"العلامة المصلح محمد المهدي الكتاني" بقلم الشيخ محمد الباقر الكتاني
النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: "العلامة المصلح محمد المهدي الكتاني" بقلم الشيخ محمد الباقر الكتاني

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    281

    افتراضي "العلامة المصلح محمد المهدي الكتاني" بقلم الشيخ محمد الباقر الكتاني

    هذه ترجمة قيمة لأحد علماء المغرب الذين أسدوا الكثير من أجل بلادهم، غير أنهم لما ينصفوا بعد، وهو الإمام أبو الفضل محمد المهدي ابن الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني الإدريسي الحسني، الأثري، بقلم شقيقه الشيخ أبي الهدى محمد الباقر الكتاني رضي الله عنهما...فخذها مشكورًا...

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    281

    افتراضي رد: "العلامة المصلح محمد المهدي الكتاني" بقلم الشيخ محمد الباقر الكتاني

    ترجمة شقيقنا
    سيدي محمد المهدي الكتاني
    رحمه الله

    للفقير إليه سبحانه
    محمد الباقر ابن الشيخ سيدي محمد الكتاني
    كان الله له


    باعتناء وإخراج الدكتور محمد حمزة بن علي الكتاني:

    بسم الله الرحمن الرحيم، والسلامان على الرؤوف الرحيم وآله وصحبه

    أيها السادة المحترمون؛

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    وبعد؛ فإن المصائب التي توالت على المغرب في العهود الأخيرة، وفي طليعتها: فقدانه لثلة هامة من علمائه الأبرار، وقادته الكبار؛ تنذر بسوء المصير، وقرب وقوعنا فيما أنذرنا به البشير النذير، وكيف لا يكون الأمر كذلك ونحن نرى في كل سنة أعلامًا تختفي، وصروحًا تنهد، وأقمارًا تتوارى، ومشاعل تنطفي؟.

    أخرج الأيمة: أحمد والبخاري ومسلم، والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالما، اتخذ الناسُ رُأساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا!".

    نعم؛ فقد المغرب في السنة الحالية شيخنا وشيخ الإسلام أبا المحاسن سيدي المدني ابن الحسني، والعلامة المكافح السيد عبد العزيز ابن إدريس العمراوي، والعلامة المؤرخ القاضي السيد الحاج العباس ابن إبراهيم المراكشي، والعلامة الصالح القاضي السيد التهامي [2] الغرْبي الرباطي...

    وها هو قد فقد منذ أربعين يومًا علما آخر من أعلامه، وقبسًا من أقباسه؛ ذالكم هو: مجيزنا العلامة المحدث الشيخ المهدي الكتاني، فكان فقده خسارة لا على المغرب فحسب، بل على العرب والمسلمين كافة، وسأحاول في هذه العجالة، أن ألقي نظرة إجمالية على حياته، تستفاد منها جوانب عديدة من شخصيته البارزة، التي لم يحظ كثير من الناس في هذا العصر بالتعرف إليها، والاستفادة منها، مع أنها شاركت في عدة نواح هامة من الحياة العامة.

    مشيخته:
    1- درس على جده جبل السنة والدين الشيخ أبي المكارم عبد الكبير ابن الشيخ محمد الكتاني، التفسير بالدر المنثور، والجلالين. والحديث بصحيح البخاري، وشمائل الترمذي، و"الترغيب والترهيب" للمنذري، و"الجامع الصغير" بشرح العزيزي. والسير بطرف من "المواهب اللدنية" للقسطلاني، و"أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب" لابن الجزري، و"مناقب عمر بن الخطاب" للبرزنجي. والتصوف بإحياء الغزالي بشرح الشيخ مرتضى، وبطبقات الشعراني. ونال منه إجازات في علم الرواية والإسناد، وسمع عليه جملة من مؤلفاته في السنة والتاريخ والتصوف، كما سمع عليه مسلسلات "حصر الشارد" بأعمالها.[3]

    2- وعلى والده الشيخ الإمام أبي الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني: التفسير بالبيضاوي، والجلالين. والحديث بالبخاري وطرف من "الخصائص الكبرى" للسيوطي، والتصوف بطرف من "الإحياء"، وظفر منه بإجازة خاصة وعامة في جوف الكعبة.

    3- وعلى الحافظ أبي عبد الله محمد بن جعفر الكتاني السير بالشفاء، و"الهمزية". والفقه بأواسط الشيخ خليل، وسمع منه حديث الأولية، ونال منه إجازة عامة.

    4- وعلى الإمام العلامة أبي عبد الله مَحمد (فتحا) بن قاسم القادري: الحديث بالأربعين النووية بشرحه عليها، والفقه بعبادة "المختصر"، بالخرشي، والأصول بأواخر "جمع الجوامع". ونال منه إجازة بفهرسته.

    5- وعلى العلامة القاضي أبي فارس عبد العزيز بن محمد بناني: السير بالشفا، والأصول بأواخر "جمع الجوامع" بالمحلي.

    6- وعلى العلامة أبي محمد التهامي كنون: الحديث بطرف من "الصحيح"، والفقه بالمختصر من البيوع.

    7- وعلى الإمام أبي العباس أحمد ابن الخياط الزكاري: الحديث بالصحيح، ونال منه الإجازة العامة.

    8- وعلى القاضي أبي عبد الله محمد بن رشيد العراقي: السير بالهمزية، والفقه بطرف من عبادة "المختصر" [4].

    9- والوزير أبي زيد عبد الرحمن ابن القُرْشي الإمامي: الفقه بطرف من "المختصر" بالخرشي، و"التحفة"، والتصوف بطرف من "الإحياء".

    10- وعلى العلامة أبي محمد عبد السلام الجاي الفاسي: الفقه بالربع من "الرسالة".

    11- والعلامة أبي العلاء إدريس بن عبد الهادي العلوي: الفقه بطرف من "المختصر".

    12- وعلى العالم أبي عبد الله محمد بن أحمد الغُمرِي: الفقه بالمرشد. والنحو بالألفية و"الأجرومية".

    13- وعلى شيخ الإسلام أبي شعيب بن عبد الرحمن الدكالي: الحديث بصحيح البخاري، وجامع الترمذي بفاس، ولما انتقل للرباط؛ درس عليه البخاري ومسلم، وأبا داود والترمذي، والنسائي و"الموطأ"، و"الشفا"، ونال منه إجازة عامة.

    وقد عُنيت هنا بذكر جل شيوخه، والكثير من مقروءاته عليهم؛ ليستفيد منها الباحث ثقافته المتينة من جهة، وكتب الدراسة في القرويين وغيرها من المساجد والزوايا بفاس في الثلث الأول من هذا القرن من جهة أخرى.

    وظفر بإجازات عديدة في علم الرواية والإسناد وغيرهما من العلوم العقلية والنقلية، من جماعة من علماء مصر؛ كمفتي الديار المصرية الشيخ عبد القادر الرافعي الحنفي، وترجمته مطبوعة في مصر [5] في مجلد، والعلامة المؤلف المكثر الشيخ عبد الحميد الشرنوبي الأزهري، وصالح علماء مصر، وأحد كبار علماء الشافعية؛ الشيخ سعيد بن علي الموجي، والعلامة الكبير الشيخ محمد حسنين العدوي، ومدرس العلوم الرياضية بالأزهر؛ الشيخ أحمد الحملاوي الشافعي، ومفتي الديار المصرية؛ الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي، وأشهر أيمة المالكية؛ الشيخ محمد بن إبراهيم السمالوطي، وخطيب الجامع الأزهر؛ العلامة الشيخ محمد إمام ابن الشيخ إبراهيم السقا الشافعي، والعلامة الجليل الشيخ عبد المعطي السقا الشافعي.

    ومن جماعة من علماء مكة أو الواردين عليها؛ كشيخ الإسلام السيد حسين الحبشي الباعلوي، ومسند حضرموت الشيخ محمد بن سالم بن علوي التريمي، والعلامة العارف الشيخ عيدروس بن حسين العيدروسي الحضرمي الشافعي، وشيخ الخطباء والقراء والمسندين؛ الشيخ أحمد أبي الخير ابن الشيخ عبد الله مِرْدَاد الحنفي، وصاحب التآليف العديدة، العلامة الشيخ عبد الستار بن عبد الوهاب الهندي، والعلامة الشيخ علوي بن عبد الله بن سالم الحبشي الباعلوي، والعلامة الصالح الشيخ أحمد السنوسي الجغبوبي.

    ومن جماعة من علماء المدينة؛ كشيخ علماء الحجاز الشيخ حبيب الرحمن الهندي، وأديب الحجاز؛ الشيخ [6] عبد الجليل بن عبد السلام برادة الحنفي، والعلامة الجليل الشيخ عبد الله النابلسي القدسي الحنبلي، والعلامة العارف الشيخ علي الحبشي، وعالم الحجاز الشيخ محمد بن عبد الباقي الهندي، وخطيب المسجد النبوي العلامة المسند الشيخ عبد القادر شلبي الطرابلسي، والعلامة المطلع الشيخ محمد بن أحمد العُمَري.

    ومن جماعة من علماء دمشق؛ كشيخ الإسلام الشيخ بدر الدين بن يوسف الحسني، وعالم سوريا الشيخ محمد توفيق الأيوبي، والعلامة الشهير أبي المحاسن الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني.
    ومن الجزائر؛ قاضي تلمسان الشيخ شعيب بن علي الجليلي.

    ومن تونس؛ عالمها ومحدِّثُها، الشيخ محمد المكي ابن عزوز...وغيرهم ممن حذفتهم اختصارًا.

    حاله:
    من أشهر علماء الرواية والحديث، والفقه والتصوف، والأنساب والتاريخ. ماهر في السيرة النبوية، مطلع على أخبار العلماء والصلحاء، صحيح النقل، متحر في العزو، معدود من مفاخر العائلة الكتانية، التي تربى بين أحضانها، والزاوية الكتانية التي قضى فيها زهرة شبابه، دارسًا ومتعبدًا، في وقت كانت فيه مجمع العلماء والرحالين، ومدرسة لتخريج الدعاة [7] والمرشدين. والجامعة القروية التي تلقى فيها شطرًا من ثقافته الواسعة، في وقت كانت مشتملة فيه على أساطين العلم وأقطاب المعرفة.

    وناهيكم بشخص برز في ميدان التأليف وهو في أوائل العقد الثالث من عمره، وألفَتَ نظر أساتذته إليه، فأجلّوه واحترموه حسبما يستفاد ذلك من تقاريظهم على مؤلفاته.

    حامدا ربه سبحانه على السنوات العديدة التي قضاها مع والده وجده، تلك السنوات التي كانت مملوءة بجلائل الأعمال وسني الخصال.

    معتن بأهل العلم والدين، مكرم لهم، لا تخلو مجالسه منهم، يستفيد منهم ويفيدهم، ويدعو للتأليف في عدة فنون هامة، ويزودهم بالمصادر، ويفيدهم بما حوته ذاكرته من معلومات (وأنا منهم)، مع تواضع جم، وطهارة كاملة.

    له عارضة قوية في استحضار المسائل والفوائد، معتن بتسجيل الوفيات والمسائل العلمية، لا يترك منها شاذة ولا فاذة، حتى تجمع له من ذلك عشرة كنانيش أو أكثر، جماع للدواوين والمؤلفات الخطية، متغال في ثمنها.

    مُمْتِعُ المجالسة، لطيف المحاضرة، عظيم الهمة، حاد الذهن، ميمون النقية، مُقلٌّ من الدنيا، متباعد من خلطة أهلها، له محبة كبرى في الحق جل جلاله، واعتماد عليه في جميع [8] أحواله، مستسلم أمام قضاء الله وقدره.

    كما له محبة كبرى في مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفان في إحياء سننه، والعمل بتعاليمه، معظم لأهل بيته، له غيرة كبرى على معالم الإسلام أن تضمحل، فتراه كلما سمع بظهور بدعة يمتقع لونه ويظهر أثر الغضب على وجهه، ويعظ كل من يجلس إليه من الإخوان، داعيًا للرجوع إلى هدي سيد الأكوان.

    صحيح الاعتقاد في الصالحين، معظم لحرماتهم، مكْبِر لمواقفهم الإرشادية، مغتبط بأحوالهم السامية، متباعد من أدعياء التصوف، محارب لهم، متفان في تنفير الناس منهم. كريم المائدة، كثير الصدقة، مهما أحدث إلا وتوضأ، ملازم للمساجد، يلقن الأوراد ويقوم بها، متكبد مصاعب الوقت، لابس ثوب الخمول.

    ورغما عن ذلك؛ كان مقصودًا من الإخوان والأحباب، ورجالات العلم الإسلامي بالمغرب، ويتلقى رسائل عديدة من رجالات العلم بالجزائر وتونس، وبلاد المشرق العربي. لا تُمل أحاديثه؛ لسيطرة روح المرح عليها، ولاشتمالها على الانتقادات الصائبة في أكثر الأحيان.

    وقد اثنى عليه الكثير من العلماء المقرظين لكتبه، وخصوصا منها: كتابه في جواز التقبيل، وقد تركتُ ذكر نصوصهم هنا اختصارا، كما مُدح من الشعراء بعدة قصائد [9].

    -يتبع-

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    281

    افتراضي رد: "العلامة المصلح محمد المهدي الكتاني" بقلم الشيخ محمد الباقر الكتاني

    رحلاته:
    رحل إلى الحجاز صحبة والده سنة 1321، فدخل مرسيليا، وزار معمل السكر بها، ودخل إلى نابُّولِي بإيطاليا، ودخل إلى القاهرة، فأقام فيها شهرًا، زار فيه أميرها السيد عباس باشا الخديوي، كما زار معاهدها ومساجدها، وآثارها.

    ولما دخل مكة المكرمة؛ لازم فيها دروس والده التفسيرية، وبعض دروس العلماء المغاربة الذين رافقوا والده، واجتمع بشخصيات بارزة بها، وظفر بإجازات منها بطلب من والده، وسمع جملة من المسلسلات بتوجيه منه أيضًا.

    وبعد أن أقام بها ستة أشهر أدى فيها فريضة الحج؛ بارحها قاصدا المدينة المنورة، فاقام بها نيفا وثلاثين يوما، حظي فيها بالاجتماع والاستفادة من علماء أجلة، ومرشدين كملة.

    وأثناء عودته من الحجاز؛ عرج على الجزائر، فزار مدارسها، وشاهد آثار الاستعمار الفكري والخلقي والاقتصادي بها، زيادة على الاستعمار السياسي والعسكري، وكان رجوعه لفاس أواخر ربيع الثاني سنة 1322.

    وفي سنة 1325؛ رحل مع والده لمكناس، حيث حضر النشاط السياسي الذي كان يقوم به والده لصالح المغرب [10]، وقد تحدثتُ عنه في ترجمتي الصغيرة للإمام الوالد، المسماة بأشرف الأماني.

    [وفي سنة 1327؛ رحل مع والده وعائلته لقبيلة آيت يوسي، لكنهم جميعا أرجعوا من الطريق وألقي عليهم القبض بتهمة إرادة القيام بثورة ضد الجيش الفرنسي الذي احتل البيضاء ووجدة، وتهمة العمل على إسقاط ملك المغرب الجالس على العرش إذذاك، فاعتقلوا بقصر أبي الخصيصات بفاس، وكان ذلك نتيجة الضغط الفرنسي على جل وزراء القصر السلطاني].

    وبعد وفاة جده؛ رحل إلى آيت يوسي [أيضا]، فقام بواجب أكيد، في الدعوة إلى الله، وأحيى عدة سنن، وأمات عدة بدع. وقد وقفت على أبيات عديدة للنابغة الأديب أبي الشعور عبد السلام الدوَيِّب الفاسي – رحمه الله – دون فيها جزءا من رحلته هاته.

    وفي سنة 1337 رحل إلى مراكش هاديًا ومرشدا، ولقي إقبالا منقطع النظير، وقد كتب ملخصا لهذه الرحلة.

    وفي سنة 1347 رحل إلى طنجة وتطوان وجبل العلم لتفقد الأخوان، وزيارة الإمام الداعية أبي المعارف عبد السلام بن مشيش العلمي الحسني، فكان لرحلته [11] أثر حسن في استنهاض الهمم، وبث الوعي في النفوس، ومدح من شعراء طنجة بعدة قصائد؛ منها: قصيدة الفقيه الشاعر أبي محمد عبد الله بن محمد الهاشمي الوزاني. وإليكم أبياتًا منها:

    تواردت البشرى لطنجة بالسعدِ=== بإتيان مولانا محمدٍ المهدي
    وأشرقت الأنوار منها بوفده===ولاحت علاماتُ السعادة والجد
    ونالت سرورا كاملا بلقائه===وأجرا وأفراحا تجل عن الحد
    وأصبحت الدنيا تهني كرامها===على وصله الملحوظ في أعين السعد
    فأهلا به من واردٍ نشطت به===نفوسُ الكسالى للعبادة والجد


    إلى أن قال:

    فما هو إلا كعبة المجد والرضا===تطوف به أولوا المحبة والود
    وما هو إلا البدرُ فوق سما العُلا===يضيء بأسرار على السهل والنجد
    وما هو إلا البحرُ إن مد علمه===على ساحل العرفان يبهر بالمد
    وما هو إلا الغيثُ يحيي نزولُه [12]===أراضي قلوبٍ بالمواهب والرفد


    ومنها: قصيدة الأستاذ الشاعر أبي عبد الله مَحمد (فتحًا) الزكاري، وإليكم أبياتًا منها:

    ألا بشر المشتاق بالطيِّ للبُعد===وبالوصل من بعدِ الفراق، وبالعوْد
    فقد جاءنا نجلُ الإمام وسرُّه===ووارثُه المختارُ بُغيتُنا: المهدي
    وفي وجهه نورُ النبوة ساطعٌ===وهل تختفي في الشمس واسطة العَقد؟!


    إلى أن قال:

    فقل للذي يبغي من العِلم رُشدَه:===ألا فاطلب العلمَ الصحيح من المهدي!


    وفي سنة 1350 رحل إلى الحجاز للمرة الثانية، واجتمع بمكة بالأمير العلامة المجاهد الشريف أحمد السنوسي وغيره من الأعلام، وأثناء عودته عرج على دمشق لصلة الرحم مع ابن عمه العلامة المرشد السيد محمد المكي الكتاني ومن بقي بها من أعلام العلم والدين.

    وفي سنة 1347 رحل إلى جنوب مراكش وناحية الرباط لنشر الدعوة الإسلامية، وتفقد أحوال الطريقة الكتانية [13]، غير أنه لم يكد ينتهي من رحلة الجنوب ويبتديء رحلة ناحية الرباط؛ حتى استدعاه حاكم الرماني وأمره بالرجوع إلى سلا فورا، معلنا أنه لا يعترف برسالة الصدر الأعظم التي يحملها بإذن من جلالة الملك، فلم يسعه إلا الرجوع. فاضطر الفقيد الكريم إلى ملازمة منزله وترك الرحلة بالمرة.

    وبديهي أن صاحب الجلالة لم يقصد بالإذن الذي خوله للمترجم إلا إعطاء البرهان للشعب المغربي على أنه يوجد في صفوف الطرق الصوفية رجال أحرار يستطيعون قيادتها في الطريق الذي خطه مؤسسوها الأولون، والقيام بدور الإرشاد والتوجيه للأوساط الشعبية، حسبما يأمر به القرآن وسيد الأكوان، غير أن المصلحة الاستعمارية حالت بينه وبين تحقيق هذه الأمنية.

    وهناك رحلات أخرى تركتها اختصارا...

    مواقفه الإصلاحية:
    كان يقوم بنشاط سياسي مع والده لصالح المغرب، ومن أجله اعتقل أكثر من أربعة أشهر، وبعد الحماية وموت جده الشيخ عبد الكبير الكتاني؛ تزعم جبهة المعارضة [14] في الطريقة الكتانية.

    وفي سنة 1930 أظهر سخطًا على الظهير البربري، وهو سخط اعترفت به لجنة العمل الوطني بأوروبا في جريدة الجامعة العربية التي كانت تصدر بفلسطين.

    وفي سنة 1944 أيد كتابة وثيقة الاستقلال التي قدمها قادة الحركة الوطنية، وزار القصر الملكي مرتين للإعلان عن هذا التأييد مشافهة لأمير المؤمنين.

    وفي سنة 1951 أبرق إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، والأمين العام للجامعة العربية، معلنا تأييده للجامعة العربية في موقفها من القضية المغربية، أثناء عرضها على هيئة الأمم المتحدة، وذلك باسم أتباع الطريقة الكتانية، ونشرت برقيته جريدة الرأي العام.

    وفي سنة 1953 أبرق إلى رئيس حكومة فرنسا ووزير خارجيتها، معلنا معارضته لما كان يسمى بحركة القواد والباشوات، ونشرت برقيته جريدة منبر الشعب بطنجة، وجريدة المعرفة بتطوان..وغيرهما.

    وحين أبعد أمير المؤمنين عن عرشه، تضامن مع المسلمين في كل ما اتخذوه من قرارات، وكان يقضي كل يوم مجالس طويلة في العبادة، يرجو فيها من الله سبحانه [15] أن يرجع محمدًا الخامس إلى عرشه محروسًا بعينه التي لا تنام، ومزودا بوثيقة الاستقلال التي كرس حياته للظفر بها.

    ولما ألقى الفرنسيون القبض على علماء فاس بالضريح الإدريسي؛ كان من جملة الذين وقعوا على بلاغ علماء المغرب الشهير، الموجه لرئيس الحكومة الفرنسية، والمتضمن الاحتجاج على إلقاء القبض عليهم، والمطالبة برجوع السلطان إلى عرشه، والإعلان عن الحريات العامة.

    ولما رجع أمير المؤمنين من المنفى، ووقع على وثيقة الاستقلال؛ أبرق إليه مهنئا، وأعرب عن أمله في إدراك ما تصبو إليه جلالته من عز وسعادة للمغرب والمغاربة، ونشرت برقيته جريدة السعادة، وكان على اتصال وثيق بصاحب الجلالة منذ اليوم الأول الذي بويع فيه بفاس، وكان ممن حضروا بيعته، لا يتأخر عن التردد إليه في الوقت الذي كان الفرنسيون فيه يضعون العراقيل أمام رواد القصر الملكي...إلى غير ذلك مما سأعنى بذكره في غير هذه العجالة.

    مؤلفاته:
    1- تأليف في فضل العلم.
    2- "الجوهر الثمين في تراجم أمهات المؤمنين".
    3- فهرسة تضمنت نصوص إجازات العلماء له [16].
    4- "العقد الفريد في بعض الأسانيد".
    5- تأليف في تفضيل مذهب السلف على الخلف في الآيات المتشابهة.
    6- نصيحة عامة للمسلمين. [في عدة مجلدات].
    7- تأليف في جواز التقبيل.
    8- اختصار "المظاهر السامية في النسبة والطريقة الكتانية". [لعمه الشيخ عبد الحي الكتاني].
    9- اختصار مسلسلات "حصر الشارد في أسانيد محمد عابد".
    10- تقييد في أصل مواسم الصالحين.
    11- نبذة يسيرة من ترجمته.
    12- وفيات رجال القرن الحالي، لازالت لم تُجمع.
    13- "أجوبة مفيدة، عن أسئلة عديدة".
    14- تقييد في كرامات والده.
    15- "بيني وبين الرافعي". وهي مراسلات علمية بينه وبين العلامة الكبير أبي المعالي مَحمد (فتحًا) الرافعي، عالم الجديدة.
    16- "أجوبة عن أسئلة ستة"، متعلقة بوالده وطريقته.
    17- تقييد في تعريف الفقير الحقيقي.
    18- رسالة في أن الطريقة الكتانية لا تعترف إلا بأتباعها الناهجين نهج الكتاب والسنة، وبراءتها من المتبعين لأهوائهم وشهواتهم، والمتكلين على الفضائل. [17].
    19- رحلة مختصرة إلى مراكش.
    20- رسائله في الوعظ والإرشاد.
    21- فتوى شرعية في تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها.
    22- رسائل هامة من شخصيات بارزة.
    23- تقييد في فضائل الورد الكتاني وتقييدها بالعمل الصالح.
    24- [كنانيش تبلغ العشرة].

    روايتي عنه:
    استجزته بالضريح الإدريسي بزرهون سنة 1336، فأجازني إجازة عامة، كما أخذت عنه جميع مسلسلات "حصر الشارد" بأعمالها، وأفادني كثيرا في علم التاريخ والتصوف، وكانت مكتبته رهن [18] إشارتي، وكم من مؤلفات ألفتها باقتراحه.

    ولادته ووفاته:
    كانت ولادته بفاس في أواخر شوال سنة سبع وثلاثمائة وألف، ووفاته بسلا في زوال يوم الخميس الواحد والعشرين من شهر صفر سنة تسع وسبعين وثلاثمائة وألف، ألحقنا الله به مسلمين، لا مبدلين ولا مغيرين، وحشره في زمرة النبيئين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، والسلام ختام.


    (انتهيت من مراجعة هذه الرسالة وتصحيحها من خط المؤلف رضي الله عنه أنا محمد حمزة بن محمد علي بن محمد المنتصر بالله الكتاني في أواخر جمادى الثانية من عام 1428 برباط الفتح، والحمد لله رب العالمين)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •