ماهية المصيبة، وما يشرع قوله عند وقوعها?
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: ماهية المصيبة، وما يشرع قوله عند وقوعها?

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    9,401

    افتراضي ماهية المصيبة، وما يشرع قوله عند وقوعها?

    أود أن أطرح عليكم سؤالا وهو... فى قوله سبحانه وتعالى (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا أنا لله وأنا إليه راجعون)، فما معنى المصيبة؟ وما هى هذه المصائب؟ هل هي فقط الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، هل المرض من المصائب؟ هل الطلاق من المصائب؟ هل الحب والعشق من المصائب؟ فما هي هذه المصائب؟ هل كل ما يبتلى به الإنسان مصيبة، وقول إنا لله وأنا إليه راجعون متى يكون هل عند حدوث المصيبة؟ أو سماع خبر المصيبة؟ وهل قول الإنسان لا إله إلا الله أو لا حول ولا قوة إلا بالله تكفى عن قول إنا لله وإنا إليه راجعون؟، اعذروني على كثرة الأسئلة والإطالة بارك الله فيكم وسدد خطاكم وجعل ما تقومون به من خدمة للناس وتعليم وتنوير جعلها الله فى ميزان حسناتكم يوم القيامة؟

    الإجابــة

    خلاصة الفتوى:
    كل ما يبتلى به المؤمن مما يؤذيه يعتبر مصيبة ولو كان شوكة أو همًا أو غمًا أو غيرهما، والاسترجاع يكون عند حدوث المصيبة أو السماع بها؛ بل يشرع عند تذكرها ولو مضى عليها زمن طويل.. ثم إن الذكر الذي يستحب عند المصيبة بصفة خاصة هو الاسترجاع، فقد جعله الله ملجأ لأهل المصائب وعصمة لهم لما اشتمل عليه من التوحيد والإقرار بالعبودية لله تعالى والإيمان بالبعث بعد الموت، ولا يكفي عنه غيره.
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
    فإن كل ما يبتلى به المؤمن مما يؤذيه يعتبر مصيبة بما في ذلك المرض والطلاق والابتلاء بالعشق؛ بل ولو كان شوكة أو همًا أو غمًا أو غيرهما، والاسترجاع يكون عند حدوث المصيبة أو السماع بها؛ بل يشرع عند تذكرها ولو مضى عليها زمن طويل، قال القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسير الآية المشار إليها: المصيبة: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، يقال: أصابه إصابة ومصابة ومصابًا، والمصيبة واحدة المصائب.. والمصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر، روى عكرمة: أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم أنطفأ ذات ليلة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال: نعم. كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة.
    قلت: هذا ثابت معناه في الصحيح، أخرج البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعاً رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته).
    أخرج ابن ماجه في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن هشام زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. (من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب). انتهى.
    ثم إن الذكر الذي يستحب عند المصيبة بصفة خاصة هو الاسترجاع، فقد جعله الله ملجأ لأهل المصائب وعصمة لهم لما اشتمل عليه من التوحيد والإقرار بالعبودية لله تعالى والإيمان بالبعث بعد الموت، ولا يكفي عنه غيره. قال القرطبي أيضًا: قوله تعالى: قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله: إنا لله توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله: وإنا إليه راجعون إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفى على يوسف... إلى أن قال: أي القرطبي، وروى مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيرًا منها... قال: وفي البخاري وقال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعم العلاوة: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. أراد بالعدلين الصلاة والرحمة.. وبالعلاوة الاهتداء، قيل: إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر، وقيل: إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن. انتهى.

    والله أعلم.

    http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Optio n=FatwaId&Id=109553

    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    9,401

    افتراضي

    الوصايا العشر في مواجهة المحن والمصائب والأزمات الشخصية

    د. أحمد بن إبراهيم خضر *

    وضع علماء الإسلام منهجًا خاصًا يستطيع به المؤمن أن يواجه الأزمات التي قد تعرض له أو المصائب التي قد تصيبه في نفسه أو أهله أو ولده أو ماله وغير ذلك على النحو التالي:

    (1) على المصاب أن يسترجع ويصبر ويحتسب لحظة وقوع الصدمة ثم يركن إلى الله - تعالى -رجاء أن يخلف الله عليه ويعوضه عن مصابه.

    الصبر كما يعرفه العلماء- هو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب.
    ومن المعروف أن للمصيبة المفاجئة روعة تزعزع القلب وتزعجه، فإن صبر المصاب لحظة وقوع الصدمة انكسرت حدتها وضعفت قوتها فيهون عليه استمرار صبره بعدها؛ لأن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه وهى الصدمة الأولى، وأما إذا وردت عليه بعد ذلك توطن لها وعلم أنه لا بد له منها فيصبر، لكنه يكون مضطرًا هنا، وهذا الصبر الاضطراري غير محمود ولا ثواب عليه. ولهذا يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
    " إنما الصبر عند أول صدمة ".
    وفي صحيح مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول:
    " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها " قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسوله".
    وقد بشر الله الصابرين بثلاث كل منها خير مما يتحاسد عليه أهل الدنيا، فقال - تعالى
    -: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة157].
    والله - تعالى - لا يخيب من لجأ إليه، بل يعوضه كما عوض أم سلمة بزواجها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه من كل شيء عوض إلا الله - تعالى -.
    وعلى المصاب أن يعلم أن حظه من المصيبة ما يحدث له فمن رضي فله الرضي ومن سخط فله السخط. وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أنهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
    " ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته" والوصب هو المرض ـ والنصب هو التعب.
    وفي الصحيحين عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
    " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله - عز وجل - بها عنه حتى الشوكة يشاكها ".

    (2) أن يحمد الله - تعالى - على أن مصيبته وقعت عند هذا الحد وأنه - تعالى - لو شاء لجعلها أعظم مما هي، وعليه أن يستقبلها بالبشر والقبول والكتمان.

    على المصاب أن يحمد الله - تعالى - على أن مصيبته لم تكن أعظم مما هي عليه.
    ولهذا قال بعض الحكماء: إن لله عبادًا يستقبلون المصائب بالبشر: أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم.
    والمؤمن الموفق هو من يتلقى المصيبة بالقبول ويعلم أنها من عند الله لا من عند أحد من خلقه ويجتهد في كتمانها ما أمكن، ويقول العلماء:
    ثلاثة من كنوز الجنة: كتمان المصيبة وكتمان المرض وكتمان الصدقة..
    وقال بعض السلف: ثلاثة يمتحن بها عقول الرجال: كثرة المال والمصيبة والولاية.
    و
    قال العلماء كذلك: من جواهر البر كتمان المصيبة حتى يظن أنك لم تصب قط..

    (3) أن يوطن المصاب نفسه على أن كل مصيبة تأتيه هي من عند الله - تعالى -، وأنها بقضائه وقدره وأنه - سبحانه وتعالى- لم يقدرها عليه ليهلكه بها ولا ليعذبه وإنما ابتلاه ليمتحن صبره ورضاه وشكواه إليه وابتهاله ودعاءه.

    وأن يعلم كذلك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ولهذا عليه أن يحذر أن يتسخط أو يعترض على قدر الله فيتفوه بألفاظ التظلم والشكوى، أو أن يتكلم في حال مصيبته وبكائه بشيء يحبط به أجره ويسخط به ربه مما يشبه التظلم.
    قال - تعالى -:
    (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد23].

    فإذا تأمل هذه الآية الكريمة وجد فيها شفاء أو دواء لما أصابه.
    وليعلم المصاب أيضا أن الله - تعالى - فعال لما يريد يتصرف فيهم كيف يختار، من موت وغرق وحرق وغير ذلك مما قضاه وقدره وأمضاه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟! فإذا تسخط الإنسان بأقوال وأفعال منكرة نهى الشرع عنها وذم فاعلها لشرعه في الدين ما لم يأذن به الله ولا رسوله فإن سخطه هذا يكون مناف للرضا والصبر ويضر بالنفس والبدن ولا يرد من قضاء الله وقدره شيئًا.
    وقد جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له:
    (يا رسول الله أوصني ولا تكثر علي؟ قال: لا تتهم الله - عز وجل - في شيء قضاه لك).
    يقول العلماء: (إن الله - تعالى - عدل لا يجور، وعالم لا يضل ولا يجهل، وحكيم أفعاله كلها حكم ومصالح، ما يفعل شيئا إلا لحكمة، فإنه - سبحانه - له ما أعطى، وله ما أخذ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو الفعال لما يريد، والقادر على ما يشاء، له الخلق والأمر، وعلى المصاب أن يتكلم بكلام يرضي به ربه، ويكثر به أجره، ويرفع الله به قدره).

    (4) ألا يدعو المصاب على نفسه أو يحزن ويبكى إلا على تفريطه في حق الله - تعالى - أو ما لا يقترن بمحرم.
    يقول العلماء: " ليحذر العبد أن يدعو على نفسه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما مات أبو سلمة: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون).
    وعلى المصاب أيضًا ألا يحزن وألا يبكي ويتأسف إلا على تفريطه في حق الله - تعالى -، وعليه أن يستشعر الانفراد في القبر وحيدًًا ذليلًا مستوحشًا ثم مسائلة منكر ونكير - عليهما السلام - وطول مكثه تحت الثرى إما منعمًا وإما معذبًا ثم من بعد ذلك خروجه من قبره وقيامه لرب العالمين ثم وقوفه الطويل في المحشر وما يرى من أهوال يوم القيامة ثم حسابه بين يدي الله - تعالى - ووزن أعماله وتطاير الصحف والمحاسبة على مثقال الذرة وأنه سيجد ما عمل محصيا عليه محررا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنه بين رجاء وخوف، إما لذات اليمين أو لذات الشمال، فلو استشعر المصاب هذه المصائب العظيمة التي بين يديه والتي كان هو غافل عنها غير مستعد لها لشغلته عن مصابه ولرجع إلى الصبر والرضا بما قدره الله - تعالى - وأمضاه.
    ولم يأمر الله - تعالى - ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالحزن لا في المصيبة ولا في غيرها، بل قد نهى الله عنه في كتابه وإن تعلق بأمر الدين.
    لكن الحزن منه محمود ومذموم كقوله - تعالى -:
    (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران139]، وقوله: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) [النمل70]، وقوله - تعالى - في حق نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - و أبي بكر: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا [التوبة40]، وقوله - تعالى -: (فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ) [يس76] ونحو ذلك من الآيات كثير في القرآن وما ذاك إلا لأن الحزن لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به لكن الحزن والبكاء لا يأثم يهما صاحبه إذا لم يقترن ببكائه وحزنه محرم.

    (5) أن يعلم المصاب أن الدنيا ليس فيها لذة على الحقيقة إلا وهي مشوبة بالكدر وأن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة في الآخرة وحلاوة الدنيا هي بعينها مرارة في الآخرة.

    يقول العلماء: (كل ما يظن الإنسان في الدنيا أنه شراب فهو سراب وعمارتها وإن أحسنت صورتها خراب وجمعها فهو للذهاب ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم يكن فيها الأمراض والأكدار ولم يضق العيش فيها على الأنبياء والأخيار، فآدم: يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا. ونوح: بكى ثلاثمائة عام. وإبراهيم: يكابد النار وذبح الولد. ويعقوب: بكى حتى ذهب بصره. وموسى: يقاسي فرعون ويلقى من قومه المحن. وعيسى بن مريم: كان لا مأوى له إلا البراري في العيش الضنك. ومحمد - صلى الله عليه وسلم -: عانى من الفقر وقتل عمه حمزة وهو من أحب أقاربه إليه ونفور قومه عنه، وغير هؤلاء من الأنبياء والأولياء مما يطول ذكره. ولو خلقت الدنيا للذة لم يكن حظ المؤمن منها. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) فهي ابتلاء و سجن ومحن فلا ينبغي إنكار وقوع المصائب فيها.

    وعلى المصاب أن يعلم أن انتقاله من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خير له من عكس ذلك فإن خفي عليه ذلك فلينظر إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " حفت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات ".

    وكذلك قوله في الصحيح: " يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول لا والله يا رب ".
    وهنا تتفاوت عقول الناس وتظهر حقائق الرجال فأكثر الناس يؤثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول ولم يتحمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد ولا ذل ساعة لعز الأبد ولا محنة ساعة لعافية الأبد فإن الحاضر عنده شهادة والمنتظر غيب والإيمان ضعيف وسلطان الشهوة حاكم فتولد من ذلك إيثار العاجلة ورفض الآخرة، ما ذاك إلا لحبهم هذه الحياة الدنيا.

    (6) أن يعلم المصاب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصابه من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا.

    يقول العلماء: "من رحمة الله - تعالى - على عباده أنه يتفقد عبده في بعض الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء وحفظا لصحة عبوديته واستفراغا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة فسبحان من يرحم ببلائه و يبتلي بعض القوم بالنعم، فلولا أنه - سبحانه وتعالى - يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا وتجبروا في الأرض وعاثوا فيها بالفساد فإن من شيم النفوس إذا حصل لها أمر ونهي وصحة وفراغ وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يزجرها تمردت وسعت في الأرض فسادا مع علمهم بما فعل بمن قبلهم. و لكن الله - سبحانه وتعالى - إذا أراد بعبده خيرا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله ويستفرغ منه الأدواء المهلكة حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه أهله لأشرف مراتب الدنيا وهي عبوديته ورقاه أرفع ثواب الآخرة وهي رؤيته.

    (7) أن يطفئ المصاب نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب

    على المصاب أن يعلم أنه في كل قرية وفي كل مدينة، بل وفي كل بيت من أصيب فمنهم من أصيب مرة ومنهم من أصيب مرارًا و ليس ذلك بمنقطع حتى يأتي على جميع أهل البيت حتى نفس المصاب فيصاب أسوة بأمثاله ممن تقدمه فإنه إن نظر يمنة فلا يرى إلا محنة وإن نظر يسرة فلا يرى إلا حسرة.

    (8) على المصاب ألا ينشغل بالجزع والشكوى عما يجب أن يلتفت إليه.

    على المصاب أن يعلم أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها وهو في الحقيقة يزيد في مصيبته ويشمت عدوه ويسوء صديقه ويغضب ربه ويسر شيطانه ويحبط أجره ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه وأرضى ربه وسر صديقه وساء عدوه وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه فهذا هو الثبات في الأمر الديني قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر " وعلى المصاب أن يعلم، أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل بدون ذلك، بل يكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه و استرجاعه على مصيبته فلينظر أي المصيبتين أعظم مصيبته العاجلة بفوات محبوبة أو مصيبته بفوات بيت الحمد في جنة الخلد؟.
    وليعلم المصاب الجازع وإن بلغ به الجزع غايته ونهايته فآخر أمره على صبر الاضطرار وهو غير محمود ولا مثاب عليه كما قلنا سابقا؛ لأنه استسلم للصبر وانقاد إليه على رغم أنفه.
    وعلى المصاب في حالة مرض الموت، ألا يشغله مصابه عما يجب أن يلتفت إليه من مصالح في وصية أو فعل خير أو تأهب للموت من رد ودائع أو دين أو زكاة أو مظلمة لأحد أو التكفير عن ذنوب، فهو في زحمة انشغاله بمصيبته وحزنه على فراق الدنيا ينسى كل ذلك، وإذا أفاق فقد يوصي بوصية يجور فيها على حقوق آخرين فيمنع المستحق أو يعطى من لا يستحق.
    ويرجع العلماء ذلك كله إلى ضعف الإيمان والتعلق بالدنيا وضعف التطلع إلى الآخرة. وفي هذا روى أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ".

    (9) ينبغي للمصاب في نفسه أو بولده أو بغيرهما أن يجعل مكان الأنين والتأوه ذكر الله - تعالى - والاستغفار والتعبد خاصة في مصيبة مرض الموت.

    كان الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - في مرض موته يئن منه أنيناً، فقيل له: يا إمام! إن طاوساً يقول: إن الأنين يكتب، يعني لقول الله- تبارك وتعالى - في كتابه الكريم:
    ( مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق18]، فما عادها الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - حتى مات.

    وكان السلف - رحمهم الله تعالى - يكرهون الشكوى إلى الخلق؛ لأنها وإن كان فيها راحة إلا أنها تدل على ضعف وخور والصبر عنها دليل قوة وعز، وهي إشاعة سر الله - تعالى - عند العبد، وهي تأثر شماتة الأعداء ورحمة الأصدقاء.
    وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده إلى إسماعيل بن عمرو قال: دخلنا على ورقاء بن عمر و هو في الموت فجعل يهلل ويكبر ويذكر الله - عز وجل - وجعل الناس يدخلون عليه ويسلمون عليه فيرد - عليهم السلام - فلما كثروا عليه أقبل على ابنه، فقال: يا بني اكفني رد السلام على هؤلاء لا يشغلوني عن ذكر ربي - عز وجل -.
    وقد روي في حديث أن إبليس لا يكون في حال أشد منه على ابن آدم عند الموت يقول لأعوانه: دونكموه فإنه إن فاتكم اليوم لم تلحقوه. والأعمال بخواتيمها فإنه ربما أضله في اعتقاده وربما حيل بينه وبين التوبة و غير ذلك مما هو محتاج إليه و ربما وقع منه الاعتراض على القضاء و القدر، فينبغي للمصاب بنفسه أو بغيره أن يعلم أو يعلم بغيره أنها صبر ساعة فيتجلد و يحارب إبليس جهد طاقته، فبصدقه مع الله يعينه الله، كما عليه أن يعلم أيضا أن التشديد عليه أو على غيره في النزع هو في الغالب من كرامة العبد على الله - عز وجل - فإن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل والأمثل.
    وقوله - صلى الله عليه وسلم -: [ما أشد مرارة الموت]. قال ابن عباس قال: "آخر شدة يلقاها المؤمن عند الموت" كانت عائشة - رضي الله عنها - تقول: مات فلان ولم يعالج قال الحافظ بن ناصر: يعني أنه لم يعالج: أنه لم يحصل له في مرضه وعند موته ما يكون كفارة لذنوبه".
    وعن ثابت عن أنس بن مالك - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على شاب وهو في النزع فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرضى أو أمنه مما يخاف".

    (10) أن يعلم المصاب أن من أعظم مصائب الدنيا والآخرة: المصيبة في الدين، وأيا كانت المصيبة التي أصيب بها طالما أنها ليست في دينه فهي تهون؛ لأن المصيبة في الدين هي الخسارة التي لا ربح معها.
    ومن أعظم المصائب في الدين موت النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم؛ لأن بموته - صلى الله عليه وسلم - انقطع الوحي من السماء إلى يوم القيامة، وانقطعت النبوات، وكان موته أول ظهور الشر والفساد بارتداد العرب عن الدين.
    هذه هي الوصايا العشر في مواجهة المحن والمصائب والأزمات الشخصية، وهى خلاصة ما استفاض فيه الإمام ابن القيم في كتابه: "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين"، والإمام ابن الجوزي في كتابه: " تسلية أهل المصائب".


    المصدر : www.islamlight.net


    ________________

    * دكتوراة في علمِ الاجتماعِ العسكريّ - عضو هيئة التَّدريس السَّابق في جامعات: القاهرة، والأزهر، وأمّ درمان الإسلامية، والمَلِك عبد العزيز.
    27/3/1429 هـ
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    9,401

    افتراضي

    موقف المؤمن من الابتلاء



    إذا أصيب المسلم بمصيبة في نفسه أو ماله أو غير كذلك ، كيف يكون تصرفه صحيحاً موافقا للشرع ؟.
    نشر بتاريخ: 2006-01-20
    الحمد لله
    أولاً:

    إن المصائب والبلاء امتحانٌ للعبد، وهي علامة حب من الله له؛ إذ هي كالدواء، فإنَّه وإن كان مُرًّا إلا أنَّـك تقدمه على مرارته لمن تحب - ولله المثل الأعلى - ففي الحديث الصحيح: (إنَّ عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنَّ الله عز وجل إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) رواه الترمذي ( 2396 )، وابن ماجه ( 4031 )، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.

    ونزول البلاء خيرٌ للمؤمن من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة، وكيف لا وفيه تُرفع درجاته وتكفر سيئاته ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبـــه حتى يوافيه به يوم القيامة). رواه الترمذي ( 2396 )، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

    وقال الحسن البصري رحمه الله: لا تكرهوا البلايا الواقعة، والنقمات الحادثة، فَلَرُبَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولَرُبَّ أمرٍ تؤثره فيه عطبك – أي: هلاكك - .

    وقال الفضل بن سهل: إن في العلل لنعَماً لا ينبغي للعاقل أن يجهلها، فهي تمحيص للذنوب، وتعرّض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وتذكير بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة، وحضّ على الصدقة.

    والمؤمن يبحث في البلاء عن الأجر، ولا سبيل إليه إلاَّ بالصبر، ولا سبيل إلى الصبر إلاَّ بعزيمةٍ إيمانيةٍ وإرادةٍ قوية.

    وليتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ). رواه مسلم (2999).

    وعلى المسلم إذا أصابته مصيبة أن يسترجع ويدعو بما ورد.

    فما أجمل تلك اللحظات التي يفر فيها العبد إلى ربه ويعلم أنه وحده هو مفرج الكرب، وما أعظم الفرحة إذا نزل الفرج بعد الشدة ، قال الله تعالى: (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ).

    وروى مسلم (918) عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها " إلا أخلف الله له خيرًا منها) . قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة ؟! أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها فأخلف اللهُ لي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

    ثانيًا:

    وهناك أمور إذا تأملها من أصيب بمصيبة هانت عليه مصيبته وخفت .

    وقد ذكر ابن القيم في كتابه القيم " زاد المعاد " (4/189–195) أمورًا منها :

    1- " أن ينظر إلى ما أصيب به فيجد ربه قد أبقى عليه مثله أو أفضل منه، وادَّخر له إن صبر ورضي ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي.

    2- أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة ؟ ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة؟ وأنه لو فتَّش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وأن شرور الدنيا أحلام نوم، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرًا، وإن سرَّت يوماً ساءت دهراً ، وإن متَّعت قليلاً منعت طويلاً، ولا سرته بيوم سروره إلا خبأت له يوم شرور، قال ابن مسعود رضي الله عنه: لكل فرحة ترحة، وما مليء بيت فرحًا إلا مليء ترحًا. وقال ابن سيرين: ما كان ضحك قط إلا كان من بعده بكاء .

    3- أن يعلم أن الجزع لا يردها – أي: المصيبة - بل يضاعفها، وهو في الحقيقة من تزايد المرض.

    4- أن يعلم أن فوات ثواب الصبر والتسليم وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع أعظم من المصيبة في الحقيقة .
    5- أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه ، ويسوء صديقه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات والكمال الأعظم، لا لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بالويل والثبور، والسخط على المقدور.

    6- أن يعلم أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه ويكفيه من ذلك " بيت الحمد " الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه، فلينظر أي المصيبتين أعظم: مصيبة العاجلة، أو مصيبة فوات بيت الحمد في جنة الخلد، وفي الترمذي مرفوعًا: (يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء)، وقال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس.

    7- أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه لم يرسل إليه البلاء ليهلكه به، ولا ليعذبه به، ولا ليجتاحه، وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه وليسمع تضرعه وابتهاله، وليراه طريحًا ببابه، لائذًا بجنابه، مكسور القلب بين يديه، رافعًا قصص الشكوى إليه.

    8- أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا، فمن رحمة أرحم الراحمين أن يفتقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء ، وحفظا لصحة عبوديته ، واستفراغاً للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه، كما قيل:

    قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم.

    9- أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة، يقلبها الله سبحانه، كذلك وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة، ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خير له من عكس ذلك، فإن خفي عليك هذا فانظر إلى قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (حُفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) " انتهى باختصار.

    ثالثًا:

    كثير من الناس إذا أحسن تلقي البلاء علم أنه نعمة عليه ومنحة لا محنة

    قال شيخ الإسلام رحمه الله: " مصيبة تقبل بها على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله ".

    وقال سفيان: " ما يكره العبد خير له مما يحب، لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء، وما يحبه يلهيه".

    وكان ابن تيمية رحمه الله يعد سجنه نعمة عليه تسبب فيها أعداؤه .
    قال ابن القيم: " وقال لي مرة – يعني شيخ الإسلام - ما يصنع أعدائي بي !! أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى رحت فهي معي لا تفارقني، إنّ حبسي خلوة ، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.

    وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا .

    وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله، وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه ، ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط، مع كل ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها ، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق ، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها " انتهى .

    "الوابل الصيب" (ص 110) .


    https://islamqa.info/ar/71236
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •