَرْكَانَ لِعَبْدِهِ ، وَلَا قُوَّةً تَتَحَرَّك بِهَا فِي طَاعَةٍ مِنْ طَاعَاتِهِ ، فَكَيْفَ وَجُمْلَتُك وَأَبْعَاضُك وَقْفٌ عَلَى خِدْمَتِهِ ، وَلِسَانُك رَطْبٌ بِأَذْكَارِهِ ؟ لَكِنْ إنَّمَا أُخِّرَ رَحْمَةً لَك وَحِكْمَةً وَمَصْلَحَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إلَيْك بِذَلِكَ تَقْدِمَةً ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } .
    وَأَنْتَ الْعَبْدُ الْمُحْتَاجُ تَتَخَلَّفُ عَنْ أَكْثَرِ أَوَامِرِهِ ، وَلَا تَسْتَبْطِئُ نَفْسَك فِي أَدَاءِ حُقُوقِهِ . هَلْ هَذَا إنْصَافٌ أَنْ يَكُونَ مِثْلُك يُبْطِئُ عَنْ الْحُقُوقِ وَلَا تُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِك ، ثُمَّ تَسْتَبْطِئُ الْحَكِيمَ الْأَزَلِيَّ الْخَالِقَ فِي بَابِ الْحُظُوظِ الَّتِي لَا تَدْرِي كَيْفَ حَالُك فِيهَا هَلْ طَلَبُهَا عَطَبٌ وَهَلَاكٌ ، أَوْ غِبْطَةٌ وَصَلَاحٌ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).



    فصل تذكار:


    إعلم أنه لا تكمل العبودية فيك إلا بما كملت به الربوبية فيه سبحانه. وكمال الإلهية أنه عظيم، مستوجب التعظيم، وعلى تعظيمه يدور التكليف، يُطاع أمره فلا يُعصى، ويُذكر إنعامه فلا يُنسى، ويُسلّم حكمه، فلا يُعترض بِ(لِمَ) قولاً ولا إضماراً. مطلق التصرف بكل معنى، لا لكونه قاهراً فقط، بل لأنه حكيم غير مختلّ الصنع. فكما أن الأركان كلها خلقه يجب أن يُتعبّد له بالسجود تارة إذا أمر، وبالركوع أخرى، وبالانتصاب أخرى، وبالكف عن الشهوات، وبتناولها في بعض الأوقات. كذلك العقل خلقه يقضي لأفعاله وأحكامه، ولا يقضي عليها بالتحكّم الخارج عن التسليم. إن جمع ، فحكمة ورحمة، وإن فرّق، فحكمة وقدرة. فكما أن قدرته لا تُقاوى بالمدافعة، حكمته لا تُقاوى بالمعارضة.
    كل شيء خلقه تحت تدبير العقل، والعقل تحت تدبير الرب. فإن أذعن العقل بالربوبية له، فينبغي أن يذعن بالتسليم. لأنّ مربوباً لا يََرُبّ، كما أن الربّ لا يُرَبّ.
    يا ناقصاً في التكليف بكل معنى ! يا مفلساً من العبودية بكل حقيقة ! أنت عبدٌ مِن طريق الخلق قهراً، هل كنت عبداً من طريق التخلّق طوعاً ؟ ما أشد طاعتك للهوى مع كثرة جناياته عليك ! وما أشد تجنّيك على الخالق مع كثرة إتقاناته فيك !
    هل أجارك الهوى قطّ مِن ورطة ؟ هل أخذ بيدك من سقطة ؟ أليس غوائله كلها و عواقبه فسادا ؟ أليس حلاواته مرارات ؟ أليس هو الذي يجمع على دعوة، ويفرّق عن عربدة ؟ أليس هو الذي يحمل على بِطنة ونهمة تكون غائلتها نغصة بتخمة ؟ أليس هو الذي يحمل على إغفاءة تكون غائلتها البيات ؟ كم حلا لك أوّلُه ، وأمرّ عيشَك أخِرُه ؟
    تعال إلى فعل الحق فيك; إن أمرّك، حلاّك، وإن منعك; فعن دائك حماك، وإن ناولك، شفاك، وإن أظمأك، سقاك، وإن دعوته بعد التشرد عليه، لبّاك . وربما قبل أن تدعوه بادأك: يا عبد هواه ! اعبدني، أستعبد لك الهوى. يا أسير الشهوة ! فكّ نفسك بالحمية. يا أسير الجهل ! افكك علمك باليقظة. يا أسير العمل بالربا ! افكك عملك بالإخلاص. يا أسير الطمع ! فكّ رجاءك بالمعرفة بمقادير الخلق. لا تعبد بطمعك جهات الرزق، ولكن اعبد الموجّه. أنا، واللهِ، المُوجّه، وهم الجهات . أنا المحرّك للقلوب المعطية، وهم أدوات. إنْ أردتَ أن تشكرهم دوني، فاشكر السحاب والمطر والزرع والشجر، فإن الجميع منّي، والكل خلقي، ولهم عندي شكر التكليف. يا سبحان الله، ما أعجب أمرك ! تُعافى بشربة أو بمفصدة، تشكر الدواء وتبجّله، وتمدح المِبْضَع وتعظّمه. تُرى ما لي في فعل المبضع وخاصية الدواء فعل ولا صُنع أستحق به بعض الشكر ؟ هذا شرك عسى غذا يصير توحيداً. أنت لا تجعل لي قسماً من الشكر.
    فليتك كنتَ طبائعيا خالصاً فتعرف بالطبيعة. فإن أفلحتَ ونجوتََ من ذا، وقعتَ في بحر النجوم. فلا تعقد ولا تحلّ إلا بالمنجّم. حتى صار دأبك: (مُطرنا بالسرطان)، و(وُفّقت أموري بزُحل )، و(المريخ ما يدع لي السنة عيشاً صافياً، ولا أَمْراً ساكناً، قد أوقع بيني وبين الناس الفتن)، أو تقول : (السنة معيشتي جيدة وعيشي طيّب، لأن طالعي الزُّهرة، وفي بيت مالي المشتري ).
    تُرى ما تقول عَبَدة النجوم ؟ حدثني بماذا يمتازون عنك، وبماذا تخرج من الشرك ؟ أين الإثبات منك، فضلا عن التوحيد ؟
    تعالََ اسمع مني تخليع إيمان ، وانصف في استماعك. تضيف الضرر الواقع بك الى النجوم والأنواء، والمنافع الواصلة إليك إلى الطبيب والدواء . فإذا وقع منك المكروه، وتركتََ المفروض، تلهّيت بنفسك في إضافته إلى قدر ربّ السماء، كأنك ما خصّصته إلا بما عنه نهاك، حتى جعلته في الإثبات لإقامة عذرك في جفاك، وعذرك هذا لما أفلحتََ وأثبتّ، فإن لحقك من غيرك جفاء، أو نالك منه أذى، حنقتََ عليه حنق من ليس وراء فعله قدر ولا قضاء. تُرى هذه الأقدار التي أثبتّها، وهذه القضايا التي اعتقدتَها، لا تحتكّ إلا فيك ؟ أمَا هي على غيرك جارية ؟ فإذا قامت لك الأعذار بها، هلاّ أقمتها لغيرك في الإساءة عذرا ؟
    ما يخلو في هذا من أمرين: إما أن تكون ساخراً بدينك، أو مسخوراً بك، وإلا فمحال أن تكون تعتقد أنّ القدر مؤثّر فيك شرا دون غيرك، فلو أيقنتََ بالقدر حسبما ذكرتَ لعذرتَ غيرك في إساءته إليك، كما به عن نفسك اعتذرت.
    ما أكشف حال زندقتك للمنتقد عليك ! تضيف المنافع والمضار الى الكواكب والطباع، والأرزاق والإساءات الى المُعطين والمسبّبين، كل ذلك لتخرج الباري عن الصنع، وتجيء الى ما بقي من خطاب الشرع، من أداء فرض أو ترك ذنب، فتحيل بترك الواجب عليك، وفعل المحظور عليك، إلى قدر الله. ما ذكرتَ الله إلا هنا، لتردّ الأمر حيث جاء .
    أمّا أنا، فلا أعرف إيمانك من كفرك، تارة تضيف الفقر والبلاء الى نزول الذنب في بيت المال، وتارة تشقّق عتباً على الإله الذي لا يخطر منك في حال غنائك وسكونك ببال. فما يتخلص لي كفرك من إيمانك، ولا توحيدك من شركك، ولا نفيك من إثباتك.
    هذا، وأما أعمالك فعنوان الجحود والإنكار، ولا أرى عليك عنوانا للإثبات والإقرار. ينخرق من ثوبك مكان عقدة، أو تنجذب فيه هدبة، لا تسكن عن الحركة بالبدن والمال، حتى تدفع الى الرقّاء أوفى الأجور والأعواض ، ليعود الى ما كان. وهذا فرضك يختل بأنواع الخلل، لا تتحرك في سدّ خلله، ولا تلافي علله، لا بسجود سهو ولا تكفير حنث، ولا إقامة حدّ، ولا توبة عن ذنب، ولا ندم على فارط جرم.
    واللهِ ما للإيمان فيك علامة، سوى كلمة تعوّدتها من الصغر، لا ثقل فيها على النفس ولا مؤونة، وهي كلمة قد عصمت الدم وحرست المال، وقد عرفت ما في تركها من الوبال.
    وإلا فانصف وعيّن لي عملاً من أعمالك تتوسل بها إلى الباري عند ضرورتك واختلال أحوالك، عيّن لي عملاً يصلح أن يكون مقطع الأجل ورأس الرزمة في العمل، وانتقده نقداً يصلح لرؤية الحق، بلا تفريط فيه ولا خلل. فإن رأيتَ ذلك ووجدتََ، وإلا فابكِ على نفسك من إفلاسك من معنى تسمّيتَ به عمرَك ودهرك لمّا تحقْقت الحقيقة، ما أنسبك منه صحّة تصلح لمطالعة الخليقة ...
    (كتاب الفنون)



    فِي الْقَنَاعَةِ:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
    لَوْ عَلِمْت قَدْرَ الرَّاحَةِ فِي الْقَنَاعَةِ وَالْعِزِّ الَّذِي فِي مَدَارِجِهَا عَلِمْت أَنَّهَا الْعِيشَةُ الطَّيِّبَةُ، لِأَنَّ الْقَنُوعَ قَدْ كُفِيَ تَكَلُّبَ طِبَاعِهِ. وَالطَّبْعُ كَالصِّبْيَانِ الرُّعَّنِ، وَمَنْ بُلِيَ بِذَلِكَ أَذْهَبَ وَقْتَهُ فِي أَخَسِّ الْمَطَالِبِ وَفَاتَتْهُ الْفَضَائِلُ، فَأَصْبَحَ كَمُرَبِّي طِفْلٍ يَتَصَابَى لَهُ وَيَجْتَهِدُ فِي تَسْكِينِ طِبَاعِهِ، تَارَةً بِلُعْبَةٍ تُلْهِيهِ وَتَارَةً بِشَهْوَةٍ ، وَتَارَةً بِكَلَامِ الْأَطْفَالِ.
    وَمَنْ كَانَ دَأْبهُ التَّصَابِي مَتَى يَذُوقُ طَعْمَ الرَّاحَةِ ، وَمَنْ كَانَ فِي طَبْعِهِ كَذَا فَمَتَى يَسْتَعْمِلُ عَقْلَهُ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).



    شذرة :


    ما أحثَّ السائق، لو فطِن الخلائق!
    (كتاب الفنون)

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي



    كُنْ بِاَللَّهِ كَالْيَتِيمِ، مَعَ الْوَلِيِّ الْحَمِيمِ:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابن عقيل ~بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى}~:
    وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَبِّهُك عَلَى الِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِك وَسِرِّك وَمَالِك ، بِالِاحْتِيَاطِ لِمَالِ غَيْرِك ، لَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْك ذَلِكَ التَّحَرُّزَ وَالتَّحَفُّظَ وَالِارْتِيَادَ وَالْمُبَالَغَة َ فِي الِانْتِقَادِ لِكُلِّ مَحَلٍّ تُودِعُهُ سِرًّا أَوْ مَالًا أَوْ تَرْجِعُ إلَيْهِ ، أَوْ مَشُورَةٍ تَقْتَبِسُ بِهَا رَأْيًا ، وَنَبَّهَك عَلَى مَا هُوَ أَوْكَدُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ تَعْلَمَ بِأَنَّك وَإِنْ بَلَغْت الْغَايَةَ مِنْ الْفَهْمِ وَالْعَقْلِ وَالتَّجْرِبَةِ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ تَقْصِيرَك عَنْ تَدْبِيرِ نَفْسِك ، فَإِذَا بَالَغَتْ فِي الدُّعَاءِ الْمَحْبُوبِ نَفْسَك جَازَ لَهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُعْطِيَك بِحَسَبِ مَا طَلَبْت ، وَلَا يُرْخِي لِذَلِكَ الْعِنَانَ بِحُكْمِ مَا لَهُ أَرَدْت ، بَلْ يَحْبِسُ عَنْك لِصَلَاحِك ، وَيُضَيِّقُ عَلَيْك مَا وَسَّعَهُ عَلَى غَيْرِك نَظَرًا لَك ؛ لِأَنَّهُ فِي حِجْرِ الرُّبُوبِيَّةِ مَا دُمْت عَبْدًا .
    فَإِذَا أَخْرَجَك عَنْ رِبْقَةِ التَّكْلِيفِ سَرَّحَك تَسْرِيحًا ، وَلَا تَطْلُبْ التَّخْلِيَةَ حَالَ حَبْسِك ، وَلَا التَّصَرُّفَ بِحَسْبِ مُرَادِك حَالَ حَجْرِك فَلَسْت رَشِيدًا فِي مَصَالِحِك ، فَكُنْ بِاَللَّهِ كَالْيَتِيمِ ، مَعَ الْوَلِيِّ الْحَمِيمِ ، تَسْتَرِحْ مِنْ كَدِّ التَّسَخُّطِ، وَتَنْجُو مِنْ مَأْثَمِ الِاعْتِرَاضِ وَالتَّحَيُّرِ ، وَلَيْسَ يُمْكِنُك هَذَا إلَّا بِشِدَّةِ بَحْثٍ وَنَظَرٍ فِي حُبِّك وَقَدْرِك .
    فَإِذَا عَلِمْت أَنَّك بِالْإِضَافَةِ إلَى الْحِكْمَةِ الرَّبَّانِيَّة ِ وَالتَّدْبِيرِ الْإِلَهِيِّ دُونَ الْيَتِيمِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْوَلِيِّ بِكَثِيرٍ ، صَحَّ لَك التَّفْوِيضُ وَالتَّسْلِيمُ ، وَاسْتَرَحْت مِنْ كَدِّ الِاعْتِرَاضِ وَمَرَارَةِ التَّسَخُّطِ وَالتَّدْبِيرِ .
    وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: { وَكَفَى بِرَبِّك وَكِيلًا } .
    وَاعْلَمْ أَنَّهُ فِي أَسْرِ الْأَقْدَارِ تُصْرَفُ فَإِنْ اعْتَرَضْت صِرْت فِي أَسْرِ الشَّيْطَانِ، فَلَأَنْ تَكُونَ فِي أَسْرِ مَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْك خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي أَسْرَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا مَحِيصَ لَك عَنْهُ ، وَالْآخَرُ أَنْتَ أَوْقَعْت نَفْسَك فِيهِ .
    وَلَا أَقْبَحَ مِنْ عَاقِلٍ حَمَاهُ اللَّهُ وَحَجَرَ عَلَيْهِ حَمِيمُهُ نَظَرًا لَهُ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ عَدُوًّا بِقُبْحِ آثَارِ وَلِيِّهِ عَنْدَهُ ، وَيُسْخِطُهُ عَلَيْهِ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ مَعَ الْوَلِيِّ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).



    استحباب الإغضاء عن هفوات من كثرت حسناته:


    قد ورد في الأحاديث ما يدل على استحباب الإغفال والإغضاء عن هفوات من كثرت حسناته ومحاسنه. فقال (صلى الله عليه وسلم ): ( إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا )، ثم علل فقال: ( لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه).
    تقدير هذا الكلام: حسناتهم ومتقدمات أفعالهم وطاعاتهم تمنع أمثالكم أن يتكلم فيهم. وكذلك قوله: إن فلاناً من أهل بدر، وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: (إعملوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم). وقوله: تجاوزوا عن ذنب السخيّ، فإن الله آخذٌ بيده كلّما عثر. ورُوي في بعض الأخبار أن الله سبحانه أوحى إلى نبيّ من أنبياء بني إسرائيل: قل لأمّتك تجنّبوا ذنوب الملوك، فإن للملوك أعمالا لا يقدر عليها غيرهم. يعني ~والله أعلم: أن طاعاتهم كثيرة، كالمصالح الكلية، فتغطّي إساءاتهم الجزئية.
    (كتاب الفنون)



    وُجُوبُ التَّأَدُّبَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    مَا أَخْوَفَنِي أَنْ أُسَاكِنَ مَعْصِيَةً فَتَكُونَ سَبَبًا فِي سُقُوطِ عَمَلِي وَسُقُوطِ مَنْزِلَةٍ إنْ كَانَتْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَمَا سَمِعْتُ قَوْله تَعَالَى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ التَّسَبُّبِ وَسُوءِ الْأَدَبِ عَلَى الشَّرِيعَةِ مَا يُحْبِطُ الْأَعْمَالَ، وَلَا يَشْعُرُ الْعَامِلُ إلَّا أَنَّهُ عِصْيَانٌ يَنْتَهِي إلَى رُتْبَةِ الْإِحْبَاطِ، هَذَا يَتْرُكُ الْفَطِنَ خَائِفًا وَجِلًا مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَآثِمِ ثُمَّ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ تَحْتَهَا مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا يُشَاكِلُ هَذِهِ ..
    أَلَيْسَ بَيْنَنَا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ كَلَامُهُ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَزَمَّلُ وَيَتَدَثَّرُ لِنُزُولِهِ، وَالْجِنُّ تُنْصِتُ لِاسْتِمَاعِهِ؟ وَأَمَرَ بِالتَّأَدُّبِ بِقَوْلِهِ: { فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا }.
    فَعَمَّ كُلَّ قَارِئٍ، وَهَذَا مَوْجُودٌ بَيْنَنَا. فَلَمَّا أُمِرْنَا بِالْإِنْصَاتِ إلَى كَلَامٍ مَخْلُوقٍ كَانَ أَمْرُ النَّاسِ بِالْإِنْصَاتِ إلَى كَلَامِهِ أَوْلَى .
    وَالْقَارِئُ يَقْرَأُ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ، وَرُبَّمَا أَصْغَيْتُمْ إلَى النَّغْمَةِ اسْتِثَارَةً لِلْهَوَى ، فَاَللَّهَ اللَّهَ لَا تَنْسَ الْأَدَبَ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْكَ فِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ ، مَا أَخْوَفَنِي أَنْ يَكُونَ الْمُصْحَفُ فِي بَيْتِكَ وَأَنْتَ مُرْتَكِبٌ لِنَوَاهِي الْحَقِّ سُبْحَانَهُ فِيهِ فَتَدْخُلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: { فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } .
    فَهِجْرَانُ الْأَوَائِلِ كَلَامَ الْحَقِّ يُوجِبُ عَلَيْكَ مَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبْعَادِ وَالْمَقْتِ، فَقَدْ نَبَّهَكَ عَلَى التَّأَدُّبِ لَهُ مِنْ أَدَبِكَ لِلْوَالِدَيْنِ ، وَالتَّأَدُّبُ لِلْأَبَوَيْنِ يُوجِبُ التَّأَدُّبَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ لِأَنَّهُ الْمُبْتَدِئُ بِالنِّعَمِ ، فَاَللَّهَ اللَّهَ فِي إهْمَالِ مَا وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ الْأَدَبِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، وَالْإِنْصَاتُ لِلْفَهْمِ وَالنَّهْضَةُ لِلْعَمَلِ بِالْحُكْمِ إيفَاءٌ لِلْحُقُوقِ إذَا وَجَبَتْ ، وَصَبْرًا عَلَى أَثْقَالِ التَّكَالِيفِ إذَا حَضَرَتْ ، وَتَلَقِّيًا بِالتَّسْلِيمِ لِلْمَصَائِبِ إذَا نَزَلَتْ ، وَحِشْمَةً لِلْحَقِّ سُبْحَانَهُ فِي كُلِّ أَخْذٍ وَتَرْكٍ حَيْثُ نَبَّهَكَ عَلَى سَبَبِ الْحِشْمَةِ فَقَالَ : { وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } { أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).



    سبعة أشياء محتاجة إلى سبعة:


    قال الحكيم :
    سبعة أشياء محتاجة إلى سبعة: المنظر محتاج إلى القبول. والحسب محتاج إلى الأدب. والسرور محتاج إلى الأمن. والقرابة محتاجة إلى المودة. والمعرفة محتاجة إلى التجربة. والشرف محتاج إلى التواضع. والنجدة محتاجة إلى الجِدّ.
    (كتاب الفنون)



    في الدّنيا:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابن عقيل:
    مَا قَطَعَ عَنْ اللَّهِ وَحَمَلَ النَّفْسَ عَلَى مَحَارِمِ اللَّهِ، فَهُوَ الدُّنْيَا الْمَذْمُومَةُ وَإِنْ كَانَ إمْلَاقًا وَفَقْرًا، وَمَا أَوْصَلَ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَذَاكَ لَيْسَ بِالدُّنْيَا الْمَذْمُومَةِ وَإِنْ كَانَ إكْثَارًا.
    .. وَالْوَاجِبُ شُكْرُهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ نِعْمَةُ اللَّهِ وَطَرِيقٌ إلَى الْآخِرَةِ وَذَرِيعَةٌ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ. وَكُلُّ خَيْرٍ يَعُودُ بِالْإِفْرَاطِ فِيهِ شَرٌّ، كَالسَّخَاءِ يَعُودُ إسْرَافًا ، وَالتَّوَاضُعُ يَعُودُ ذُلًّا ، وَالشَّجَاعَةُ تَعُودُ تَهَوُّرًا .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    شذرة:


    قال حنبلي في المعنى:
    ما أمرّ منع البصر عن تلمّح الخبر من دلائل العبر! وما أشد عذاب الحصر على أرباب التفسّح والتلمح ! هذا مما لا يجد كربه إلا أرباب الوجد عند الفقد.
    (كتاب الفنون)


  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي


    فائدة:


    قيل لعتّاب بن الحصين: في أي عدة تحب أن تلقى عدوك فيها، رمح، أو سيف، أو قوس وسهام ؟
    قال: في أجل متأخر.
    قال حنبلي له اطلاع: هذا من أحسن العدد المختارة.
    (كتاب الفنون)



    عَمَّا يَعْتَرِي الْمُتَصَوِّفَة ُ عِنْدَ سَمَاعِ الْوَعْظِ وَالْغِنَاءِ هَلْ هُوَ مَمْدُوحٌ أَوْ مَذْمُومٌ؟


    قال ابن مفلح: قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    لَا يَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهَا مُجِيبٌ حَتَّى يُبَيِّنَ تَحْقِيقَ السُّؤَالِ ، فَإِنَّ الصَّعْقَ دَخِيلٌ عَلَى الْقَلْبِ وَغَمًّا لَا عَزْمًا غَيْرُ مُكْتَسَبٍ وَلَا مُجْتَلَبٍ ، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ حُكْمِ الشَّرْعِ بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ وَلَا إبَاحَةٍ.
    وَأَمَّا الَّذِي يَتَحَقَّقُ مِنْ سُؤَالِكِ أَنْ نَقُولَ : هَذَا التَّصَدِّي لِلسَّمَاعِ الْمُزْعِجِ لِلْقُلُوبِ الْمُهَيِّجِ لَلطِّبَاعِ الْمُوجِبِ لِلصَّعْقِ جَائِزٌ أَوْ مَحْظُورٌ ؟ وَهُوَ كَسُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ الْعَطْسَةِ هَلْ هِيَ مُبَاحَةٌ أَوْ مَحْظُورَةٌ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا يُجَابُ عَنْهَا جُمْلَةً وَلَا جَوَابًا مُطْلَقًا ، بَلْ فِيهَا تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ:
    إنْ عَلِمَ هَذَا الْمُصْغِي إلَى إنْشَادِ الْأَشْعَارِ أَنَّهُ يَزُولُ عَقْلُهُ وَيَعْزُبُ رَأْيُهُ بِحَيْثُ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ مِنْ إفْسَادٍ أَوْ جِنَايَةٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ وَهُوَ كَالْمُتَعَمِّد ِ لِشُرْبِ النَّبِيذِ الَّذِي يُزِيلَ عَقْلَهُ.
    وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ فَإِنَّهُ تَارَةً يُصْعَقُ وَتَارَةً لَا ، فَهَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُكْرَهُ ، وَيَتَوَجَّهُ كَرَاهَتُهُ، بِخِلَافِ النَّوْمِ فَإِنَّهُ وَإِنْ غَطَّى عَلَى الْعَقْلِ فَإِنَّهُ لَا يُوَرِّثُ اضْطِرَابًا تَفْسُدُ بِهِ الْأَمْوَالُ ، بَلْ يُغَطَّى عَقْلُ النَّائِمِ ثُمَّ يَحْصُلُ مَعَهُ الرَّاحَةُ .
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    في الحديث المسند:


    آفة الحديث الكذب. وآفة العلم النسيان. وآفة الحلم السفه. وآفة العبادة الفترة. وآفة الشجاعة البغي. وآفة السماحة المن. وآفة الجمال الخيلاء. وآفة الحسب الفخر. وآفة الطرف الصلف. وآفة الجود السرف. وآفة الدين الهوى.
    (كتاب الفنون)



    في إنكار ما يُعمل في المساجد والمقابر:


    قال ابن مفلح: قال ابن عقيل فِي الْفُنُونِ:
    أَنَا أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جُمُوعِ أَهْلِ وَقْتِنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ لَيَالِي يُسَمُّونَهَا إحْيَاءً ، لَعَمْرِي إنَّمَا لِإِحْيَاءِ أَهْوَائِهِمْ وَإِيقَاظِ شَهَوَاتِهِمْ جُمُوعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، مَخَارِجُ الْأَمْوَالِ فِيهَا أَفْسَدُ الْمَقَاصِدِ ، وَهُوَ الرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ وَمَا فِي خِلَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اللِّعْبِ وَالْكَذِبِ وَالْغَفْلَةِ ، مَا كَانَ أَحْوَجَ الْجَوَامِعِ أَنْ تَكُونَ مُظْلِمَةً مِنْ سَرْجِهِمْ مُنَزَّهَةً عَنْ مَعَاصِيهِمْ وَفِسْقِهِمْ ، مُرْدَانٌ وَنِسْوَةٌ وَفِسْقُ.
    الرَّجُلِ عِنْدِي مَنْ وَزَنَ فِي نَفْسِهِ ثَمَنَ الشَّمْعَةِ فَأَخْرَجَ بِهَا دُهْنًا وَحَطَبًا إلَى بُيُوتِ الْفُقَرَاءِ وَوَقَفَ فِي زَاوِيَةِ بَيْتِهِ بَعْدَ إرْضَاءِ عَائِلَتِهِ بِالْحُقُوقِ فَكُتِبَ فِي الْمُتَهَجِّدِي نَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِحُزْنٍ ، وَدَعَا لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَكَّرَ إلَى مَعَاشِهِ لَا إلَى الْمَقَابِرِ. فَتَرْكُ الْمَقَابِرِ فِي ذَلِكَ عِبَادَةٌ.
    يَا هَذَا اُنْظُرْ إلَى خُرُوجِكَ إلَى الْمَقَابِرِ كَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وَصَفْتُ لَهُ قَالَ : "تُذَكِّركُمْ الْآخِرَةَ " مَا أَشْغَلَكَ بِتَلَمُّحِ الْوُجُوهِ النَّاضِرَةِ فِي تِلْكَ الْجُمُوعِ لِزَرْعِ اللَّذَّةِ فِي قَلْبِكَ ، وَالشَّهْوَةِ فِي نَفْسِكَ عَنْ مُطَالَعَةِ الْعِظَامِ النَّاخِرَةِ ، تَسْتَدْعِي بِهَا ذِكْرَ الْآخِرَةِ ؟ كَلًّا مَا خَرَجْت إلَّا مُتَنَزِّهًا ، وَلَا عُدْت إلَّا مُتَأَثِّمًا ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَكَ بَيْنَ الْقُبُورِ وَالْبَسَاتِينِ مَعَ الْفَرْحَةِ ، إلَّا أَقَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْمَعَاصِي بَيْنَ الْجُدْرَانِ ، فَأمَّا أَنْ تَجْعَلَ الْمَقَابِرَ وَالْمَشَاهِدَ عِلَّةً فِي الِاشْتِهَارِ فَلا. فَعَلَى مَنْ فَطِنَ لِقَوْلِهِ فِي رَجَبٍ وَأَمْثَالِهِ: { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.
    عَزَّ عَلَيَّ بِقَوْمٍ فَاتَتْهُمْ أَيَّامُ الْمَوَاسِمِ الَّتِي يَحْظَى فِيهَا قَوْمٌ بِأَنْوَاعِ الْأَرْبَاحِ ، وَلَيْتَهُمْ خَرَجُوا مِنْهَا بِالْبَطَالَةِ رَأْسًا بِرَأْسٍ، مَا قَنَعُوا حَتَّى جَعَلُوهَا مِنْ السَّنَةِ إلَى السَّنَةِ خَلْسًا لِاسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ، وَاسْتِسْلَامِ الشَّهَوَاتِ وَالْمَحْظُورَا تِ، مَا بَالُ الْوُجُوهِ الْمَصُونَةِ فِي جُمَادَى هُتِكَتْ فِي رَجَبٍ بِحُجَّةِ الزِّيَارَاتِ ؟ {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} ؟ { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}.
    تُرَى بِمَاذَا تُحَدِّثُ عَنْك سَوَارِي الْمَسْجِدِ فِي الظُّلَمِ وَأَفْنِيَةُ الْقُبُورِ وَالْقِبَابِ، بِالْبُكَاءِ مِنْ خَوْفِ الْوَعِيدِ، وَالتَّذَكُّرِ لِلْآخِرَةِ؟ بِنَظَر الْعِبْرَةَ، إذَا تَحَدَّثَتْ عَنْ أَقْوَامٍ خَتَمُوا فِي بُيُوتِهِمْ الْخَتَمَاتِ وَصَانُوا الْأَهْلَ ، اتِّبَاعًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ انْسَلَّ مِنْ فِرَاشِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إلَى الْمَسْجِدِ لَا شُمُوعَ وَلَا جُمُوعَ.
    طُوبَى لِمَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ فَانْزَوَى إلَى زَاوِيَةِ بَيْتِهِ ، وَانْتَصَبَ لِقِرَاءَةِ جُزْءٍ فِي رَكْعَتَيْنِ بِتَدَبُّرٍ وَتَفَكُّرٍ ، فَيَالَهَا مِنْ لَحْظَةٍ مَا أَصْفَاهَا مِنْ أَكْدَارِ الْمُخَالَطَاتِ ، وَأَقْذَارِ الرِّيَاءِ. غَدًا يَرَى أَهْلُ الْجُمُوعِ أَنَّ الْمَسَاجِدَ تَلْعَنُهُمْ وَالْمَقَابِرَ تَسْتَغِيثُ مِنْهُمْ.
    يُبَكِّرُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ أَنَا صَائِمٌ ، متى أَفْلَحَ عُرْسُكَ حَتَّى يَكُونَ لَه صِحّة؟ قُلْ لِي ~يَا مَنْ أَحْيَا فِي الْجَامِعِ~ بِأَيِّ قَلْبٍ رُحْتَ ؟
    مَاتَ وَاَللَّهِ قَلْبُكَ ، وَعَابتْ نَفْسُكَ، مَا أَخْوَفَنِي عَلَى مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي أَنْ يَخَافَ فِي مَوْطِنِ الْأَمْنِ وَيَظْمَأَ فِي مَقَامَاتِ الرَّيِّ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).



    تجيء الطاعات معاصي :


    قال بعض أهل العلم: تجيء الطاعات معاصي.
    يعني: الرياء فيها حين العمل والإعجاب بعد عملها.
    (كتاب الفنون)









    تشابه في سبعة علماء!


    قال ابن مفلح: فِي فُنُونِ ابْنِ عَقِيلٍ:
    وَجَدْت فِي تَعَالِيقِ مُحَقِّقٍ أَنَّ سَبْعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَهُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، فَعَجِبْت مِنْ قُصُورِ أَعْمَارِهِمْ مَعَ بُلُوغِهِمْ الْغَايَةَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ.
    فَمِنْهُمْ الْإِسْكَنْدَرُ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَقَدْ مَلَكَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيّ ُ صَاحِبُ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّة ِ ، وَابْنُ الْمُقَفَّعِ صَاحِبُ الْخَطَابَةِ وَالْفَصَاحَةِ ، وَسِيبَوَيْهِ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَأَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ فِي عِلْمِ الشِّعْرِ ، وَإِبْرَاهِيمُ النّظامُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ ، وَابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ فِي الْمَخَازِي ، وَلَهُ كِتَابُ الدَّامِغِ مِمَّا غُرَّ بِهِ أَهْلُ الْخَلَاعَةِ ، وَلَهُ الْجَدَلُ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    بشر الحافي:


    قيل لبشر الحافي: لم لا تلبس النعل ؟
    قال: أستحيي أن أمشي على بساطه بالنعل .
    أخذه من قوله : (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً ) .
    (كتاب الفنون)




  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    Post



    في الرَدّ عَلَى ما يفعلُهُ بَعْض الْمُتَصَوِّفَة مِنَ الْوَجْدِ وَتَخْرِيقِ الثِّيَابِ وَالصَّعْقِ عندَ سَمَاعِ الوَعْظ:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
    هَذِهِ فِتَنٌ وَمِحَنٌ دَخَلَتْ عَلَى الْعُقُولِ مِنْ غَلَبَةِ الطِّبَاعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَهَلْ يَحْكُم عَلَى الْعُقُولِ حَقٌّ قَطُّ؟ وَهَلْ رَأَيْتُمْ فِي السَّلَفِ أَوْ سَمِعْتُمْ رَجُلًا زَعَقَ أَوْ خَرَقَ؟ بَلْ سَمَاعُ صَوْتٍ وَفَهْمٌ وَاسْتِجَابَةٌ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ التَّخَبُّطَ لَيْسَ مِنْ قَانُونِ الشَّرْعِ، لَكِنْ أَمْرٌ بِخَفْضِ الصَّوْتِ وَغَضِّهِ، وَأَمَّا التَّوَاجُدُ وَالْحَرَكَةُ وَالتَّخْرِيقُ فَالْأَشْبَهُ بِدَاعِيَةِ الْحَقِّ الْخَمُودِ.
    ثَكِلْتُ نَفْسِي حِينَ أَسْمَعُ الْقُرْآنَ وَلَا أَخْشَعُ، وَأَسْمَعُ كَلَامَ الطُّرُقِيِّينَ فَيَظْهَرُ مِنِّي الِانْزِعَاجُ، هَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الطِّبَاعَ تُوَرِّثُ مَا تُورَثُ مِنْ التَّغْيِيرَاتِ ، وَإِنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ صَدَرَ عَنْ طَبْعٍ فَأَهَاجَ طَبْعًا. وَلِلْحَقِّ ثِقَلٌ، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ تَحَرُّكُ الطِّبَاعِ بِالْأَسْجَاعِ وَالْأَلْحَانِ فَإِنَّمَا هُوَ كَعَمَلِ الْأَوْتَارِ وَالْأَصْوَاتِ، وَهَلْ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْ سُكْرِ الْعَقَارِ إلَّا لِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْفَسَادِ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    (كفى بالمرء فتنة أن يُشار اليه بالأصابع):


    قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ( كفى بالمرء فتنة أن يُشار اليه بالأصابع ).
    قيل: ما الفتنة في ذلك ؟
    قلتُ - وبالله التوفيق - إشارة الى المثال:
    الإشارة الى الإنسان بالزهادة تفتنه بالرغبة في الاسم، وتخرجه عن قانون الزهد، وتسلخه عن حقيقته. فإنه يزهو بذلك زهو المتوجِّد. وذلك قاتل للإنسان من طريق الأنفة من الخلق ورؤية النفس، ذلك سبب لكل بلاء، وطريق الى كل محنة، متى تخربق الانسان به قلّ أن يخرج من رأسه.
    ترى الواحد من المشار إليهم إذا قيل له: ( هذا فلان مريض نعوده ) أو (مات، نصلي على جنازته ) -وقد جاء في العيادة من السنن ما قد جاء، وفي صلاة الجنازة قيراط من الأجر - استراح في التقاعد عن أسباب الثواب بقوله: (عادتي )، وبقول أتباعه ( عادة الشيخ ذاك).
    يا سبحان الله ! ما أقبح عادة خرجت بصاحبها عن سمت السُّنّة ! وهل جاءت الشريعة إلا بدحض العوائد لتحصل الفوائد ؟
    وإن عرضت مشكلة من الحوادث الفقهية فسُئل عنها، أنف أن يقول (لا أعلم)، بل قال: ( يقع لي كذا و كذا). وهل الشريعة بالواقع؟
    هيهات، ما كان أحوج هذا المسكين الى نفس طائعة خاضعة منقادة لطاعة الله كيف جاءت، وسائلة عن أحكام الله عند من كانت، حتى يعلم أنّ بالعزلة والانقطاع قد تقع. فأما إذا كان ذلك يورث كبراً وأنفة من فوائد الشرع ومقامات الطلب لها، فما أخبث هذه من طريقة ! إنما الطريقة للرجال هي رياضة النفوس ودعكها للاستجابة لأوامر الله، والصبر على عباد الله، وإعطاء الحق من النفس لكل واحد من هؤلاء المساكين ...
    فأين من يرث النبوة بالحمل لأعباء الأمّة وأثقال الخلق وينهض بحقوق الحق ؟
    أين من يدعو إلى الله ولا يدعو الى نفسه قاطعاً للخلق عن الله ؟
    أين من لم يمنعه إكرام الخلق له ورؤيتهم إياه بعين الكمال رأي النقص في نفسه أن يتعلم ممن هو منه أعلم، ويتبع من هو بقانون الأدب أقوم .. وإن انحط في عيون المتعصبين طلباً للكمال بحقائق العلم، وإن نقص في عيون الخلق الظانّين فيه التمام ؟
    أين من خاف النقص في الفضل حسبما يخاف غيره النقص في الفرض ؟
    نعوذ بالله من شخص يقنع بسوق الوقت، وما يصلح لأهل زمانه، دون ما يتهيأ له من الفضل!
    (كتاب الفنون)


    عن الشعبي:


    عن الشعبي في قوله تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) قال: بيان من العمى، وهدى من الضلالة، وموعظة من الجهل.
    (كتاب الفنون)

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    لَا يَنْبَغِي الْخُرُوجُ مِنْ عَادَاتِ النَّاسِ إلَّا فِي الْحَرَامِ:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    لَا يَنْبَغِي الْخُرُوجُ مِنْ عَادَاتِ النَّاسِ إلَّا فِي الْحَرَامِ; فَإِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الْكَعْبَةَ، وَقَالَ: { لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ الْجَاهِلِيَّةَ }.
    وَقَالَ عُمَرُ لَوْلَا أَنْ يُقَالَ عُمَرُ زَادَ فِي الْقُرْآنِ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ.
    وَتَرَكَ أَحْمَدُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ لِإِنْكَارِ النَّاسِ لَهَا.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    من بركات مجاهدة النفس:


    لو لم يكن من بركات مجاهدة النفس في حقوق الله، والإنتهاء عن محارم الله، إلا أنه يعطف عليك فيسخّرها لك و يطوّعها لأمرك حتى تنقاد لك، و يُسقط عنك مؤونة النزاع لها والمجاهدة حتى تصير طوع يدك و أمرك، تَعاف المستطاب إذا كان عند الله خبيثا، وتؤثر العمل لله وإن كان عندها بالأمس كريهاً، وتستخفّه وإن كان عليها ثقيلاً، حتى تصير رقّاً بعد أن كانت تسترقّك. وكذا كل من حقق العبودية لسيّده استعبد له من كان يملكه، وألان له ما كان يعجزه. قال سبحانه : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، بعد إخباره (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ). فقد أبان عن أن له أقواما يوفيهم و يقيهم ما أحضرته النفوس. وقال: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ). وهو الذي قال: ( إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ).
    ما أبرك طاعة الله على المطيع ! قوم سخّر لهم الرياح و المياه والحيوانات ، وقوم أعاق عليهم الحوائج، وكسرها في صدورهم، وجعل كرامتهم مسامحة النفس بما أعاق. ورُبّما علت طبقة أقوام، فتلذّذوا بالقضايا والأحكام.
    (كتاب الفنون)


    كشف شبهة في العقيدة:


    قال بعض الخلَعاء يوماً معترِضاً بحضرة قوم خلعاء:
    قادر على نفعي، لِمَ يؤخره ولا يضره أن ينفعني ؟
    قلتُ - وبالله التوفيق -:
    إن كانت قدرته سبحانه متأتّية فحكمته مطلقة. فلمَ تعترض عليه وأنت مقيّد بالجهل بمصالحك ؟ ثم إن كانت المنافع لا تضرّه، فقد كانت مضرّة بك إذا عُجِّلت، ومصلحتك حالُك التي أنتَ عليها.
    وقد رأيت أحوال أقوام عُجّلت لهم منافعهم كيف تسلّطوا و انبسطوا.
    (كتاب الفنون)


    شذرة:


    أحسن الوجوه ما تأخذه النفس، ويقبله القلب، وترتاح له الروح.
    (كتاب الفنون)

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    في ذم من خرج عن الشريعة من أهل الكلام والتصوف:


    قال الشيخ ابن تيمية:
    لابن عقيل من الكلام في ذم من خرج عن الشريعة من أهل الكلام والتصوف ما هو معروف، كما قال في الفنون، ومن خطه نقلت، قال:


    فصل:
    المتكلمون وقفوا النظر في الشرع بأدلة العقول فتفلسفوا، واعتمد الصوفية المتوهمة على واقعهم فتكهنوا. لأن الفلاسفة اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم، والكهان اعتمدوا على ما يقلى إليهم من الاطلاع. وجميعاً خوارج على الشرائع.
    هذا يتجاسر أن يتكلم في المسائل التي فيها صريح نقل بما يخالف ذلك المنقول، بمقتضى ما يزعم أنه يجب في العقل. وهذا يقول: (قال لي قلبي عن ربي). فلا على هؤلاء أصبحت، ولا على هؤلاء أمسيت. لا كان مذهب جاء على طريق السفراء والرسل ..
    هل لعلم الصوفية عمل في إباحة دم أو فرجً، أوتحريم معاملة، أو فتوى معمول بها في عبادة أو معاقدة؟ أو للمتكلمين بحكم الكلام حاكم ينفذ حكمه في بلد أو رستاق؟ أو تُصيب للمتوهمة فتاوي وأحكام؟ إنما أهل الدولة الإسلامية والشريعة المحمدية المحدثون والفقهاء; هؤلاء يروون أحاديث الشرع، وينفون الكذب عن النقل، ويحمون النقل عن الاختلاف.
    وهؤلاء المُفتون ينفون عن الأخبار تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، هم الذي سماهم النبي صلى الله عليه وسلم: الحملة العدول، فقال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين.
    فالخارج ~وإن خفقت بنوده، وكثرت جموعه، وسمي بالملك~ يبعد أن يضرب له دينار أو درهم، أو يخطب له على منبر، أو تكون أموره إلا على المغالطة والمخالسة، بينا هو على حاله يتضعضع لكتاب الملك، ويخشى من أن يقابله بقتال، أو يصافه بحرب، لأن في نفس الخارجي بقية من انخساس الباطل، وللملك ~وإن قل جمعه~ صولة الحق، وكذلك البرخشتي مع الطبيب المقيم; هذا مختار يطلب من الأدوية ما يسكن الألم في الحال، ويضع على الأمراض الأدوية الجواد العاملة بسرعة، فيأخذ العطية والخلعة لسكون الألم وإزاله المرض، ويصبح على أرض أخرى، ومنزل بعيد، وطبه مجازفة، لأنه يأمن الموافقة والمعاينة.
    والأطباء المقيمون يلامون على تطويل العلاج، وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المتركبة دون الحادة من الأدوية، وإن عجلت سكون الألم، فإنها غير مأمونة الغوائل، ولا سليمة العواقب، لأن ما تعطى الأدوية الحادة من السكون إنما هو لغلبة المرض، وحيثما غلبت الأمراض أوهت قوى المحل الذي حلته الأمراض، فهو كما قيل: الدواء للبدن كالصابون للثوب ينقيه ويبليه، كذلك كلما احتد الصابون وجاد أخلق الثوب، فكذلك الفقهاء والمحدثون يقصرون عن إزالة الشبه.
    لأنهم عن نقل يتكلمون، وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ويقللون، فهم حال الأجوبة ينظرون في العاقبة، والمبتدعة والمتوهمة يتهجمون، كتهجم البرخشتي، فعلومهم فرح ساعة، ليس لعلومهم ثبات، فإن اشتبه على قوم ما دلسه الصوفيه عليهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن في أمتي محدثين ومكلمين، وهو ما يلقي من الفراسات والدرايات، كما نطق به عمر.
    قيل لهم: لو نطق عمر برأيه ولم يصدقه الوحي على لسان السفير، لما التفت إلى واقعته، ولا يبتنى الشرع على فراسته.
    ألاتراه لما مات السفير قال من هو أعلى طبقة منه: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ وقال في الكلالة ما قال.
    يقول الصديق هذا وأسلم اليوم لشيخ رباط يخلو بأمرد في سمعه، ويسمع الغناء من أمرد وحرة، ويأكل من الحرام شبعة، ويرقص كما تشمس الخيل، لا يسأل الفقهاء، ولا يبنى أمره على النقل، يقول بواقعة، ويقول أتباعه: الشيخ يسلم إليه طريقته، وأي طريقة مع الشرع؟ وهل أبقت الشريعة لقائل قولاً؟ وهل جاءت إلا بهدم العوايد ونقض الطرايق؟
    ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين; هؤلاء يفسدون العقول بتوهمات شبهات العقول، وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان، يحبون البطالات، والاجتماع على اللذات، وسماع الأصوات المشوشات للمعايش والطاعات، وأولئك يُجرِّئون الشباب والأحداث على البحث وكثرة السؤال والاعتراضات، وتتبع الشرع بالمناقضات.
    وما عرفنا للسلف الصالح أعمال هؤلاء الصوفية، بل كانت أحوالهم الجد لا الهزل، ولا أحوال المتكلمين: لا التكشف ولا البحث، بل كانوا عبيد تسليم وتحكيم في المعتقدات، وجد وتشهير في الأعمال والطاعات.
    فنصيحتي لإخواني من المؤمنين الموحدين أن لا يقرع أبكار قلوبهم كلام المتكلمين، ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين، بل الشغل بالمعايش أولى من بطالة المتصوفة، والوقوف مع الظواهر أولى من توغل المنتحلة للكلام.
    وقد خبرت طريقة الفريقين: غاية هؤلاء الشك، وغاية هؤلاء الشطح.
    ..
    أنا أنصح بحكم العلم والتجارب: إياك أن تتبع شيخاً يقتدي بنفسه، ولا يكون له إمام يعزى إليه ما يدعوك إليه، ويتصل ذلك بشيخ إلى شيخ إلى السفير صلى الله عليه وسلم، الله الله، الثقة بالأشخاص ضلال، والركون إلى الآراء ابتداع، اللين والانطباع في الطريقة مع السنة، أحب إلي من الخشونة والانقباض مع البدعة، الله لا يتقرب إليه بالامتناع مما لم يمنع منه، كما لا يتقرب إليه بأعمال لم يأمر بها.
    اصحاب الحديث رسل السفير: الفقهاء المترجمون لِما أراد السفير من معاني كتابه، ولا يتم اتباع إلا بمنقول، ولا يتم فهم المنقول إلا بترجمان، وما عداهما تكلف لا يفيد.
    وإلى هذين القسمين انقسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: نقلةً وفقهاء، ولا نعرف فيهم ثالثاً.
    .. يا أصحاب المخالطات والمعاملات، عليكم بالورع، يا أصحاب الزوايا والانقطاعات عليكم بحسم مواد الطمع، يا طراق المبتدئين إياكم واستحسان طرائق أهل التوهم والخدع. ليس السني عندي المحب لمعاوية ويزيد، ولا لأبي بكر وعمر، ولا الشيعة عندي من زار المشاهد، وأنشد المراثي والقصايد.
    السني عندي من تتبع آثار الرسول فعمل بها بحسب ما يفتيه الفقهاء، واحتذى الرسم، واتبع الأمر، وكف عن النهي وتنزه عن الشبه، ووقف عند الشك، وتفرغ من كل علم خالف النقل، وإن كانت له طلاوة في السمع، وقبول في القلب، ليس قلبك معياراً على الشرع.
    مالله طائفة أجل من قوم حدثوا عنه، وما أحدثوا وعولوا على ما رووا، ولا على ما رأوا، الصبر على الرواية مقام الصديقين.
    ..
    (درء التعارض لابن تيمية).


    عن قصة شعيب ولوط عليهما السلام :


    سأل سائل عن قصة شعيب ولوط كيف اقتصروا على الإنذار على فرعين وهما النهي عن الزنا واللواط، وترَكَا ذكر الكفر. وجعل الله الوعيد والتقبيح لهذين الفعلين، وأمسك ~أو يقول~ سكت عن ذكر الشرك. وهذا إن لم يدل على أن هاتين المعصيتين أكبر، فلا أقل من أن يكونا سواء. حيث أكبرَ أمْرَهما وقابلهما بالإستئصال والنكاية في الدنيا. وهذا يعطي مساومتهما والكفر في إيجاب الوعيد.
    فقال حنبلي: إن الأمر فيما يتعلق بالوعيد وإيقاع الإستئصال لا إلى نفس ارتكاب المعصيتين، لكن إلى الكفر. لأنهم كذّبوا بتحريم ذلك، وكذّبوا رسولهما فيما أخبرا به عن الله. ولو صدّقا الرسولين وارتكبا النهييْن لإفراط شهوة وغلبة طبع في محبة الزنا واللواط، ما عرفنا كيف يكون الحال. فقد بان بهذا أنّ الإستئصال كان بتكذيب الرسوليْن. وقد صرّح القرآن بذلك حيث قالوا: (أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)، (أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ). فأكبروا نهيه عن اتباع آبائهم في الشرك، ويكفي ذلك. ثم قالوا: (أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) من زيادة نعطيها لمن اقترضنا منه، أو نقصان نرضي به من أقرضناه. وهذان يدلان على استباحة ذلك واستحسانه، وتكذيب من جاء بتحريمه. وهذا ايضاح وإفصاح بما يوجب الكفر.
    (كتاب الفنون)



    قيل لصاحب معاوية: كيف حالك؟
    قال: كيف حال مَن صلاحه مِن فساد أمور الناس؟
    (كتاب الفنون)


    في العزبة:


    كرّه العلماء ترك النكاح في حق الصلحاء، خوفاً عليهم من الرهبانية المبتدعة. وكرّهوه في حق المتحرّمين المتبذّلين، خوفا عليهم من مواقعة الزنى، و طلباً لتحصينهم عنه. فلا خير في العزبة إذاً إلا لرجل لا شهوة له، يتخفّف بالعزبة كيلا يتموّن بحقوق لا قدرة له على الوفاء بها.
    (كتاب الفنون)

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    جَوَازِ الِاسْتِرَاحَةِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الشَّكْوَى:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا }; يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِرَاحَةِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الشَّكْوَى عِنْدَ إمْسَاس الْبَلْوَى. وَنَظِيرُهُ { يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ}، {مَسَّنِيَ الضُّرُّ}، {مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي}.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    ابن آدم والشيطان:


    قال قائل:
    مسكين ابن آدم ! الشيطان يأتيه بالإغواء من أربع جهاته، ومعه قرين من الجن لا يفارقه، وملكان عن يمينه و شماله يحفظان عليه أعماله، ومن داخلٍ الطبعُ والهوى ودواعيهما، وفي المخالطات مداراة هذا العالم في المعاملات مغابنة ومخاطرة، ومعاناة العيال في البيوت. فأي صُبابة تبقى له مع هذه المحن ؟
    أجابه حنبلي يدقّق في المعاني، فقال:
    إنّ من ترك لك جهتين; جهة فوقٍ للتلاجي; فإذا مسّتكَ هذه القوارص، وأحاطت بك هذه الدواهي، تلاجَيْت، وجهة الأرض التي إذا سجدتَ عليها ناجَيْت، لقد وسّع لك ما ضاق، ودفع عنك ثقل الإرهاق. لاسيما وقد منحك النور، الذي به يضيء لك طريق الهداية، ويعرّفك مِن جلال الله ما يُمِدّك به من العواصم، المانعة لك من أعدائك، ويعيذك من القواصم. وكفى بالله مانعاً وإنْ كثرَ الطالبون لك، وقامعاً لمكائد الأعداء وإن تظافروا عليك. وأما الحفظة عليك أعمالك، فإنك إذا راعيتَ نظر الحق و شهوده إياك بقوله: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) سقطَا من عينيك، وتحققَ لك العمل لمن شهِدَك، دون من يشهد عليك، فصفت الأعمال عن أن تتدنّس بما يسوءك تسطيره عنك وعليك، وصارت الشهادة لا لك ولا عليك.
    (كتاب الفنون)


    العبودية:


    سُئل أبو العباس بن عطاء: ما العبودية؟
    فقال: ترك الاختيار وملازمة الافتقار.
    قال حنبلي:
    نجز كلامهم. أراد : ترك الاختيار مع الله، أو على الله، فإنه الوبال. لأن مثار هذه الرذيلة رؤية النفس والجهل بحكمة الحكيم. وملازمة الافتقار معناه أن لا يفقد من ناب الطلب رغبة ورهبة. و متى لم يكن كذا، سُلبت مواد الخير.
    (كتاب الفنون)


    صفة دار حسنة:


    وطن تبيت المكارم فيه بين ماء جارٍ وعود وريق.
    (كتاب الفنون)

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    شذرة:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ:
    النَّعَمُ أَضْيَافٌ وَقِرَاهَا الشُّكْرُ، وَالْبَلَايَا أَضْيَافٌ وَقِرَاهَا الصَّبْرُ. فَاجْتَهِدْ أَنْ تَرْحَلَ الْأَضْيَافُ شَاكِرَةً حُسْنَ الْقِرَى، شَاهِدَةً بِمَا تَسْمَعُ وَتَرَى.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    في الرضا بقدر الله عزّ وجلّ:


    (قال قائل):
    العذر لا يقوم إلا لقصور في المعتذر، بأن يقول إن جنى: (ما علمت ) أو تقاعد عن حق: (لم أعلم بتوجهه عليّ)، أو (علمت لكن ما استطعت).
    قال هذا القائل: (وأرى الرزق عني كالمتقاعس، والحظ في حقي وسنان أو ناعس، والدنيا والآخرة نُعْماً ، وأنا وأمثالي نتدبّق قوماً، والمالك يقول: { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ}، و يقول: {وله كل شيءُ}. فإذا سدّ باب العذر ببيان قدرته وغنائه وسلطانه، لم يبق عندي إلا السخط يمنعني. فكيف أداوي هذا الداء العضال في إزالة السخط عن مانعي مع الغناء والكمال ؟
    قال حنبلي : قد دخل عليك السهو عن قسم هو الدواء لمثل هذا الداء، فظننتَ أنه لا يقوم العذر إلا بالعجز من جهة المانع، ونسيتَ أنّ أجدّ ما يقوم به العذر الحكمةُ البالغة التي هي عائدة بالمنع لمكان إصلاح الممنوع . ألا تراه لو أفصح بالقول بذلك فقال: (ما منعتُك عن إعواز منّي، لكن لمصلحة لك ). فإن فات القصور في المانع لم يفت القصور في الممنوع. كالأب الغني يمنع ولده الحلوى والزهومات تطبُّباً فلا يلام. والأب الفقير يمنع فلا يلام، فيجتمعان في عدم اللوم، ويختلفان في العلة التي لأجلها قام العذر. فمن هذه الغلطات يُدهى الناس.
    والخليع العامّي لسرعة جرأته على الله وقلة مبالاته، يتسخّط لمكان أنه لم يلحظ إلا الغناء والمنع، والقدرة والمنع. فَجَعل أوصاف الله سبحانه عللاً لتسخُّطه، ولم يتعرض للوصف الأعظم، وهو الحكمة، ليداوي سخطه أو يعدمه.
    وصفة المداواة أنه إذا سولت له النفس أنه ممنوع من الغناء فما العذر; قال لها: (هو حكيم في منعه لي فمن أين يجيء الإعتراض مني واللوم ؟)
    هذا هو قانون العقلاء المتمسّكين بالأديان ، إذا صحّ منهم العرفان. فهو بوصف الغناء أهل لئن يُطلبَ منه كل شيء، وهو بوصف الحكمة أهل أن يُسلَّم له كل شيء.
    (كتاب الفنون)


    بين عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد:


    قال حنبلي: الحمد لله الذي حفظني بعواصم نعمه عن قواصم نقمه.
    قال: ونقلتُ من أخبار عمرو بن سعيد الأشدق عن المدائني قال:
    كتب عبد الملك بن مروان إلى عمرو بن سعيد الآشدق حين خالفه:
    رحمتي لك تصرفني عن الغضب عليك لتمكن الخدع منك، وخذلان التوفيق إياك، وبإساءة همّتك نهضت أطماعك ان تستفيد بها عزا، كنت جديرا لو اعتدلت ان لا تدفع بها ذلا. ومن رحل عنه حسن النظر واستوطنته الاماني، ملك الجبن تصرفه، واستترت عنه عواقب أمره. وعن قليل يتبين من سلك بمثل سبيلك أنه أسير طمع وصريع خُدَع، ومغيض ندم. والرُّحم تحمل على الصفح عنك مالم تحلل عليك عواقب جهلك، وتزجر عن الإبقاء عليك، إذ كان الرأي ذلك.
    فأجابه عمرو عن ذلك فقال:
    استدراج النعم أفادك البغي، ورائحة القدرة أورثتك الغفلة، وزجرت عما واقعت مثله، وندبت إلى ما تركت سبيله. لو كان ضعف الاسباب يؤيس الطلاب، ما انتقل سلطان إلا ذل. وعن قليل يتبين من صريع بغي، وأسير غفلة. والرحم تعطف على الإبقاء عليك مع دفعك عما غيرك أولى به منك. والسلام.
    (كتاب الفنون)


    فصل في قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ):


    دلت هذه الآية على أن خلقه لو وقع من غير رجعة لكان عبثا. ولام (لكي) دلّت، فقال في أصل الخلق : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، وقال في البعث : (إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا)، ثم أبان عن علّة الرجعة فقال: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)، وقال في بيان المجازاة: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى). فلا سلوة عن الموت إلا إثبات البعث.
    (كتاب الفنون)

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Mar 2016
    المشاركات
    139

    افتراضي

    شذرة:


    قال ابن مفلح: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ:
    مِنْ أَحْسَنِ ظَنِّي بِهِ أَنَّهُ بَلَغَ مِنْ لُطْفِهِ أَنْ وَصَّى وَلَدِي إذَا كَبِرْت; فَقَالَ: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}.
    فَأَرْجُو إذَا صِرْتُ عِنْدَهُ رَمِيمًا أَنْ لَا يَعْسِفَ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ، تُشَاكِلُ أَقْوَالَهُ.
    (الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي).


    فصل تذكير:


    قال حنبلي:
    يعزّ عليّ ~والله~ بأقوام التزموا لله سبحانه ما أسقطه عنهم، وفتحوا على نفوسهم طرقاً سدّها عنهم، وأبوابا أغلقها دونهم. والشريعة من ذلك مملوءة، وهم عنها غفّل.
    الرجل يقول: (زنيتُ) وصاحب الشرع يلتفت عنه، ولمّا كلّمه عرض له بالرجوع عن التصميم: (لعلك نظرتَ، وقد سمعتني أقول ، العينان تزنيان ، إنك خبل، استنكهوه). كل ذلك دفع عن تحقيق الإقرار، وهرب من وقع الأحجا، والحق لله قد ثبت، قال: (هلا تركوه؟). فما زال يدفع الإقرار بجهده، وهو المستناب لله في استيفاء حقه. (رميت الراعي بعظم الجمل بعد الهرب) والراعي ظنَّ أنه مستوف لله حقه.
    والقوم يسألون الراعي عن ورود النجاسات عليه والنبي (صلى الله عليه وسلم ) يقول: لا تعلمهم. ويقول للمقِرّ: ( ما أخالك سرقت؟ ) . مع كون السرقة تتضمن حقيْن : حق الله، وحق الآدمي. أسرقتَ؟ قلْ: ( لا تعافوا الحدود فيما بينكم). هلا سترته بثوبك.
    عمر بن الخطاب يقول في ماء الميزاب، حيث سأل عنه الأصحاب: يا صاحب الميزاب لا تعلمهم.
    الأصحاب يقولون لمن ارتقى للآذان فقال (أرى حاجب الشمس)، فيقال له: بغيناك داعياً لا راعياً.
    النبي (صلى الله عليه وسلم ) يأمر المستنجئ بكف من الماء على المئزر بعد الاستنجاء ليدفع بلل الماء المحسوس، توهّم قطر البول المجوّز، بل المعهود.
    فالشرع يتغاضى عن حقوقه، وأنتم تتبعون الناس تتبع أصحاب الأخبار. قد كفى المكلّفَ ما وكّل به من الرقيب و العتيد. ما قنعتم أنتم بما وضع، وقد رأيتم تغاضيه عن حقوقه، حتى جعلتم نفوسكم حفظة له.
    تُراكم لا تخافون أن يفضحكم في قعر بيوتكم على أقبح ذنوبكم؟
    صاحب الحق يعفو، وأنت بسوء طبعك تكشف و تجفو. وصاحب الشرع يقول على علم منه ببواطن الأحوال: من أتى من هذه القاذورات شيئا، فليستتر بستر الله. تُراه يريد فليستتر عن الله بستره، أو عنكم؟
    ..
    (كتاب الفنون)


    فصل:


    أمّا ما كلّفك من الفرض فقد آتاك قدرة عليه واستطاعة له. وأمّا ما ندبك إليه من الفضل فقد أعدّ لك بإزائه ألطافا. فإذا أدّيْتَ الفروض أمدّك بالألطاف ليكمل بفعل الزيادات من الفضائل. وأنت إذا أهملتَ الفروض، وقصّرتَ في الحقوق، سوّلت لك نفسك أن تعتذر بعدم التوفيق والإعانة، فتقول: (لو وفّقني! لو أعانني ! ). ما أغفلك عن الحجة له ! وما أجرأك على الاحتجاج عليه بما لا يورثك إلا بعداً من الله !
    ما استزاد اللهَ سبحانه إلا متقاعد بحقوقه أو محتكرا شره في حظوظه. وإلا فما أعدم الله أحدا ما يوصله إلى طاعته. خُذْ إنصاف الحق من قوله لرسوله: ( قُمْ فَأَنْذِرْ)، (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ). ثم قال له من طريق الحثّ واستخراج ما عنده من الوُسع: ( بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) وعلمَ أن في الطبع نوع انحباس من الناس، فقال: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
    فلما زال ما في النفس من الضعف بالخوف من الجنس بضمان العصمة منهم، حينئذ اشتطّت النفس وثابت القوة. وإذا كان الحق لا يكلّف إلا بالإعانة وإزالة العوائق، صار من خداع النفس طلبها للتكليف معاني زائدة على ما آتى، لأنّ ذلك نوع من التسويف بالتكليف لإنتظار ما لا يلزم.
    (كتاب الفنون)


    شعر:


    نديمتي جاريةٌ ساقيهْ
    ونزهتي ساقيةٌ جاريهْ
    (كتاب الفنون)

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •