أحداث تموج بالعالم، نظريات تسقط وأخرى تولد، وهذا يقيم التاريخ وذاك يفلسف الأحداث، تجد الحكمة أحيانا والتهور أحايين أخرى.. ومن بين هذا الحراك الضخم تبرز تحليلات راقية وأفكار جوهرية آثرت أن أجمعها في عقد فريد، حباته أشبه بمحطات نحتاج أن نقف عندها كثيرا لنستقي منها العبرة ويتولد عندها الهدف .. إنه العالم الغريب الذي أتعب البشر وأتعبوه معهم، فهل من معتبر، وهل من مستفيد.

العقل السلفي
أن العقل السلفي يعجز عن تشخيص الواقع المعقد لافتقاده للأدوات المنهجية لتحقيق ذلك؛ مما يلجئه إلى أن يلوذ بمنطقة النص الديني والعيش فكريًّا ووجدانيًّا داخل أبنيته «الواضحة»، وكأن ذلك المسلك يوقف عجلة الواقع المتجه إلى مزيد من التعقيد والتشابك، وتحدث هنا مفارقة عجيبة: فالواقع يتجه نحو مزيد من التعقيد «الإشكالي» والسلفية تتجه نحو مزيد من البساطة «السطحية». [عبد الله البريدي، الجزيرة نت]
سقوط الوهم
ما كان يبشّر به فوكوياما من أنّ التاريخ بلغ منتهاه، وما كان يردده هنتغتون من أن صدام الحضارات واقع لا محالة، تبيّن أنه صدام داخل الحضارة الواحدة، وأن تصريحات تماسك الدولة في الغرب ليس أكثر من خرافة، شأنها شأن السوبرمان. [عز الدين ميهوبي، شاعر جزائري]
لمس الجرح
الأمة الإسلامية اليوم رأس مصدوع يعالج الدوار، وذهن مشتت الرؤى والأفكار، وقلب متقلب لا ينتظم له نبض أو يقر له قرار، وجسم متفسخ، كلما عن له الوقوف أصابه الضعف والخور فانهار، تطفح على بشرته البثور والدمامل، وتغور في مواضع كثيرة منه الأخاديد والشروخ، يتلبس الشلل عضوا من أعضائه، فيتوقف عن العمل، ويسري الخدر في عضو آخر فيتطوح ويترنح ثم يسقط، ويصير من العسير على بعضه أن يشعر بما يعاني بعضه الآخر من جوع ومرض أو موت بطئ.
وحين يظن الدم المسلم أن من حقه التجول بحرية داخل عروق الجسد الواحد، يفاجأ –عند بعض المعابر- بنظم وقوانين، تمنعه من المضي في طريقه إلا بجواز سفر وتأشيرة مرور، محدد معها زمن الإقامة، والغرض من الزيارة، وكأنما بات المسلم المسافر من موضع إلى آخر، داخل حدود الدولة الإسلامية الواحدة مستأمنا بعقد مؤقت، لا ترقى صيغته إلى مستوى عقد الأمان الذي يمنح للقادم من دار الحرب –سواء كتابيا أو وثنيا- إن رغب في زيارة أو استيطان دار الإسلام. [كلام في التكافل بين هز الرؤوس ومصمصة الشفاة، أحمد المزاري، مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، العدد 482]
الوحدة والتكتلات
تبحث أمم الغرب اليوم –بجد واجتهاد- عن صيغة حتمية موضوعية للتجمع والاتحاد، تمليها ظروف التقارب أو التشابه في الرؤية الواقعية لما هو متاح اليوم، وما هو ممكن للغد، وتؤيدها في ذلك، وحدة المصالح وضرورة التصالح، كما تدفعها إليه نية خالصة –أو هكذا تبدو- لتحقيق أعلى مستوى ممكن من الرفاة والإشباع، بأدنى أو أنسب جهد مستطاع، من دون التغاضي عن أصول الإتقان والإبداع، وتستفتي في ذلك الشعوب والجماهير، قبل الحكومات أو الدساتير.
لقد أدركت أمم الغرب أن الطريق إلى الغد لا يستقيم من دون الاسترشاد بمعالم واضحة، من التكاتف والتضامن، والتحالف والتعاون، والاتحاد –إن أمكن- بين الأحلاف أو الائتلاف –رغم الاختلاف- بين العقائد والحضارات، ونظم الحكم والتوجيهات والحظوظ والمقدرات، ولا يزيدها ما تسفر عنه اجتماعات ممثليها من تباين عميق إلا ثباتا على الطريق، وإيمانا بلزوم المضي فيه من دون إبطاء، لقطع السبيل أمام الخطر المقبل من بلاد مازال فيها أناس يركبون الحمير، ويرعون الضأن، ويستغيثون لحم الجزور.
وتبحث الأمة الإسلامية المفككة اليوم عن وشيجة تضم أجزاءها، أو حلقة تلملم ما انفرط من حبات عقدها فلا تجد، رغم اتفاقها في الكثير الكثير، مما تختلف عليه أمم الغرب، واتحادها في الكثير الكثير، من أواصر القرب ولحم النسب.[كلام في التكافل بين هز الرؤوس ومصمصة الشفاة، أحمد المزاري، مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، العدد 482]
النصر الأفغاني
يصف عبد أنس في صحيفة الحياة اللندنية (5/11/2001) قصة الخروج الروسي من أفغانستان فيقول:
كان عام 1989م عام الأحداث الضخمة في أفغانستان. ففي مطلعه تحقق الانتصار. هزم الجيش الأحمر وخرج ذليلا يجر أذيال الخيبة من المستنقع الأفغاني. خرج منبئا ببدء انهيار الإمبراطورية السوفيتية ومحققا ما يقوله الأفغان عن بلادهم إنها مقبرة الإمبراطوريات. وهكذا ما كادت سنوات طويلة أن تمر حتى تغير الطاقم الحاكم في الكرملين وجاء زعماء جدد بدءوا بتصفية تركة أسلافهم.
ويوم 14 شباط (فبراير) 1989م كان يوما للتاريخ. فيه أكمل الجيش الأحمر سحب قواته من أفغانستان بعدما غرق في رمالها المتحركة طوال عشر سنوات. وكنت شاهدا على هذا الحدث. يومها كنت أقف على مرتفع بسيط في منطقة تقع بين بانشير وباروان. حملت منظارا أراقب من خلاله آخر الدبابات والعسكريين الروس يودعون الأراضي الأفغانية عائدين إلى بلادهم. كانت فرحتي لا توصف. فهذا الجهاد الذي بدأ بالعصي والخناجر والحجارة وصل إلى الحد الذي هزم فيه أقوى قوى الأرض تسليحا. وها أنت تراها بعينيك تجر أذيال الخيبة راجعة إلى الاتحاد السوفيتي. ولا أزال أذكر أن الروس ودعوا منطقة بانشير وهم منسحبون بقصف جوي نفذته أسراب من طائراتهم. قصفوها حقدا. تجولت في المنطقة بعد انسحاب الروس. كنت أينما تطلعت أرى دبابات وشاحنات عسكرية مدمرة أو محروقة. صرت أعدها. ظللت طوال يوم كامل. دبابة اثنان ثلاث.. حتى وصل العدد إلى ألف دبابة وشاحنة مدمرة في بانشير. وزار الشيخ عبد الله عزام المنطقة بعدها. تجولت وإياه من أولها إلى آخرها. [بل هي حرب على الإسلام، د. محمد عباس، نشر مكتبة مدبولي بالقاهرة ص195]

جمع وترتيب

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com