بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق فسوى , وقدر فهدى , والصلاة والسلام على النبي المجتبى والرسول المصطفى ... أما بعد :

فكلنا يذكر كم كان يفرح حين كان يدرس في المرحلة الابتدائية أو المراحل الدراسية الأولى عموما بأن إجابته صحيحة , وكم كان يغبط من يجيب قبله , وكم كان يحزن عندما تنقص درجته عن الدرجة الكاملة أو يحصل زميله على درجة أفضل منه ! كل ذلك مر على نفسية تلك الطفل وروحه , وستمر علينا مرة أخرى بتأثير أكبر وأقوى وهو يوم أن نرى فريقا في الجنة وفريقا في السعير ! ونتمنى حينها لو أصبنا في أعمالنا ؛ والإصابة في العمل تكون بشرطين :
الإخلاص , والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم !



** نقطة نظام **

غاية ما تكون ناقصا عندما تظن أنك قد بلغت الكمال , فإنك حينئذ ترضى عن نفسك وتكف عما يصلح حالك ! فليس بعد التمام إلا النقصان كما يقال , ومن المحال دوام الحال ! فعلى الإنسان الذي يرجو السمو فعلا أن يراقب نفسه فما أسوأ أن ترى في نفسك المحمدة ولا يراها غيرك أو تغفل النقص بينما غيرك يلحظه ! وبين هذا وذاك يقف ميزان الاعتدال الذي يرى أن الإنسان لا يكمل أبدا لكن يقترب من الكمال , ولا يغتر بمحمدة ولا تؤثر فيه مذمة , إن رأى خيرا داوم عليه , وإن رأى غير ذلك سارع في تغييره والحلم بالتحلم والعلم بالتعلم !

** جزء من مقال **

من الممكن أن نطرح تساؤلا فنقول : هل أسماء اليوم الآخر أو أسماء الدنيا توقيفية ؟! أم الأمر متاح لكل أحد أن يسمي بما شاء ! وعلى ضوء الإجابة يكون الكلام !!

من الأسماء التي أطلقت على هذه الدار التي نحن فيها هذه الساعة – وأقول هذه الساعة لأن الإنسان لا يدري متى يرحل عن هذه الدار وهو بلا شك في طريقه للرحيل ! - : دار العمل ؛ وسبب ذلك ليس كما يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن الآخرة ليس فيها عمل ! كلا , فالدنيا والآخرة فيهما العمل فهم يأكلون ويشربون ويتكلمون ويذهبون وينظرون وهذه كلها من الأعمال ؛ لكن الفرق بينهما والله تعالى أعلم أن العمل في هذه الدار محسوب ومكتوب أو بمعنى أصح هذه الدار دار تكليف يحاسب العبد عن تقصيره فيها بخلاف دار الآخرة فإنها دار جزاء وتشريف , دار عمل بلا حساب كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه !


يفهم من هذا أن العمل موجود في الدارين , ولكل دار عمل , وعمل كل دار ينقسم إلى قسمين حسن وقبيح , فحسن الأول يترتب عليه حسن الآخر , والجزاء من العمل !

كل ما سبق إنما هو لتقرير معنى قد يغيب عن كثير من الناس وهو أن العمل لابد منه سواء أكان ذلك في طاعة أم معصية , فلا راحة بل لابد من العمل !

وما دامت الحال هذه , فما الذي جعل الناس يختلفون في أعمالهم ؟ هل وجدوا لذة لم يجدها غيرهم أم ماذا ؟!
والجواب عن هذا بنفس ما سبق أن لكل عمل لذة , وتختلف اللذات منها العاجل ومنها الآجل الذي يأتي بعد رياضة النفس عليها, لكن الذي جعلهم يختلفون هو الاختيار والرضا بالسبيل الذي سلكوه ! لذا قال الله سبحانه وتعالى (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) وقال (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ) بل قال إبليس وهو الذي لم يترك عملا إلا وله فيها حِبَالَة ( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُم ْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم ) فمدار الأمر على القبول والاستجابة !
فمن اختار طريق الهداية والرشاد والقيام بما أوجب الله عليه , أو من اختار طريق الغواية والضلال وتضييع ما افترضه عليه , الكل منهما قد عمل عملا , فالأول سعى إلى الصالحات , والثاني منهما سعى إلى الطالحات , وما بقي إلا رضى النفس وغايتها وما تريد , وما دام الأمر كذلك لابد من العمل , فسعيك لعمل تسعد به دنيا وأخرى , أفضل بكثير من عمل تسعد له سعادة عاجلة بلذة فانية تعقبها الحسرة والندامة !


في الختام يقول الله تعالى ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً ) قيل في تفسير الشاكلة هي النية والطريقة فإياك وسوء النوايا ومضلات الطرق !

** طيور مهاجرة >>


+ 100 الهداية والراحة الحـقـيـقيـة ( صــفـــــر ) الغواية والشقاء الحقيقي - 100
+ < ------------------ [ بداية التكليف ]--------------- > -

بعقلك إن كان صريحا أيهما تختار ؟! واعلم أنه عند التمحيص تتغير المراحل !


** نقطة عبور **

رياضة النفس : أي تعوديها وقبولها وانقيادها لهذا العمل

حِبَالَة : مصيدة