"متممة المائة على فوائد الذكر لابن القيم". الشيخ د/ ذياب الغامدي.
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: "متممة المائة على فوائد الذكر لابن القيم". الشيخ د/ ذياب الغامدي.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2014
    المشاركات
    87

    افتراضي "متممة المائة على فوائد الذكر لابن القيم". الشيخ د/ ذياب الغامدي.

    فَوَائِدُ الذِّكْرِ


    للذِّكْرِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ لا يَجْمَعُهَا كِتَابٌ ولا يَعُدُّهَا حِسَابٌ، ولا يُحِيْطُ بِهَا أحَدٌ سِوَى الله تَعَالى، كَمَا قَالَ ﷺ : «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوْذُ برِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ، وأعُوْذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
    فَكَانَ مِنْهَا لا كُلِّهَا مَا ذَكَرَهُ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في كِتَابِهِ العَظِيْمِ «الوَابِلِ الصَّيِّبِ»؛ حَيْثُ ذَكَرَ رَحِمَهُ الله مِنْ فَوَائِدِ الذِّكْرِ مَا يَقِفُ العَقْلُ عِنْدَهَا، ويَطْمَئِنُّ القَلْبُ إلَيْهَا، ويَطِيْبُ اللِّسَانُ بذِكْرِهَا!
    وقَدْ بَلَغَ رَحِمَهُ الله بفَوَائِدِ الذِّكْرِ في كِتَابِهِ هَذَا ثَلاثًا وسَبْعِيْنَ فَائِدَةً، كَمَا أنَّه اسْتَدَلَّ على كُلِّ فَائِدَةٍ بالأدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ، والآثَارِ السَّلَفِيَّةِ؛ مَا يَقْطَعُ بعُلُوِّ كَعْبِهِ، ورُسُوْخِ عِلْمِهِ، فجَزَاهُ الله عَنِ الذَّاكِرِيْنَ والذَّاكِرَاتِ خَيْرَ الجَزَاءِ، وجَعَلَ الجَنَّةَ مَأوَاهُ، آمِيْنَ!
    ومِنْ نَافِلَةِ فَوَائِدِ الأذْكَارِ : أنَّ ابنَ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله تَعَالى لمَّا عَزَمَ في كِتَابِهِ «الوَابِلِ الصَّيِّبِ» على ذِكْرِ مَائِةَ فَائِدَةٍ للذِّكْرِ كَمَا أرَادَ وشَاءَ؛ إلَّا أنَّنا نَجِدُهُ رَحِمَهُ الله قَدِ اقْتَصَرَ على ثَلاثٍ وسَبْعِيْنَ فَائِدَةً فَقَطُ؛ سَوَاءٌ أكَانَ هَذَا الاقْتِصَارُ وُقُوْفًا مِنْهُ عِنْدَ مُنْتَهَى اجْتِهَادِهِ وقَدْحِ زِنَادِهِ، أو وُقُوْفًا بِهِ عِنْدِ نِسْيَانِهِ وذُهُوْلِهِ، والثَّاني هُوَ مَبْلَغُ عِلْمِنَا بابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله، ولا شَكَّ .
    لأجْلِ هَذَا؛ فَقَدْ ذَكَرْتُ هُنَا جَمِيْعَ الفَوَائِدَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله مُرَتَّبَةً كَمَا جَاءَتْ في كِتَابِهِ، والَّتِي بَلَغَتْ ثَلاثًا وسَبْعِيْنَ فَائِدَةً، إلَّا أنَّني وَقَفْتُ مِنْهَا على رُؤُوْسِ الفَوَائِدِ وأُصُوْلِ الفَرَائِدِ دُوْنَ بَسْطٍ وإطَالَةٍ، ومَنْ أرَادَهَا مَبْسُوْطَةً فلْيَنْظُرْهَا مَكْنُوْزَةً مَدْخُوْرَةً في كِتَابِهِ «الوَابِلِ الصَّيِّبِ» .
    ومِنْ هُنَا؛ فَقَدْ قَوِيَتْ مِنَّا العَزِيْمَةُ وانْقَدَحَتْ فِيْنَا القَرِيْحَةُ في تَتِمَّةِ هَذِهِ الفَوَائِدِ بِمَا فَتَحَهُ الله عَلَينَا مِنِ اجْتِهَادٍ واسْتِنْبَاطٍ، كُلَّ ذَلِكَ إتْمَامًا مِنَّا للمَائَةِ الَّتِي أرَادَهَا ابنُ القَيِّمِ في كِتَابِهِ، فَكَانَتْ منَّا سَبْعًا وعِشْرِيْنَ فَائِدَةً، وهُوَ ممَّا فَتَحَهُ الله تَعَالى على العَبْدِ الفَقِيْرِ، والله المُوَفِّقُ إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ .
    فَإلَيْكَ مَا ذَكَرَهُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله مِنْ فَوَائِدِ الذِّكْرِ، مَعَ مَا زِدْنَاهُ باخْتِصَارٍ :
    أوَّلًا : أنَّهُ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، ويُقْمِعُهُ ويُكْسِرُهُ .
    الثَّانِيَةُ : أنَّهُ يُرْضِي الرَّحمَنَ عَزَّ وجَلَّ .
    الثَّالِثَةُ : أنَّهُ يُزِيْلُ الهَمَّ والغَمَّ عَنِ القَلْبِ .
    الرَّابِعَةُ : أنَّهُ يُجْلِبُ للقَلْبِ الفَرَحَ والسُّرُوْرَ والبَسْطَ .
    الخَامِسَةُ : أنَّهُ يُقَوِّي القَلْبَ والبَدَنَ .
    السَّادِسَةُ : أنَّهُ يُنَوِّرُ الوَجْهَ والقَلْبَ .
    السَّابِعَةُ : أنَّهُ يَجْلِبُ الرِّزْقَ .
    الثَّامِنَةُ : أنَّهُ يَكْسُو الذَّاكِرَ المَهَابَةَ والحَلاوَةَ والنَّضْرَةَ .
    التَّاسِعَةُ : أنَّهُ يُوْرِثُ الذَّاكِرَ المَحَبَّةَ .
    العَاشِرَةُ : أنَّهُ يُوْرِثُ الذَّاكِرَ المُرَاقَبَةَ؛ حَتَّى يُدْخِلَهُ في بَابِ الإحْسَانِ .
    الحَادِيَةَ عَشَرَةَ : أنَّهُ يُوْرِثُ الذَّاكِرَ الإنَابَةَ، وهِيَ الرُّجُوْعُ إلى الله .
    الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ : أنَّهُ يُوْرِثُ الذَّاكِرَ القُرْبَ مِنَ الله تَعَالى .
    الثَّالِثَةَ عَشَرَةَ : أنَّهُ يَفْتَحُ للذَّاكِرِ بَابًا عَظِيْمًا مِنْ أبْوَابِ المَعْرِفَةِ .
    الرَّابِعَةَ عَشَرَةَ : أنَّهُ يُوْرِثُ الذَّاكِرَ الهَيْبَةَ لرَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ .
    الخَامِسَةَ عَشَرَةَ : أنَّهُ يُوْرِثُ الذَّاكِرَ ذِكْرَ الله تَعَالى لَهُ .
    السَّادِسَةَ عَشَرَةَ : أنَّهُ يُوْرِثُ الذَّاكِرَ حَيَاةَ القَلْبِ .
    السَّابِعَةَ عَشَرَةَ : أنَّهُ قُوْتُ القَلْبِ والرُّوْحِ .
    الثَّامِنَةَ عَشَرَةَ : أنَّهُ يُوْرِثُ الذَّاكِرَ جِلاءَ القَلْبِ مِنْ صَدَاهُ .
    التَّاسِعَةَ عَشَرَةَ : أنَّهُ يَحُطُّ الخَطَايَا، ويُذْهِبُهُا .
    العِشْرُوْنَ : أنَّهُ يُزِيْلُ الوَحْشَةَ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ تَبَارَكَ وتَعَالى .
    الحَادِيَةُ والعِشْرُوْنَ : أنَّ مَا يَذْكُرُ بِهِ العَبْدُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنْ جَلالِهِ وتَسْبِيْحِهِ وتَحْمِيْدِهِ يُذَكِّرُ بِصَاحِبِهِ عِنْدَ الشِّدَّةِ .
    الثَّانِيَةُ والعِشْرُوْنَ : أنَّ العَبْدَ إذا تَعَرَّفَ إلى الله تَعَالى بذِكْرِهِ في الرَّخَاءِ عَرَفَهُ في الشِّدَّةِ .
    الثَّالِثَةُ والعِشْرُوْنَ : أنَّهُ يُنْجِي مِنْ عَذَابِ الله تَعَالى .
    الرَّابِعَةُ والعِشْرُوْنَ : أنَّهُ سَبَبُ تَنْزِيْلِ السَّكِيْنَةِ، وغِشْيَانِ الرَّحمَةِ، وحُفُوْفِ المَلائِكَةِ بالذَّاكِرِ .
    الخَامِسَةُ والعِشْرُوْنَ : أنَّهُ سَبَبُ اشْتِغَالِ اللِّسَانِ عَنِ الغِيْبَةِ والنَّمِيْمَةِ والكَذِبِ والفُحْشِ والبَاطِلِ .
    السَّادِسَةُ والعِشْرُوْنَ : أنَّ مَجَالِسَ الذِّكْرِ مَجَالِسُ المَلائِكَةِ، وأنَّ مَجَالِسَ اللَّغْوِ والغَفْلَةِ مَجَالِسُ الشَّيَاطِيْنِ .
    السَّابِعَةُ والعِشْرُوْنَ : أنَّ الذَّاكِرَ يَسْعَدُ بذِكْرِهِ، ويَسْعَدُ بِهِ جَلِيْسُهُ، وهَذَا هُوَ المُبَارَكُ أيْنَ مَا كَانَ، والغَافِلُ واللَّاغِي يَشْقَى بلَغْوِهِ وغَفْلَتِهِ، ويَشْقَى بِهِ مُجَالِسُهُ .
    الثَّامِنَةُ والعِشْرُوْنَ : أنَّهُ يُؤَمِّنُ العَبْدَ مِنَ الحَسْرَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ فَإنَّ كُلَّ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُ العَبْدُ فِيْهِ رَبَّهُ تَعَالى كَانَ عَلَيْهِ حَسْرَةً وتِرَةً يَوْمَ القِيَامَةِ .
    التَّاسِعَةُ والعِشْرُوْنَ : أنَّهُ مِعَ البُكَاءِ في الخَلْوَةِ سَبَبٌ لإظْلالِ الله تَعَالى العَبْدَ يَوْمَ الحَرِّ الأكْبَرِ في ظِلِّ عَرْشِهِ .
    الثَّلاثُوْنَ : أنَّ الاشْتِغَالَ بِهِ سَبَبٌ لعَطَاءِ الله للذَّاكِرِ أفْضَلَ مَا يُعْطِي السَّائِلِيْنَ .
    الحَادِيَةُ والثَّلاثُوْنَ : أنَّهُ أيْسَرُ العِبَادَاتِ، وهُوَ مِنْ أجْلِّهَا وأفْضَلِهَا؛ فَإنَّ حَرَكَةَ اللِّسَانِ أخَفُّ حَرَكَاتِ الجَوَارِحِ وأيْسَرُهَا .
    الثَّانِيَةُ والثَّلاثُوْنَ : أنَّهُ غِرَاسُ الجَنَّةِ .
    الثَّالِثَةُ والثَّلاثُوْنَ : أنَّ العَطَاءَ والفَضْلَ الَّذِي رُتِّبَ عَلَيْهِ لم يُرَتَّبْ على غَيْرِهِ مِنَ الأعْمَالِ .
    الرَّابِعَةُ والثَّلاثُوْنَ : أنَّ دَوَامَ ذِكْرِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وتَعَالى يُوْجِبُ الأمَانَ مِنْ نِسْيَانِهِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ شَقَاءِ العَبْدِ في مَعَاشِهِ ومَعَادِهِ .
    الخَامِسَةُ والثَّلاثُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يُسَيِّرُ العَبْدَ وهُوَ قَاعِدٌ على فِرَاشِهِ، وفي سُوْقِهِ، وفي حَالِ صِحَّتِهِ وسَقَمِهِ، وفي حَالِ نَعِيْمِهِ ولَذَّتِهِ، ولَيْسَ شَيءٌ يَعُمُّ الأوْقَاتِ والأحْوَالَ مِثْلُهُ .
    السَّادِسَةُ والثَّلاثُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ نُوْرٌ للذَّاكِرِ في الدُّنْيَا، ونُوْرٌ لَهُ في قَبْرِهِ، ونُوْرٌ لَهُ في مَعَادِهِ؛ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ على الصِّرَاطِ فمَا اسْتَنَارَتِ القُلُوْبُ والقُبُوْرُ بمِثْلِ ذِكْرِ الله تَعَالى .
    السَّابِعَةُ والثَّلاثُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ رَأسُ الأصُوْلِ، وطَرِيْقُ عَامَّةِ الطَّائِفَةِ، ومَنْشُوْرُ الوَلايَةِ؛ فَمَنْ فُتِحَ لَهُ فِيْهِ فَقَدْ فُتِحَ لَهُ بَابُ الدُّخُوْلِ على الله عَزَّ وجَلَّ .
    الثَّامِنَةُ والثَّلاثُوْنَ : في القَلْبِ خَلَّةٌ وفَاقَةٌ لا يَسُدُّهَا شَيءٌ الْبَتَّة إلَّا ذِكْرُ الله عَزَّ وجَلَّ .
    التَّاسِعَةُ والثَّلاثُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يَجْمَعُ المُتَفَرِّقَ ويُفَرِّقُ المُجْتَمِعَ، ويُقَرِّبُ البَعِيْدَ ويُبْعِدُ القَرِيْبَ؛ فَيَجْمَعُ مَا تَفَرَّقَ على العَبْدِ مِنْ قَلْبِهِ وإرَادَتِهِ وهُمُوْمِهِ وعُزُوْمِهِ، والعَذَابُ كُلُّ العَذَابِ في تَفْرِقَتِهَا وتَشَتُّتِهَا عَلَيْهِ وانْفِرَاطِهَا لَهُ، والحَيَاةُ كلُّ الحياةِ والنَّعِيْمُ في اجْتِمَاعِ قَلْبِهِ وهَمِّهِ وعَزْمِهِ وإرَادَتِهِ .
    الأرْبَعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يُنَبِّهُ القَلْبَ مِنْ نَوْمِهِ، ويُوْقِظُهُ مِنْ سِنَتِهِ، والقَلْبُ إذَا كَانَ نَائِمًا فَاتَتْهُ الأرْبَاحُ والمتَاجِرُ، وكَانَ الغَالِبُ عَلَيْهِ الخُسْرَانُ .
    الحَادِيَةُ والأرْبَعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ شَجَرَةٌ تُثْمِرُ المَعَارِفَ والأحْوَالَ الَّتِي شَمَّرَ إلَيْهَا السَّالِكُوْنَ؛ فَلا سَبِيْلَ إلى نِيْلَ ثِمَارِهَا إلَّا مِنْ شَجَرَةِ الذِّكْرِ .
    الثَّانِيَةُ والأرْبَعُوْنَ : أنَّ الذَّاكِرَ قَرِيْبٌ مِنْ مَذْكُوْرِهِ، ومَذْكُوْرُهُ مَعَهُ وهَذِهِ المَعِيَّةُ مَعِيَّةٌ خَاصَّةٌ غَيْرُ مَعِيَّةِ العِلْمِ والإحَاطَةِ العَامَّةِ، فَهِيَ مَعِيَّةٌ بالقُرْبِ والوِلايَةِ والمَحَبَّةِ والنُّصْرَةِ والتَّوْفِيْقِ .
    الثَّالِثَةُ والأرْبَعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يَعْدِلُ عِتْقَ الرِّقَابِ، ونَفَقَةَ الأمْوَالِ، والحَمْلَ على الخَيْلِ فى سَبِيْلِ الله عَزَّ وجَلَّ، ويَعْدِلُ الضَّرْبَ بالسَّيْفِ فى سَبِيْلِ الله عَزَّ وجَلَّ .
    الرَّابِعَةُ والأرْبَعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ رَأسُ الشُّكْرِ، فَما شَكَرَ الله تَعَالى مَنْ لم يَذْكُرْهُ .
    الخَامِسَةُ والأرْبَعُوْنَ : أنَّ أكْرَمَ الخَلْقِ على الله تَعَالى مِنَ المُتَّقِيْنَ مَنْ لا يَزَالُ لِسَانُهُ رَطْبًا بذِكْرِهِ؛ فَإنَّهُ اتَّقَاهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وجَعَلَ ذِكْرَهُ شِعَارَهُ .
    السَّادِسَةُ والأرْبَعُوْنَ : أنَّ في القَلْبِ قَسْوَةً لا يُذِيْبُهَا إلَّا ذِكْرُ الله تَعَالى، فَيَنْبَغِي للعَبْدِ أنْ يُدَاوِيَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ بِذِكْرِ الله تَعَالى .
    السَّابِعَةُ والأرْبَعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ شِفَاءُ القَلْبِ ودَوَاؤُهُ، والغَفْلَةَ مَرَضُهُ، فالقُلُوْبُ مَرِيْضَةٌ وشِفَاؤُهَا ودَوَاؤُهَا في ذِكْرِ الله تَعَالى .
    الثَّامِنَةُ والأرْبَعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ أصْلُ مُوَالاة الله عَزَّ وجَلَّ ورَأسُهَا، والغَفْلَةَ أصْلُ مُعَادَاتِهِ ورَأسُهَا .
    التَّاسِعَةُ والأرْبَعُوْنَ : أنَّهُ مَا اسْتُجْلِبَتْ نِعَمُ الله عَزَّ وجَلَّ، ومَا اسْتُدْفِعَتْ نِقَمُهُ بمِثْلِ ذِكْرِ الله تَعَالى، فالذِّكْرُ جَلَّابٌ للنِّعَمِ دَافِعٌ للنِّقَمِ .
    الخَمْسُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يُوْجِبُ صَلاةَ الله عَزَّ وجَلَّ ومَلائِكَتِهِ على الذَّاكِرِ، ومَنْ صَلَّى الله تَعَالى عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ فَقَدْ أفْلَحَ كُلَّ الفَلاحِ، وفَازَ كُلَّ الفَوْزِ .
    الحَادِيَةُ والخَمْسُوْنَ : أنَّ مَنْ شَاءَ أنْ يَسْكُنَ رِيَاضَ الجَنَّةِ فى الدُّنْيَا فَلْيَسْتَوْطِن َ مَجَالِسَ الذِّكْرِ؛ فَإنَّهَا رِيَاضُ الجَنَّةِ .
    الثَّانِيَةُ والخَمْسُوْنَ : أنَّ مَجَالِسَ الذِّكْرِ مَجَالِسُ المَلائِكَةِ فَلَيْسَ مَنْ مَجَالِسِ الدُّنْيَا لهُم مَجْلِسٌ إلَّا مَجْلِسٌ يُذْكَرُ الله تَعَالى فِيْهِ .
    الثَّالِثَةُ والخَمْسُوْنَ : أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُبَاهِي بالذَّاكِرِيْنَ مَلائِكَتَهُ .
    الرَّابِعَةُ والخَمْسُوْنَ : أنَّ مُدْمِنَ الذِّكْرِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وهُوَ يَضْحَكُ .
    الخَامِسَةُ والخَمْسُوْنَ : أنَّ جَمِيْعَ الأعْمَالِ إنَّمَا شُرِعَتْ إقَامَةً لذِكْرِ الله تَعَالى، والمَقْصُوْدُ بِهَا تَحْصِيْلُ ذِكْرِ الله تَعَالى .
    السَّادِسَةُ والخَمْسُوْنَ : أنَّ أفْضَلَ أهْلِ كُلِّ عَمَلٍ أكْثَرُهُم فِيْهِ ذِكْرًا لله عَزَّ وجَلَّ، فَأفْضَلُ الصُّوَّامِ أكْثَرُهُم ذِكْرًا لله عَزَّ وجَلَّ في صَوْمِهِم، وأفْضَلُ المُتَصَدِّقِيْ نَ أكْثَرُهُم ذِكْرًا لله عَزَّ وجَلَّ، وهَكَذَا في الصَّلاةِ والحَجِّ وسَائِرِ الأحْوَالِ .
    السَّابِعَةُ والخَمْسُوْنَ : أنَّ إدَامَةَ الذِّكْرِ تَنُوْبُ عَنِ التَّطَوُّعَاتِ ، وتَقُوْمُ مَقَامَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بَدَنِيَّةً أو مَالِيَّةً كحَجِّ التَّطَوُّعِ وغَيْرهِ .
    الثَّامِنَةُ والخَمْسُوْنَ : أنَّ ذِكْرَ الله عَزَّ وجَلَّ مِنْ أكْبَرِ العَوْنِ على طَاعَتِهِ؛ فَإنَّهُ يُحَبِّبُهَا إلى العَبْدِ ويُسَهِّلُهَا عَلَيْهِ ويُلَذِّذُهَا لَهُ، ويَجْعَلُ قُرَّةَ عَيْنِهِ فِيْهَا، ونَعِيْمَهُ وسُرُوْرَهُ بِهَا بِحَيْثُ لا يَجِدُ لهَا مِنَ الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ والثِّقَلِ مَا يَجِدُ الغَافِلُ، والتَّجْرُبَةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، يُوَضِّحُهُ .
    التَّاسِعَةُ والخَمْسُوْنَ : أنَّ ذِكْرَ الله عَزَّ وجَلَّ يُسَهِّلُ الصَّعْبَ، ويُيَسِّرُ العَسِيْرَ، ويُخَفِّفُ المَشَاقَ؛ فَما ذُكِرَ الله عَزَّ وجَلَّ على صَعْبٍ إلَّا هَانَ، ولا على عَسِيرٍ إلَّا تَيَسَّرَ، ولا على مَشَقَّةٍ إلَّا خَفَّتْ، ولا على شِدَّةٍ إلَّا زَالَتْ، ولا على كُرْبَةٍ إلَّا انْفَرَجَتْ، فَذِكْرُ الله تَعَالى هُوَ الفَرَجُ بَعْدَ الشِّدَّةِ، واليُسْرُ بَعْدَ العُسْرِ، والفَرَجُ بَعْدَ الغَمِّ والهَمِّ، يُوَضِّحُهُ .
    السِّتُّوْنَ : أنَّ ذِكْرَ الله عَزَّ وجَلَّ يُذْهِبُ عَنِ القَلْبِ مَخَاوِفَهُ كُلَّهَا، ولَهُ تَأثِيْرٌ عَجِيْبٌ في حُصُوْلِ الأمْنِ، فَلَيْسَ للخَائِفِ الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ خَوْفُهُ أنْفَعُ مِنْ ذِكْرِ الله عَزَّ وجَلَّ إذْ بحَسَبِ ذِكْرِهِ يَجِدُ الأمْنَ ويَزُوْلُ خَوْفُهُ؛ حَتَّى كَأنَّ المَخَاوِفَ الَّتِي يَجِدُهَا أمَانٌ لَهُ، والغَافِلُ خَائِفٌ مَعَ أمْنِهِ؛ حَتَّى كَأنَّ مَا هُوَ فِيْهِ مِنَ الأمْنِ كُلِّهِ مَخَاوِفُ .
    الحَادِيَةُ والسِّتُّوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يُعْطِي الذَّاكِرَ قُوَّةً؛ حَتَّى إنَّهُ لَيَفْعَلُ مَعَ الذِّكْرِ مَا لا يُطِيْقُ فِعْلَهُ بدُوْنِهِ .
    الثَّانِيَةُ والسِّتُّوْنَ : أنَّ عُمَّالَ الآخِرَةِ كُلَّهُم في مِضْمَارِ السِّبَاقِ، والذِّاكِرُوْنَ هُم أسْبَقُهُم في ذَلِكَ المِضْمَارِ، ولَكِنَّ القَتَرَةَ والغُبَارَ يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَةِ سَبْقِهِم؛ فَإذَا انْجَلى الغُبَارُ وانْكَشَفَ رَآهُمُ النَّاسُ، وقَدْ حَازُوا قَصَبَ السَّبْقِ .
    الثَّالِثَةُ والسِّتُّوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ سَبَبٌ لتَصْدِيْقِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ عَبْدَهُ؛ فَإنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الله تَعَالى بِأوْصَافِ كَمَالِهِ ونُعُوْتِ جَلالِهِ؛ فَإذَا أخْبَرَ بِهَا العَبْدُ صَدَّقَهُ رَبُّهُ، ومَنْ صَدَّقَهُ الله تَعَالى لم يُحْشَرْ مَعَ الكَاذِبِيْنَ، ورُجِيَ لَهُ أنْ يُحْشَرَ مَعَ الصَّادِقِيْنَ .
    الرَّابِعَةُ والسِّتُّوْنَ : أنَّ دُوْرَ الجَنَّةِ تُبْنَى بالذِّكْرِ؛ فَإذَا أمْسَكَ الذَّاكِرُ عَنِ الذِّكْرِ أمْسَكَتِ المَلائِكَةُ عَنِ البِنَاءِ .
    الخَامِسَةُ والسِّتُّوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ سَدٌّ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ جَهَنَّمَ؛ فَإذَا كَانَتْ لَهُ إلى جَهَنَّمَ طَرِيْقٌ مِنْ عَمَلٍ مِنَ الأعْمَالِ كَانَ الذِّكْرُ سَدًّا في تِلْكَ الطَّرِيْقِ؛ فَإذَا كَانَ ذِكْرًا دَائِمًا كَامِلًا كَانَ سَدًّا مُحْكَمًا لا مَنْفَذَ فِيْهِ، وإلَّا فَبِحَسَبِهِ!
    السَّادِسَةُ والسِّتُّوْنَ : أنَّ المَلائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ للذَّاكِرِ، كَمَا تَسْتَغْفِرُ للتَّائِبِ.
    السَّابِعَةُ والسِّتُّوْنَ : أنَّ الجِبَالَ والقِفَارَ تَتَبَاهَى وتَسْتَبْشِرُ بمَنْ يَذْكُرُ الله عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهَا .
    الثَّامِنَةُ والسِّتُّوْنَ : أنَّ كَثْرَةَ ذِكْرِ الله عَزَّ وجَلَّ أمَانٌ مِنَ النِّفَاقِ؛ فَإنَّ المُنَافِقِيْنَ قَلِيْلُو الذِّكْرِ لله عَزَّ وجَلَّ .
    التَّاسِعَةُ والسِّتُّوْنَ : أنَّ للذِّكْرِ مِنْ بَيْنَ الأعْمَالِ لَذَّةً لا يُشْبِهُهَا شَيءٌ، فَلَوْ لم يَكُنْ للعَبْدِ مِنْ ثَوَابِهِ إلَّا اللَّذَّةُ الحَاصِلَةُ للذَّاكِرِ، والنَّعِيْمُ الَّذِي يَحْصُلُ لقَلْبِهِ لكَفَى بِهِ، ولِهذَا سُمِّيَتْ مَجَالِسُ الذِّكْرِ : رِيَاضُ الجَنَّةِ .
    السَّبْعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يَكْسُو الوَجْهَ نَضْرَةً في الدُّنْيَا، ونُوْرًا في الآخِرَةِ، فالذَّاكِرُوْنَ أنْضَرُ النَّاسِ وُجُوْهًا في الدُّنْيَا، وأنْوَرُهُم في الآخِرَةِ .
    الحَادِيَةُ والسَّبْعُوْنَ : أنَّ في دَوَامِ الذِّكْرِ في الطَّرِيْقِ والبَيْتِ والحَضَرِ والسَّفَرِ والبِقَاعِ تَكْثِيْرًا لشُهُوْدِ العَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ .
    الثَّانِيَةُ والسَّبْعُوْنَ : أنَّ في الاشْتِغَالِ بالذِّكْرِ اشْتِغَالًا عَنِ الكَلامِ البَاطِلِ مِنَ الغِيْبَةِ واللَّغْوِ ومَدْحِ النَّاسِ وذَمِّهِم وغَيْرَ ذَلِكَ؛ فَإنَّ اللِّسَانَ لا يَسْكُتُ الْبَتَّةَ؛ فَإمَّا لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وإمَّا لِسَانٌ لَاغٍ، ولا بُدَّ مِنْ أحَدِهِمَا .
    الثَّالِثَةُ والسَّبْعُوْنَ : وهِيَ الَّتِي بَدَأنَا بذِكْرِهَا وأشَرْنَا إلَيْهَا إشَارَةً، فَنَذْكُرُهَا هَاهُنَا مَبْسُوْطَةً لعَظِيْمِ الفَائِدَةِ بِهَا، وحَاجَةِ كُلِّ أحَدٍ، بَلْ ضَرُوْرَتُهُ إلَيْهَا : وهِيَ أنْ الشَّيَاطِيْنَ قَدِ احْتَوَشَتِ العَبْدَ، وهُمْ أعْدَاؤُهُ، فَمَا ظَنُّكَ برَجُلٍ قَدِ احْتَوَشَهُ أعْدَاؤُهُ المُحْنِقُوْنَ عَلَيْهِ غَيْظًا، وأحَاطُوا بِهِ، وكُلٌّ مِنْهُم يَنَالُهُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ والأذْى، ولا سَبِيْلَ إلى تَفْرِيْقِ جَمْعِهِم عَنْهُ إلَّا بذِكْرِ الله عَزَّ وجَلَّ، انْتَهَى كَلامُهُ رَحِمَهُ الله باخْتِصَارٍ على رُؤُوْسِ الفَوَائِدِ([1]) .
    * * *

    وهَذِهِ بَعْضُ الفَوَائِدِ الَّتِي فَتَحَهَا الله تَعَالى على العَبْدِ الفَقِيْرِ إتْمَامًا للمَائَةِ :
    الرَّابِعَةُ والسَّبْعُوْنَ : أنَّ في الذِّكْرِ تَحْقِيْقًا لعُبُوْدِيَّةِ الله تَعَالى، لأنَّ الذِّكْرَ دُعَاءٌ، والدُّعَاءُ هُوَ أصْلُ العِبَادَةِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ : «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ»، أخْرَجَهُ أهْلُ السُّنَنِ الأرْبَعِ وغَيرُهُم، وهُوَ صَحِيحٌ، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا .
    وقَدْ قَالَ تَعَالى : «يا أيُّهَا الَّذِيْنَ أمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم واشْكُرُوا لله إنْ كُنْتُم إيَّاهُ تَعْبُدُوْنَ» (البقرة : 172) .
    الخَامِسَةُ والسَّبْعُوْنَ : أنَّ في الذِّكْرِ زِيَادَةً للإيْمَانِ، وقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ قَاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ : أنَّ الإيْمَانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ، وعَلَيْهِ فالذِّكْرُ قَوْلُ اللِّسَانِ وعَمَلُ القَلْبِ، فَالذَّاكِرُ في زِيَادَةٍ للإيْمَانِ، وقَدْ قَالَ تَعَالى : «إنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (الأنفال : 2) .
    السَّادِسَةُ والسَّبْعُوْنَ : أنَّ في الذِّكْرِ طَمَأنِيْنَةً للقَلْبِ، كَمَا قَالَ تَعَالى : «الَّذِينَ أمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله ألَا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ» (الرعد : 28) .
    السَّابِعَةُ والسَّبْعُوْنَ : أنَّ الذَّاكِرَ يَعِيْشُ حَيَاةً طَيِّبَةً؛ وهَذَا مَا لا يَجِدُهُ المُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِ رِبِّهِ؛ حَيْثُ تَرَاهُ دَائِمًا في مَعِيْشَةٍ ضَنْكَةٍ، ولكُلٍّ بحَسَبِ ذِكْرِهِ لرَبِّهِ أو إعْرَاضِهِ عَنْهُ نَصِيْبٌ مِنْ هَذِهِ الحَيَاةِ، وقَدْ قَالَ تَعَالى : «وَمَنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أعْمَى» (طه : 124) .
    وقَوْلُهُ تَعَالى : «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّ هُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّ هُمْ أجْرَهُمْ بِأحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (النحل : 97) .
    الثَّامِنَةُ والسَّبْعُوْنَ : أنَّ في الذِّكْرِ وِقَايةً ورُقْيَةً وحِصْنًا مِنَ جَمِيْعِ الأمْرَاضِ قَبْلَ وُقُوْعِهَا : كالعَيْنِ والسِّحْرِ وغَيْرِهَا مِنْ أمْرَاضِ القُلُوْبِ والأبْدَانِ، ومَا يَعْلَمُهُ العَبْدُ وما لا يَعْلَمُهُ .
    التَّاسِعَةُ والسَّبْعُوْنَ : أنَّ في الذِّكْرِ شِفَاءً وعِلاجًا مِنَ جَمِيْعِ الأمْرَاضِ بَعْدَ وُقُوْعِهَا، وهَذَا لا يَجِدُهُ العَبْدُ ولا يَحُسُّهُ حَقِيْقَةً إلَّا مَنْ ذَكَرَ الله بقَلْبٍ سَلِيْمٍ، وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، ومَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فَهُوَ حَسْبُهُ تَعَالى .
    وقَدْ قَالَ تَعَالى : «وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلَّا خَسَارًا» (الإسراء : 82) .
    الثَّمانُوْنَ : أنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لهَا حَدٌّ ونِهَايَةٌ في الدُّنْيَا؛ إلَّا الذِّكْرَ فَإنَّهُ لا نِهَايَةَ لَهُ ولا حَدًّا؛ لأمُوْرٍ :
    الأوَّلُ : أنَّ الذِّكْرَ عِبَادَةٌ لا تَخْرُجُ عَنْ دُعَاءِ العِبَادَةِ أو دُعَاءِ المَسْألَةِ، وكِلاهُمَا مُتَعَلِّقٌ بأسْمَاءِ الله وصِفَاتِهِ، وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ أنَّ أسْمَاءَ الله وصِفَاتِهِ غَيْرَ مَحْصُوْرَةٍ بعَدَدٍ .
    وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ : «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوْذُ برِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوْبَتِكَ، وأعُوْذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
    وصَحَّ أيْضًا عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ أيْ يَوْمَ القِيَامَةِ : «فَأحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ يُلْهِمُنِيهِ الله» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
    وقَوْلُهُ ﷺ : «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إذَا أصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابنُ عَبْدِكَ وَابنُ أمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ؛ أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أوْ أنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إلَّا أذْهَبَ الله عَزَّ وَجَلَّ هَمَّهُ وَأبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا»، قَالُوا يَا رَسُولَ الله يَنْبَغِي لَنَا أنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ؟ قَالَ : «أجَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنّ َ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ، وهُوَ صَحِيْحٌ .
    الثَّاني : أنَّ الذِّكْرَ عِبَادَةٌ تَبْقَى مَعَ أهْلِهَا في الجِنَّةِ، وأهْلُ الجَنَّةِ خَالِدُوْنَ، يُوَضِّحُهُ مَا يَلي .
    الحَادِيَةُ والثَّمانُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ هِيَ العِبَادَةُ الَّتِي تَبْقَى مَعَ المُؤْمِنِيْنَ في جَنَّةِ الخُلْدِ، وذَلِكَ بِمَا يُجْرِيْهِ الله تَعَالى على ألسِنَة أوْلِيَائِهِ في الجَنَّةِ مِنَ تَسْبِيْحٍ وتَحْمِيْدٍ وتَكْبِيْرٍ وتَهْلِيْلٍ .
    الثَّانِيَةُ والثَّمانُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يَبْعَثُ في قَلْبِ الذَّاكِرِ اعْتِرَافًا بالقُصُوْرِ والحَاجَةِ والضَّعْفِ والفَقْرِ إلى الله تَعَالى، لِذَا تَرَاهُ مُجْتَهِدًا في ذِكْر رَبِّهِ صَبَاحَ مَسَاءَ، قَائمًا وقَاعِدًا، كَمَا قَالَ تَعَالى : «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُون َ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (آل عمران : 191) .
    الثَّالِثَةُ والثَّمانُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ هُوَ العِبَادَةُ الَّتِي تُفَرَّجُ عِنْدَهُ الكُرُوْبُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ جَمِيْعِ الخَلائِقِ إنْسِهِم وجِنِّهِم مُؤمِنِهِم وكَافِرِهِم، وذَلِكَ يَوْمَ يَقُوْمُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَي رَبِّهِ تَبَارَكَ وتَعَالى فَيَدْعُو رَبَّهُ بمَحَامِدَ عَظِيْمَةٍ مِنَ الذِّكْرِ والتَّسْبِيْحِ والتَّحْمِيْدِ، مَا يَرْضَى عِنْدَهَا المَوْلى عَزَّ وجَلَّ؛ فَيُقِيْمَ حِيْنَهَا الحِسَابَ بَيْنَ الخَلائِقِ .
    وهُوَ مَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ في حَدِيْثِهِ عَنِ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ : «فَأُوتَى فَأقُولُ أنَا لَهَا فَأنْطَلِقُ فَأسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي فَأقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ يُلْهِمُنِيهِ الله ثُمَّ أخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ لِي يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأقُولُ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي ... الحَدِيْثَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ لمُسْلِمٍ في حَدِيْثٍ طَوِيْلٍ .
    الرَّابِعَةُ والثَّمانُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ هُوَ مِنْ أوَّلِ العِبَادَاتِ الَّتِي يَسْمَعُهَا قَلْبُ المَوْلُوْدِ، وذَلِكَ يَوْمَ يُؤذَّنُ في أُذُنِه عِنْدَ وِلادَتِهِ، كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ .
    الخَامِسَةُ والثَّمانُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ هُوَ مِنْ أجَلِّ العِبادَاتِ الَّتِي تُقَالُ عِنْدَ الرِّحِيْلِ مِنَ الدُّنْيَا، وأفْضَلِ الأذْكَارِ الأخِيْرَةِ الَّتِي يُوَفَّقُ العَبْدُ المُؤمِنُ مِنْ نُطْقِهَا، وذَلِكَ عِنْدَمَا يَكُوْنُ آخِرُ كَلامِهِ مِنَ الدُّنْيَا : لا إلَهَ إلَّا الله .
    وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ : «مَنْ كَانَ آخِرَ كَلامِهِ : لا إلَهَ إلَّا الله؛ دَخَلَ الجَنَّةَ» أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وغَيْرُهُ، وهُوَ حَدِيْثٌ صَحِيْحُ الإسْنَادِ .
    السَّادِسَةُ والثَّمانُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ هُوَ مِنْ أجَلِّ وأفْضَلِ العِبادَاتِ الَّتِي تُذْكَرُ وتُقَالُ عِنْدَ مَوْتِ العَبْدِ المُسْلِمِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُم : لا إلَهَ إلَّا الله» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
    السَّابِعَةُ والثَّمانُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ هُوَ أوَّلُ العِبَادَاتِ الَّتِي أوْجَبَهَا الله على الخَلائِقِ، وذَلِكَ لكَوْنِهَا أصْلَ الدِّيْنِ وكَلِمَةَ الإسْلامِ، ولا يَنَالُ العَبْدُ شَرَفَ الإسْلامِ ولا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإسْلامِ إلَّا إذَا نَطَقَ : بلا إلَهَ إلَّا الله، وهُوَ قَادِرٌ على النُّطْقِ .
    فبِذْكِرِ : لا إلَهَ إلَّا الله، يَدْخُلُ العَبْدُ الإسْلامَ، ولَيَسْ َعلى العَبْدِ شَيءٌ وَاجِبٌ مِنَ العِبَادَاتِ قَبْلَ التَّوْحِيْدِ .
    الثَّامِنَةُ والثَّمانُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ عِبَادَةٌ ثَقِيْلَةٌ في المِيْزَانِ، وذَلِكَ لعَظِيْمِ أجْرِهَا، وكَبِيْرِ ثَوَابِهَا، وتَكْثِيْرِ حَسَنَتَاتِهَا([2]) .
    كَمَا أنَّهُ عِبَادَةٌ حَبِيْبَةٌ إلى الرَّحْمَنِ تَعَالى، خَفِيْفَةٌ على اللِّسَانِ، وهَذِهِ وغَيْرَهَا يَجْمَعُهَا حَدِيْثُ النَّبِيِّ ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ في المِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ : سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله العَظِيمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
    التَّاسِعَةُ والثَّمانُوْنَ : أنَّ الذَّاكِرَ غَرِيْبٌ بَيْنَ إخْوَانِهِ، فَرِيْدٌ بَيْنَ أقْرَانِهِ، مُسْتَوْحِشٌ مِنْ قِلَّةِ الذَّاكِرِيْنَ مِنْ أهْلِ زَمَانِهِ، بَلْ هُوَ قَلِيْلٌ مِنْ كَثِيْرٍ، كَمَا قَالَ تَعالى : «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» (سبأ : 13) .
    وقَوْلُهُ تَعَالى : «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الأخِرِينَ» (الواقعة : 14) .
    وقَوْلُهُ ﷺ : «بَدَأ الإسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» أخْرَجَهُ ابنُ مَاجَه وغَيْرُهُ، وهُوَ حَسَنُ الإسْنَادِ .
    التِّسْعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يُنَزِّلُ القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، و يُجْلِبُ الرِّزْقَ بالأمْوَالِ والبَنِيْنِ والثَّمَرَاتِ والخَيْرَاتِ، ويُجْرِي الأنْهَارَ، كَمَا قَالَ تَعَالى : «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكِم مِدْرَارًا (11) ويُمْدِدْكُم بأمْوَالٍ وبَنِيْنَ ويَجْعَلْ لَكُم أنْهَارًا» (نوح : 10-12) .
    الحَادِيَةُ والتِّسْعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ أقْرَبُ العِبَادَاتِ إلى الإخْلاصِ، وأبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ والسُّمْعَةِ، لأنَّهُ مُذَاكَرَةٌ ومُنَاجَاةٌ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، لا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا أحَدٌ سِوَى الله تَعَالى .
    الثَّانِيَةُ والتِّسْعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ لا تَشْرُكُهُ عِبَادَةٌ في جِنْسِهِ؛ لأنَّهُ مِنْ جِنْسِ القُرْآنِ الَّذِي هُوَ كَلامُ الله تَعَالى، خِلافًا لجَمِيْعِ العِبَادَاتِ .
    فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ : «أفْضَلُ الكَلَامِ بَعْدَ القُرْآنِ أرْبَعٌ، وهُنَّ مِنَ القُرْآنِ : سُبْحَانَ الله، والحَمْدُ لله، ولَا إلَهَ إلَّا الله، والله أكْبَرُ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والنَّسَائيُّ .
    الثَّالِثَةُ والتِّسْعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ هُوَ ثَاني اثْنَيْنِ مِنَ الأسْبَابِ الَّتِي يَدْفَعُ الله بِهِمَا العَذَابَ والهَلاكَ عَنْ عِبَادِهِ في الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالى : «وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (الأنفال : 33) .
    الرَّابِعَةُ والتِّسْعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يَحْفَظُ الذَّاكِرَ ويَحْرُسُهُ مِنْ أعْيُنِ وعَبَثِ الشَّيَاطِيْنَ عِنْدَ دُخُوْلِهِ إلى مَوَاطِنِ الشَّيَاطِيْنِ، وعِنْدَ جُلُوْسِهِ في مَسَاكِنِهِم ومَأوَاهُم، وعِنْدَ نُزُوْلِهِ بأرْضِ فَلاةٍ ومَفَازَةٍ، فَلا يَرَوْنَ مِنْهُ عَوْرَةً ولا سَوْءَةً، ولا يَطَّلِعُوْنَ على مَا يَسُوْءُهُ ويَسْتُرُهُ، ولا يَقْدِرُوْنَ على ضُرِّهِ، كَمَا قَالَ ﷺ : «سَتْرُ مَا بَيْنَ الجِّنِّ وعَوْرَاتِ بنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الكَنِيْفَ أنْ يَقُوْلَ : بِسْمِ الله» أخْرَجَهُ التِّرمِذِيُّ وابنُ مَاجَه وغَيْرُهُمَا، وقَدْ حَسَّنَهُ بَعْضُهُم، ولَهُ شَوَاهِدُ ومُتَابَعَاتٌ يُسْتَأنَسُ بِهَا .
    وقَالَ ﷺ : «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ : أعُوْذُ بكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ لم يَضُرُّهُ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
    الخَامِسَةُ والتِّسْعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يَحْفَظُ الذَّاكِرَ ويَحْرُسُهُ مِنْ شَرِّ وأذَى الشَّيَاطِيْنَ عِنْدَ خُرُوْجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ، كَمَا قَالَ ﷺ يَعْنِي إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ : « مَنْ قَالَ : بِسْمِ الله تَوَكَّلْتُ على الله، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله؛ يُقَالُ لَهُ : كُفِيْتَ ووُقِيْتَ وهُدِيْتَ، وتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطُانُ فَيَقُوْلُ لشَيْطَانٍ آخَرَ : كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وكُفِيَ ووُقِيَ؟!» أخْرَجَهُ التِّرمِذِيُّ وأبو دَاوُدَ، وهُوَ حَدِيْثٌ حَسَنٌ .
    السَّادِسَةُ والتِّسْعُوْنَ : أنَّ الذِّكْرَ يَحْفَظُ الذَّاكِرَ في نَفْسِهِ وزَوْجِهِ، ويَحْفَظُهُ أيْضًا في وَلَدِهِ وعَقِبِهِ مِنْ شَرِّ وأذَى الشَّيَاطِيْنَ، وذَلِكَ عِنْدَ جِمَاعِهِ مَعَ أهْلِهِ، كَمَا قَالَ ﷺ : «إنَّ أحَدَكُم إذَا أتَى أهْلَهُ؛ قَالَ : بِسْمِ الله اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا؛ فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ؛ لم يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ أبَدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
    السَّابِعَةُ والتِّسْعُوْنَ : إنَّ الذَّاكِرَ لله تَعَالى أكْثَرُ النَّاسِ حُبًّا للقَاءِ الله ومُلاقَاتِهِ، وذَلِكَ لكَثْرَةِ تَعَلُّقِهِ برَبِّهِ ومُدَاوَمَتِهِ لذِكْرِهِ تَعَالى، وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ : «مَنْ أحَبَّ لِقَاءَ الله أحَبَّ الله لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله كَرِهَ الله لِقَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
    الثَّامِنَةُ والتِّسْعُوْنَ : إنَّ الذَّاكِرَ لله تَعَالى مِنْ أقْوَى النَّاسِ إيْمَانًا بالقَضَاءِ والقَدَرِ، وأفْضَلِهِم عِنْدَهُ تَسْلِيْمًا واسْتِرْجَاعًا، كَمَا أنَّهُ أعْرَفُ الخَلْقِ بحَقِّ الله عِنْدَ تَقْدِيْرِ المَصَائِبِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالى : «الَّذِينَ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ» (البقرة : 157) .
    التَّاسِعَةُ والتِّسْعُوْنَ : أنَّ الذَّاكِرَ لله تَعَالى أقْرَبُ النَّاسِ تَوْبَةً إلى الله مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا أنَّهُ أصْدَقُهُم ذِكْرًا لله تَعَالى عِنْدَ مُوَاقَعَةِ الذُّنُوْبِ المَعَاصِي، كَمَا قَالَ تَعَالى : «وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا الله وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (آل عمران : 135) .
    المَائَةُ : أنَّ الذَّاكِرَ لله تَعَالى يُكْتَبُ اسْمُهُ في دِيْوَانِ الذَّاكِرِيْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ، ويُحْشَرُ مَعَهُم، وحَسْبُكَ بِهَذَا شَرَفًا ومَنْزِلَةً .
    وبِهَذِهِ الفَائِدَةِ؛ نَخْتِمُ فَوَائِدَ الذِّكْرِ إتْمَامًا لمَا بَدَأهُ ابنُ القَيَّمِ رَحِمَهُ الله، في حِيْنَ أنَّهُ قَدْ بَاتَ لَدَى العَامَّةِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ أنَّ فَوَائِدَ الذِّكْرِ لا تَنْتَهِي إلى حَدٍّ، ولا تَقِفُ عِنْدَ عَدٍّ، فَهِيَ نَفَحَاتٌ إلهِيَّةٌ، وفُتُوْحَاتٌ رَبَّانِيَّةٌ يَفْتَحُهَا الله عَزَّ وجَلَّ على مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ المُتَّقِيْنَ، فمُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ، والله تَعَالى أعْلَمُ، ورَدُّ العِلْمِ إلَيْهِ أسْلَمُ .

    الشيخ الدكتور
    ذياب بن سعد الغامدي
    تحقيق الكلام في أذكار الصلاة بعد السلام
    ص 21




    ([1]) لَقَدْ ذَكَرْتُ جَمِيْعَ الفَوَائِدِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله في كِتَابِهِ «الوَابِلِ الصَّيِّبِ»، غَيْرَ أنَّنِي اخْتَصَرْتُهَا مَعَ حَذْفِ الأدِلَّةِ وغَيْرِهَا؛ كُلَّ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَّا مِنَ الإطَالَةِ الَّتِي سَتُخْرِجُنَا عَنْ شَرْطِ كِتَابِنَا، ومَنْ أرَادَهَا فلْيَنْظُرْهَا في أصْلِ الكِتَابِ .

    ([2]) لَقَدْ ذَكَرَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله فَائِدَةَ خِفَّةِ اللِّسَانِ بالذِّكْرِ، ورِضا الرَّحْمَنِ بِهِ؛ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا في الحَدِيْثِ، دُوْنَ ذِكْرِهِ للفَائِدَةِ الثَّالِثَةِ، وهي : «ثَقِيْلَتَانِ في المِيْزَانِ»، لِذَا فَقَدِ اسْتَدْرَكْتُهَ ا هُنَا أخْذًا بظَاهِرِ الحَدِيْثِ، والله أعْلَمُ .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    9,399

    افتراضي

    جزاك الله خيرًا
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •