يتامى رائدون
النتائج 1 إلى 20 من 20
6اعجابات
  • 1 Post By دكتور محمد نور العلي
  • 1 Post By علي أحمد عبد الباقي
  • 1 Post By دكتور محمد نور العلي
  • 1 Post By دكتور محمد نور العلي
  • 1 Post By دكتور محمد نور العلي
  • 1 Post By دكتور محمد نور العلي

الموضوع: يتامى رائدون

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي يتامى رائدون

    يتامى رائدون (1)
    زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه
    اليُتْم في كلام العرب: يعني الانفراد، وكلُّ شيء مفرد يعزّ نظيره فهو يَتيمٌ، يقال دُرَّةٌ يَتيمةٌ , أي لا أخت لها ولا نظير لها , واليُتْم فقدان الأب حتى سن البلوغ ، وقيل: أصل اليتم الغفلة، وبه سمّي اليتيم يتيما لأنّه يُتغافل عن برّه. لكن هناك من اليتامى من هيّأ الله لهم من قام بكفالتهم والعناية بهم حتى أضحوا كالدرّة اليتيمة التي يعزّ نظيرها , ومن هؤلاء الصحابي الجليل " زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه .
    اسمه ونسبه ومولده
    هو زيد بن ثابت بن الضحّاك الأنصاري الخزرجي , قُتل أبوه في معركة بُعَاث وهو ابن ست سنين , ومعركة بُعاث كانت موقعة عظيمة بين الأوس والخزرج، حيث قُتل فيها خلق كثير من أشرافهم وكبرائهم، ومنهم والد زيد " ثابت بن الضحاك الخزرجي " ومن ثم نشأ زيد بن ثابت يتيما .
    وقد شاء الله سبحانه أن تكون هذه الموقعة العظيمة قبيل مقدم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة لتتهيّأ النفوس لقبول الإسلام والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد جمعهم بعد الفرقة، وغرس في قلوبهم المحبة بعد العداوة ، روى البخاري في صحيحه برقم 3777 عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يوم بُعاث يوما قدّمه الله لرسوله، فقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد افترق ملؤهم ، وقُتلت سَرَواتُهم, فقدّمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم في الإسلام .
    زيد بن ثابت وحياته المشرقة
    لقد حظي هذا الطفل اليتيم " زيد بن ثابت " بمكانة مرموقة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما يملكه من ذكاء ونبوغ وعبقرية وحفظ وعقل منذ نعومة أظفاره , ولقد أسلم وهو ابن إحدى عشرة سنة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومقدمه إلى المدينة المنورة , وقد جاء به أقرباؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم, لما يعلمون عنه من ذكاء مفرط ، فقالوا : يا رسول الله ، هذا غلام من بني النجار ، وقد قرأ مما أنزل عليك سبع عشرة سورة . فقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه ذلك ، وقال : يا زيد تعلَّم لي كتاب يهود ; فإني والله ما آمنهم على كتابي . قال : فتعلمته . فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته ، وكنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كتب إليهم , ومن ثمّ يُعقّب الحافظ ابن كثير على حفظ زيد فيقول " وهذا ذكاء مفرط جدا " وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم كاتبا للوحي في جملة من أصحابه . وكان مميزا في علم الفرائض والمواريث حتى نال هذا التكريم من النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال فيه كما روى الترمذي برقم 3791 بإسناد صحيح من حديث أنس: أَفْرَضُهم زيد بن ثابت .
    ومما يشار إليه أنه لم يشهد بدرا وقيل أحدا أيضا لصغر سنه , وأول المشاهد التي شهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم معركة الخندق والمشاهد التي بعدها. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستخلفه إذا حجّ على المدينة . وهو الذي تولى قسمة الغنائم يوم اليرموك .
    زيد بن ثابت ودرأ الخلاف
    لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم برز نجم زيد بن ثابت كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم , وكان له موقف عظيم في لزوم الجماعة ودرئ الفتنة والخلاف وذلك حين قام خطباء الأنصار ، فتكلموا ، وقالوا : رجل منا ، ورجـل منكم . فقام زيد بن ثابت ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين ونحن أنصاره ; وإنما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره . فقال أبو بكر : جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار ، وثبَّت قائلكم.
    زيد بن ثابت وشرف اختياره لجمع القرآن الكريم
    لقد اجتمع في زيد بن ثابت من المواهب ذات الأثر ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفّاظ القرآن، ومن كتّاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته صلى الله عليه وسلم, قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت، لأنه كتبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتْب المصاحف، رضي الله عنهم أجمعين"
    وكان فوق ذلك معروفاً بخصوبة عقله، وشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه. مما جعله مختارا من قبل خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه المهمة العظيمة ألا وهي جمع القرآن الكريم وهو الجمع الأول وقال له كما أخرج البخاري برقم 4986 : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فتَتَبَّع القرآنَ فاجْمَعْهُ, قال زيد : فو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن, فقلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : هو والله خير . فلم يزل أبو بكر يراجعني ، حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر . فكنت أتَتَبَّعُ القُرآنَ أجْمَعُه من الرِّقاع والأكْتَاف والعُسب وصدور الرجال"
    وهذا النص الذي أخرجه البخاري في صحيحه يشهد بتميز زيد في كثير من الجوانب من حيث إنه شاب يتوفر فيه النشاط والحماسة، وأنه عاقل فطن يحسن التصرف، وأنه غير متهم في دينه فلا يكون في عمله أدنى ريبة أو شك، وأنه أحد كتبة الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلديه التجربة العملية والخبرة الميدانية أمام من نزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم ويكفي بها مزية. ورغم ذلك فقد استشعر هو خطورة المهمة وضخامتها حيث قال: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن . وما دار بينه وبين أبي بكر من نقاش يدل على قوة شخصيته ورجاحة عقله وقوة منطقه .
    زيد بن ثابت ومكانته عند الصحابة
    لقد تميز زيد بن ثابت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته وكان يجمع بين مهمات الأمور والاختصاصات حتى وصفه الإمام الذهبي بقوله: هو الإمام الكبير ، شيخ المقرئين ، والفَرَضِيِّين, مفتي المدينة . ومن ثم حظي بمكانة عالية لدى الصحابة رضي الله عنهم حيث اختير لجمع القرآن , وقد استعمله عمر على القضاء وفرض له رزقا , ويقول ابن عمر يوم موت زيد : يرحمه الله ، فقد كان عالم الناس في خلافة عمر وحبرها . فرّقهم عمر في البلدان ، ونهاهم أن يفتوا برأيهم ، وحبس زيد بن ثابت بالمدينة يفتي أهلها . وعن سليمان بن يسار ، قال : ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا في الفرائض والفتوى والقراءة والقضاء .
    ويقول الزهري : لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض ، لرأيت أنها ستذهب من الناس. وروى محمد بن عمرو الليثي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت فأخذ له بركابه ، فقال : تنحّ يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال : إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا. ولما مات زيد بن ثابت ، قال أبو هريرة : مات حبر الأمة ! ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا . وقال ابن عباس : هكذا ذهاب العلماء ، دفن اليوم علم كثير. لقد كان زيد بن ثابت من الراسخين في العلم .
    وفاته :
    بعد حياة حافلة مشرقة توفي زيد بن ثابت الخزرجي الذي عاش يتيما لكن اليتم لم يقف حاجزا أمام ريادته , وذلك سنة (45) للهجرة عن (56( سنة .
    ولقد رثاه سيد شعراء المؤمنين حسان بن ثابت بقوله :
    فمن للقوافي بعد حسانَ وابنه ... ومن للمثاني بعد زيد بن ثابت .
    بقلم " د. محمد نور العلي "
    المراجع كثيرة : منها .
    صحيح البخاري , سنن الترمذي , سير أعلام الذهبي . طبقات ابن سعد , البداية والنهاية لابن كثير . وسواها .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي يتامى رائدون (2)

    يتامى رائدون
    الإمام ابن الجوزي رحمه الله
    إن المدقق في تاريخ الفكر يجد أن المحطات الرئيسية والقفزات النوعية المؤثرة التي أدت إلى بروز مناهج فكرية رئيسة جاءت من قبل عدد من الأفراد الأفذاذ عبر التاريخ، وهم غالبا أيتام أو مروا في تجربة فقدان من نوع ما في الطفولة المبكرة, لأسباب منها العلاقة بين اليتم والإبداع , والمدقق في السير الذاتية لكبار المفكرين والمبدعين والعلماء عبر التاريخ يمكنه أن يلاحظ مثل تلك العلاقة، وكأن السبب في ذلك هو ما تحدثه حادثة اليتم في شخصية اليتيم من ألم وحزن وعزلة ودهشة وحرمان بكافة أشكاله، وحالة من القلق مع فقدان الدرع الواقي الذي يوفر الأمان والشعور بالأمن. وممن نشأ في دائرة اليتم لكنه صار رائدا رغم يتمه الإمام الكبير " ابن الجوزي " رحمه الله تعالى .
    اسمه ونسبه ومولده :
    هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي القرشي التيمي البكري البغدادي الفقيه الحنبلي الحافظ المفسر الواعظ المؤرخ الأديب المعروف بابن الجوزي، والذي يرجع بنسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
    ولد العلامة ابن الجوزي "بدرب حبيب" الواقعة في بغداد، واختلف في تاريخ ولادته:
    والأرجح أنه ولد بعد (510هـ) حيث يقول ( لا أتحقق مولدي غير أنه مات والدي في سنة 514هـ، وقالت الوالدة كان لك من العمر ثلاث سنين. وكان أهله تجارا في النحاس، ولهذا يوجد في بعض سماعاته القديمة: عبد الرحمن بن علي الجوزي الصفار .
    نشأته ويتمه:
    توفي والده علي بن محمد وله من العمر ثلاث سنين، ولكن ذلك لم يؤثر في نشأته نشأة صالحة، حيث أبدله الله عمته مربية مخلصة تعطيه كل عطفها وعنايتها وتسهر على خدمته وتعليمه، فهي التي حملته إلى مسجد أبي الفضل بن ناصر، فتلقى منه الرعاية التامة والتربية الحسنة حتى أسمعه الحديث.
    وهذا جانب عظيم بتعلق بالرعاية والكفالة بعد فقد الوالد وهو من محاسن الدين الإسلامي حتى لا يترك اليتيم هملا منبوذا محروما من العطف والحماية والرعاية بعد فقد من كان له سندا في طفولته . وإن الإمام ابن الجوزي كان محظوظا بالنسبة لغيره من اليتامى , فعلى الرغم من فراق والده في طفولته فقد ساعده في توجهه إلى طلب العلم وتفرغه لذلك ثروة أبيه الموسر، فقد ترك له من الأموال الشيء الكثير، ولهذا نراه -رحمه الله- يكثر الكلام عن نفسه في أكثر من كتاب، فيبين أنه نشأ في النعيم، ويقول في صيد الخاطر:
    ) فإني ربيت في ترف، فلما ابتدأت في التقلل وهجر المشتهى أثر معي مرضا قطعني عن كثير من التعبد، فقلت: إن لقمة تؤثر قراءة خمسة أجزاء بكل حرف عشر حسنات، إن تناوله لطاعة عظيمة، وإن مطعما يؤذي البدن فيفوته فعل خير ينبغي أن يهجر، فالعاقل يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه .
    فلما بلغ ابن الجوزي رشده قنع باليسير فانكب على طلب العلم . فيقول عن نفسه: (ولقد كنت في مرحلة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل، لأجل ما أطلب وأرجو )
    لقد عاش ابن الجوزي منذ طفولته ورعا تقيا زاهدا، لا يحب مخالطة الناس خوفا من ضياع الوقت، ووقوع الهفوات، فصان بذلك نفسه وروحه ووقته: يقول الإمام ابن كثير عند ترجمته له "وكان -وهو صبي- دينا منجمعا على نفسه لا يخالط أحدا ولا يأكل ما فيه شبهة، ولا يخرج من بيته إلا للجمعة، وكان لا يلعب مع الصبيان تقديرا لقيمة الوقت وابتعادا عن الوقوع في اللهو، وفي موضع آخر من صيد الخاطر عين فصولا للرد على العزلة العمياء والمتزهدين فيقول: (فكم فوتت العزلة علما يصلح به أصل الدين، وكم أوقعت في بليته هلك بها الدين، وإنما عزلة العالم عن الشر فحسب.
    مكانته العلمية وثناء العلماء عليه:
    يقول ابن خلكان: (أنه كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث وفي صناعة الوعظ صنف في فنون كثيرة) (وبالجملة فكتبه تكاد لا تعد، وكتب بخطه شيئا كثيرا، وكان ابن الجوزي كثير الاطلاع ومشغوفا بالقراءة فقد حكى عن نفسه أنه طالع عشرين ألف مجلد أو أكثر، وهو ما يزال طالبا فقد استطاع بهذا الاطلاع الواسع أن يتفوق على كثير من معاصريه في المشاركة في عديد من العلوم والفنون، فألف في التفسير والحديث والطب والوعظ وغيرها الشيء الكثير ويبدو أن ابن الجوزي كان ماهرا في التفسير وفي التاريخ والوعظ ومتوسطا في الفقه، وأما بالنسبة إلى متون الحديث فهو واسع الاطلاع فيها لكنه غير مصيب في الحكم على الصحيح والسقيم.
    يقول الذهبي عند ترجمة ابن الجوزي:
    كان مبرزا في التفسير والوعظ والتاريخ ومتوسطا في المذهب وله في الحديث اطلاع تام على متونه، وأما الكلام على صحيحه وسقيمه فما له فيه ذوق المحدثين ولا نقد الحفاظ المبرزين.

    نماذج من وعظه:
    قال رحمه الله تعالى في كتابه اللطائف : وهو يحكي عن الله تعالى :
    ما يسعه مسكن، ويسعه قلب من تمسكن، غاب عن الأبصار، وبدا للبصائر.
    واعجبا يتحبب إليك وهو عنك غني، إن تأخرت قربك، وإن توانيت عاتبك، ما آثر عليك من المخلوقات شيئا، وأنت تؤثر عليه كل شيء، فنكس رأس الندم، قبل العتاب، فمالك عن هذا جواب.
    وقال في تضرع الصالحين:
    لما رأى الصالحون سطوة الدنيا بأهلها، وتملك الشيطان قياد النفوس، لجأوا إلى حرم التضرع، كما يأوي الصيد المذعور إلى الحرم.
    لا يحصل خطير إلا بخطر، الربح في ركوب البحر، الدر في قعر اليم، العلم في ترك النوم، الفخر في هجر النفس.من يحب العـز يدأب إليـه فكـذا من طلب الدر غاص إلـيــه .
    لَو قُرِب الدَرُّ عَلـــــــــى جٌلاّبِـــهِ
    مــا لَـــججَّ الغائِـــصُ في طِلابــهِ
    مَـــــن يَعشَق العَلياءَ يَلِق عِندَها
    ما لَقـــــــي المُحِـــبُّ مِن أَحبابِهِ

    "
    وقال في قيام الليل:
    يا نائما طول الليل: سارت الرفقة، طلعت شمس الشيب وما انتهت الرقدة، لو قمت وقت السحر رأيت طريق العباد قد غص بالزحام، ولو وردت ماء مدين وجدت عليه أمة من الناس يسقون.
    واسحر ليل القوم ما أضوأها، قاموا على أقدام التحير بين ركن الحذر، وشارع الشوق، يسترهم ذيل الليل تحت مخيم الظلام، وإن ناحوا فأشجى من متيم، وإن ندبوا فأفصح من " خنسا " " لاحت لهم الجادة فلما سلكوا (قالوا رَبُنا الله ثُمّ اِستَقاموا)
    هيهات منك غبار ذلك الموكب.
    أملهم أقصر من فتر، ومنازلهم أقفر من قبر، نومهم أعز من الوفاء، أخبارهم أرق من النسيم، السهر عندهم أحلى من إغفاءة الفجر، كلما افتتحوا سورة وجدوا بها وجد " يعقوب " بقميص " يوسف.
    وفاته:
    بعد أن عاش، رحمه الله، داعيا مرشدا كاتبا بارعا زاهدا مخلصا، قرابة تسعين عاما، انتقل إلى جوار ربه ببغداد. وكانت وفاته ليلة الجمعة (12 رمضان 597هـ) بين العشائين، فغسل وقت السحر، واجتمع أهل بغداد وحملت جنازته على رؤوس الناس، وكان الجمع كثيرا جدا، وما وصل إلى حفرته إلا وقت صلاة الجمعة، والمؤذن يقول: الله أكبر، ودفن بباب حرب، بالقرب من مدفن الإمام أحمد بن حنبل وكان ينشد حال احتضاره يخاطب ربه:
    يـــا كثـــير العفـــو عمـــن
    كـــــــثـر الــــذنب لـديــــــه
    جــــاءك المـــذنب يرجـــــو
    الصفـــح عـــن جــرم يديــه
    أنــــــــا ضيــــــف وجــــزاء
    الضيــــف إحســــان إليـــه
    فرحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته , فقد نشأ يتيما لكن اليتم لم يعقه عن الريادة حيث هيأ الله له من يكفله ويرعاه .
    د. محمد نور العلي

    المراجع كثيرة : منها " صيد الخاطر , البداية , ذيل تاريخ بغداد , سير أعلام الذهبي . اللطائف .
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة علي أحمد عبد الباقي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    10,876

    افتراضي

    موضوع جميل وطريف يا دكتور ، بارك الله فيك !
    وهو نواة لكتاب طريف في رأيي ، وفقك الله وأعانك .
    قال أبو عبدِ الله ابنِ الأعرابي:
    لنا جلـساء مـا نــمَلُّ حـدِيثَهم *** ألِبَّاء مأمونون غيبًا ومشهدا
    يُفيدوننا مِن عِلمهم علمَ ما مضى *** وعقلًا وتأديبًا ورأيا مُسدَّدا
    بلا فتنةٍ تُخْشَى ولا سـوء عِشرَةٍ *** ولا نَتَّقي منهم لسانًا ولا يدا
    فإن قُلْتَ أمـواتٌ فلـستَ بكاذبٍ *** وإن قُلْتَ أحياءٌ فلستَ مُفَنّدا


  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي

    أشكرك أخي علي لكلماتك الطيبة . نعم كما تفضلت أنوي جعله كتابا لهذا العام بإذن الله تعالى .

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2007
    المشاركات
    10,876

    افتراضي

    وفقك الله وأعانك يا دكتور .
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة دكتور محمد نور العلي
    قال أبو عبدِ الله ابنِ الأعرابي:
    لنا جلـساء مـا نــمَلُّ حـدِيثَهم *** ألِبَّاء مأمونون غيبًا ومشهدا
    يُفيدوننا مِن عِلمهم علمَ ما مضى *** وعقلًا وتأديبًا ورأيا مُسدَّدا
    بلا فتنةٍ تُخْشَى ولا سـوء عِشرَةٍ *** ولا نَتَّقي منهم لسانًا ولا يدا
    فإن قُلْتَ أمـواتٌ فلـستَ بكاذبٍ *** وإن قُلْتَ أحياءٌ فلستَ مُفَنّدا


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي

    ومن فوائد هذا الموضوع أن فيه حثًّا على التقدم وتجاوز العراقيل.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي

    أشكرك اخي الكريم محمد طه لحضورك الطيب والمشجّع
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمد طه شعبان

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    المشاركات
    8,786

    افتراضي

    نفع الله بك دكتور محمد. واصل وصلك الله بعطائه وجوده وكرمه.
    أبو عاصم أحمد بن سعيد بلحة.
    حسابي على الفيس:https://www.facebook.com/profile.php?id=100011072146761
    حسابي علي تويتر:
    https://twitter.com/abuasem_said80

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي يتامى رائدون (3)

    يتامى رائدون
    الإمام البخاري – رحمه الله تعالى
    تربية الأبناء وتهذيبهم وتعليمهم أمر مهم مقدس متعلق بالوالدين بادئ الأمر حيث هو الغرس الأول الذي له ما بعده . وفي حال وفاة الأب تكون هذه المسؤولية منوطة بعاتق الوالدة , وحين رغب الإسلام باختيار ذات الدين والصلاح والخلق الطيب أراد بذلك إنشاء جيل صالح فاضل , حيث يبرز دور الأم الصالحة في تنشئة أولادها النشأة القويمة فتغرس فيهم السلوك الراشد والعادات الحسنة , وإذا قيل " كل عظيم وراءه امرأة " فتلك المرأة هي الأم في الأغلب الأعم لأنها بمثابة القلب من الجسد غذاء للروح ومفيضا للمدارك ومبعثا للعواطف , ومن هؤلاء الأمهات العظيمات على مر التاريخ أم الإمام البخاري رحمهما الله تعالى حيث فقدت زوجها فاعتنت بوليدها البخاري أيما اعتناء وضحت برؤيته بعيدا عنها ليصبح إمام الدنيا وأمير المؤمنين في الحديث ورائدا من رواد الإسلام .
    اسمه ونسبه
    هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي. و( بَرْدِزْبَه) بفتح الباء وسكون الراء وكسر الدال وسكون الزاي وفتح الباء بعدها هاء. قال الحافظ ابن حجر: هذا هو المشهور في ضبطه وبه جزم ابن ماكولا . وكان فارسيا على دين قومه , ومعناه في الفارسية الزرّاع, هكذا يقول أهل بخارى . وأول من أسلم من أجداد البخاري" المغيرة بن بردزبه" حيث أسلم على يد يَمان الجُعْفي والي بخارى فنسب إليه ولاءً.
    وأما جدّه " إبراهيم بن المغيرة " فلم يقف على شيء من أخباره. كما أفاد الحافظ في مقدمة الفتح, وأما أبوه " إسماعيل بن إبراهيم " فقد ترجم له ابن حبان في الثقات وقال: "إسماعيل بن إبراهيم والد البخاري من الطبقة الرابعة يروي عن حماد بن زيد ومالك وروى عنه العراقيون . وترجم له ولده البخاري في التاريخ الكبير وقال : إن أباه رأَى حَماد بْن زيد , وصافح ابْن المبارك بكلتا يديه، وسَمِعَ مالِكًا. وكان مما قال عند وفاته أنه لا يعلم في ماله حراما ولا شبهة .
    مولده وبلدته :
    ولد رحمه الله تعالى في بخارى يوم الجمعة بعد الصلاة سنة 194هـ. وبخارى كما وصفها ياقوت: هي من أعظم مدن ما وراء النهر كثيرة البساتين واسعة الفواكه لا يقع بصرك من جميع نواحيها إلا على خضرة متصلة خضرتها بخضرة السماء فتحها المسلمون سنة 87ه ـ بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي رحمه الله تعالى .
    نشأته وطلبه العلم:
    توفي والده وهو صغير فنشأ في حجر أمه وأقبل على طلب العلم منذ الصغر وقد تحدث عن نفسه فقال : ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتّاب" وقد أتى عليّ عشرة سنين أو أقل"، إلى أن قال: فلما طعنت في ست عشرة سنة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع وعرفت كلام أصحاب الرأي" قال: ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج, فلما طعنت في ثماني عشرة سنة صنّفت " كتاب قضايا الصحابة والتابعين ثم صنفت التاريخ بالمدينة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وكنت أكتبه في الليالي المقمرة " قال: "وقلَّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة إلا أني كرهت أن يطول الكتاب".

    رحلته في طلب العلم وسماعه الحديث:
    اشتغل وهو صغير في طلب العلم وسماع الحديث فسمع من أهل بلده ثم حج هو وأمه وأخوه أحمد وهو أسن منه سنة 210هـ فرجع أخوه بأمّه وبقي في طلب العلم وهذا فيه دلالة عظيمة على تضحية تلك الأم العظيمة وعلى صبر هذا الفتى الصغير مما لا تغفله عين , فسمع بمكة والمدينة ثم رحل إلى أكثر محدّثي الأمصار في خراسان والشام ومصر وبلخ وغيرها وقدم بغداد مرارا واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله وشهدوا بتفرده في علمي الرواية والدراية وسمع من أناس كثيرين غير هؤلاء ونقل عنه أنه قال: " كتبت عن ألف وثمانين نفسا ليس فيهم إلا صاحب حديث"
    حفظه وقوة ذاكرته
    كان الإمام البخاري رحمه الله قوي الذاكرة سريع الحفظ مما ساعده على الريادة في علم الحديث حتى إنه كان يقول: " أحفظ مائة ألف حديث صحيح, ومائتي ألف حديث غير صحيح". ويقول : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام كتبته في بغداد . ولعل من أعجب ما نقل عنه في ذلك ما قاله الحافظ أبو أحمد ابن عدي كما في تاريخ بغداد سمعت أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري وأخذوا الموعد للمجلس فلما علم البخاري أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فقلت كذا وصوابه كذا وحديثك الثاني قلت كذا وصوابه كذا والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل، وعند ذكر هذه القصة يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "هنا يخضع للبخاري فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا, بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة". وبنحوها قال ابن كثير عنه حين دخل سمرقند فَاجْتَمَعَ بأربعمائة من علماء الحديث بها، فركبوا أَسَانِيدَ وَأَدْخَلُوا إِسْنَادَ الشَّامِ فِي إِسْنَادِ الْعِرَاقِ، وخلطوا الرجال في الأسانيد وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، ثم قرؤوها عَلَى الْبُخَارِيِّ فَرَدَّ كُلَّ حَدِيثٍ إِلَى إِسْنَادِهِ .
    مكانته وثناء العلماء عليه
    لقد حظي الإمام البخاري بصيت واسع ومكانة عالية مرموقة ولقب بأمير المؤمنين في الحديث حيث كان موضع التقدير من شيوخه وأقرانه ومن بعدهم تحدثوا عنه بما هو أهله وأنزلوه المنزلة التي تليق به وقد جمع مناقبه الحافظان الكبيران الذهبي وابن حجر العسقلاني في مؤلفين خاصين .
    وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري".. وقال الحافظ ابن حجر: أبو عبد الله البخاري جبل الحفظ وإمام الدنيا ثقة الحديث".
    وقال الحافظ ابن كثير: هو إمام أهل الحديث في زمانه والمقتدى به في أوانه والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه"، وقال: "وقد كان البخاري رحمه الله في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء والرغبة في الآخرة دار البقاء" وكان يصلي كل ليلة ثلاث عشرة ركعة ويختم القرآن في كل ليلة من رمضان ختمة وكان له مال جيد ينفق منه ويكثر الصدقة سرا وجهرا وكان مستجاب الدعوة شريف النفس .
    البخاري ونظمه الشعر :
    لم يكن البخاري يميل إلى الشعر وقوله لاشتغاله بالحديث الشريف ولكن لا يمنع من استشهاده أو تمثله بالشعر وقول القليل منه فقد أورد الذهبي أنه لما جاء البخاريَ نعْيُ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ صاحب السنن نكّس رأسه ثم رفع واسترجع وجعل تسيل دموعه على خديه ثم أنشأ يقول:
    إن تبقَ تفجعْ بالأحبة كلهم ... وفناء نفسك لا أبا لك أفجع ْ
    ولدى المراجعة والتدقيق يتبين أن هذا ليس من قول البخاري إنما هو من قصيدة قالها عبد الله بن عبد الأعلى في رثاء أيوب بن سليمان بن عبد الملك كما جاء في تاريخ دمشق لابن عساكر . ولذلك أورد الذهبي في تاريخ الاسلام أن البخاري قال متمثلا : وذكر البيت لما جاءه نعي الدارمي .. وبهذا يتبين أن هذا البيت ليس للبخاري إنما قاله متمثلا .. ولكن بعد البحث يتبين أن البخاري ليس له سوى بيتين من الشعر أوردهما الحموي في خلاصة الأثر في ترجمة المقري التلمساني حينما كان في مسجد دمشق وَتكلم على تَرْجَمَة البُخَارِيّ وَأنْشد لَهُ بَيْتَيْنِ وَأفَاد أَن لَيْسَ للْبُخَارِيّ غَيرهمَا وهما:
    اغتنم فِي الْفَرَاغ فضل رُكُوع ... فَعَسَى أَن يكون موتك بغتهْ
    كم صَحِيح قد مَاتَ قبل سقيم ... ذهبت نَفسه النفيسة فلتهْ
    قال الحموي : وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع نقلا عَن الْحَافِظ ابْن حجر أَنه وَقع للْبُخَارِيّ ذَلِك أَو قريب مِنْهُ .
    البخاري والجامع الصحيح
    لقد ترك البخاري رَحِمَهُ اللَّهُ بعده علماً نافعا لجميع المسلمين، فعلمه لَمْ يَنْقَطِعْ بَلْ هُوَ مَوْصُولٌ بِمَا أَسْدَاهُ مِنَ الصَّالِحَاتِ فِي الْحَيَاةِ، ومن أعظم ما أبقاه وأجلّه كتابه الجامع الصحيح الذي هو أصح الكتب المصنفة في الحديث النبوي. وادّعى أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته : الإجماع على ذلك والتسليم بصحة جميع ما فيه وقد احترز بقوله " إلا مواضع يسيرة " انتقدها عليه الدار قطني وغيره. وقد أشار إلى ذلك الحافظ في مقدمة فتح الباري : وقال : هو احتراز حسن.
    وَمَا أحسن ما قاله بَعْضُ الْفُصَحَاءِ مِنَ الشُّعَرَاءِ:
    صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ لَوْ أَنْصَفُوهُ * لَمَا خُطَّ إِلَّا بِمَاءِ الذَّهَبْ
    أَسَانِيدُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاءِ * أَمَامَ متون لها كالشهب
    السبب الباعث على تأليفه
    لقد أشار الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح إلى أسباب ثلاثة دعت الإمام البخاري إلى تأليفه كتاب الصحيح :
    أحدها : رؤيته الكتب التي ألفت قبله جامعة بين الصحيح وغيره .
    ثانيا : أنه سمع من شيخه ابن راهويه قوله : لو جمعتم كتابا صحيحا مختصرا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم . فوقع في قلبه ذلك .
    ثالثا : روي بالإسناد الثابت رؤيته النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو بين يديه يذب عنه بمروحته ففسروها له أنه يذب عن سنته الكذب .
    ولقد اعتنى به أيما اعتناء حيث كان يقول : ما وضعت حديثا صحيحا في كتابي الصحيح إلا اغتسلت قبله وصليت ركعتين واستخرت الله وتيقنت صحته . ولقد صنفته لستة عشر سنة خرجته من ستمائة ألف حديث وجعلته حجة بيني وبين الله تعالى . وجعله مشتملا على تراجم الأبواب حيث كان يقال : فقه البخاري في تراجمه , وقد استفتحه بحديث الأعمال بالنيات وختمه بكتاب التوحيد على عكس مسلم حيث ابتدأ كتابه الصحيح بكتاب الإيمان .. وتقسيم البخاري هذا استنبط منه أهل العلم مزية للبخاري حيث قالوا : ختم كتابه بالتوحيد إشارة إلى الحديث ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) ثم إنه ختم كتاب التوحيد بحديث " الوزن " إشارة منه إلى أن الميزان يوم القيامة هو آخر شيء ثم بعده إما إلى الجنة أو النار , ومنهم من قال أن مراد البخاري أن كتابه الصحيح هو الميزان في حديث النبي صلى الله عليه وسلم .
    قراءة البخاري في الشدائد وحبس الغيث
    هذه المسألة أشار إليها الحافظ ابن كثير في البداية حيث قال في سياق الحديث عن الإمام البخاري ( وَكِتَابُهُ " الصَّحِيحُ " يُسْتَسْقَى بِقِرَاءَتِهِ الْغَمَامُ، وَأَجْمَعَ عَلَى قَبُولِهِ وَصِحَّةِ مَا فِيهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ)
    ومن خلال تتبعي لحياة الإمام البخاري رحمه الله وكتابه الصحيح عثرت على حالتين فيما يتعلق بقراءة البخاري في الشدائد وحبس المطر .
    الحالة الأولى : أفاد بها ابن كثير في البداية أن الناس في سنة 749ه وقع فيهم طاعون كان فيه الفناء العظيم في حلب ودمشق والمعرة وحماة واستمر سنة كاملة وهو سادس طاعون في الاسلام كما أفاد ابن العجمي في كنوز الذهب 1/157 وحينها دعوا الله برفع البلاء عن البلاد , قال ابن كثير ( أنه قرئ حينها صحيح البخاري في يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ سَابِعَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَحَضَرَ الْقُضَاةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الناس).
    الحالة الثانية : أفاد المقّري التلمساني في فتح المتعال أن حافظ المغرب أبا القاسم الفاسي يقرأ أيام الاستسقاء جميع صحيح البخاري بلفظه في يوم واحد يبدؤه بعد الصبح ويختمه بعد الظهر أو قال بعد العصر , ولم تزل العادة في فاس المحروسة بقراءة صحيح البخاري عند الأزمات والكرب والمهمات وهو مجرب منصوص عليه . وفاته: وبعد تطوافه وكثرة رحلاته رجع البخاري إلى بخارى ليستقبل استقبالا كريما لكن لم يدم له هذا الأمر طويلا حيث لاقى فيها من الشدة ما دعاه للخروج منها إلى مدينة خرْتَنْك على بعد فرسخين من سمرقند ورأى كثرة الفتن دعا الله سبحانه أن يقبضه غير مفتون واستجاب الله دعاءه فمرض على إثر ذلك ومات ليلة عيد الفطر عند صلاة العشاء وصُلي عليه يوم العيد بعد الظهر سنة 256ه وحين دفن فاحت من قبره رائحة طيبة أطيب من المسك وبقيت أياما , وكان عمره يوم وفاته 62 سنة.
    المصادر كثيرة : منها " مقدمة فتح الباري , والبداية والنهاية , وسير أعام النبلاء, وتقريب التهذيب, وتهذيب الكمال , وسواها .
    د. محمد نور العلي
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم أروى المكية

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي

    أشكرك أخي الكريم أبو عاصم لطيب حضورك وجميل دعائك
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبوعاصم أحمد بلحة

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2014
    المشاركات
    1,285

    افتراضي

    جزاكم الله خيراً ، ورحم الله أمير المؤمنين في الحديث وألحقنا به في الصالحين .

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي

    أشكرك اختي الكريمة المكية لمرورك الطيب

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    9,218

    افتراضي

    موفق إن شاء الله.
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي

    بوركت ووفقت ابا البراء أشكرك لطيب مرورك

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,945

    افتراضي

    سلمت يداك على هذا الموضوع المفيد دكتور العلي ، أعلى الله ذكرك في الدارين .

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي

    سلمك الله تعالى اخي الكريم أبا مالك لعطر كلماتك
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    9,218

    افتراضي

    ومنهم الخيضري تلميذ ابن حجر علَّك تجعله في موضوعك.
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي

    جزيت الخير على منثور فائدتك أبا البراء

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2016
    الدولة
    الامارات
    المشاركات
    41

    افتراضي يتامى رائدون (4)

    يتامى رائدون
    الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى
    يبدأ القرآن الكريم كعادته دائما بتسمية الشيء باسمه ليبني على هذا الشيء مقتضاه . فعندما أطلق القرآن وصف اليتم بصيغة الإفراد والتثنية والجمع ، وكرر لفظ اليتيم ومشتقاتها أكثر من عشرين مرة في الكتاب العزيز ، كان المقصود من ذلك بيان أن صفة اليتم ليس فيها عيب ولا تهمة ، فاليتيم شخص كامل في شخصيته ، تام في إنسانيته . ومن ثم فلا مكان للشعور بالدونية أو الإحساس بالنقص لدى اليتيم .
    وإن من إطلاق هذا الوصف ، لفت الانتباه إليه لسد حاجته وإصلاح شأنه . وهذا ما فقهه المسلمون فأولَوْا اليتامى جُلّ اهتمامهم ورعايتهم وكفالتهم حتى أضحوا روّادا في اختصاصاتهم ويشار إليهم بالبنان , ولا يخفى دور الأم في تنشئتهم وتربيتهم وتعليمهم , وممن نشأ يتيما وكانت أمّه نموذجا في تنشئته وسببا في ريادته " الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى "
    اسمه ونسبه ومولده :
    هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، كان مولده في حياة الصحابة، وحدَّث عن خلقٍ كثير من التابعين وغيرهم، قال ابن سعد: الأوزاع بطن من همدان، وهو من أنفسهم كذا قال، وخالفه بعض المؤرخين الشاميين، فقالوا: لم يكن من أنفسهم، وإنما نزل في محلة الأوزاع ـ وهي قرية خارج باب الفراديس من قرى دمشق ـ فغلب عليه النسبة إليها، وأصله من سبي السِّنْد.
    وذكر المؤرخون أنه ولد ببعلبك، ونشأ بالبقاع، يتيمًا في حجر أمِّه، وكانت تنتقل به من بلدٍ إلى بلدٍ، وتأدَّب بنفسه، قال العباس بن الوليد: فما رأيت أبي يتعجَّب من شيء في الدنيا، تعجبه من الأوزاعي. فكان يقول: سبحانك تفعل ما تشاء! كان الأوزاعي يتيماً فقيراً في حجر أمه، تنقله من بلدٍ إلى بلدٍ، وقد جرى حكمك فيه أن بلَّغته حيث رأيته. وقد كان مخضرما عاصر العهد الأموي والعباسي .
    سيرته المشرقة رغم اليتم :
    لقد كان الأوزاعي من اليتامى الرائدين حيث علا نجمه في زمانه وأصبح أشهر من نار على علم في دمشق وسائر البلاد في الفقه والحديث والمغازي وعلوم الإسلام وقد أدرك خلقا من التابعين وغيرهم وحدث عنه جماعات من سادات المسلمين كمالك بن أنس والثوري والزهري وهو من شيوخه وقد أثنى عليه الأئمة وأجمعوا على عدالته وإمامته , وقد تذاكر مع الإمام مالك في المدينة من الظهر حتى صليا العصر ومن العصر حتى صليا المغرب , وقد أفتى وعمره خمس وعشرون سنة ولا يزال يفتي حتى توفاه الله تعالى .
    إن الاوزاعي خرج إلى اليمامة، فأتى مسجدها، فصلى، وكان يحيى بن أبي كثير قريبا منه، فجعل ينظر إلى صلاته، فأعجبته، ثم إنه جلس إليه، وسأله عن بلده، وغير ذلك، فجلس عنده مدة يكتب عنه، فقال له: ينبغي لك أن تبادر البصرة لعلك تدرك الحسن البصري وابن سيرين، فتأخذ عنهما. فانطلق إليهما، فوجد الحسن قد مات، وابن سيرين حي، فدخل عليه فعاده ، ومكث أياما ومات، ولم يسمع منه، قال محمد بن عبد الرحمن السلمي: رأيت الاوزاعي فوق الربعة، خفيف اللحم، به سمرة، يخضب بالحناء.
    وله مسائل كثيرة حسنة ينفرد بها، وهي موجودة في الكتب الكبار، وكان له مذهب مستقل مشهور، عمل به فقهاء الشام مدة، وفقهاء الاندلس، ثم فني. قال عبد الرزاق: أول من صنف ابن جريج، وصنف الاوزاعي. وأجاب في سبعين ألف مسألة .
    وقال مالك بن أنس إمام دار الهجرة : الأوزاعي إمام يُقتدى به.
    وقال ابن المبارك: لو قيل لي: اختر لهذه الأمة، لاخترت سفيان الثوري والأوزاعي، ولو قيل لي: اختر أحدهما، لاخترت الأوزاعي، لأنه أرفق الرجلين.
    قال عبدالرحمن بن مهدي: إنما الناس في زمانهم أربعة: حماد بن زيد بالبصرة، والثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام.
    قال الوليد بن مسلم: رأيت الاوزاعي يثبت في مصلاه، يذكر الله حتى تطلع الشمس، ويخبرنا عن السلف: أن ذلك كان هديهم، فإذا طلعت الشمس، قام بعضهم إلى بعض، فأفاضوا في ذكر الله، والتفقه في دينه.
    قال إسحاق بن راهويه: إذا اجتمع الثوري والأوزاعي ومالك على أمر فهو سنّة.
    الأوزاعي ومنهجه :
    لقد كان الإمام الأوزاعي في منهجه ميالا إلى نهج السلف محبا للصحابة ذا تقدير كبير لهم . يسعه ما وسعهم, قال العباس بن الوليد: حدثنا أبي: سمعت الأوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم. قال بقية بن الوليد: قال لي الاوزاعي: يا بقية ! لا تذكر أحدا من أصحاب نبيك إلا بخير. يا بقية ! العلم ما جاء عن أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – وما لم يجئ عنهم، فليس بعلم.
    الإمام الأوزاعي والوعظ :
    لقد كان الأوزاعي رحمه الله تعالى ذا باع كبير في الوعظ حيث كان ينثر الدر على أسماع البشر لما يملكه من حكمة وروية وتأدب وعلم . ولقد كان يعظ الناس فلا يبقى أحد في مجلسه إلا بكى بعينه أو بقلبه.
    وإن مما قاله وعظا وإرشادا وحكمة : من أكثر ذكر الموت، كفاه اليسير، ومن عرف أن منطقه من عمله، قل كلامه.
    وأنه وعظ مرة ، فقال في موعظته: أيها الناس ! تقوّوا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة، التي تطلع على الافئدة، فإنكم في دارٍ، الثواء فيها قليل، وأنتم مرتحلون وخلائف بعد القرون، الذين استقالوا من الدنيا زهرتها، كانوا أطول منكم أعمارا، وأجدّ أجساما، وأعظم آثارا، فجددوا الجبال، وجابوا الصخور ونقّبوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجسام كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مدتهم، وعفت آثارهم، وأخوَت منازلهم، وأنست ذكرهم، فما تحسّ منهم من أحد، ولا تسمع لهم رِكْزا ، كانوا بلَهْوِ الأمل آمنين، ولميقات يوم غافلين، ولصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم ما نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله، فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمه وزوال نعمه، ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، في زمان قد ولى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حمّة شر، وصبابة كدر، وأهاويل غِيَر.
    الأوزاعي والبلاغة والفصاحة
    لقد كان رحمه الله ضليعا في اللغة والفصاحة والبلاغة حتى قالوا : كان الأوزاعي لا يلحن في كلامه وكانت كتبه ترد على المنصور فينظر فيها ويتأملها ويتعجب من فصاحتها وحلاوتها فقال يوما لأحظى كتّابه عنده وهو سليمان بن مجالد ينبغي أن تجيب الأوزاعي عن كتبه فقال والله يا أمير المؤمنين لا يقدر أحد من أهل الأرض على مثل كلامه ولا على شيء منه. وإنا لنستعين بكلامه فيما نكاتب به إلى الآفاق إلى من لا يعرف كلام الأوزاعي.
    وفاته :
    رحل الأوزاعي من دمشق، فنزل بيروت مرابطاً بأهله وأولاده. إلى أن توفاه الله تعالى سنة (157 هـ) عن عمر قارب السابع والستين, وسبب موته أنه دخل الحمام فأغلقت امرأته عليه باب الحمام، غير متعمِّدة، فمات، ووجدوه موسدًا ذراعه إلى القبلة.
    قال سالم بن المنذر : خرجنا في جنازته أربعة أمم: فحمله المسلمون، وخرجت اليهود في ناحية، والنصارى في ناحية، والقبط في ناحية .
    رحم الله من تشرفت به بلاد الشام وتسمت باسمه منارات العلم .
    بقلم : د. محمد نور العلي
    المصادر كثيرة منها : تاريخ ابن عساكر , سير أعلام الذهبي , طبقات ابن سعد, تهذيب المزي , البداية والنهاية لابن كثير .. وسواها

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    9,218

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة دكتور محمد نور العلي مشاهدة المشاركة
    جزيت الخير على منثور فائدتك أبا البراء
    وإياك يا دكتور، يالحبيب الغالي.
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •