بعض الفتاوى.....
النتائج 1 إلى 11 من 11
5اعجابات
  • 3 Post By أبو عبد البر طارق
  • 2 Post By أبو عبد البر طارق

الموضوع: بعض الفتاوى.....

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي بعض الفتاوى.....


    بسم الله الرحمن الرحيم


    و الصلاة و السلام على رسول الله و على صحبه أجمعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد
    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا

    -----------------------------------------------------------------------
    الســــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــؤال:
    ذوات الأرواح غير البشر من الحيوانات والطيور إذا ماتوا أين تذهب أرواحهم ؟
    وهل ملك الموت يقبضها أم ما الذي يحدث لها بالضبط ؟

    ============================== =========
    الجــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــواب :
    الحمد لله
    أولا :
    أخبر سبحانه أن ملك الموت يقبض أرواح بني آدم ، فقال : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) السجدة/11.
    وأما أرواح البهائم والطير ، فلم يرد فيها نص من الكتاب أو السنة الصحيحة ـ فيما نعلم ـ ، وإنما ورد في ذلك حديث لا يصح ، وهو ما رواه العقيلي قي الضعفاء بلفظ: ( آجال البهائم كلها من القمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال كلها والبقر وغير ذلك ، آجالها في التسبيح ، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها ، وليس إلى ملك الموت من ذلك شيء ). قال الألباني في "السلسلة الضعيفة" (4/188) : موضوع .
    ولهذا قال بعض أهل العلم : إن ملك الموت هو الذي يقبض أرواح الجميع ، وقال بعضهم : إن الله يتوفاها بنفسه ، فيعدم حياتها . وينظر : "التذكرة" للقرطبي ص (75) ، "الفواكه الدواني" (1/100).
    وذهب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى أن البحث في ذلك من التكلف ، فقد سئل رحمه الله :
    " هل ملك الموت موكل بقبض أرواح الحيوانات؟
    فأجاب : "ما رأيك إذا قلت : إن ملك الموت موكل بقبض أرواح الحيوانات أو غير موكل ، ما الفائدة من هذا ؟! هل سأل الصحابة عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ، هم أحرص منا على العلم ، والرسول أقدر منا على الإجابة ، ومع ذلك ما سألوا ، إنما قال الله عز وجل: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ) السجدة/11، موكل بقبض أرواح بني آدم ، أما غير أرواح بني آدم لم يثبت ، الله أعلم.
    ولكننا أهم شيء في جواب هذا السؤال أن الإنسان لا يتنطع ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هلك المتنطعون ) فلا تسأل عن شيء ليس فيه فائدة ، والله لو كانت فيه فائدة بعلمنا أن ملك الموت يقبض أرواح الحيوانات الأخرى لبينها الله سبحانه وتعالى ، إما في القرآن أو السنة ، أو أن الله يقيض من يسأل الرسول عن هذا ، ولهذا كان الصحابة يفرحون أن يأتي أعرابي من البادية يسأل عن شيء ربما يستحون أن يسألوا الرسول عنه .
    الحاصل يا أخي أنت ومن يسمع أقول : إن التعمق في هذه الأمور خطأ ؛ لأن الرسول قال: ( هلك المتنطعون ) ما قالها مرة : ( هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون ) ثلاث مرات ، في مثل هذه الأمور الغيبية خذ ما ثبت ودع ما لم يذكر ... فعلينا يا إخواني! أن نأخذ من مسائل الغيب ما ثبت عندنا ، والباقي نسكت عنه ، لو كلفنا به أو كان لنا مصلحة في معرفته لبينه الله ، قال الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) النحل/44 ، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما ترك شيئاً نحتاجه إلا بينه " انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (146/11).
    ثانيا :
    أما مصير أرواح هذه الحيوانات ، فقد روى عبد الرزاق في مصنفه وابن جرير والبيهقي في "البعث" عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) قال : يحشر الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم والدواب والطير وكل شيء ، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء [التي لا قرون لها] من القرناء. قال: ثم يقول : كوني ترابا. فلذلك يقول الكافر: ( يا ليتني كنت ترابا ) النبأ/ 40 .
    وينظر : "تفسير ابن كثير" (3/255).
    قال الألباني في "السلسلة الصحيحة" (4/466) : " أورده السيوطي في "الدر المنثور" (6/310) و لم يتكلم على إسناده كما هي عادته ، وهو عند ابن جرير (30/17) قوي" انتهى.
    والله أعلم .


    المصدر


    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي


    مســـــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــألة
    هل تحصل الجماعة بالملائكة كما تحصل ببني آدم؟
    ========================
    ذكر السبكي في الحلبيات: أن الجماعة تحصل بالملائكة كما تحصل ببني آدم، قال: وبعد أن قلت ذلك بحثا رأيته منقولا، ففي فتاوي الخياطي من أصحابنا: فيمن صلى في فضاء من الأرض بأذان وإقامة وكان منفردا ثم حلف أنه صلى بالجماعة هل يحنث أو لا؟
    أجاب: بأنه يكون بارا في يمينه ولا كفارة عليه، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أذن وأقام في فضاء من الأرض وصلى وحده صلت الملائكة خلفه صفوفا
    فإذا حلف على هذا المعنى لا يحنث
    قال السبكي: وينبي على ذلك أن من ترك الجماعة لعذر - وقلنا: إنها فرض عين - هل نقول: يجب القضاء كمن صلى فاقد الطهورين؟
    فإن كان كذلك فصلاة الملائكة إن قلنا بأنها كصلاة الآدميين وأنها تصير بها جماعة فقد قال: إنها تكفي لسقوط القضاء. انتهى.
    وفي الفروع من كتب الجنابلة: قال في النوادر: تنعقد الجماعة والجمعة بالملائكة و مسلمي الجن، وهو موجود زمن النبوة، وذكر أيضا عن أبي البقاء من أصحابنا كذا قالا، والمراد في الجمعة من لزمته كما هو ظاهر كلام أبي حامد المذكور، لأن المذهب لا تنعقد الجمعة بآدمي لا تلزمه: كمسافر و صبي فهنا أولى، ثم ذكر حديث سلمان الفارسي مرفوعا وأثر سعيد ابن المسيب السابقين انتهى.


    الحبائك في أخبار الملائك/ عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)




    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي




    مســـــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــألة


    في رجلين تكلما فقال أحدهما: إن عليا أشجع من أبي بكر، وقال آخر: إن أبا بكر أشجع الصحابة.
    ===================
    ا لجـــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــو اب :


    الحمد لله. الذي عليه سلف الأمة وأئمتُها أن أبا بكر الصديق أعلم الصحابة و أدين الصحابة و أشجع الصحابة وأكرم الصحابة، وقد بسط هذا في الكتب الكبار وبين ذلك بالدلائل الواضحة.
    وذلك أن الشجاعة ليست عند، أهل العلم بها كثرة القتل باليد ولا قوة البدن، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم أشجع الخلق، كما قال علي بن أبي طالب : كنا إذا احمرّ البأس ولقي القوم القوم كنا نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان يكون أقرب إلى القوم منا.
    وقد انهزم أصحابه يوم حنين وهو على بغلة يسوقها نحو العدو، ويتسمى بحيث لا يُخفي نفسه، ويقول: أنا النبي لا كذب .......أنا ابن عبد المطلب


    ومع هذا فلم يقتل بيده إلا واحدا، وهو أبي بن خلف، قتله يوم أحد.


    وكان في الصحابة من هو أكثر قتلا من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وإن كان لا يفضل عليهم في الشجاعة، مثل البراء بن مالك أخي أنس بن مالك، فإنه قتل مئة رجل مبارزة غير من شرك في دمه.


    و لم يقتل أحدا من الخلفاء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم هذا العدد، بل ولا حمزة سيد الشهداء- الذي يقال: إنه أسد الله ورسوله- لم يقتل هذا العدد، وهو في الشجاعة إلى الغاية. وكذلك الزبير بن العوام هو في الشجاعة إلى الغاية، حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "إن لكل نبي حواريا، وحواريي الزبير" ، ولم يقتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هذا العدد.


    وغزوات النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه مضبوطة عند أهل العلم بالسيرة والحديث، و الله تعالى كان يبارك لنبيه و أصحابه في مغازيهم، فمع العمل القليل يظهر الإسلام و تفشو الدعوة ويدخلون في دين الله أفواجا. ومجموع من قتل الصحابة كلهم مع النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغون ألف نفس، بل أقل من ذلك، ومع هذا ببركة الإيمان فُتحت أرض العرب كلها في حياته.


    وكان القتل يوم بدر، وهي أول مغازي القتال، وأسروا منها سبعين أو نحوها.
    وأما يوم أحد فقُتِل الكفار قليلا جدا، وكذلك يوم الخندق ويوم فتح مكة، والقتلى في خيبر وحنين ليسوا بالكثير. وأعظم عددا قُتِلوا جميعا قتلى قريظة، فإنهم بلغوا ثلاث مئة أو أربع مئة قتلهم جميعا.


    وجملة مغازي النبي جميع بضع وعشرون غزاة، وكان القتال فيها في تسع: مغازي بدر وأحد والخندق وبني المصطلق و قريظة وخيبر والفتح وحنين والطائف، وأعظم ما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبوك بلغوا عشرات ألوف، ولكن لم يكن في تبوك قتال، بل أقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة، وكان قد جاء لقتال النصارى من الروم والعرب وغيرهم، فلم يقدموا على قتاله.


    وأما هذه المحاربات التي يذكرها الكذابون، و كثرة القتلى التي يذكرها أهل الفرية، فكذبها معروف عند كل عالم. و إذا كان القتلى نحوا ممن ذكروا والمُقاتِلة في الصحابة كثيرون من المهاجرين والأنصار، مثل عمر وعلي وحمزة والزبير والمقداد وأمثالهم، ومثل أبي أيوب وأبي طلحة وأبي قتادة وأبي دجانة، ثم مثل خالد بن الوليد وأمثاله، وقَتل الواحد من هؤلاء يقارب قتل عمر وعلي وغيرهما، ينقص عنه أو يزيد عنه، ولهذا لما جاء علي رضي الله عنه أخذ بسيفه إلى فاطمة وقال: اغسليه عن دمهم، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن تكن أحسنت فقد أحسن فلان وفلان" وسمى طائفة من المسلمين-: عُلم أنه لم يمتنع أن يكون أحد من الخلفاء قتل مئة من الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم.


    وأما خالد بن الوليد والبراء بن مالك وأمثالهما فهؤلاء قتل الواحد منهم مئة وأكثر، لمغازيهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، فانهم لما غزوا أهل الردة وفارس والروم كان القتلى من الكفار كثير جذا لكثرة الجموع. والخلفاء الراشدون لم يغز أحد منهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا باشر بنفسه قتال الكفار بعده، وإنما كانوا هم أولي الأمر، فكان أبو بكر يشاور عمر وعثمان وعليا وغيرهم، وكذلك عمر كان يشاور هؤلاء أو غيرهم، وهم عنده. ولكن الزبير بن العوام شهد فتح مصر، وسعد ابن أبي وقاص فتح العراق، وأبو عبيدة بن الجراح فتح الشام.


    وإذا تبين هذا فالشجاعة هي ثبات القلب وقوته، وقوة الإقدام على العدو، والبعد عن الجزع والخوف، فهي صفة تتعلق بالقلب، وإلا فالرجل قد يكون بدنه أقوى الأبدان، وهو من أقدر الناس على الضرب والطعن والرمي، وهو ضعيف القلب جبان، وهذا عاجز. وقد يكون الرجل يقتل بيده خلقا كثيرا، وإذا دهمته الأمور الكبار مالت عليه الأعداء، فيضعف عنهم أو يخاف.


    وأبو بكر الصديق كان أقوى الصحابة قلبا وأربطهم جأشا وأعظمهم ثباتا وأشدهم إقداما وأبعدهم عن الجزع والضعف والجبن، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصحبه وحده في المواضع التي يكون أخوف ما يكون فيها، كما صحبه في الهجرة، وكان معه في الغار، والأعداء يطلبهما وتبذل ديتهما لمن يأتي بهما، وكان معه في العريش يوم بدر وحده والكفار قاصدون الرسول خصوصا.
    ولهذا لما مات النبي صلى الله عليه وسلم ظهر من شجاعته وبسالته وصبره وثباته وسياسته وتدبيره وإمامته للدين وقمعه للمرتدين ومعونته للمؤمنين وسد ظهورهم ما لا تتسع هذه الورقة. وكل من له بالشجاعة أدنى خبرة يعلم أنه لم يكن منهم من يقاربه في الشجاعة فضلا أن يُشَارِيه. وكذلك كان عمر، كان أشجعهم بعده، كما أن أبا بكر كان أعلمهم، كما ذكر الإمام منصور بن عبد الجبار السمعاني إجماع العلماء على أن أبا بكر أعلم الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مبسوط في غير هذا الموضع. والله أعلم.

    جامع المسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية/ المجموعة الثالثة



    أبوأحمد المالكي و ابراهيم العليوي الأعضاء الذين شكروا.
    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي


    بسم الله الرحمن الرحيم
    ســــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــؤال :


    رُفِع لشيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، وصورته:
    ما تقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - في رجل عاشقٍ في صورة، وتلك الصورة مُصِرَّة على هجره منذ زمانٍ طويل لا يزيده إلاّ بُعدًا، ولا يزداد لها إلاّ حُبًّا، وعشقُه لهذه الصورة من غير فسقٍ ولا خنا، و ليس هو ممن يُدنِّس عشقَه بِزِنا، وقد أَفْضَى الحالُ إلى هلاكِه لا مَحَالةَ إن بَقِيَ مع محبوبه على هذه الحالة. فهل يَحِل لمن هذه حالُه أن يهجر؟
    وهل يَجبُ وصالُه على المحبوب المذكور؟
    وهل يأثم ببقائه على ما يكره منَ المحبّ؟ وماذا يجب من تفاصيلِ أمرِهما وما لكل واحدٍ منهما على الآخر من الحقوق مما يوافق الشرعَ والعقل؟
    أفتونا مأجورين رحمكم الله.



    ============================== ===
    الجــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــوا ب
    الكلام على هذه المسألة ينبني على أصلين: أحدهما يتعلق بالعاشق، والآخر يتعلق بالمعشوق، ولكل واحدٍ منهما تفاصيل تُذكَر عند ذكره. ولابُدَّ من تقديم مقدمة ينبني عليها الجواب، وهي:
    لاشكَّ أنه من المعلوم أن الشرع والعقل قد دلاَّ على وجوب تحصيل المصالح وتكميلها، وإعدامِ المفاسدِ وتقليلها، فكلَّما يرى العاقل أنه إذا دخل في أمرٍ ما يُوجِبُ له مصلحةً من وجهٍ ومفسدةً من وجهٍ وجبَ عليه عند ذلك الترجيحُ، فيأخذ لنفسه بالأسَدِّ والأكمل والأرشد والأصلح.


    ومن المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة شرعية دينية، لما يُؤدِّي إلى الاشتغال بذكر المخلوق عن ذكر الخالق، والعبث بالصور لا المعاني، والالتحاق بالعالم الحيواني غير الناطق في الائتلاف الصوري. كما سُئِل بعضهم عن العشق، فقال: هي قلوبٌ غَفلَتْ عن ذكر الحق، فشُغِلَتْ بذكر الخلق. فهذا مما يدل على بُعْدِ عُشّاق الصور عن الربّ العظيم باشتغالهم بالخسيس الذميم.


    لكن قد ذكر المتقدمون من عقلاء العرب وظرفائهم وطائفةٌ من الحكماء أن فيه فوائد، مع اتفاقهم على نقصه من جهة ما ذكرنا من أنّ صاحبه كُلَّما قَرُبَ منه بَعُدَ عن الله عزَّ وجل. إن فيه فوائد ، من جملتها رقّة الطبع وإزالةُ خبثه وترويح النفس وخفّتها ورياضةُ الجسد، كما رُوِيَ عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قيل له: إنّ ابنَك عَشِقَ فلانة، فقال: الحمد لله الذي صيَّره إلى طبع الآدمي.
    وقال بعضهم: العشق داء أفئدة الكرام.
    وقال بعضهم: العشق لا يَصْلُح إلاّ لِذي مُروءةٍ ظاهرة، أو لِذي لسانٍ فاضلٍ وإحسانٍ كاملٍ، أو لذي أدبٍ بارع وحسبٍ خاشع ، ويَقْبُح لسواهم.
    وقال بعضهم: العشقُ يُشَجِّع جَنَانَ الجبان، ويُصَفِّي ذِهْنَ الغبي، ويُسَخِّي كفَّ البخيل، ويُخْضِعُ عِزَّةَ الملوك، ويُسَكِّنُ نَوافِرَ الأخلاق.
    وهو أَنِيْسُ المُؤنس وجليس المجالس ، وملك قاهر وسلطان.
    وقال بعض العرب :
    إذا أنتَ لم تَعْشَقْ ولم تَدْرِ ما الهوَى ... فأنتَ وعَيْرٌ في الفَلاَةِ سَواءُ
    وحُكِيَ أنَّ جالينوسَ قال: من لم تبتهج نفسُه للصوت الشجي والوجه البهي فهو فاسد المزاج، يحتاج إلى العلاج.
    وقال بعض الحكماء: العشقُ يُرَوِّض النفسَ ويُهذب الأخلاقَ، وإظهارُه طَبَعي، وإضمارُه تكليفي، حاجبُه الصبرُ وخادمُه الجوارحُ.
    فهذه آثار - كما ترى - دالة على أنه ليس في العشق مصلحة شرعية دينية، وإنما مال إليه هؤلاء لما ذكروا فيه من المصالح العقلية والرياضية، من تهذيب النفس ورياضتها، ولو تَعلَّقَ هؤلاء بمحبة الإله المعبود لألْهَاهُم ذلك عن محبة الأشخاص الفانية، وحَصَلَ لهم مقصودُهم من رياضة النفس وفرط المحبة وتهذيب الأخلاق المذكورة، وصار كلُّ موجودٍ يُحدِثُ لهم الفِكرُ فيه وجدًا لِمُوْجدِه، وكلُّ مخلوقٍ يَتبيَّنُ لهم منه محبةٌ لخالقِه، فتخاطبهم الموجودات وَالمخلوقات بألسنةِ الأحوال، وتُوضح لهم أنه لا يَستحقُ المحبةَ على الكمال غيرُ ذِي الإكرام والجلال.
    هذا ما يتعلق بالمقدمة وكيفية بناء الأصلين عليها. أما ما يتعلق بالعاشق فقد ذكرنا أنه لابدّ من تحصيل المصالح وتكميلها، وإعدامِ المفاسد وتقليلها، فمن دَخَلَ على أمرٍ ما فواجبٌ عليه أن ينظر في ذلك الأمر، فإن كانت مصلحتُه راجحة على مفسدتِه أَخَذَ بالأرجحِ.


    وقد دَلَّ الدليلُ كما ذكرنا على أنه ليس في العشق الصوري مصلحة دينية كما ذكرنا، وإنما فيه مصلحة رياضية نفسية، والمصالح الدينية مقدمة، مع ما يقرن بذلك مع أدائه إلى فساد الذهن وتشويش الحواس، وهو ملحق بشرب الخمر المحرم، وليس لصاحبه عذر يعتذر به ولا حجة يُقِيمها.
    مثال ذلك أن من شرب الخمر فسَكِرَ، فحَصَلَ منه جناية في حق أحدٍ أو عَرْبَدَة على غيرِه، فأَتْلَفَ شيئًا، أخِذَ به، لأن الذي أزالَ عقلَه سبب محرم أدخلَه على نفسِه راضيًا غيرَ مُكرَهٍ، مع علمه قبل أن يشربه أنه يؤدي به الحال إلى هذا، فإذا اعتذر وقال: لم أَعِ ما قلتُ، ولا كان عقلٌ أميزُ به، قلنا له: أنتَ فرَّطتَ حين شربتَ.
    ولهذا جَنَحَ بعضُ العلماء إلى مؤاخذة السكرانِ بما يصدرُ منه من طلاقٍ وعتاقٍ وجنايةٍ، بخلافِ من يَزول عقله بخلطٍ سوداوي أو روحاني، فإن ذلك ليس هو من فعلِه، ولا تسبب فيه برضاه، كما رُوِي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "رُفِع القلمُ عن ثلاث"، فذكر المجنون حتى يُفيقَ.


    فعلى هذا لا ينبغي لأحد أن يُحْكِمَ على نفسِه عشقَ الصور، ليؤدي به الحال إلى الهلاك، فمن فعلَ ذلك فهو المفرط بنفسه والمقرر لها، فإذا هلكتْ فهو الذي أهلكها، وإذا قُتِلَتْ فهو الذي قتلَها، فإنه لولا تكرارُ نظرِه إلى وجه معشوقِه لم يَثبُتْ محبتُه في قلبه، حتى أدَّاه إلى ما أدَّاه.
    وذلك لأن أول مرتبة المحبة تُسمَّى الاستحسان، وهي المتولدة عن النظر والسماع، ثم تَقْوَى هذه المرتبة بطولِ الفكرة في محاسنِ المحبوب وصفاتِه الجميلة، فتصير مودَّةً، وهي الميل إليه والألفة بشخصه. ثمَّ تتأكَّد المودَّةُ فتصير محبة، والمحبة هي الائتلاف الروحاني. فإذا قويت صارت خُلَّة، وهذا أصحُّ الأقوال. والخلّة بين الآدميين هي تمكُّنُ محبةِ أحدهما من قلب صاحبه حتى يسقط بينهما السرائر، ثمَّ تقوى الخُلَّة فتصير هَوى، والهوى أن المحبَّ لا يُخالِطه في محبوبه تَغيُّرٌ، ولا يُداخِلُه تَلوُّنٌ. ثمَّ يزيد الهوى فيصير عِشْقًا.
    والعشق الإفراط في المحبة حتى لا يخلو العاشقُ من تخيُّلِ المعشوق وفكرِه وذكرِه، ولا يَغيبُ عن خاطرِه وذهنِه، فعند ذلك يَشغلُ النفسَ عن استخدام القوة الشهوانية والنفسانية، فيمنع من النوم لاستضرار الدماغ. فإذا قوي العشقُ صار تتيُّمًا، وفي هذا الحال لا يوجد في قلبه فضلة لغير تصور معشوقه، ولا يرضى نفسه بسواها. فإذا تزايد الحال صار وَلَهًا، والوَلَهُ هو الخروج عن الحدود والضوابط حتى تختلَّ أفعالُه وتتغيَّرَ صفاتُه، ويصيرَ مُوَسْوسًا لا يَدري ما يقول ولا أين يذهب، فحينئذٍ يَعْجز الأطباءُ عن مداواتِه، وتَقْصُرُ آراؤهم عن معالجته، لخروجه عن الحدود والضوابط.
    قال بعضهم :
    الحبُّ أول ما يكون لَجَاجةٌ...... يأتي به ويسوقُه الأقدارُ
    حتى إذا خاضَ الفتَى لُجَجَ الهوى ....جاءتْ أمور لا تُطَاقُ كبارُ
    فلو لم ينتقل العاشق بنفسه في هذه المراتب من مرتبة إلى مرتبة، حتى وصلَ إلى الحد الذي يُؤذيه، لم يُصِبْه أذًى، فهو الجاني على نفسِه، وأشبه به قول القائل: "يَدَاكَ أُوكِتَا وفُوكَ نَفَخَ" . فتصور بهذا أنه مُخطىء بما صدرَ منه أو لا، وإن كان ينبغي أن يحتاطَ لنفسه ولا يُورّطَها فيما فيه هلاكُها.
    فعلى هذا فالعاشقُ له ثلاث مقامات : مبتدأ، ومتوسط، ونهاية.
    أما مبتدؤُه ففي أول الأمر واجب عليه كتمانُ ذلك وعدمُ إفشائِه للمخلوقين، تقليلاً للوشاة عليه، وإمالةً لقلب محبوبه إليه، مُراعيًا في ذلك شرائط الفتوة من العفة مع القدرة، وإلاّ التحقَ بالشيطان الرجيم وحزبِه، فازداد به الأمرُ إلى المقام الأوسط، فيغلبُ عليه الحال، فلا بأسَ بإعلام محبوبه بمحبته إياه، فيَخِفُّ بإعلامِه له وشكواه إليه ما يجده منه، ويَحْذَر من إطْلاعِ الناس على ذلك، فهو يكون سببَ هلاكِه. فإن زاد به الأمر حتى يخرج عن الحدودِ والضوابط المذكورة، فقد التحقَ مَن هذا حالُه بالمجانين والمولهين.
    على أن من رَخَّص في العشق من العقلاء، لما ذكرنا من ترويضِه للنفس وتهذيبه للأخلاق، فجعلَه مشروطًا بالعفَّة المذكورة، كما قال قائلُهم: "عِفُوا تَشْرُفوا، وَاعْفُوا تَطْرفوا". وقال الأحنف بن قيس :






    أتأذَنُونَ لِصَبٍّ في زِيارَتِكُمْ...... فعندكمْ شَهواتُ السّمع والبصرِ
    لا يُضمرُ الشوق إن طال الجلوسُ به....عَفُّ الضّميرِ ولكِن فاسِقُ النّظَرِ
    وقيل لبعض العشاق : ما كنت تصنع لو ظفرت بمن تهوى ؟
    فقال : كنت أمنع طرفي من وجهه ، وأروح قلبي بذكره وحديثه ، وأستر منه ما لا يحب كشفه ، ولا أصير بفتح القفل إلى ما ينقض عهده ، ثم أنشد :


    أخلو به فأعف عنه كأنني......خوف الديانة لست من عشاقه
    كالماء في يد صائم يلتذه ....ظمأ فيصبر عن لذيذ مذاقه
    وانقسموا قسمين:
    قسمٌ قَنِعُوا بالنظرة البعيدة ولو في مدّة مديدة، كما قال شاعرهم:
    ليسَ في العاشقينَ أقنَعُ مني .....أنا أَرضَى بنظرة من بعيدِ
    وقال الآخر:
    لو مَرَّ في خاطري تَقبيلُ وَجْنَتِه.... لَسَيلَتْ فِكَرِي عن عارضَيْه دمَا
    وقال آخر:
    وأَحفظُه عن نَاظِرَيَّ ومُقْلَتِي..... مخافةَ أن العينَ تَجْرَحُ خَدَّهُ
    واستمرُّوا على هذه الحالة، فمنهم من يموتُ وهو كذلك، لا يَظهر سِرُّه لأحدٍ، حتى محبوبُه لا يَدري به. رُوِي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "مَن عَشِق فعَفَّ فكَتَمه فماتَ منه فهو شهيد" . /حديث ضعيف
    وهذا مقام عظيم يرفع، إن تركَه وحَسَمَ مادتَه فهو أفضلُ وأقرب إلى الحق كما ذكرنا.


    والقسم الثاني أباحوا لمن وصلَ إلى حدٍّ يخافُ على نفسِه منه- القُبلةَ في الحين قد غلبَه نفسه وقَهرَه قوته. قالوا: لأن في تركها ما يُؤدِّي إلى هلاكِ النفس، والقُبلةُ صغيرة، وهلاك النفسِ كبيرة، وإذا وقعَ الإنسان في مرضينِ خَطِرَيْنِ دَاوَى أخطرَهما، ولا خَطَرَ أعظمُ من قتلِ النفس، حتى أوجبوا على المحبوب مطاوعتَه على ذلك إذا علم أن تركَه ذلك يُؤدّي إلى هلاكِه، واستدلُّوا على ذلك بقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) ، قالوا: إن سبب نزولها أن رجلاً جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسولَ الله! إني أصبتُ من امرأة أجنبية كلَّ شيء إلاّ النكاح، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أصلَّيتَ معنا؟ قال: نعم، قال: قد غفر الله لك. فنزلتْ هذه الآية .
    وبقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)) . إلاّ أنهم كما قال بعض السلف: ما رأيتُ شيئًا أشبهَ باللَّمَم من قول أبي هريرة: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن الله كتب على ابن آدمَ حظَّه من اَلزنا أدركَ ذلك لا مَحَالةَ، فالعين تَزني وزناها النَظر، واللسان يزني وزناه النطق، والرِّجل تزني وزناها الخُطا، واليدُ تزني وزناها البطش، والقلب يَهْوَى ويتمنى، والفرج يُصدِّق ذلك أو يكذبه" .


    وهذه النصوص واردة في حق النساء، وهذا السؤال عن الرجال، لأن أولئك القوم في الزمن الأول لم يكن للغلمان عندهم قدرٌ يهوون من أجله، أما الآن فقد زادوا على الحدّ، وازدادوا على أولئك في الحد، وهم الفتنة موجودة، وقد نهى الله عز وجل عن إرسال النظر، فقال تعالى:
    (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) حَسْمًا لهذه المادة، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعلي: "النظرة الأولى لك، والثانية عليك" .
    حتى قيل: "رُبَّ حربٍ حميتْ من لفظه، وربَّ عِشقٍ غرس من لحظِه".
    وقد نقل الشيخ محيي الدين النووي تحريمَ النظر إلى الأمرد الحسن بشهوة وبغير شهوة، وأفتى به وصحَّحه - رحمه الله - ذهابًا إلى سَدِّ هذه الثغرًة وحَسْمِ مادة هذه البلية العظيمة.


    فإن كان هذا السائل كما زعم ممن لا يُدَنِّس عشقَه بزنًا، ولا يَصحبُه بخنًا، فيُنظَر في حالِه، إن كان من الطبقة الأولى فقد ذكر شروطهم فيما يتعلق بالكتمان حتى عن المحبوب، وإن كان كافيًا لهم ان صدقت دعواهم. وإن كان من الطبقة الثانية فلا بأسَ بشكواه إلى محبوبِه كي يَرِق عليه ويَرحمَه. وإن غَلَبَه الحالُ فالتحقَ بالثالثة أُبيحَ له ما ذكرنا، بشرطِ أن لا يكون أنموذجًا لفعل القبيح المحرم، فيلتحق بالكبائر، فيستحق القتلَ عند ذلك، ويزول عنه العذر، ويَحِقّ عليه كلمة العذاب، (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71)) .


    وأما ما يتعلق بالمعشوق فيجبُ عليه إدامةُ حمدِ الله وشكرِه على ما أعطاه من الجمال والحسن، ويَحرِص أن لا يجتمع مع حُسنِه قبيحُ الفعال، ولا يُدنِّس جمالَه بخسيس الخصال. فإن ظهرَ له من محبّةِ هذا صِدقُ دعواه، وفهم سلوك طريق المحبة من نجواه، فعامَلَه المعاملةَ الجميلة، وأباحَ له النظرَ والمحادثةَ المذكورة، والقُبلةَ في الأحيانِ بالشروطِ المتقدمة، مع أنَ هذا يكون تفضُّلاَ منه فلا يجب عليه، فإن خَسَّتْ نفسُ العاشقِ وجَنَحَتْ إلى الفِسقِ الصُّراحِ هَجَرَه، وما عليه في ذلك من جُناح، وإن قَتَلَه بعشقِه فليقتُلْه، فهذا بعضُ حقِّه. والله أعلم بالصواب، وعنده علم الكَتاب. آخره، والله سبحانه وتعالى أعلم.


    جامع المسائل لابن تيمية/ عزير شمس/ ابن تيمية / المجموعة 1
    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي




    ســــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــؤال


    هل يتزوج الإنسي من جنية أو يجامعها ؟
    ============================== =====
    الإجابـــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــــة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: ‏


    فعلى افتراض إمكان زواج الأنسي بجنية فإن ذلك لا يجوز شرعا، لمفهوم قوله تعالى: ‏‏( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ) [النحل:72]
    وقوله سبحانه: ( ومن آياته أن ‏خلق لكم من أنفسكم أزواجاً) [الروم: 21]
    قال المفسرون في معنى الآيتين:
    ( جعل لكم ‏من أنفسكم أزواجاً )
    أي من جنسكم ونوعكم وعلى خلقكم. قال الإمام السيوطي في ‏الأشباه والنظائر: ( فإن قلت: ما عندك من ذلك؟
    قلت: الذي أعتقده التحريم، واستدل ‏بالآيتين المتقدمتين: ثم قال: فروي المنع منه عن الحسن البصري، وقتادة، والحكم بن عيينة، ‏وإسحاق بن راهويه. وقال الجمال السجستاني من الحنفية في كتاب ( منية المغني عن ‏الفتاوى السراجية) لا يجوز المناكحة بين الإنس والجن، وإنسان الماء لاختلاف الجنس. ‏وذكر وجوهاً أخرى للمنع منها: أن النكاح شرع للألفة، والسكون، والاستئناس، ‏والمودة، وذلك مفقود في الجن.‏
    ومنها: أنه لم يرد الإذن من الشرع في ذلك، فإن الله تعالى قال:
    ( فانكحوا ما طاب لكم ‏من النساء ) [النساء:3]
    والنساء اسم لإناث بني آدم خاصة، فبقي ما عداهن على ‏التحريم، لأن الأصل في الأبضاع الحرمة حتى يرد دليل على الحل.
    ومنها: أنه قد منع من ‏نكاح الحر للأمة، لما يحصل للولد من الضرر بالإرقاق، ولا شك أن الضرر بكونه من جنية ‏و فيه شائبة من الجن خَلقاً وخُلقاً، وله بهم اتصال ومخالطة أشد من ضرر الإرقاق الذي هو ‏مرجو الزوال بكثير، ثم قال: وإذا تقرر المنع، فالمنع من نكاح الجني الأنسية أولى وأحرى) ‏انتهى ملخصاً.


    وإنما منع زواج الجني من الإنسية لما تقدم، ولئلا تقول المرأة إذا وجدت ‏حاملاً إنها حامل من زوجها الجني فيكثر الفساد.
    وقال الماوردي بخصوص المناكحة بين بني ‏آدم والجن:‏
    ‏( وهذا مستنكر للعقول، لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين، إذ الآدمي جسماني، والجني ‏روحاني. وهذا من صلصال كالفخار، وذلك من مارج من نار، والامتزاج مع هذا التباين ‏مدفوع، والتناسل مع الاختلاف ممنوع ( نقله عنه صاحب أضواء البيان ) (3/241).‏


    وأخيراً نقول: إن زواج الإنسي بالجنية على فرض إمكانية وقوعه - وهو مستبعد جداً - ‏يترتب عليه مفاسد كثيرة، لقدرة الجنية على التشكل بصورة أخرى، وكيف يثق أن التي ‏تخالطه هي زوجته حقاً، ربما كانت غيرها، ولأن الزواج لا بد فيه من ولي وشاهدي عدل ‏كشرط صحة للنكاح، ولا بد من خلو المرأة من الموانع، وربما تعذر تحقق كل ذلك ‏لاختلاف طبيعة الجن عن الإنس، إلى غير ذلك من الأمور.‏
    والله أعلم.‏


    المصدر


    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي




    ســــــــــــــ ــــــــــــؤال :


    ما قصة الملكين هاروت وماروت؟
    ===========================
    الإجابـــــــــ ـــــــــــــــ ــــة:


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:


    فيقول الله سبحانه: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُون َ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ...) [البقرة:102].
    فقد جاء في تفسير أول الآية أن السحر كان قد فشا في زمن سليمان عليه السلام، وزعم الكهنة أن الجن تعلم الغيب، وأن السحر هو علم سليمان، وادعت ذلك اليهود، وقالوا: ما تم ملكه إلا بسحرة الإنس والجن والطير والريح، فرد الله سبحانه عليهم مبرئأً نبيه سليمان من ذلك، وذلك بقوله: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا).


    وأما هاروت وماروت، فقد اختلفت أقوال المفسرين فيهما، فذكروا في ذلك قصصاً كثيرة معظمها إسرائيليات لا تصح، وأصح ما ذكر من الآثار في ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن آدم عليه السلام لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة أى رب: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون" قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملون. قالوا: ربنا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها. فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله شيئاً أبداً، فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: لا والله لا نقتله أبداً، فذهبت، ثم رجعت بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، ولما أفاقا. قالت المرأة: والله ما تركتما شيئاً أبيتماه إلا قد فعلتماه حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا".


    فالراجح من أقوال أهل التفسير أنها ملكان من الملائكة، ويجاب عما وقع منهما مع عصمة الملائكة من الوقوع في الذنوب بأجوبة، أفضل ما وقعنا عليه منها ما قال ابن كثير وإليك نصه: ( وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وكان من أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده... وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصاً لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق.
    مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى). انتهى.


    وقال ابن حجر الهيتمي في الزواجر: (ويجاب أن عصمة الملائكة ما داموا بوصف الملائكة، أما إذا انتقلوا إلى وصف الإنسان فلا) انتهى.
    وأما تعليمهما السحر، فإنه كان لغرض صحيح، وهو بيان حقيقة السحر للناس، وأنه من فعل الشياطين، وأنه كفر وحرام، وقال بعض أهل العلم: إنما نزلا لبيان اجتناب السحر لا لبيان فعله.
    والله أعلم.


    المصدر


    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي






    ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ )


    السؤال:
    جاء في الحديث أن الرؤيا الصادقة جزء من ستٍ وأربعين جزءا من النبوة ، فما الـ 45 جزءا المتبقية؟
    أحيلوني إلى كتاب أو موقع تحدث عن هذا، أو زودوني بها مشكورين، وبارك الله فيكم.

    ======================
    الجواب :
    الحمد لله
    روى البخاري (6989) من حديث أبي سعيد ، ومسلم (2263) من حديث أبي هريرة
    عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ ) .
    وقد وردت رواية أخرى في عد أجزاء النبوة ، ينظر : "فتح الباري" (12 /363) .


    وقد اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث اختلافا واضحا :
    فقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : أَجْزَاء النُّبُوَّة لَا يَعْلَم حَقِيقَتهَا إِلَّا مَلَك أَوْ نَبِيٌّ , وَإِنَّمَا الْقَدْر الَّذِي أَرَادَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَيِّن أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْء مِنْ أَجْزَاء النُّبُوَّة فِي الْجُمْلَة ، لِأَنَّ فِيهَا اِطِّلَاعًا عَلَى الْغَيْب مِنْ وَجْه مَا , وَأَمَّا تَفْصِيل النِّسْبَة فَيَخْتَصّ بِمَعْرِفَتِهِ دَرَجَة النُّبُوَّة .
    وَقَالَ الْمَازِرِيّ : لَا يَلْزَم الْعَالِم أَنْ يَعْرِف كُلّ شَيْء جُمْلَة وَتَفْصِيلًا , فَقَدْ جَعَلَ اللَّه لِلْعَالِمِ حَدًّا يَقِف عِنْده , فَمِنْهُ مَا يَعْلَم الْمُرَادَ بِهِ جُمْلَة وَتَفْصِيلًا , وَمِنْهُ مَا يَعْلَمهُ جُمْلَة لَا تَفْصِيلًا , وَهَذَا مِنْ هَذَا الْقَبِيل .
    وذهب بَعْض أَهْل الْعِلْم إلى أن وجه المناسبة في ذكر هذا العدد في الحديث أَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَى نَبِيّه فِي الْمَنَام سِتَّة أَشْهُر , ثُمَّ أَوْحَى إِلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ فِي الْيَقَظَة بَقِيَّة مُدَّة حَيَاته , وَنِسْبَتهَا مِنْ الْوَحْي فِي الْمَنَام جُزْء مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا ، لِأَنَّهُ عَاشَ بَعْد النُّبُوَّة ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَة عَلَى الصَّحِيح . وقد أنكر هذا التأويل ابن بطال والخطابي وغيرهما .
    وقَالَ النَّوَوِيّ : لَمْ يَثْبُت أَنَّ زَمَن الرُّؤْيَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سِتَّة أَشْهُر .


    وقَالَ الْمَازِرِيّ : وَقِيلَ : الْمُرَاد أَنَّ لِلْمَنَامَاتِ شَبَهًا مِمَّا حَصَلَ لَهُ وَمَيَّزَ بِهِ من النُّبُوَّة ، بِجُزْءٍ مِنْ سِتَّة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا .


    وقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : مَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الرُّؤْيَا تَأْتِي عَلَى مُوَافَقَة النُّبُوَّة , لِأَنَّهَا جُزْء بَاقٍ مِنْ النُّبُوَّة .
    وقال ابن الأثير :
    " ليس المعْنى أن النُّبوّة تَتَجزَّأ ، وَلاَ أنَّ مَن جَمع هذه الخلالَ كان فيه جزءٌ من النبوّة ، فإن النبوَّة غيرُ مكْتَسَبة ، ولا مُجْتَلبَة بالأسباب ، وإنَّما هي كرامة من اللّه تعالى .
    راجع :
    "فتح الباري" (12/361-368) – "الفروق" – للقرافي (4/410-414) – "شرح مسلم" – للنووي (15/21) – "شرح البخاري" – لابن بطال (9/515-516) – "عون المعبود" (13 /246) – "التمهيد" (1/279-285) ، "النهاية" لابن الأثير(1 /741) .


    على أننا نعود فننبه إلى أن سياق الحديث إنما هو في الرؤى الصادقة وشأنها ، وليس في ضبط أجزاء النبوة ، فمثل هذا لا يعرف إلا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم لنا ، ولم يأته به توقيف ، ولا ينبني عليه كبير عمل ؛ فالنبوة قد انقطعت ، ولو لم تنقطع فلا مطمع في نيلها ببحث ولا طلب ، ولا جد ولا اجتهاد ؛ إنما هي فضل الله يؤتيه من يشاء ، وقد ختم هذا الفضل بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم .


    وقد سئل الشيخ ابن عثيمين : ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة )
    فأجاب : " معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ) أن رؤيا المؤمن تقع صادقة لأنها أمثال يضربها الملك للرائي ، وقد تكون خبرا عن شيء واقع ، أو شيء سيقع فيقع مطابقا للرؤيا فتكون هذه الرؤيا كوحي النبوة في صدق مدلولها وإن كانت تختلف عنها ، ولهذا كانت جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة .
    وتخصيص الجزء بستة وأربعين جزءا من الأمور التوقيفية التي لا تُعلم حكمتها كأعداد الركعات والصلوات " انتهى .
    "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (1 /327-328) .


    والله تعالى أعلم .
    https://islamqa.info/ar/175477


    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي




    الرد على بدع الصوفية
    السؤال :


    ما يقول الشيخ فلان في جماعة من المسلمين ؛ يجتمعون في رباط على ضفة البحر في الليالي الفاضلة ، يقرؤن جزءا من القرآن ، ويستمعون من كتب الوعظ والرقائق ما أمكن في الوقت ، ويذكرون الله بأنواع التهليل والتسبيح والتقديس ، ثم يقوم من بينهم قوال يذكر شيئا في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ، ويلقي من السماع ما تتوق النفس إليه وتشتاق سماعه من صفات الصالحين ، وذكر آلاء الله ونعمائه ، ويشوقهم بذكر المنازل الحجازية والمعاهد النبوية ، فيتواجدون اشتياقا لذلك ، ثم يأكلون ما حضر من الطعام ، ويحمدون الله سبحانه ، ويرددون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويبتهلون بالأدعية إلى الله في صلاح أمورهم ، ويدعون للمسلمين ولإمامهم ، ويفترقون ؛ فهل يجوز اجتماعهم على ما ذكر ؟
    أم يمنعون وينكر عليهم ؟
    ومن دعاهم من المحبين إلى منزله بقصد التبرك ؛ هل يجيبون دعوته ويجتمعون على الوجه المذكور أم لا ؟



    جواب الصوفية




    مجالس تلاوة القرآن وذكر الله هي رياض الجنة ، ثم أتى بالشواهد على طلب ذكر الله .


    وأما الإنشادات الشعرية ؛ فإنما الشعر كلام ؛ حسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، وفي القرآن في شعراء الإسلام :( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا )
    ، وذلك أن حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعبا لما سمعوا قوله تعالى : (والشعراء يتبعهم الغاوون )
    ؛ بكوا عند سماعها ، فنزل الاستثناء ، وقد أنشد الشعر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورقت نفسه الكريمة ، وذرفت عيناه لأبيات أخت النضر ؛ لما طبع عليه من الرأفة والرحمة .


    وأما التواجد عند السماع ؛ فهو في الأصل رقد النفس ، واضطراب القلب فيتأثر الظاهر بتأثر الباطن ؛ قال الله تعالى : (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم )
    ؛ أي : اضطربت رغبا أو رهبا ، وعن اضطراب القلب يحصل اضطراب الجسم ؛ قال الله تعالى : لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا الآية ، وقال :( ففروا إلى الله ).


    فإنما التواجد رقة نفسية ، وهزة قلبية ، ونهضة روحانية ، وهذا هو التواجد عن وجد ، ولا يسمع فيه نكير من الشرع ، وذكر السلمي أنه كان يستدل بهذه الآية على حركة الوجد في وقت السماع ، ( وهي ) :( وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا )الآية ، وكان يقول : إن القلوب مربوطة بالملكوت ، حركتها أنوار الأذكار ، وما يرد عليها من فنون السماع .


    ووراء هذا تواجد لا عن وجد ، فهو مناط الذم ؛ لمخالفة ما ظهر لما بطن ، وقد يعزب فيه الأمر عند القصد إلى استنهاض العزائم وإعمال الحركة في يقظة القلب النائم : يا أيها الناس ! ابكوا ، فإن لم تبكوا ؛ فتباكوا .


    ولكن شتان ما بينهما .


    وأما من دعا طائفة إلى منزله ؛ فتجاب دعوته ، وله في ذلك قصده ونيته .


    فهذا ما ظهر تقييده على مقتضى الظاهر ، والله يتولى السرائر ، وإنما الأعمال بالنيات ، انتهى ما قيده .
    جواب الامام الشاطبي:


    فكان مما ظهر لي في هذا الجواب :
    مجالس ذكر السلف الصالح


    أن ما ذكره في مجالس الذكر الصحيح إذا كان على حسب ما اجتمع عليه السلف الصالح ؛ فإنهم كانوا يجتمعون لتدارس القرآن فيما بينهم ، حتى يتعلم بعضهم من بعض ويأخذ بعضهم من بعض ، فهو مجلس من مجالس الذكر التي جاء في مثلها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ؛ إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفت بهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده ، وهو الذي فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الاجتماع على تلاوة كلام الله .


    وكذلك الاجتماع على الذكر ؛ فإنه اجتماع على ذكر الله ، ففي رواية أخرى : أنه قال : لا يقعد قوم يذكرون الله ؛ إلا حفتهم الملائكة . . . . الحديث المذكور ، لا الاجتماع للذكر على صوت واحد .


    وإذا اجتمع القوم على التذكر لنعم الله ، أو التذاكر في العلم ـ إن كانوا علماء ـ ، أو كان فيهم عالم فجلس إليه متعلمون ، أو اجتمعوا يذكر بعضهم بعضا بالعمل بطاعة الله والبعد عن معصيته وما أشبه ذلك مما كان يعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه ، وعمل به الصحابة والتابعون ؛ فهذه المجالس كلها مجالس ذكر ، وهي التي جاء فيها من الأجر ما جاء .


    كما يحكى عن أبي ليلى أنه سئل عن القصص ، فقال : " أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يجلسون ويحدث هذا بما سمع وهذا بما سمع ، فأما أن يجلسوا خطيبا ؛ فلا " .


    وكالذي نراه معمولا به في المساجد من اجتماع الطلبة على معلم يقرئهم القرآن ، أو علما من العلوم الشرعية ، أو تجتمع إليه العامة ، فيعلمهم أمر دينهم ، ويذكرهم بالله ، ويبين لهم سنة نبيهم ليعملوا بها ، ويبين لهم المحدثات التي هي ضلالة ليحذروا منها ، ويتجنبوا مواطنها والعمل بها .


    فهذه مجالس الذكر على الحقيقة ، وهي التي حرمها الله أهل البدع من هؤلاء الفقراء الذين زعموا أنهم سلكوا طريق التصوف .


    فقلما تجد منهم من يحسن قراءة الفاتحة في الصلاة إلا على اللحن ؛ فضلا عن غيرها ، ولا يعرف كيف يتعبد ، ولا كيف يستنجي ، أو يتوضأ ، أو يغتسل من الجنابة ، وكيف يعلمون ذلك وهم قد حرموا مجالس الذكر التي تغشاها الرحمة ، وتنزل فيها السكينة ، وتحف بها الملائكة ؟ ! .


    فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا ، فاقتدوا بجهال أمثالهم ، وأخذوا يقرؤن الأحاديث النبوية والآيات القرآنية فينزلونها على آرائهم لا على ما قال أهل العلم فيها ، فخرجوا عن الصراط المستقيم إلى أن يجتمعوا ويقرأ أحدهم شيئا من القرآن يكون حسن الصوت طيب النغمة جيد التلحين تشبه قراءته الغناء المذموم ، ثم يقولون : تعالوا نذكر الله ، فيرفعون أصواتهم ؛ يمشون ذلك الذكر مداولة ، طائفة في جهة ، وطائفة في جهة أخرى ، على صوت واحد يشبه الغناء ، ويزعمون أن هذا من مجالس الذكر المندوب إليها .


    وكذبوا ؛ فإنه لو كان حقا ؛ لكان السلف الصالح أولى بإدراكه وفهمه والعمل به ، وإلا ؛ فأين في الكتاب أو في السنة الاجتماع للذكر على صوت واحد عاليا ، وقد قال تعالى : (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ).


    والمعتدون - في التفسير - هم الرافعون أصواتهم بالدعاء .


    وعن أبي موسى ؛ قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فجعل الناس يجهرون بالتكبير ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أربعوا على أنفسكم ؛ إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ؛ إنكم تدعون سميعا قريبا ، وهو معكم ، وهذا الحديث من تمام تفسير الآية ، ولم يكونوا رضي الله عنهم يكبرون على صوت واحد ، ولكنه نهاهم عن رفع الصوت ؛ ليكونوا ممتثلين للآية .


    وقد جاء عن السلف أيضا النهي عن الاجتماع على الذكر ، والدعاء بالهيئة التي يجتمع عليها هؤلاء المبتدعون ، وجاء عنهم النهي عن المساجد المتخذة لذلك ، وهي الربط التي يسمونها بالصفة . ذكر من ذلك ابن وهب وابن وضاح وغيرهما ما فيه كفاية لمن وفقه الله .


    فالحاصل من هؤلاء أنهم حسنوا الظن بأنهم فيما هم عليه ( مصيبون ) ، وأساءوا الظن بالسلف الصالح أهل العمل الراجح الصريح وأهل الدين الصحيح ، ثم لما طالبهم لسان الحال بالحجة ؛ أخذوا كلام المجيب وهم لا يعملون ، وقولوه ما لا يرضى به العلماء .


    وقد بين ذلك في كلام آخر ؛ إذ سئل عن ذكر فقراء زماننا ؟


    فأجاب بأن مجالس الذكر المذكورة بين الأحاديث ؛ أنها هي التي يتلى فيها القرآن ، والتي يتعلم فيها العلم والدين ، والتي تعمر بالوعظ والتذكير بالآخرة والجنة والنار ؛ كمجالس سفيان الثوري ، والحسن ، وابن سيرين ، وأضرابهم .


    أما مجالس الذكر اللساني فقد صرح بها في حديث الملائكة السياحين ، لكن لم يذكر فيه جهرا بالكلمات ، ولا رفع أصوات ، وكذلك غيره ، لكن الأصل المشروع إعلان الفرائض وإخفاء النوافل ، وأتى بالآية وبقوله تعالى :( إذ نادى ربه نداء خفيا )وبحديث : أربعوا على أنفسكم .


    قال : وفقراء الوقت قد تخيروا أوقاتا وتميزوا بأصوات هي إلى الاعتداء أقرب منها إلى الاقتداء ، وطريقتهم إلى اتخاذها مأكلة وصناعة أقرب منها إلى اعتدادها قربة وطاعة .


    انتهى معناه على اختصار أكثر الشواهد ، وهي دليل على أن فتواه المحتج بها ليس معناها ما رام هؤلاء المبتدعة ؛ فإنه سئل في هذه عن فقراء الوقت ، فأجاب بذمهم ، وأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا يتناول عملهم ، وفي الأولى إنما سئل عن قوم يجتمعون لقراءة القرآن أو لذكر الله ، وهذا السؤال يصدق على قوم يجتمعون مثلا في المسجد ، فيذكرون الله ، كل واحد منهم في نفسه ، أو يتلو القرآن لنفسه ؛ كما يصدق على مجالس المعلمين والمتعلمين ، وما أشبه ذلك مما تقدم التنبيه عليه ، فلا يسعه وغيره من العلماء إلا أن يذكر محاسن ذلك والثواب عليه ، فلما سئل عن أهل البدع في الذكر والتلاوة ؛ بين ما ينبغي أن يعتمد عليه الموفق ، ولا توفيق إلا بالله ( العلي العظيم ) .
    حكم انشاد الشعر


    وأما ما ذكره في الإنشادات الشعرية ؛ فجائز للإنسان أن ينشد الشعر الذي لا رفث فيه ولا يذكر بمعصية ، وأن يسمعه من غيره إذا أنشد ، على الحد الذي كان ينشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو عمل به الصحابة والتابعون ومن يقتدى به من العلماء ، وذلك أنه كان ينشد ويسمع لفوائد :


    منها : المنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الإسلام وأهله ، ولذلك كان حسان بن ثابت رضي الله عنه قد نصب له منبر في المسجد ينشد عليه إذا وفدت الوفود ، حتى يقولوا : خطيبه أخطب من خطيبنا ، وشاعره أشعر من شاعرنا ، ويقول له عليه السلام : اهجهم وجبريل معك وهذا من باب الجهاد في سبيل الله ، فليس للفقراء من فضله في غنائهم بالشعر قليل ولا كثير .


    ومنها : أنهم كانوا يتعرضون لحاجاتهم ويستشفعون بتقديم الأبيات بين يدي طلباتهم ؛ كما فعل ابن زهير رضي الله عنه ، وأخت النضر بن الحارث ؛ ومثل ما يفعل الشعراء مع الكبراء ؛ هذا لا حرج فيه ما لم يكن في الشعر ذكر ما لا يجوز ، ونظيره في سائر الأزمنة تقديم الشعراء للخلفاء والملوك ومن أشبههم قطعا من أشعارهم بين يدي حاجاتهم ؛ كما يفعله فقراء الوقت المجردون للسعاية على الناس ، مع القدرة على الاكتساب ، وفي الحديث : لا تصح الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوي ، فإنهم ينشدون الأشعار التي فيها ذكر الله وذكر رسوله ، وكثيرا ما يكون فيها ما لا يجوز شرعا ، ويتمندلون بذكر الله ورسوله في الأسواق والمواضع القذرة ، ويجعلون ذلك آلة الأخذ ما في أيدي الناس ، لكن بأصوات مطربة ؛ يخاف بسببها على النساء ومن لا عقل له من الرجال .


    ومنها : أنهم ربما أنشدوا الشعر في الأسفار الجهادية ؛ تنشيطا لكلال النفوس ، وتنبيها للرواحل أن تنهض في أثقالها ، وهذا حسن .


    لكن العرب لم يكن لها من تحسين النغمات ما يجري مجرى ما الناس عليه اليوم ، بل كانوا ينشدون الشعر مطلقا من غير أن يتعلموا هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم ، بل كانوا يرققون الصوت ويمططونه على وجه لا يليق بأمية العرب الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى ، فلم يكن فيه إلذاذ ولا إطراب يلهي ، وإنما كان لهم شيء من النشاط ؛ كما كان الحبشة وعبد الله بن رواحة يحدوان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما كان الأنصار يقولون عند حفر الخندق :




    نحن الذين بايعوا محمدا .....على الجهاد ما حيينا أبدا
    فيجيبهم صلى الله عليه وسلم ( بقوله ) :


    اللهم لا خير إلا خير الآخره ...... فاغفر للأنصار والمهاجره .


    ومنها : أن يتمثل الرجل بالبيت أو الأبيات من الحكمة في نفسه ؛ ليعظ نفسه أو ينشطها أو يحركها لمقتضى معنى الشعر ، أو يذكرها ذكرا مطلقا :


    كما حكى أبو الحسن القرافي الصوفي عن الحسن : " أن قوما أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا : يا أمير المؤمنين ! إن لنا إماما إذا فرغ من صلاته تغنى ، فقال عمر : من هو ؟
    فذكر له الرجل . فقال : قوموا بنا إليه ؛ فإنا إن وجهنا إليه يظن أنا تجسسنا عليه أمره . قال : فقام عمر مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتوا الرجل وهو في المسجد ، فلما أن نظر إلى عمر قام فاستقبله فقال : يا أمير المؤمنين ما حاجتك ؟ وما جاء بك ؟
    إن كانت الحاجة لنا ؛ كنا أحق بذلك منك أن نأتيك ، وإن كانت الحاجة لك ؛ فأحق من عظمناه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
    قال له عمر : ويحك ! بلغني عنك أمر ساءني ، قال : وما هو يا أمير المؤمنين ؟
    قال : أتتمجن في عبادتك ؟
    قال : لا يا أمير المؤمنين ، لكنها عظة أعظ بها نفسي . قال عمر : قلها ، فإن كان كلاما حسنا قلته معك ، وإن كان قبيحا نهيتك عنه . فقال :




    وفؤاد كلما عاتبته .....في مدى الهجران يبغي تعبي
    لا أراه الدهر إلا لاهيا .....في تماديه فقد برح بي
    يا قرين السوء ما هذا الصبا .....فني العمر كذا في اللعب
    وشباب بان عني فمضى .....قبل أن أقضي منه أربي
    ما أرجي بعده إلا الفنا......ضيق الشيب علي مطلبي
    ويح نفسي لا أراها أبدا......في جميل لا ولا في أدب
    نفس لا كنت ولا كان الهوى ....راقبي المولى وخافي وارهبي
    قال : فقال عمر رضي الله عنه :


    نفس لا كنت ولا كان الهوى ....راقبي المولى وخافي وارهبي
    ثم قال عمر : " على هذا فليغن من غنى " .


    فتأملوا قوله : " بلغني أمر ساءني " ، مع قوله : أتتمجن في عبادتك ؛ فهو من أشد ما يكون في الإنكار ، حتى أعلمه أنه يردد لسانه أبيات حكمة فيها عظة ، فحينئذ أقره وسلم له .


    هذا وما أشبهه كان فعل القوم ، وهم مع ذلك ؛ لم يقتصروا في التنشيط للنفوس ولا الوعظ على مجرد الشعر ، بل وعظوا أنفسهم بكل موعظة ، ولا كانوا يستحضرون لذكر الأشعار المغنين ، إذ لم يكن ذلك من طلباتهم ، ولا كان عندهم من الغناء المستعمل في أزماننا شيء ، وإنما دخل في الإسلام بعدهم حين خالط العجم المسلمين .


    وقد بين ذلك أبو الحسن القرافي فقال : " إن الماضين من الصدر الأول حجة على من بعدهم ، ولم يكونوا يلحنون الأشعار ولا ينغمونها بأحسن ما يكون من النغم ؛ إلا من وجه إرسال الشعر واتصال القوافي ، فإن كان صوت أحدهم أشجن من صاحبه ؛ كان ذلك مردودا إلى أصل الخلقة ، لا يتصنعون ولا يتكلفون " .


    هذا ما قال ، فلذلك نص العلماء على كراهية ذلك المحدث ، وحتى سئل مالك بن أنس رضي الله عنه عن الغناء الذي يستعمله أهل المدينة ؟ فقال : " إنما يفعله الفساق " .


    ولا كان المتقدمون أيضا يعدون الغناء جزءا من أجزاء طريقة التعبد وطلب رقة النفوس وخشوع القلوب ، حتى يقصدونه قصدا ، ويتعمدوا الليالي الفاضلة فيجتمعوا لأجل الذكر الجهري والشطح والرقص والتغاشي والصياح وضرب الأقدام على وزن إيقاع الكف أو الآلات وموافقة النغمات .


    هل في كلام النبي صلى الله عنه وعمله المنقول في الصحاح أو عمل السلف الصالح أو أحد من العلماء [ في ] ذلك أثر ؟ أو في كلام المجيب ما يصرح بجواز مثل هذا ؟ !


    بل سئل عن إنشاد الأشعار بالصوامع كما يفعله المؤذنون اليوم في الدعاء بالأسحار ؟ فأجاب بأن ذلك بدعة مضافة إلى بدعة ؛ لأن الدعاء بالصوامع بدعة ، وإنشاد ( الشعر ) والقصائد بدعة أخرى ، إذ لم يكن ذلك في زمن السلف المقتدى بهم .


    كما أنه سئل عن الذكر الجهري أمام الجنازة ؟
    فأجاب بأن السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار ، وأن ذلك فعل السلف ، واتباعهم سنة ، ومخالفتهم بدعة ، وقد قال مالك : لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها .


    وأما ما ذكره المجيب في التواجد عند السماع ؛ من أنه أثر رقة النفس واضطراب القلب ؛ فإنه لم يبين ذلك الأثر ما هو ؛ كما أنه لم يبين معنى الرقة ، ولا عرج عليها بتفسير يرشد إلى فهم التواجد عند الصوفية ، وإنما في كلامه أن ثم أثرا ظاهرا يظهر على جسم المتواجد ، وذلك الأثر يحتاج إلى تفسير ، ثم التواجد ( يحتاج ) إلى شرح بحسب ما يظهر من كلامه فيه .
    معنى التواجد الصحيح
    والذي يظهر في التواجد ما كان يبدو على جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو البكاء واقشعرار الجلد التابع للخوف الآخذ بمجامع القلوب ، وبذلك وصف الله عباده في كتابه ، حيث قال : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله .


    وقال تعالى :(وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق . )


    وقال :( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ، إلى قوله : أولئك هم المؤمنون حقا . )


    وعن عبد الله بن الخير ( رضي الله عنه ) قال : " انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل ( يعني : من البكاء ) والأزيز صوت يشبه ( صوت ) غليان القدر .


    وعن الحسن قال : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ، فربى لها ربوة عيد منها عشرين يوما .


    وعن عبيد الله بن عمر ؛ قال : " صلى بنا عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) صلاة الفجر ، فافتتح سورة يوسف ، فقرأها ، حتى إذا بلغ : (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) ؛ بكى حتى انقطع " .


    وفي رواية : " لما انتهى إلى قوله : (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله )؛ بكى حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف .


    وعن أبي صالح ؛ قال : " لما قدم أهل اليمن في زمان أبي بكر رضي الله عنه ؛ سمعوا القرآن ، فجعلوا يبكون ، فقال أبو بكر : هكذا كنا حتى قست قلوبنا " .


    وعن ابن أبي ليلى : " أنه قرأ سورة مريم حتى انتهى إلى السجدة : (خروا سجدا وبكيا )، فسجد بها ، فلما رفع رأسه ؛ قال : هذه السجدة قد سجدناها ، فأين البكاء ؟ .


    إلى غير ذلك من الآثار الدالة على أن أثر الموعظة الذي يكون بغير تصنع إنما هو على هذه الوجوه وما أشبهها .


    ومثله ما استدل به بعض الناس من قوله تعالى : (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض) ؛ ذكره بعض المفسرين :


    وذلك أنه لما ألقى الله الإيمان في قلوبهم ؛ حضروا عند ملكهم دقيانوس الكافر ، فتحركت فأرة أو هرة خاف لأجلها الملك ، فنظر الفتية إلى بعض ، ولم يتمالكوا أن قاموا مصرحين بالتوحيد ، معلنين بالدليل والبرهان ، منكرين على الملك نحلة الكفر ، باذلين أنفسهم في ذات الله ، فأوعدهم ثم أخلفهم ، فتواعدوا الخروج إلى الغار . . . إلى أن كان منهم ما حكى الله تعالى في كتابه .


    فليس في ذلك صعق ولا صياح ولا شطح ولا تغاش مستعمل ولا شيء من ذلك ، وهو شأن فقرائنا اليوم .


    وخرج سعيد بن منصور في " تفسيره " عن عبد الله بن عروة بن الزبير ؛ قال : " قلت لجدتي أسماء : كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرؤوا القرآن ؟
    قالت : كانوا كما نعتهم الله : تدمع أعينهم ، وتقشعر جلودهم .
    قلت : إن ناسا هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية .
    فقالت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " .


    وخرج أبو عبيد من أحاديث أبي حازم ؛ قال : " مر ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط والناس حوله ، فقال : ما هذا ؟
    فقالوا : إذا قرئ عليه القرآن أو سمع الله يذكر ؛ خر من خشية الله .
    قال ابن عمر : والله إنا لنخشى الله ولا نسقط ! وهذا إنكار .


    وقيل لعائشة رضي الله عنها : إن قوما إذا سمعوا القرآن يغشى عليهم
    فقالت : " إن القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال ، ولكنه كما قال الله تعالى :( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ).


    وعن أنس بن مالك ( رضي الله عنه ) : أنه سئل عن القوم يقرأ عليهم القرآن فيصعقون ؟
    فقال : " ذلك فعل الخوارج " ! .


    وخرج أبو نعيم عن جابر بن عبد الله ( أن ) ابن الزبير ( رضي الله تعالى عنه ) قال : " جئت أبي ، فقال : أين كنت ؟
    فقلت : وجدت أقواما يذكرون الله ، فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله ، فقعدت معهم
    فقال : لا تقعد بعدها .
    فرآني كأني لم يأخذ ذلك في ، فقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن ، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن ، فلا يصيبهم هذا ، أفتراهم أخشع لله من أبي بكر وعمر ؟ ! فرأيت ذلك كذلك ، فتركتهم " .


    وهذا يشعر بأن ذلك كله تعمل وتكلف لا يرضى به أهل الدين .


    وسئل محمد بن سيرين ، عن الرجل يقرأ عنده فيصعق ؟
    ، فقال : " ميعاد ما بيننا وبينه أن يجلس على حائط ، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره ، فإن وقع ؛ فهو كما قال " .


    وهذا الكلام حسن في المحق والمبطل ؛ لأنه إنما كان عند الخوارج نوعا من القحة في النفوس المائلة عن الصواب ، وقد تغالط النفس فيه فتظنه انفعالا صحيحا ، وليس كذلك ، والدليل عليه أنه لم يظهر على أحد من الصحابة لا هو ولا ما يشبهه ، فإن مبناهم كان على الحق ، فلم يكونوا يستعملون في دين الله هذه اللعب القبيحة المسقطة للأدب والمروءة .


    نعم ؛ قد ( لا ) ينكر اتفاق الغشي ونحوه أو الموت لمن سمع الموعظة بحق ، فضعف عن مصابرة الرقة الحاصلة بسببها ، فجعل ابن سيرين ذلك الضابط ميزانا للمحق والمبطل ، وهو ظاهر ؛ فإن القحة لا تبقى مع خوف السقوط ( من الحائط ) ، فقد اتفق من ذلك بعض النوادر ، وظهر فيها عذر التواجد .


    فحكي عن أبي وائل ؛ قال : " خرجنا مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ومعنا الربيع بن خثيم ، فمررنا على حداد ، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار ، فنظر الربيع إليها ، فتمايل ليسقط ، ثم إن عبد الله مضى كما هو حتى أتينا على شاطئ الفرات على أتون ، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه ، قرأ هذه الآية : (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا )، إلى قوله : (دعوا هنالك ثبورا) ، فصعق الربيع ؛ يعني : غشي عليه ، فاحتملناه ، فأتينا به أهله .


    قال : " ورابطه عبد الله إلى الظهر فلم يفق ، فرابطه إلى المغرب فأفاق ، ورجع عبد الله إلى أهله " .


    فهذه حالات طرأت لواحد من أفاضل التابعين بمحضر صحابي ، ولم ينكر عليه ؛ لعلمه أن ذلك خارج عن طاقته ، فصار بتلك الموعظة الحسنة كالمغمى عليه ، فلا حرج إذا .


    وحكي أن شابا كان يصحب الجنيد ( رضي الله عنه ) إمام الصوفية في وقته ، فكان الشاب إذا سمع شيئا من الذكر يزعق ، فقال له الجنيد يوما : " إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني " ، فكان إذا سمع شيئا يتغير ويضبط نفسه حتى كان يقطر ( العرق منه ) بكل شعرة من بدنه قطرة ، فيوما من الأيام صاح صيحة تلفت نفسه .


    فهذا الشاب قد ظهر فيه مصداق ما قاله السلف ؛ لأنه لو كانت صيحته الأولى غلبته لم يقدر على ضبط نفسه ، وإن كان بشدة ، كما لم يقدر على ضبط نفسه الربيع بن خثيم ، وعليه أدبه الشيخ حين أنكر عليه ووعده بالفرقة ، إذ فهم منه أن تلك الزعقة من بقايا رعونة النفس ، فلما خرج الأمر عن كسبه ـ بدليل موته ـ ؛ كانت صيحته عفوا لا حرج عليه فيها إن شاء الله .


    بخلاف هؤلاء القوم الذين لم يشموا من أوصاف الفضلاء رائحة ، فأخذوا بالتشبه بهم ، فأبرز لهم هواهم التشبه بالخوارج ، ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد المذموم ، ولكن زادوا على ذلك الرقص والزمر والدوران والضرب على الصدور ، وبعضهم يضرب على رأسه وما أشبه ذلك من العمل المضحك للحمقى ؛ لكونه من أعمال الصبيان والمجانين ، المبكي للعقلاء رحمة لهم ، ولم يتخذ مثل هذا طريقا إلى الله وتشبها بالصالحين .


    وقد صح من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه ؛ قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ؛ ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . . . ، الحديث .


    فقال الإمام الآجري العالم السني أبو بكر ( رضي الله عنه ) : " ميزوا هذا الكلام ؛ فإنه لم يقل : صرخنا من موعظة ، ولا زعقنا ، ولا طرقنا على رؤوسنا ، ولا ضربنا على صدورنا ، ولا زفنا ، ولا رقصنا " ؛ كما يفعل كثير من الجهال ؛ يصرخون عند المواعظ ويزعقون ويتغاشون .


    قال : " وهذا كله من الشيطان يلعب بهم ، وهذا كله بدعة وضلالة ، ويقال لمن فعل هذا : اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الناس موعظة ، وأنصح الناس لأمته ، وأرق الناس قلبا ، وخير الناس من جاء بعده ـ لا يشك في ذلك عاقل ـ ؛ ما صرخوا عند موعظته ولا زعقوا ولا رقصوا ولا زفنوا ، ولو كان هذا صحيحا ؛ لكانوا أحق الناس بهذا أن يفعلوه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه بدعة وباطل ومنكر ، فاعلم ذلك " . انتهى كلامه ، وهو واضح فيما نحن فيه .


    ولا بد من النظر في الأمر ( كله ) الموجب للتأثر الظاهر في السلف الأولين مع هؤلاء المدعين ، فوجدنا الأولين يظهر عليهم ذلك الأثر بسبب ذكر الله ، و بسبب سماع آية من كتاب الله ، وبسبب رؤية اعتبارية ؛ كما في قصة الربيع عند رؤيته للحداد والأتون وهو موقد النار ، ولسبب قراءة في صلاة أو غيرها ، ولم نجد أحدا منهم ـ فيما نقل العلماء ـ يستعملون الترنم بالأشعار لترق نفوسهم فتتأثر ظواهرهم ، وطائفة الفقراء على الضد منهم ؛ فإنهم يستعملون القرآن والحديث والوعظ والتذكير ، فلا تتأثر ظواهرهم ، فإذا قام المزمر ؛ تسابقوا إلى حركاتهم المعروفة لهم ، فبالحري ألا يتأثروا على تلك الوجوه المكروهة المبتدعة ؛ لأن الحق لا ينتج إلا حقا ؛ كما أن الباطل لا ينتج إلا باطلا .


    وعلى هذا التقرير ينبني النظر في حقيقة الرقة المذكورة ، وهي المحركة للظاهر ، وذلك أن الرقة ضد الغلظ ، فنقول : هذا رقيق ليس بغليظ ، ومكان رقيق إذا كان لين التراب ، وضده الغليظ ، فإذا وصف بذلك القلب ؛ فهو راجع إلى لينه وتأثره ، ضد القسوة .


    ويشعر بذلك قوله تعالى : (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) ؛ لأن القلب الرقيق ؛ إذا أوردت عليه الموعظة ؛ خضع لها ولان وانقاد .


    ولذلك قال تعالى : (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) .


    فإن الوجل تأثر ولين يحصل في القلب بسبب الموعظة ، فترى الجلد من أجل ذلك يقشعر ، والعين تدمع ، واللين إذا حل بالقلب ـ وهو باطن الإنسان ـ حل بالجلد بشهادة الله ـ وهو ظاهر الإنسان ـ ؛ فقد حل الانفعال بمجموع الإنسان ، وذلك يقتضي السكون لا الحركة ، والانزعاج والسكون لا الصياح ، وهي حالة السلف الأولين ـ كما تقدم ـ .


    فإذا رأيت أحدا سمع موعظة أي موعظة كانت ؛ فيظهر عليه من الأثر ما ظهر على السلف الصالح ؛ علمت أنها رقة هي أول الوجد ، وأنها صحيحة لا اعتراض فيها .


    وإذا رأيت أحدا سمع موعظة قرآنية أو سنية أو حكمية ؛ فلم يظهر عليه من تلك الآثار شيء ، حتى يسمع شعرا مرنما أو غناء مطربا فتأثر ؛ فإنه لا يظهر عليه في الغالب من تلك الآثار شيء ، وإنما يظهر عليه انزعاج بقيام أو دوران أو شطح أو صياح أو ما يناسب ذلك .


    وسببه أن الذي حل بباطنه ليس بالرقة المذكورة أولا ، بل هو الطرب الذي يناسب الغناء ؛ لأن الرقة ضد القسوة ـ كما تقدم ـ والطرب ضد الخشوع ـ كما يقوله الصوفية ـ ؛ والطرب مناسب للحركة ؛ لأنه ثوران الطباع ، ولذلك اشترك فيه مع الإنسان الحيوان ؛ كالإبل والنحل ، ومن لا عقل له من الأطفال ، وغير ذلك ، والخشوع ضده ؛ لأنه راجع إلى السكون ، وقد فسر به لغة ؛ كما فسر الطرب بأنه خفة تصحب الإنسان من حزن أو سرور .


    قال الشاعر :




    طرب الواله أو كالمختبل
    والتطريب : مد الصوت وتحسينه .


    وبيانه : أن الشعر المغنى به قد اشتمل على أمرين :


    أحدهما : ما فيه ( من ) الحكمة والموعظة ، وهذا مختص بالقلوب ، ففيها تعمل ، وبها تنفعل ، ومن هذه الجهة ينسب السماع إلى الأرواح .


    والثاني : ما فيه من النغمات المرتبة على النسب التلحينية ، وهو المؤثر في الطباع ، فيهيجها إلى ما يناسبها ، وهي الحركات على اختلافها .


    فكل تأثر في القلب من جهة السماع تحصل عنه آثار الكون والخضوع ؛ فهو رقة ، وهو التواجد الذي أشار إليه كلام المجيب ، ولا شك أنه محمود .


    وكل تأثر يحصل عنه ضد السكون ؛ فهو طرب لا رقة فيه ولا تواجد ، ولا هو عند شيوخ الصوفية محمود .


    لكن هؤلاء الفقراء ليس لهم من التواجد - في الغالب - إلا الثاني المذموم ، فهم إذا متواجدون بالنغم واللحون ، لا يدركون من معاني الحكمة شيئا ، فقد باؤوا إذا بأخسر الصفقتين ، نعوذ بالله .


    وإنما جاءهم الغلط من جهة اختلاط المناطين عليهم ، ومن جهة أنهم استدلوا بغير دليل ، فقوله تعالى :(ففروا إلى الله) ، وقوله : (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا )؛ لا دليل فيه على المعنى ، وكذلك قوله ( تعالى ) : (إذ قاموا فقالوا ربنا) ؛ أين فيه أنهم قاموا يرقصون أو يزفنون أو يدورون على أقدامهم ؟ ونحو ذلك ، فهو من الاستدلال الداخل تحت هذا الجواب .


    ووقع في كلام المجيب لفظ السماع غير مفسر ، [ فـ ] فهم منه المحتج أنه الغناء الذي تستعمله شيعته ، وهو فهم عموم الناس ، لا فهم الصوفية ؛ فإنه عندهم يطلق على كل صوت أفاد حكمة يخضع لها القلب ، ويلين لها الجلد ، وهو الذي يتواجدون عنده التواجد المحمود ، فسماع القرآن عندهم سماع ، وكذلك سماع السنة وكلام الحكماء والفضلاء حتى أصوات الطير وخرير الماء وصرير الباب ، ومنه سماع المنظور أيضا إذا أعطى حكمة ، ولا يستمعون هذا الأخير إلا في الفرط بعد الفرط ، وعلى غير استعداد ، وعلى غير وجه الإلذاذ والإطراب ، ولا هم ممن يدوم عليه أو يتخذه عادة ؛ لأن ذلك كله قادح في مقاصدهم التي بنوا عليها .


    ولذلك قال الجنيد : " إذا رأيت المريد يحب السماع ؛ فاعلم أن فيه بقية من البطالة " .


    وإنما لهم من سماعه ـ إن اتفق ـ وجه الحكمة ـ إن كان فيه حكمة ـ ، فاستوى عندهم النظم والنثر ، وإن أطلق أحد منهم السماع على الصوت الحسن المضاف إلى شعر أو غيره ؛ فمن حيث فهم الحكمة لا من حيث يلائم الطباع ؛ لأن من سمعه من حيث يستحسنه ؛ فهو متعرض للفتنة ، فيصير إلى ما صار إليه السماع الملذ المطرب .


    ومن الدليل على أن السماع عندهم ما تقدم :


    ما ذكر عن أبي عثمان المغربي : أنه قال : " من ادعى السماع ولم يسمع صوت الطير وصرير الباب وتصفيق الرياح ؛ فهو مفتر مبتدع " .


    وقال الحصري : " أيش أعمل بسماع ينقطع ممن يسمع منه ؟ ينبغي أن يكون سماعك سماعا متصلا غير منقطع " .


    وعن أحمد بن سالم ؛ قال : " خدمت سهل بن عبد الله التستري سنين ، فما رأيته تغير عند سماع شيء يسمعه من الذكر أو القرآن أو غيره ، فلما كان في آخر عمره ؛ قرئ بين يديه : فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ، تغير وارتعد وكاد يسقط ، فلما رجع إلى حال صحوه ؛ سألته عن ذلك ؟ فقال : يا حبيبي ضعفنا " .


    وقال السلمي : " دخلت على أبي عثمان المغربي وواحد يستقي الماء من البئر على بكرة ، فقال لي : يا أبا عبد الرحمن ! تدري أيش تقول هذه البكرة ؟ فقلت : لا . فقال : تقول الله ، الله .


    فهذه الحكايات وأشباهها تدل على أن السماع عندهم كما تقدم ، وأنهم لا يؤثرون سماع الأشعار على غيرها ؛ فضلا على أن يتصنعوا فيها بالأغاني المطربة .


    ولما طال الزمان ، وبعدوا عن أحوال السلف الصالح ؛ أخذ الهوى في التفريع في السماع ، حتى صار يستعمل منه المصنوع على قانون الألحان ، فتعشقت به الطباع ، وكثر العمل به ودام ـ وإن كان قصدهم به الراحة فقط ـ ؛ فصار قذى في طريق سلوكهم ، فرجعوا به القهقرى ، ثم طال الأمد حتى اعتقده الجهال في هذا الزمان وما قاربه أنه قربة ، وجزء من أجزاء طريقة التصوف ، وهو الأدهى .


    وقول المجيب : " وأما من دعا طائفة إلى منزله ؛ فتجاب دعوته ، وله ( في دعوته ) قصده " ؛ مطابق بحسب ما ذكر أولا : بأن من دعا قوما إلى منزله لتعلم آية أو سورة من كتاب الله ، أو سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو مذاكرة في علم أو في نعم الله ، أو مؤانسة في شعر فيه حكمة ليس فيه غناء مكروه ولا صحبه شطح ولا زفن ولا صياح ، ولا غير ذلك من المنكرات ، ثم ألقى إليهم من الطعام على غير وجه التكلف والمباهاة ، ولم يقصد بذلك بدعة ولا امتيازا ؛ لفرقة تخرج بأفعالها وأقوالها عن السنة ؛ فلا شك في استحسان ذلك ؛ لأنه داخل في حكم المأدبة المقصود بها حسن العشرة بين الجيران والإخوان ، والتودد بين الأصحاب ، وهي في حكم الاستحباب ، فإن كان فيها تذاكر في علم أو نحوه ؛ فهي من باب التعاون على الخير .


    ومثال ما يحكى عن محمد بن حنيف ؛ قال : " دخلت يوما على القاضي علي بن أحمد ، فقال لي : يا أبا عبد الله ! قلت : لبيك أيها القاضي ، قال : هاهنا ( أحكي ) لكم حكاية تحتاج ( أن ) تكتبها بماء الذهب ، فقلت : أيها القاضي ! أما الذهب ؛ فلا أجده ، ولكني أكتبها بالحبر الجيد .


    فقال : بلغني أنه قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل : إن الحارث المحاسبي يتكلم في علوم الصوفية ويحتج عليه بالآي ، فقال أحمد : أحب أن أسمع كلامه من حيث لا يعلم ، فقال رجل : أنا أجمعك معه ، فاتخذ دعوة ، ودعا الحارث وأصحابه ودعا أحمد ، فجلس بحيث يرى الحارث ، فحضرت الصلاة ، فتقدم وصلى بهم المغرب ، وأحضر الطعام ، فجعل يأكل ويتحدث معهم ، فقال أحمد : هذا من السنة .


    فلما فرغوا من الطعام وغسلوا أيديهم ؛ جلس الحارث وجلس أصحابه ، فقال : من أراد منكم أن يسأل شيئا ؛ فليسأل ، فسئل عن الإخلاص ، وعن الرياء ، ومسائل كثيرة ، فاستشهد بالآي والحديث ، و أحمد يسمع لا ينكر شيئا من ذلك .


    فلما مضى هدي من الليل ؛ أمر الحارث قارئا يقرأ شيئا من القرآن على الحدو ، فقرأ ، فبكى بعضهم ، وانتخب آخرون ، ثم سكت القارئ ، فدعا الحارث بدعوات خفاف ، ثم قام إلى الصلاة .


    فلما أصبحوا ؛ قال أحمد : قد كان بلغني أن هاهنا مجالس للذكر يجتمعون عليها ، فإن كان هذا من تلك المجالس ؛ فلا أنكر منها شيئا .


    ففي هذه الحكاية أن أحوال الصوفية توزن بميزان الشرع ، وأن مجالس الذكر ليست ما زعم هؤلاء ، بل ما تقدم لنا ذكره ، وأما ما سوى ذلك مما اعتادوه ؛ فهو مما ينكر .


    والحارث المحاسبي من كبار الصوفية المقتدى بهم .


    فإذا ؛ ليس في كلام المجيب ما يتعلق به هؤلاء المتأخرون ، إذ باينوا المتقدمين من كل وجه ، وبالله التوفيق .


    والأمثلة في الباب كثيرة ، لو تتبعت ؛ لخرجنا عن المقصود ، وإنما ذكرنا أمثلة تبين من استدلالاتهم الواهية ما يضاهيها ، وحاصلها الخروج في الاستدلال عن الطريق الذي أوضحه العلماء ، وبينه الأئمة ، وحصر أنواعه الراسخون في العلم .


    ومن نظر إلى طرق أهل البدع في الاستدلال ؛ عرف أنها لا تنضبط ؛ لأنها سيالة لا تقف عند حد ، وعلى ( كل ) وجه يصح لكل زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة .


    الإعتصام/ الشاطبي
    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي










    حكم تسمية الابن معاوية وذِكر من تسمى بهذا الاسم






    زوجتي مسلمة سعودية ، وأصلها من فارس ، وبعض أهلها لهم حساسية من خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، فاتفقت أنا وهي أن نسمي مولودنا القادم ( معاوية ) انتصارا ًله ، وحتى يحبوه فيحبوا خال المؤمنين رضي الله عنه , وذلك أن بعض أقاربها من فارس لهم ميول للتشيع المذموم فيقدحون في معاوية ، أما أبوها وأمها فلا رأي لهم فيه , فما حكم تسمية الابن بـ ( معاوية ) ؟
    ====================
    الجواب


    أولاً :
    نشكر لك ولزوجتك حبَّكما للصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، ونشكر لكما جهودكما في تبليغ حبه للآخرين الذين تأثروا بشائعات الروافض حوله .
    وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغيِّر الاسم القبيح لاسم حسن ، وقد كان معاوية رضي الله عنه من كتبة الوحي ، ولو كان اسمه قبيحاً لغيَّره النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه : فلا مانع من تسمية ابنكما " معاوية " وخاصة أنكما تقصدان تحبيب هذا الصحابي لبعض أهل زوجتك ، فلعلها مناسبة لكما أن تلمَّا بحياة هذا الصحابي الجليل ، وأن تقرآ ما كتبه أهل السنَّة في فضائله والدفاع عنه ؛ لتستطيعا مواجهة الخصوم ، ونشر فضائل هذا الصحابي الجليل .
    والروافض – الشيعة – يكذبون ويفترون على الشرع والتاريخ وحتى اللغة ، وهم يتندرون باسم الصحابي الجليل " معاوية " ويتخذونه هزواً ، ويزعمون أن معنى اسمه " الكلبة " !
    والرد عليهم :
    1. أنه حتى لو كان معناه " الكلبة " فإن العرب تسمي بأسماء الحيوانات نظراً إلى ما عندها من صفات لا لكونها بهيمة ، فيسمون " جحش " و " صقر " و " ذئب " وهكذا ، ولاسم الكلب نصيب كبير من تسمية أبنائهم وقبائلهم وديارهم .
    2. أنهم كذبوا في زعمهم أن اسم " معاوية " يعني " الكلبة " ؛ لأن " المعاوية " بأل التعريف هي التي تعني " الكلبة " ، وأما من دونها فمعناه " قوة اليد " ، و " أبو معاوية " هو الفهْد ، وهذا يفسد عليهم – كذلك – الطعن بوالده أبو سفيان رضي الله عنه .
    قال ابن منظور – رحمه الله - :
    وعوى الرجل : بلغ ثلاثين سنة فقَوِيت يدهُ ، فعوى يد غيرهِ ، أي : عطفها شديداً .
    " لسان العرب " ( 15 / 107 ) .
    وقال الفيروزآبادي :
    و " المُعاوَيةُ " الكَلْبَةُ وجِرْوُ الثْعْلَبِ ، وبِلا لام : ابنُ أبي سفيانَ الصَحابِيُّ ، وأبو مُعاوِيَةَ : الفَهْد .
    " القاموس المحيط " ( ص 1697 ) .
    ثانياً :
    وأما إطلاق لقب " خال المؤمنين " – باعتبار أن أخته أم حبيبة أم المؤمنين – فقد ثبت هذا عن بعض أئمة أهل السنَّة ، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله .
    عن أبي طالب أنه سأل أبا عبد الله – أحمد بن حنبل - أقول : " معاوية خال المؤمنين " و " ابن عمر خال المؤمنين " ؟ قال : نعم ، معاوية أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورحمهما ، وابن عمر أخو حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورحمهما ، قلت : أقول معاوية خال المؤمنين ؟ قال : نعم .
    " السنَّة " للخلال ( 2 / 433 ) طبعة دار الراية .
    وعن هارون بن عبد الله أنه قال لأبي عبد الله – أحمد بن حنبل - : جاءني كتاب من " الرقة " أن قوماً قالوا : لا نقول معاوية خال المؤمنين ، فغضب ، وقال : ما اعتراضهم في هذا الموضع ؟ يُجْفَوْن حتى يتوبوا .
    " السنَّة " للخلال ( 2 / 434 ) .
    وعن محمد بن أبي هارون ومحمد بن أبي جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال : وجهنا رقعة إلى أبي عبد الله – أحمد بن حنبل - ما تقول رحمك الله فيمن قال لا أقول إن معاوية كاتب الوحي ولا أقول إنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصباً ؟ قال أبو عبد الله : هذا قول سوء رديء ، يجانبون هؤلاء القوم ، ولا يجالسون ، ونبين أمرهم للناس .
    " السنَّة " للخلال ( 2 / 434 ) .
    وعن أبي بكر المروذي قال : قلت لأبي عبد الله – أحمد بن حنبل - أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : معاوية أفضل ، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً ، قال النبي صلى الله عليه وسلم " خير الناس قرني الذي بُعثت فيهم " .
    " السنَّة " للخلال ( 2 / 434 ) .
    وكل أسانيد هذه الآثار صحيحة كما تجده في تحقيق الكتاب للدكتور عطية الزهراني .
    ثالثاً :
    وهذه قائمة في ذِكر من اسمه " معاوية " من الصحابة – وفي بعضهم بحث - من كتاب " الإصابة في تمييز الصحابة " وهو يدل على شهرة التسمي بهذا الاسم :
    معاوية بن أنس السلمي ، معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء العامري البكائي ، معاوية بن جاهمة بن العباس بن مرداس السلمي ، معاوية بن الحارث بن المطلب بن عبد المطلب ، معاوية بن حديج ، معاوية بن حزن القشيري ، معاوية بن الحكم السلمي ، معاوية بن حيدة بن معاوية بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري ، معاوية بن أبي ربيعة الجرمي ، معاوية بن سفيان بن عبد الأسد ، معاوية بن سويد بن مقرن المزني ، معاوية بن صعصعة التميمي ، معاوية بن عبادة بن عقيل ، معاوية بن عبد الله ، معاوية بن عروة الدئلي ، معاوية بن عفيف المزني ، معاوية بن عمرو ، معاوية بن قرمل ، معاوية بن محصن بن علس ، معاوية بن مرداس بن أبي عامر ، معاوية بن معاوية المزني ، معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية الأموي ، معاوية بن مقرن المزني ، معاوية بن نفيع ، معاوية الثقفي ، معاوية العذري ، معاوية الليثي ، معاوية الهذلي .
    " الإصابة " للحافظ ابن حجر ( 6 / 145 - 164 ) طبعة دار الجيل .
    وفي كتاب " سير أعلام النبلاء " جملة من التابعين والسلف ممن تسمى باسم معاوية ، فلينظر فهرس " السير " ( 25 / 448 ) .


    والله أعلم


    المصدر




    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي




    أقوال العلماء والأطباء في مسئولية ماء الرجل وماء المرأة في تحديد جنس الجنين
    السؤال :
    روى مسلم (315) عن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا فَقَالَ: لِمَ تَدْفَعُنِي؟ فَقُلْتُ: أَلَا تَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنَّ اسْمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهْلِي »، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ » قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ ، فَنَكَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: « سَلْ » فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ » قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً ؟ قَالَ: « فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ » قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ؟ قَالَ: « زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ »، قَالَ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا ؟ قَالَ: « يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا » قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: « مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا » قَالَ: صَدَقْتَ ، قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ ، قَالَ: « يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ؟ » قَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ ، قَالَ: جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ؟ قَالَ: « مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا ، فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ ، أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللهِ ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ ، آنَثَا بِإِذْنِ اللهِ » ، قَالَ الْيَهُودِيُّ: لَقَدْ صَدَقْتَ ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لَقَدْ سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ ، وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى أَتَانِيَ اللهُ بِهِ » . فالعلم الحديث اليوم يخبرنا أن المنيّ والبويضة معاً هما من يحددان الخواص الجينية للجنين ، وأن سبق ماء المرأة من عدم سبقه لا علاقة له نهائيّاً في تحديد جنس الجنين أذكر أم أنثى ! وكما ترون فالحديث يناقض هذه الحقيقة العلمية ، فإذا كان محمد نبيّاً ولا يتلفظ إلا بوحي من الله فكيف فاتته إذاً هذه الحقيقة ، بل جاء بما يخالف العلم ؟! .
    لا أدري ربما هناك تفسير آخر لهذا الحديث لا أعلمه ! إذا كان الأمر كذلك فأرجو الشرح والتفصيل قدر الإمكان ، وأرجو أن لا يُنظر إلى سؤالي هذا على أنه سؤال استفزازي أو تجريحي ، ولكم خالص الشكر



    ==============================
    الجواب :
    الحمد لله
    أولاً:
    خلط بعض الكتَّاب في مسألة " تحديد جنس الجنين " بين معاني الأحاديث الواردة في بابه ، فحملوا أحاديث الشبَه و(النزع) الوارد إطلاقه فيها على أن المراد بها تحديد جنس الجنين ، وليس الأمر كذلك ، بل تحديد الجنس غير الشبَه .


    ثانياً:
    ذهب أكثر العلماء والأطباء المعاصرين إلى أن الرجل هو المسئول عن تحديد جنس المولود – بإذن الله - وأن المرأة هي كالأرض المزروعة لا خيار لها في الزرع فما يُزرع فيها تُنبته بإذن ربها ، وإليه الإشارة في آيات من القرآن الحكيم .
    قال الدكتور محمد علي البار – وفقه الله - : " ومن المقرر علميّاً أن جنس المولود يتحدد في اللحظة الأولى التي يلتقي فيها الحيوان المنوي بالبويضة فيلقحها ، فإذا ما التقى حيوان منوي يحمل شارة الذكورة " Y " بالبويضة : فإن الجنين سيكون ذكراً بإذن الله ، أما إذا كان الحيوان المنوي سيلقح البويضة يحمل شارة الأنوثة : فإن الجنين سيكون أنثى بإذن الله .
    إذن الحيوان المنوي أو نطفة الرجل هي التي تحدد نوعية الجنين ذكراً أم أنثى ، ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) النجم/ 45 ، 46 ، والنطفة التي تُمنى هي نطفة الرجل بلا ريب ، ويقول تعالى أيضاً ( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ ( أي : المني ) الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ) القيامة/ 36 - 40 " انتهى من " خلق الإنسان بين الطب والقرآن " ( ص 297 ، 298 ) .
    ثالثاً:
    إذا عرفنا وجه الصواب في المسألة على ما ذكرناه ، فكيف نوفق بين ما سبق ، وبين الحديث الوارد في السؤال ، وفيه أن للمرأة دوراً في تحديد جنس الجنين ؟ .


    والجواب على ذلك نقول : إن هناك ثلاثة اتجاهات في توضيح ذلك وبيانه :
    الأول : أن بعض العلماء ذهب إلى أن الإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي ، وأن ما جاء في حديث ثوبان رضي الله عنه – وهو الذي اشتمل على النص على جنس الجنين – هو وهْمٌ من بعض رواته ، وأنه في الشبه بأحد الأبوين ، ليس في تحديد الذكورة والأنوثة ، ومن هؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، والشيخ العثيمين رحمه الله من المعاصرين .
    قال ابن القيم – رحمه الله - : " وسئل صلى الله عليه وسلم عن شبَه الولد بأبيه تارة وبأمه تارة فقال ( إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان الشبه له ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل فالشبه لها ) متفق عليه ، وأما ما رواه مسلم في صحيحه أنه قال ( إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر الرجل بإذن الله ، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنث بإذن الله ) فكان شيخنا – أي : ابن تيمية - يتوقف في كون هذا اللفظ محفوظا ويقول : " المحفوظ هو اللفظ الأول ، والإذكار والإيناث ليس له سبب طبيعي ، وإنما هو بأمر الرب تبارك وتعالى للملك أن يخلقه كما يشاء ، ولهذا جعل مع الرزق والأجل والسعادة والشقاوة " " انتهى من " إعلام الموقعين " ( 4 / 269 ) .


    الثاني ، وقد ذهب إليه الأكثرون : أن الحديث صحيح ، وأنه لا إشكال في كون علو ماء المرأة يسهم في تخلق المولود إلى أنثى إن أذن الله بذلك – وقد وقع خلاف في معنى " العلو " هل هو السبق ، أو العلو الحقيقي ، أو الكثرة والقوة - ، وأنه حتى في حال علو ماء المرأة فإنه يؤثر في اختيار الحيوان المنوي المذكر أو المؤنث ، دون أن يكون له دور رئيسي ، فرجع الأمر إلى أن المؤثر الحقيقي هو ماء الرجل ، فالمرأة هنا تساهم بدور ثانوي ، وذلك بتهيئة الظروف لاستقبال الحيوان المنوي ، فالوسط الحامضي يقتل "Y " ويبقي على " X " من الحيوانات المنوية فيكون جنس المولود أنثى " XX " .
    قال الدكتور محمد علي البار – وفقه الله - : " وتضمن الحديث – يعني : حديث ثوبان - وصفاً لماء الرجل وماء المرأة ، كما تضمن قضية الذكورة والأنوثة وأرجعها إلى أي الماءين علا ، فالإذكار أو الإيناث تبع له .
    ويبدو ذلك معارضاً للآيات الكريمة التي ذكرت أن جنس الجنين يحدده مني الرجل فحسب – وذكر آية النجم وآية القيامة - كما يبدو معارضاً للمعلومات الطبية التي تؤكد أن جنس الجنين إنما يحدِّده الحيوان المنوي الذي سيلقح البويضة فإن كان حيواناً منويّاً يحمل شارة الذكورة " Y " كان الجنين ذكراً ، بإذن الله وإن كان حيوانا منويّاً يحمل شارة الأنوثة " X " كان الجنين أنثى بإذن الله .
    وفي الواقع ليس هناك تعارض ، وربما أثَّر علو ماء الرجل أو ماء المرأة في الحيوانات المنوية التي سيفلح واحد منها بإذن الله في تلقيح البويضة ، ونحن نعلم أن إفرازات المهبل حامضية وقاتلة للحيوانات المنوية ، وأن إفرازات عنق الرحم قلوية ولكنها لزجة في غير الوقت الذي تفرز فيه البويضة ، وترق وتخف لزوجتها عند خروج البويضة ، وإلى الآن لا ندري مدى تأثير ماء المرأة على نشاط الحيوانات المنوية المذكرة أو المؤنثة ، ولا بد من إجراء بحوث دقيقة لنتبين مدى تأثير هذه الإفرازات على الحيوانات المنوية المذكرة أو المؤنثة ، ومدى تأثير علوها أو انخفاضها على نشاط هذه الحيوانات ، وهناك من يقول : إن معنى العلو هو الغلبة والسيطرة فإن كانت الغلبة للحيوانات المذكرة كان إذكار ، وإن كان للمؤنثة كان إيناث بإذن الله " انتهى من " خلق الإنسان بين الطب والقرآن " ( ص 390 ، 391 ) .


    الثالث : وهذا الاتجاه ظهر حديثاً وهو يجعل المسئولية عن تحديد جنس الجنين مشتركة بين الرجل والمرأة ، وقد تزعم هذا الاتجاه وأظهره للناس – فيما نعلم - الدكتور جمال حمدان حسانين – اختصاصي علم التشريح والأجنة – وهي في تفسير حديث ثوبان رضي الله عنه - ، وقد قال ما نصه : " اندماج الحيوان المنوي مع البويضة يعتمد علي الخصائص الكهربية لهذه الخلايا الجنسية ، فعندما تكون البويضة " سالبة الشحنة " فإنها تجذب إليها الحيوان المنوي (Y) الذي يحمل شحنة موجبة وينتج " طفل ذكر " ، وبما أن الحامل للصبغي " الشحنة الموجبة " هي الأعلى حسب قواعد الطبيعة يكون منيُّ الرجل هو الأعلى ، وبذلك يكون علو منيُّ الرجل سبباً في إنجاب طفل ذكر " ، وهذا يطابق ما أوضحه الحديث النبوي بشكل مذهل ( فإذا اجتمعا فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة : أذكرا بإذن الله ) .
    وأما إذا كانت البويضة موجبة الشحنة فإنها تجذب إليها الحيوان المنوي الحامل للصبغي (X) الذي يحمل شحنة سالبة وينتج " طفل أنثى " ، وهذا ما أوضحه أيضا الحديث النبوي ( وإذَا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله ) .
    وعلي ذلك يكون هناك دور مشترك للرجل والمرأة في تحديد جنس الطفل " . انتهى



    ولعل أقرب الأقوال هو الاتجاه الثاني الذي يرى مسئولية ماء الرجل عن تحديد جنس الجنين ، وأن علو ماء المرأة الذي يكون معه المولود أنثى ، لا يسلب من ماء الرجل مسئوليته العظمى ، ولا يعطي دوراً مساوياً لماء المرأة ، مع الاعتراف بحاجتنا إلى دراسة علمية حديثة من أكثر من عالم ومتخصص لدراسة هذه القضية بكافة أجزائها والخروج بنتيجة علمية متفق عليها .


    والله أعلم


    المصدر
    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    المغرب/الدار البيضاء
    المشاركات
    1,433

    افتراضي




    حقيقة تحضير أرواح الموتى
    السؤال



    ماموقف الدين من الروحانيين وهل في تحضير الأرواح يتمكن حقا من تحضير روح شخص ميت ويتم التحدث معه، وهل من الممكن تحضير روح عالم وسؤاله عن مواضيع علمية ويقوم بالرد على الأسئلة العلمية وكذلك روح طبيب ويتمكن من إجراء عملية جراحية؟وإني أريد كشفا بأسماء العلماء الروحانيين الأحياء حتى الآن.




    الإجابـــــــــ ـــــــــــــــ ـــة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:


    فاستحضار روح الميت ليس في إمكان أحد من الناس، لأن الأرواح بعد أن تفارق الأجساد تصير إلى عالم البرزخ، ثم هي إما في نعيم، أو في عذاب، وهي في شغل عما يدعيه مستحضرو الأرواح، وأراوح الشهداء تكون في حواصل طير خضر، تسرح في رياض الجنة، تأكل من ثمارها، وتشرب من أنهارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في سقف عرش الرحمن، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي.
    وقد أخبر الله تعالى أنه يتوفى الأنفس، وأنه يمسك التي حكم عليها بالموت عنده، فقال: ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) [الزمر: 42].
    وما يدعيه " الروحانيون" منه ما هو كذب صراح يستعمل فيه الإيحاء النفسي والمؤثرات المختلفة، والحيل العلمية، ومنه ما هو استخدام للجن والشياطين، وهذا هو الأكثر والأغلب. وقد كشف الأستاذ محمد محمد حسين في كتابه: "الروحية الحديثة " كثيراً
    من خداع هؤلاء وتزويرهم للحقيقة.
    كما بين الأستاذ أحمد عز الدين البيانوني في كتاب الإيمان بالملائكة،كذب ودجل هؤلاء (الروحانيين)، وحكى تجربة شخصية وقعت له، وتجارب حدثت مع غيره تثبت أن الروح التي تحضر ما هي إلا الشيطان يتصور في صورة الميت.
    ولعل هذا الشيطان هو القرين الذي كان يلازم الإنسان في حياته، ولهذا لا يصعب عليه الإجابة عن الأسئلة الموجهة إليه من الأقارب والأصدقاء، والجن لديهم قدرات علمية وإمكانات ليست لدى البشر، ولهذا يستطيع الشيطان أن يجيب على بعض الأسئلة العلمية التي قد تبهر الحاضرين.
    وإن أردت المزيد في هذا الموضوع فعليك بالرجوع إلى كتاب: عالم الجن والشياطين للدكتور عمر سليمان الأشقر، ففيه مبحث مفصل في هذه المسألة وقد ذكر بعض أسماء الروحانيين المشاهير الذي تخلت عنهم شياطينهم فعادوا كبقية الناس لا يتكلمون مع الجن، ولا يستطيعون تحضير روح أحد كما كانوا يزعمون.
    والله أعلم








    مركز الفتوى /اسلام ويب


    اللهم ارحم والدي كما ربياني صغيرا، رب اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •