سجن العتبات | بدر الثوعي
النتائج 1 إلى 4 من 4
5اعجابات
  • 4 Post By سعيد الرميح
  • 1 Post By ماجد مسفر العتيبي

الموضوع: سجن العتبات | بدر الثوعي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    127

    افتراضي سجن العتبات | بدر الثوعي

    يشجيني منظر شاب يحمل زوادته، يطوف بها طارقا أبواب العلم، كلما سمع هيعة علمية حزم حقائبه، وجمع نفسه، وعاهد ألا ينقطع، تؤلمه محاولاته المبتورة، يتذكر -بألم- كيف غرق في باب المياه عند عزمه على دراسة الفقه، ولا ينسى يوم أراد فهم النحو فصمتت همته عند أقسام الكلام، ويشيح ناظريه خجلا من كتبه التي اسودت مقدماتها بالتحشية والفهرسة والتعليق؛ بينما تبيض في وسطها معلنة ذبول حماسته. مجموع إنجازاته درسان يتيمان قبل الانقطاع، ومقدمة هنا، وفصل هناك، وقصاصات معلومات متشظية.

    ما منا أحد إلا قد قيد مرة في "سجن العتبات"، وأحيانا قبل ذلك، فلا يطرق الباب رهبة، ويستصعب طلب العلم، ويراه بعيد المنال، "وهذا الظن اعتذار ذوي النقص، وخيفة أهل العجز، لأن الإخبار قبل الاختبار جهل" كما يقول الماوردي -رحمه الله- [أدب الدنيا والدين ص31 ]
    ***********************
    ****************************** *** *** ****

    أما من طرق الباب واستفتح؛ فأكبر ما يصده عن العلم ثلاث عقبات:

    أولا: القفز على المقدمات:
    قد يكون الدافع لهذه القفزات الهرب من البدايات، لخجله من تأخر سنه، أو رغبة في الثناء على إتقان باب عويص فيجزم السامع أن محدثه قد أتقن المقدمات من باب أولى، وتارة يكون ذلك بدافع الاستخفاف والاستصغار، وقد أجاد الماوردي في فصل مطول شرح به الكوامن النفسية الدافعة للقفزات قبل إتقان المبادئ ثم قال :"ولا ينبغي أن يدعوه ذلك إلى ترك ما استصعب عليه، إشعارا لنفسه أن ذلك من فضول علمه" [السابق ص39]

    ثانيا: تعويد النفس على انتظار اللحظة المثالية:
    فالنفس تلان بالمجاهدة والتعويد، ومتى انتظرت لحظة لا شغل فيها ولا عائق قعدت مع الجاهلين، ولا زلت أذكر عجبي من أبي الحسن الكرخي -رحمه الله- ورياضته لنفسه؛ قال مرة "كنت أحضر مجلس أبي حازم يوم الجمعة بالغداة من غير أن يكون درس؛ لئلا أنقض عادتي من الحضور"[الحث على طلب العلم للعسكري ص78]، وفقه مداراة النفس، وأطرها على المعالي= مدار تفاوت الناس في الفضائل، ولك أن تتخيل الدكتور المرحوم محمد عبدالله دراز في أي ظرف كتب كتابه العظيم دستور الأخلاق في القرآن؛ يقول الدكتور السيد البدوي عنه :
    "وأذكر أنه اضطر -أثناء هجوم الحلفاء لتحرير فرنسا- لقضاء أيام طويلة مع أسرته في مخبأ تحت الأرض، كان يجمع فيه أوراقه التي يحرص عليها، ويشتغل وسط القنابل التي كانت تدوي من حوله، على ضوء شمعة أو مصباح خافت"

    ثالثا: الترهل القرائي:
    وهذه العقبة صارفة مجربة، وبيانها: أن يعتاد القارئ قراءة الكتب الخفيفة، واللطائف المؤنسة، حتى يترهل عقله؛ فإذا أجراه في مضمار الكتب الجادة لهث وانقطع، وقد أعجبني كلام جامع للدكتور الأحمري، يشرح فيه أسباب انغلاق الفهم المفضي للملل والانقطاع، يقول في مذكراته :
    "وأحيانا ينغلق عليك النص، ويعسر عليك الفهم، إما لبعد المزاج في تلك اللحظة، أو بسبب مزاج قراءة آنية، فقد تكون تعاني قسوة نص وتحتاج قراءة خفيفة مريحة، فتجد نصا صعبا فيصدمك، أو تكون قد صرفت الوقت مع قراءة سهلة للأخبار والتاريخ السهل والرواية، ثم تنتقل لنص عميق، فإن النفس تحتاج رياضة بحسب البعد حتى تصبح جاهزة لنمط معرفي بعيد عن السابق"[مذكرات قارئ ص151] ومن لطيف ثناء الإمام الذهبي في ترك الترهل القرائي؛ ما قاله في ترجمة أبي بكر البعلبكي :"ودرس بالظاهرية البرانية، فأعرض عن أشياء من فضلات العلم" [المعجم المختص ص305]

    وجماع القول في أبواب درك الفضائل قائم على المجاهدة، والزهد في الصوراف، فإن العبادات لا بد فيها من بلاء، ومغالبة لنوازع النفس، ولو كانت المعالي تنال بالراحة لاستوى الأبرار والفجار، ولما كان لتفاوت الدرجات وجود، ثم إنك لا تدري؛ ربما دلفت سجن العتبات قبل خطوة واحدة من الفتح، قد رأيت من قام به جده مع توسط ذكائه، ورأيت أيضا من أقعده الملل والانقطاع مع حدة ذهنه وجودته، وكما قال التاج السبكي " وهكذا رأينا من لزم بابا من باب الخير فتح عليه غالبا منه" [طبقات الشافعية 1/65]

    ****************************** ******** ******

    *ومما يتصل ذكره بسجن العتبات مسألة أصولية؛ وهي "هل يتحول فرض الكفاية إلى فرض عين بالشروع فيه؟"، وانطوى تحت هذه المسألة حكم تحول طلب العلم من فرض كفاية إلى فرض عين على من بدأ، وممن قال بهذا أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله- : "وبهذا مضت السنن بأن الشروع في العلم والجهاد يلزم كالشروع في الحج" [مجموع الفتاوى 18 / 386] وخالف المحلي [البدر الطالع شرح جمع الجوامع 1 / 142] في قياس العلم على الجهاد فقال" وإنما لم يجب الاستمرار في تعلم العلم لمن آنس الرشد فيه من نفسه على الأصح، لأن كل مسألة مطلوبة برأسها منقطعة عن غيرها" وبنحوه قال البعلي الحنبلي كما في [المنثور للزركشي 2 /244] وجعل فروض الكفايات على ثلاث صور، وتقسيمه حسن، والمقصد الإشارة لوجود الخلاف المتصل بمسألتنا لا الترجيح والله أعلم.
    كشكول سعيـد الرميـح على التليجرام
    حيثُ المتعة والفائـدة ..
    https://telegram.me/thqafh

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    12,988

    افتراضي

    جزاكم الله خيرًا.
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2015
    المشاركات
    25

    افتراضي جميل

    جزاك الله خيرًا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2009
    المشاركات
    2,683

    افتراضي

    كلام رائع
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو رغد النحوي
    الليبرالية: هي ان تتخذ من نفسك إلهاً ومن شهوتك معبوداً


    اللهم أنصر عبادك في سوريا وأغفر لنا خذلاننا لهم

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •