التعليق على منظومة ابن أبي العز في السيرة النبوية - الصفحة 2
صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 43
5اعجابات

الموضوع: التعليق على منظومة ابن أبي العز في السيرة النبوية

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    وكانَ في الخامسةِ اسمَعْ وثِقِ
    الإفكُ في غَزْوِ بنِي المُصْطَلِقِ

    وفي شعبان من السنة الخامسة من الهجرة كانت غزوة بني المصطلق[1].

    وتسمى أيضًا: غزوة المُرَيْسِيع[2].

    وبنو المصطلق بطن من قبيلة خزاعة الأزدية اليمانية، وكانوا يسكنون قديدًا[3] وعُسفان على الطريق من المدينة إلى مكة، فقديد تبعد عن مكة 120كيلو مترًا[4]، وعسفان تبعد 80 كيلو مترًا[5]، فيكون بينهما أربعون كيلو، في حين تنتشر ديار خزاعة على الطريق من المدينة إلى مكة ما بين مر الظهران التي تبعد عن مكة 30 كيلو، وبين الأبواء شرق مستورة بثلاثة أكيال التي تبعد عن مكة 240 كيلو، وبذلك يتوسط بنو المصطلق ديار خزاعة، وموقعهم مهم بالنسبة للصراع بين المسلمين وقريش، وقد عرفت خزاعة بموقفها المسالم للمسلمين، وربما كان لصلات النسب والمصالح مع الأنصار تأثير في تحسين العلاقات، رغم المحالفات القديمة بينهم وبين قريش ذات المصالح الكبرى في الطريق التجارية إلى الشام، ورغم سيادة الشرك في ديار خزاعة؛ حيث كانت هضبة المشلل التي كانت بها مناة في قديد، ورغم أن ديارها كانت أقرب إلى مكة منها إلى المدينة.

    ولعل هذه العوامل أعاقت - في نفس الوقت - انتشار الإسلام في خزاعة عامة وبني المصطلق خاصة، الذين يستفيدون إلى جانب الموقع التجاري بوجود مناة الطاغية في ديارهم معنويًا وماديًا حيث يحج إليها العرب.

    وأول موقف عدائي لبني المصطلق من الإسلام كان في إسهامهم ضمن الأحابيش في جيش قريش في غزوة أحد.

    وقد تجرَّأت بنو المصطلق على المسلمين نتيجة لغزوة أحد، كما تجرَّأت القبائل الأخرى المحيطة بالمدينة، ولعلها كانت تخشى انتقام المسلمين منها؛ لدورِها في غزوة أُحد، وكذلك كانت ترغب في أن يبقى الطريق التجاري مفتوحًا أمام قريش لا يهدِّده أَحد؛ لِما في ذلك من مصالح لها محققة، فكانت بزعامة الحارث بن أبي ضرار تتهيأُ للأمر بجمع الرجال والسلاح وتأليب القبائل المجاورة ضد المسلمين[6].

    قال ابنُ إسحاق - رحمه الله -:
    بلغ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أن بني المصطلق يجمَعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرارٍ، أبو جويرية بنت الحارث، زوجِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما سمع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بهم خرَج إليهم.

    قال ابن هشامٍ:
    واستعمل على المدينة أبا ذرٍّ الغفاري، ويقال: نميلة بن عبدالله الليثي.

    قال ابن إسحاق:
    حتى لقيهم على ماءٍ لهم يقال له: المريسيع، من ناحية قديدٍ إلى الساحل، فتزاحف الناسُ واقتتلوا، فهزَم الله بني المصطلق، وقتَل مَن قتَل منهم، ونفَّل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءهم عليه[7].

    وكان شعار المسلمين يوم بني المصطلق: يا منصور، أمِتْ أمت[8].

    وقد أصيب رجلٌ من المسلمين من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكرٍ، يقال له: هشام بن صبابة، أصابه رجلٌ من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو، فقتَله خطأً[9].

    وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد أغار عليهم فجأةً وهم غارُّون.

    عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - وكان في ذلك الجيش، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أغار على بني المصطلِق وهم غارُّونَ، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتَل مُقاتِلَتَهم، وسبى ذراريَّهم، وأصاب يومئذٍ جويريةَ[10].

    ومما حدَث في غزوة بني المُصطَلَقِ:
    عن أبي سعيدٍ الخدريِّ - رضي الله عنه - قال: خرَجْنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بني المصطلِق، فأصبنا سَبْيًا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة وأحببنا العَزْل، فأردنا أن نعزِل، وقلنا: نعزل ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا قبل أن نسأَله، فسألناه عن ذلك، فقال: ((ما عليكم ألا تفعلوا، ما من نسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلا وهي كائنةٌ))[11].

    ظهور حقد المنافقين بعد انتصار المؤمنين:
    ولما انتصر المسلمون في تلك المعركة وظهَروا على عدوهم، اغتاظ المنافقون غيظًا شديدًا، وظهر حقدهم الذي كان دفينًا، فهذا عبدالله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين لم يستطِعْ كتمَ غيظِه.

    عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ أصاب الناسَ فيه شدةٌ، فقال عبدالله بن أبي لأصحابه: لا تُنفِقوا على من عندَ رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتُه، فأرسل إلى عبدالله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، قالوا: كذَب زيدٌ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فوقع في نفسي مما قالوا شدةٌ، حتى أنزَل الله - عز وجل - تصديقي في: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ﴾ [المنافقون: 1]، فدعاهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ليستغفرَ لهم، فلَوَّوْا رؤوسهم، وقوله: ﴿ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ [المنافقون: 4]، قال: كانوا رجالاً أجملَ شيءٍ[12].

    في رواية: فبعث إليَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقرأ، فقال: ((إن اللهَ قد صدقك يا زيد))[13].

    وعن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - قال: كنا في غزاةٍ فكسَع[14] رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((ما بال دعوى الجاهلية؟))، قالوا: يا رسول الله، كسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: ((دعوها؛ فإنها منتنةٌ)) فسمع بذلك عبدُالله بن أبي، فقال: فعَلوها، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذل، فبلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقام عمر فقال: يا رسول الله، دَعْني أضرِبْ عنق هذا المنافق، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتُل أصحابه))[15].

    فقال له ابنه عبدالله بن عبدالله: والله لا تنقلبُ حتى تقرَّ أنك الذليل، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - العزيزُ، ففعَل[16].

    وفي هذه الغزوة افترى المنافقون على عائشة - رضي الله عنها - حادثة الإفك، فأنزَل الله - تعالى- براءتها في القرآن.

    لم يكتفِ عبدالله بن أبي بما فعله حين الرجوع من غزوة بني المصطلِق من محاولة تأليب المسلمين بعضهم على بعض، وبما قاله في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى فعَل أمرًا عظيمًا وافترى على أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - الطاهرة الشريفة العفيفة الحصان الرَّزان، وطعَنها في شرفها، وافترى عليها كذبًا.

    ولنتركِ السيدة عائشة - رضي الله عنها - تحكي لنا تفاصيل ما حدث، تقول السيدة عائشة - رضي الله عنها -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهنَّ خرَج سهمها خرَج بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوةٍ غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما أُنزِل الحجاب، فكنت أُحمَل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته تلك وقفَل، ودنونا من المدينة قافلين، آذَن ليلةً بالرحيل، فقمتُ حين آذنوا بالرحيل، فمشيتُ حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمستُ صدري، فإذا عِقدٌ لي من جزْعِ ظَفارِ قد انقطع، فرجعت فالتمست عِقدي فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يُهَبَّلْنَ[17]، ولم يغشَهن اللحم، إنما يأكلن العُلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفةَ الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جاريةً حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدتُ عِقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها منهم داعٍ ولا مجيبٌ، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسةٌ في منزلي، غلبَتْني عيني فنِمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ فعرَفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرَفني، فخمَّرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلَّمنا بكلمةٍ، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرةِ وهم نزولٌ، قالت: فهلَك مَن هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبدالله بن أبي ابن سلول.

    قال عروة: أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره ويستمعه ويستوشيه.

    وقال عروة أيضًا: لم يسمَّ من أهل الإفك أيضًا إلا حسان بن ثابتٍ، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحشٍ، في ناسٍ آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبةٌ - كما قال الله تعالى، وإنَّ كِبْرَ ذلك يقال له: عبدالله بن أبي ابن سلول.

    قال عروة: كانت عائشة تكرَه أن يُسَبَّ عندها حسانُ، وتقول: إنه الذي قال:
    فإنَّ أبي ووالدَه وعِرْضي
    لعِرْضِ محمَّدٍ منكم وقاءُ

    قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيتُ حين قدمت شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيءٍ من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللُّطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فيسلِّم، ثم يقول: ((كيف تيكم؟))، ثم ينصرف، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت[18]، فخرجت مع أم مسطحٍ قِبَل المناصع[19]، وكان متبَرَّزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتخذ الكُنف قريبًا من بيوتنا، قالت: وأمرنا أمر العرب الأُوَل في البرية قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا.

    قالت: فانطلقتُ أنا وأم مسطحٍ، وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبدمنافٍ، وأمها بنت صخر بن عامرٍ، خالة أبي بكرٍ الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطحٍ قِبَل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثَرَت أم مسطحٍ في مِرطها[20] فقالت: تعِس مسطحٌ، فقلت لها: بئس ما قلتِ، أتسبين رجلاً شهد بدرًا؟ فقالت: أي هنتاه[21] ولم تسمعي ما قال؟ قالت: وقلت: ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم، ثم قال: ((كيف تيكم؟))، فقلت له: أتأذن لي أن آتيَ أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قِبَلهما، قالت: فأذِن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأةٌ قط وضيئة عند رجلٍ يحبها، لها ضرائر، إلا كثَّرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله، أوَلَقد تحدَّث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحتُ، لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ، ثم أصبحت أبكي، قالت: ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيدٍ حين استلبث الوحيُ، يسألهما ويستشيرهما في فِراقِ أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي يعلَمُ من براءة أهله، وبالذي يعلَمُ لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك، ولا نعلم إلا خيرًا، وأما عليٌّ فقال: يا رسول الله، لم يضيِّقِ الله عليك، والنساء سواها كثيرٌ، وسلِ الجارية تصدُقْكَ، قالت: فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة، فقال: ((أي بَريرةُ، هل رأيتِ من شيءٍ يريبك؟))، قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيتُ عليها أمرًا قط أغمصه[22]، غير أنها جاريةٌ حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجنُ فتأكله.

    قالت: فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يومه فاستعذَر من عبدالله بن أبي، وهو على المنبر، فقال: ((يا معشر المسلمين، مَن يعذِرُني من رجلٍ قد بلغني عنه أذاه في أهلي؟ والله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي)).

    قالت: فقام سعدُ بن معاذٍ أخو بني عبدالأشهل، فقال: أنا يا رسولَ الله أعذرُك، فإن كان من الأوس ضربتُ عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتَنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام رجلٌ من الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذِه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا، ولكن احتملته الحميَّةُ، فقال لسعدٍ: كذبتَ لَعَمْرُ اللهِ لا تقتله، ولا تقدِر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببتَ أن يُقتَلَ، فقام أسيد بن حضيرٍ، وهو ابن عم سعدٍ، فقال لسعد بن عبادة: كذبتَ لَعَمْرُ الله لنقتلنَّه؛ فإنك منافقٌ تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيانِ؛ الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمٌ على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخفِّضُهم حتى سكتوا وسكت، قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ، قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا، لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنومٍ، حتى إني لأظن أن البكاء فالقٌ كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصار فأذنتُ لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - علينا فسلَّم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيءٍ، قالت: فتشهَّد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حين جلس، ثم قال: ((أما بعد، يا عائشة، إنه بلغني عنكِ كذا وكذا، فإن كنت بريئةً، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ، فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه)).

    قالت: فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالتَه، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرةً، فقلت لأبي: أجِبْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عني فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت لأمي: أجيبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قال، قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: وأنا جاريةٌ حديثةُ السن لا أقرأُ من القرآن كثيرًا: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقرَّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئةٌ، لا تصدقوني، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ، والله يعلم أني منه بريئةٌ، لتُصَدِّقُنِّي، فوالله لا أجدُ لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حين قال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، ثم تحولتُ واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذٍ بريئةٌ، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزلٌ في شأني وحيًا يتلى، لَشأني في نفسي كان أحقرَ من أن يتكلم الله فيَّ بأمرٍ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسه، ولا خرج أحدٌ من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء[23]، حتى إنه ليتحدَّر منه من العرق مثل الجمان[24]، وهو في يومٍ شاتٍ من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسُرِّي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك، فكانت أول كلمةٍ تكلم بها أن قال: ((يا عائشة، أما الله فقد برَّأك)).

    قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمَد إلا الله - عز وجل - قالت: وأنزل الله - تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾ [النور: 11]، العشر الآيات، ثم أنزَل الله هذا في براءتي، قال أبو بكرٍ الصِّديق: وكان يُنفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطحٍ شيئًا أبدًا، بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزَل الله: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ ﴾ [النور: 22]، إلى قوله: ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22]، قال أبو بكرٍ الصديق: بلى والله إني لَأحب أن يغفر اللهُ لي، فرجع إلى مسطحٍ النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.

    قالت عائشة: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل زينبَ بنت جحشٍ عن أمري، فقال لزينب: ((ماذا علمتِ أو رأيتِ؟))، فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ إلا خيرًا.

    قالت عائشة: وهي التي كانت تُساميني[25] من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فعصَمها الله بالورع، قالت: وطفقَتْ أختُها حمنة تحارب لها، فهلكَتْ فيمَن هلَك.

    قال ابن شهابٍ: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط.

    ثم قال عروة، قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل لَيقول: سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفتُ من كنف أنثى قط، قالت: ثم قُتِل بعد ذلك في سبيل الله[26].

    قوله:
    ودُومَةُ الجَنْدَلِ قبل . . .
    . . . . . . . . . . . . . . . .

    أي: وقبل غزوة بني المصطلق كانت غزوةُ دُومة الجندل؛ حيث كانت في ربيع الأول من السنة الخامسة، وأما غزوة بني المصطلِق فكانت في شعبانَ من نفس السَّنة، كما تقدم.

    قال ابن إسحاق: ثم انصرف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة - أي: بعد بدر الموعد - فأقام بها أشهرًا حتى مضى ذو الحجة، وولي تلك الحجة المشركون، وهي سنة أربعٍ، ثم غزا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - دومة الجندل.

    قال ابن هشامٍ: في شهر ربيعٍ الأول، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري.

    قال ابن إسحاق: ثم رجع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يصل إليها، ولم يلقَ كيدًا، فأقام بالمدينة بقية سنته[27].

    وأما الواقدي فقد ذكر تفاصيل أخرى للغزوة، فقال: "في ربيعٍ الأول على رأس تسعةٍ وأربعين شهرًا، خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس ليالٍ بقين من ربيعٍ الأول، وقدم لعشرٍ بقين من ربيعٍ الآخر.

    قالوا: أراد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدنو إلى أدنى الشام، وقيل له: إنها طرفٌ من أفواه الشام، فلو دنوت لها كان ذلك مما يفزع قيصرَ، وقد ذكر له أن بدومة الجندل جمعًا كثيرًا، وأنهم يظلِمون مَن مرَّ بهم من الضافطة[28]، وكان بها سوقٌ عظيمٌ وتجارٌ، وضوى[29] إليهم قومٌ من العرب كثيرٌ، وهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس، فخرج في ألفٍ من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليلٌ له من بني عذرة يقال له: مذكورٌ، هادٍ خِرِّيتٌ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغذًّا[30] للسير، ونكب[31] عن طريقهم.

    ولما دنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من دُومة الجندل قال له الدليل: يا رسول الله، إن سوائمَهم ترعى فأقِمْ لي حتى أطلع لك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((نعم)).

    فخرج العذريُّ طليعةً حتى وجَد آثار النَّعم والشَّاء وهم مُغرِبون[32]، ثم رجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره وقد عرف مواضعهم، فسار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم، فأصاب رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من أصاب، وهرَب من هرب في كل وجهٍ، وجاء الخبر أهل دُومة الجندل فتفرَّقوا، ونزَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بساحتهم، فلم يجد بها أحدًا، فأقام بها أيامًا وبثَّ السرايا وفرَّقها حتى غابوا عنه يومًا، ثم رجعوا إليه، ولم يصادفوا منهم أحدًا.

    وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل على المدينة سباع بن عُرفطة[33].

    قوله:
    . . . . . . . وَحَصَلْ
    عَقدُ ابنةِ الحارِثِ بَعْدُ واتَّصَلْ

    أي: وبعد غزوة بني المصطلق أعتق النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جويريةَ بنت الحارث - رضي الله عنها - وتزوَّجها.

    عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: وقعت جويريةُ بنت الحارث بن المصطلِق في سهم ثابت بن قيس بن شمَّاسٍ، أو ابن عم له، فكاتبَتْ على نفسها، وكانت امرأةً ملاحةً[34] تأخذُها العين، قالت عائشة - رضي الله عنها -: فجاءت تسألُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في كتابتِها، فلما قامت على الباب فرأيتُها كرهتُ مكانها، وعرفتُ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيرى منها مثلَ الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث، وإنما كان من أمري ما لا يخفى عليك، وإني وقعتُ في سهم ثابتِ بن قيس بن شمَّاسٍ، وإني كاتبتُ على نفسي، فجئتُك أسألك في كتابتي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فهل لكِ إلى ما هو خيرٌ منه؟))، قالت: وما هو يا رسولَ الله؟ قال: ((أؤدي عنكِ كتابتَك وأتزوَّجك))، قالت: قد فعلتُ، قالت: فتسامع - تعني الناس - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد تزوَّج جويرية، فأرسلوا ما في أيديهم من السَّبي، فأعتَقوهم، وقالوا: أصهارُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما رأينا امرأةً كانت أعظمَ بركةً على قومها منها، أُعتِق في سببها مائةُ أهل بيتٍ من بني المصطلِق[35].
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــ
    [1] وقد اختلف في تاريخ هذه الغزوة؛ فعن عروة بن الزبير، أنها كانت في شعبان سنة خمسٍ؛ رواه عنه البيهقي في الدلائل (4/ 44).
    وإلى ذلك ذهب موسى بن عقبة، ورواه عن ابن شهاب الزهري: أنها كانت في شعبان سنة خمس؛ مغازي موسى بن عقبة (229).
    وأما ما ذكره البخاري في (صحيحه) (5/ 115)، وتبعه ابن سيد الناس في عيون الأثر (2/ 128) عن موسى بن عقبة أنها كانت في سنة أربع، فهو خطأ، كما ذكر ابن حجر.
    وذكرها - أيضًا - الطبري في تاريخه (2/ 594) ضمن أحداث السنة الخامسة.
    وأما ابن إسحاق سيرة ابن هشام (2/ 289)، فقال: كانت في شعبان سنة ست، وتبِعه خليفة بن خياط في تاريخه (80).
    وقد رجَّح الحافظ ابن حجر - رحمه الله - أنها كانت في السنةِ الخامسة؛ حيث قال في الفتح (7/ 430):
    قوله: وقال موسى بن عقبة سنة أربعٍ؛ كذا ذكره البخاري وكأنه سبق قلمٍ، أراد أن يكتب سنة خمسٍ فكتب سنة أربعٍ، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرقٍ أخرجها الحاكم وأبو سعيدٍ النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم، سنة خمسٍ، ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهابٍ: ثم قاتَل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني المصطلق وبني لحيانَ في شعبان سنة خمسٍ، ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد عن ابن عمر أنه غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بني المصطلق في شعبان سنة أربعٍ، ولم يؤذَنْ له في القتال؛ لأنه إنما أذن له فيه في الخندق، كما تقدم، وهي بعد شعبان، سواءٌ قلنا: إنها كانت سنة خمسٍ، أو سنة أربعٍ، وقال الحاكم في الإكليل: قول عروة وغيره: إنها كانت في سنة خمسٍ، أشبهُ مِن قول ابن إسحاق، قلت: ويؤيِّدُه ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذٍ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، كما سيأتي، فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها، لكان ما وقَع في الصحيح من ذِكر سعد بن معاذٍ غلطًا؛ لأن سعد بن معاذٍ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمسٍ على الصحيح - كما تقدم تقريره - وإن كانت - كما قيل - سنة أربعٍ، فهي أشد، فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمسٍ في شعبان، لتكون قد وقعت قبل الخندق؛ لأن الخندق كانت في شوالٍ من سنة خمسٍ أيضًا، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذٍ موجودًا في المريسيع، ورُمي بعد ذلك بسهمٍ في الخندق، ومات من جِراحته في قريظة، ويؤيده أيضًا أن حديث الإفك كان سنة خمسٍ؛ إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القَعدة سنة أربعٍ عند جماعةٍ، فيكون المريسيع بعد ذلك، فيرجح أنها سنة خمسٍ؛ اهـ.
    [2] قال ابن حجر - رحمه الله - الفتح (7/ 430):
    غزوة بني المصطلق من خزاعة، وهي غزوة المريسيع.
    أما المصطَلِق؛ فهو بضم الميم وسكون المهملة، وفتح الطاء المهملة، وكسر اللام، بعدها قافٌ، وهو لقبٌ، واسمه: جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة، بطنٌ من بني خزاعة.
    وأما المُرَيْسيع، فبضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانيتين، بينهما مهملةٌ مكسورةٌ، وآخره عينٌ مهملةٌ، هو ماءٌ لبني خزاعة؛ اهـ.
    [3] قديدٌ: تصغير القد، من قولهم: قددت الجلد، أو من القِد، بالكسر، وهو جلد السَّخلة، أو يكون تصغير القدد من قوله - تعالى -: {طَرَائِقَ قِدَدًا} [الجن: 11]؛ وهي: الفرق، وسئل كثير فقيل له: لِمَ سمي قديدٌ قديدًا؟ ففكَّر ساعة، ثم قال: ذهب سيله قددًا؛ معجم البلدان (4/ 313).
    [4] انظر: المعالم الأثيرة في السنَّة والسيرة (222).
    [5] انظر السابق (192).
    [6] السيرة النبوية الصحيحة؛ الدكتور/ أكرم ضياء العمري (2/ 404، 405).
    [7] سيرة ابن هشام (2/ 289، 290).
    [8] السابق.
    [9] السابق.
    [10] متفق عليه: أخرجه البخاري (2541)، ومسلم (1730).
    وأما الواقدي فقد ذكر تفاصيلَ أخرى للغزوة؛ قال الواقدي في مغازيه (1/ 404 - 407):
    كان رأسُهم وسيِّدهم الحارث بن أبي ضرارٍ، قد سار في قومه ومَن قدَر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فابتاعوا خيلاً وسلاحًا، وتهيؤوا للمسير إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم.
    وجعلت الركبانُ تقدَم من ناحيتهم فيخبرون بمسيرهم، فبلغ ذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فبعَث بريدة بن الحصيب الأسلمي يُعلِم علم ذلك، واستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقولَ، فأذِن له، فخرج حتى ورد عليهم ماءهم، فوجد قومًا مغرورين قد تألبوا وجمعوا الجموع، فقالوا: من الرجل؟ قال: رجلٌ منكم، قدمت لما بلغني عن جمعِكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني فتكون يدُنا واحدةً حتى نستأصله، قال الحارث بن أبي ضرارٍ: فنحن على ذلك، فعجل علينا، قال بُريدة: أركب الآن فآتيكم بجمعٍ كثيفٍ من قومي ومن أطاعني، فسُرُّوا بذلك منه، ورجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره خبر القوم، فندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس، وأخبرهم خبرَ عدوهم، فأسرع الناس للخروج، وقادوا الخيول، وهي ثلاثون فرسًا، في المهاجرين منها عشرةٌ، وفي الأنصار عشرون، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسان، وكان عليٌّ - رضي الله عنه - فارسًا، وأبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، والزبير، وعبدالرحمن بن عوفٍ، وطلحة بن عبيدالله، والمِقداد بن عمرٍو، وفي الأنصار: سعد بن معاذٍ، وأُسَيد بن حضيرٍ، وأبو عبس بن جبرٍ، وقتادة بن النعمان، وعويم بن ساعدة، ومَعْن بن عدي، وسعد بن زيدٍ الأشهلي، والحارث بن حزمة، ومعاذ بن جبلٍ، وأبو قتادة، وأُبَي بن كعبٍ، والحُبَاب بن المنذر، وزياد بن لَبيدٍ، وفروة بن عمرٍو، ومعاذ بن رفاعة بن رافعٍ.
    وخرَج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرٌ كثيرٌ من المنافقين لم يخرُجوا في غزاةٍ قط مثلها، ليس بهم رغبةٌ في الجهاد إلا أن يصيبوا من عرَض الدنيا.
    فذهب الخبرُ إلى بني المصطلق، فكانت جويريةُ بنت الحارث تقول بعد أن أسلمت:
    جاءنا خبره ومقتله ومسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يقدَمَ علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فَسِيءَ به أبي ومَن معه، وخافوا خوفًا شديدًا، وتفرَّق عنهم مَن كان قد اجتمع إليهم من أفناء العرب، فما بقي منهم أحدٌ سواهم، ثم انتهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المريسيع، وهو الماء، فنزله، وضرب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبةٌ من أدمٍ، ومعه من نسائه عائشةُ وأم سلمة، وقد اجتمعوا على الماء، وأعدوا وتهيؤوا للقتال، فصف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه، ودفَع رايةَ المهاجرين إلى أبي بكرٍ - رضي الله عنه - وراية الأنصار إلى سعد بن عُبادة - رضي الله عنه - ويقال: كان مع عمار بن ياسرٍ - رضي الله عنه - راية المهاجرين.
    ثم أمَر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فنادى في الناس: قولوا: لا إله إلا الله، تمنَعوا بها أنفسكم وأموالكم.
    ففعَل عمرُ - رضي الله عنه - فأبَوا، فكان أول من رمى رجلٌ منهم بسهمٍ، فرمى المسلمون ساعةً بالنبل، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر أصحابه أن يحملوا، فحملوا حملة رجلٍ واحدٍ فما أفلت منهم إنسانٌ، وقُتِل عشرةٌ منهم، وأُسِر سائرهم، وسبى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الرجال والنساء والذرية، وغنمت النَّعَم والشاء، وما قُتِل أَحدٌ من المسلمين إلا رجلٌ واحدٌ.
    وكان أبو قتادة يحدِّث قال: حمل لواء المشركين يومئذٍ صفوان ذو الشقر، فلم تكن لي بأهبةٍ حتى شددت عليه، وكان الفتح.
    وكان شعارهم: يا منصور، أمِتْ أمت؛ اهـ.
    قلت: في بعض هذه التفاصيل مخالفة لِما جاء في الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أغار عليهم وهم غارون.
    خاصة قول الواقدي: ثم أمر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - فنادى في الناس: قولوا: لا إله إلا الله، تمنَعوا بها أنفسَكم وأموالكم.
    وقد رجح محمد بن سعد رواية الواقدي على ما في الصحيحين، فقال - بعدما روى رواية الواقدي المغازي (1/ 407) -:
    وكان ابن عمرَ يحدِّث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغار على بني المصطلق وهم غارُّون، ونَعَمهم تسقى على الماء، فقتَل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، والحديث الأول أثبت عندنا؛ اهـ.
    قلت: بل الأثبت هو ما في الصحيحين، والواقدي متهمٌ كما هو معلوم، وفوق ذلك أنه روى هذه الروايات بأسانيد مرسَلة.
    وقد حاول الحافظ ابن حجر - رحمه الله - الجمع بين حديث ابن عمر، ورواية الواقدي، فقال - رحمه الله - الفتح (7/ 431):
    فيحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلاً، فلما كثُر فيهم القتل انهزموا؛ بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافُّوا ووقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقَعَت الغلبة عليهم ...، وساق ذلك اليعمري في عيون الأثر، ثم ذكر حديث ابن عمر، ثم قال: أشار ابن سعدٍ إلى حديث ابن عمر، ثم قال: الأول أثبت.
    قلت - ابن حجر -: والحُكم بكون الذي في السِّيَر أثبتَ مما في الصحيح - مردودٌ، ولا سيما مع إمكان الجمع، والله أعلم؛ اهـ.
    قلت: وهذا الجمع بعيد، خاصة وقد صرح الواقدي في روايته أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فنادى في الناس: قولوا: لا إله إلا اللهُ، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم.
    [11] متفق عليه: أخرجه البخاري (4138)، ومسلم (1438).
    [12] متفق عليه: أخرجه البخاري (4903)، ومسلم (2772)، وفي رواية ابن إسحاق، والواقدي: أنها كانت في غزوة بني المصطلِق؛ سيرة ابن هشام (2/ 291)، ومغازي الواقدي (2/ 416).
    [13] البخاري (4900).
    [14] كسَع: أي ضرب دُبره وعجيزتَه بيدٍ أو رِجْل أو سيف وغيره.
    [15] متفق عليه: أخرجه البخاري (4905)، ومسلم (2584).
    [16] أخرجه الترمذي (3315)، وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
    [17] المهبل: الكثير اللحم، يقال: أصبح فلانٌ مهبلاً؛ أي: متورِّمًا متهيِّجًا، والمهبَّل الكثيرُ اللحم، الثقيل الحركة من السِّمَن؛ الدلائل في غريب الحديث (3/ 1111)، وتفسير غريب ما في الصحيحين (531).
    [18] نقَهت: بفتح القاف، أي: أفقت من مرضي؛ مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي عياض (2/ 25).
    [19] المَناصع هي المواضع التي يتخلَّى فيها لقضاء الحاجة، واحدها: منصع؛ لأنه يبرز إليها ويظهر.
    قال الأزهري: أراها مواضع مخصوصةً خارج المدينة؛ النهاية (5/ 65).
    [20] قال عياض: المِرط: بكسر الميم، كساءٌ من صوف أو خز أو كتَّان، قاله الخليل، وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر: لا يكون المِرط إلا درعًا، وهو من خزٍّ أخضر، ولا يسمَّى المِرط إلا الأخضر، ولا يلبَسه إلا النساء، وظاهر الحديث يصحح ما قال الخليل وغيره أنه كساء، وفي الحديث الصحيح: خرَج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرطٍ مرجلٍ من شعر أسود؛ مشارق الأنوار على صحاح الآثار (1/ 377).
    [21] أي هنتاه: أي: يا هذه، وتفتح النون وتسكن، وتضم الهاء الآخرة وتسكن، وفي التثنية: هنتان، وفي الجمع: هنواتٌ وهناتٌ، وفي المذكر: هنٌ وهنانٌ وهنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة، فتقول: يا هنه، وأن تشبع الحركةَ فتصير ألفًا، فتقول: يا هناه، ولك ضم الهاء، فتقول: يا هناه، أقبِلْ.
    قال الجوهري: "هذه اللفظةُ تختصُّ بالنداء".
    وقيل: معنى يا هنتاه: يا بلهاءُ، كأنها نُسِبَت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورِهم.
    ومن المذكر حديث الصبي بن معبد: "فقلت: يا هناه، إني حريصٌ على الجهاد"؛ النهاية (5/ 279، 280).
    [22] أغمصه: أي: أعيبها به وأطعن به عليها، ومنه: حديث توبة كعبٍ: "إلا مغموصٌ عليه النفاق"؛ أي: مطعون في دِينه، متَّهم بالنِّفاق؛ النهاية (3/ 386).
    [23] البُرَحاء: الشدة والمشقة، وخص بعضُهم به شدةَ الحمَّى، ويقال للمحموم الشديد الحمى: أصابته البُرَحاء؛ لسان العرب (2/ 410).
    [24] الجمان: هو اللؤلؤ الصغار، وقيل: حَبٌّ يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ، ومنه حديث المسيح - عليه السلام -: ((إذا رفَع رأسَه تحدَّر منه جمان اللؤلؤ))؛ النهاية (1/ 301).
    [25] تساميني: أي: تعاليني وتفاخرني، وهو مفاعلة من السمو؛ أي: تطاولني في الحظوة عنده؛ النهاية (2/ 405).
    [26] متفق عليه: أخرجه البخاري (4141)، ومسلم (2771).
    [27] سيرة ابن هشام (2/ 213).
    [28] الضافطة: جمع: ضافط، وهو الذي يجلِبُ المتاعَ إلى المدن؛ انظر: لسان العرب (7/ 344).
    [29] ضوى إليه ضيًّا وضويًا: انضم ولجأ، وضويت إليه، بالفتح، أضوي ضويًا إذا أويتُ إليه وانضممت؛ لسان العرب (14/ 390).
    [30] الإغذاذ: الإسراع؛ المغرب في ترتيب المعرب لبرهان الدين الخوارزمي (337).
    [31] نكب: أي: تنحَّى، ونكَب عن الطريق: إذا عدَل عنه؛ النهاية (5/ 112)، وقد عدل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن طريقهم، وذهب إليهم من طريقٍ آخر، حتى لا يعلموا بوِجهته.
    [32] مغربون: أي: بعيدون؛ يقال: غرب؛ أي: بعُد؛ انظر: الفائق في غريب الحديث للزمخشري (3/ 61).
    [33] مغازي الواقدي (1/ 402- 404).
    [34] وكانت امرأةً ملاحةً: أي ذات ملاحةٍ، وفعالٌ مبالغةٌ في فعيلٍ، والمليح: ضد القبيح؛ انظر: النهاية في غريب الحديث (4/ 355)، وشمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم لنشوان بن سعيد الحميري اليمني (9/ 6373).
    [35] أخرجه أبو داود (3931)، وأحمد (26365)، وغيرهما، وصححه الألباني في تخريج فقه السيرة (309).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/74496/#ixzz47Odn7Tjv
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    وعقد ريحانة في ذي الخامسهْ ♦♦♦...................
    أي: وفي السنة الخامسة من الهجرة عقد النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ريحانة رضي الله عنها، وهي من سبي بني قريظة.

    وقد اختلف في اسم أبيها رضي الله عنها، وفي قبيلتها، وفي كونها زوجةً للنبي صلى الله عليه وسلم، أو أمَةً له صلى الله عليه وسلم، وفي كونها ماتت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قبله.

    فأما الاختلاف في اسم أبيها:
    فقال ابن إسحاق: "هي ريحانة بنت عمرو بن خنافة"[1].

    وقال ابن سعدٍ، ورواه عن الواقدي: "هي ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة"[2].

    قلت: وقد يكون الواقدي ذكر الاسم كاملًا، بينما اختصره ابن إسحاق.

    وأما الاختلاف في قبيلتها:
    فذكر ابن إسحاق أنها من بني قريظة[3].

    وذكر ابن سعدٍ، ورواه عن الواقدي: أنها من بني النضير.

    قال ابن سعدٍ: "من بني النضير، وكانت متزوجةً رجلًا من بني قريظة يقال له: الحكم؛ فنسبها بعض الرواة إلى بني قريظة لذلك"[4].

    قال ابن عبدالبر: "والأكثر أنها من بني قريظة"[5].

    وأما الاختلاف في كونها أمةً أو زوجةً:
    فذهب ابن إسحاق إلى أنها كانت أمَةً له صلى الله عليه وسلم، وليست زوجةً.

    قال ابن إسحاق: "فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله، بل تتركني في ملكك؛ فهو أخفُّ عليَّ وعليك، فتركها"[6].

    وذهب الواقدي إلى أنها كانت زوجةً له صلى الله عليه وسلم.

    قال الواقدي - بعدما روى ما رواه ابن إسحاق -: "كانت أمةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقها وتزوجها، وكانت تحتجب في أهلها، وتقول: لا يراني أحدٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا أثبت الحديثين عندنا"[7].

    وإلى قول الواقدي ذهب الناظم.

    ورجح ابن القيم قول ابن إسحاق: إنها كانت أمةً، فقال: "قيل: ومن أزواجه ريحانة بنت زيدٍ النضرية، وقيل: القرظية، سبيت يوم بني قريظة، فكانت صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقها وتزوجها، ثم طلقها تطليقةً، ثم راجعها.

    وقالت طائفةٌ: بل كانت أمته، وكان يطؤها بملك اليمين حتى توفي عنها، فهي معدودةٌ في السراري لا في الزوجات، والقول الأول اختيار الواقدي، ووافقه عليه شرف الدين الدمياطي، وقال: هو الأثبت عند أهل العلم، وفيما قاله نظرٌ؛ فإن المعروف أنها من سراريه وإمائه، والله أعلم"؛ اهـ[8].

    وأما الاختلاف في وقت وفاتها:
    فذهب ابن إسحاق إلى أنها ماتت بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال ابن إسحاق: "فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه"[9].

    وأما الواقدي فذكر أنها ماتت قبل النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: "فلم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع"؛ اهـ[10].

    ويظهر من كلام ابن حجرٍ: أنه يرجح قول الواقدي؛ حيث قال: "ومن طريق الزهري: أنه لما طلقها كانت في أهلها، فقالت: لا يراني أحدٌ بعده.

    قال الواقدي: وهذا وهمٌ؛ فإنها توفيت عنده"؛ اهـ[11].
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــ
    [1] "سيرة ابن هشام" 2/ 245.
    [2] "الطبقات" 8/ 129.
    [3] "سيرة ابن هشام" 2/ 245.
    [4] "الطبقات" 8/ 129.
    [5] "الاستيعاب" 4/ 1847.
    [6] "سيرة ابن هشام" 2/ 245.
    [7] "مغازي الواقدي" 2/ 521.
    [8] "زاد المعاد" 1/ 110.
    [9] "سيرة ابن هشام" 2/ 245.
    [10] "الطبقات" 8/ 130.
    [11] "الإصابة" 8/ 146.
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/92799/#ixzz47fZj2NcA
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    .............................. ....... ♦♦♦ ثَمَّ بَنُو لَحْيَانَ بَدْءَ السَّادِسَهْ
    قال ابن إسحاق رحمه الله:"ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرًا وشهري ربيعٍ، وخرج في جمادى الأولى[1] على رأس ستة أشهرٍ من فتح قريظة، إلى بني لحيان، يطلب بأصحاب الرجيع: خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام؛ ليصيب من القوم غِرةً"؛ اهـ[2]. وكانت بنو لَحْيان قد غدرت بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة الرجيع المشهورة. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهطٍ سَريةً عينًا، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابتٍ الأنصاري، جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا، حتى إذا كانوا بالهدأة، وهو بين عسفان ومكة، ذُكروا لحي من هذيلٍ، يقال لهم: بنو لحيان، فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجلٍ، كلهم رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصمٌ وأصحابه، لجؤوا إلى فدفدٍ[3]، وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا وأعطونا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق، ولا نقتل منكم أحدًا، قال عاصم بن ثابتٍ أمير السَّرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافرٍ، اللهم أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًا في سبعةٍ، فنزل إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق، منهم: خبيبٌ الأنصاري، وابن دثنة، ورجلٌ آخر، فلما استمكنوا منهم، أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي في هؤلاء لأسوةً، يريد القتلى، فجرَّروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى، فقتلوه، فانطلقوا بخبيبٍ وابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدرٍ، فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبدمنافٍ، وكان خبيبٌ هو قتل الحارث بن عامرٍ يوم بدرٍ، فلبث خبيبٌ عندهم أسيرًا، فأخبرني عبيدالله بن عياضٍ: أن بنت الحارث أخبرته: أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها، فأعارته، فأخذ ابنًا لي وأنا غافلةٌ حين أتاه، قالت: فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعةً عرفها خبيبٌ في وجهي، فقال: تخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، والله ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيبٍ، والله لقد وجدته يومًا يأكل من قطف عنبٍ في يده، وإنه لموثقٌ في الحديد، وما بمكة من ثمرٍ، وكانت تقول: إنه لرزقٌ من الله رزقه خبيبًا، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيبٌ: ذروني أركع ركعتين، فتركوه، فركع ركعتين، ثم قال: لولا أن تظنوا أن ما بي جزعٌ، لطولتها، اللهم أحصهم عددًا، ثم قال:
    ما أُبالي حين أُقتَل مسلمًا
    على أيِّ شقٍّ كان للهِ مصرعي


    وذلك في ذات الإله، وإن يشأ
    يبارك على أوصال شِلْوٍ مُمزَّعِ

    فقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سن الركعتين لكل امرئٍ مسلمٍ قتل صبرًا، فاستجاب الله لعاصم بن ثابتٍ يوم أصيب، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه خبرهم، وما أصيبوا، وبعث ناسٌ من كفار قريشٍ إلى عاصمٍ حين حدثوا أنه قتل، ليؤتوا بشيءٍ منه يعرف، وكان قد قتل رجلًا من عظمائهم يوم بدرٍ، فبعث على عاصمٍ مثل الظُّلَّة من الدَّبْر، فحمته من رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطع من لحمه شيئًا[4]. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة يطلب بأصحاب الرجيع، واستعمل على المدينة ابن أم مكتومٍ، وأسرع السير، حتى نزل على غران، وهي منازل بني لحيانٍ، وغران وادٍ بين أمج وعسفان، إلى بلدٍ يقال له: ساية، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخطأه من غرتهم ما أراد، قال: لو أنا هبطنا عسفان، لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة، فخرج في مائتي راكبٍ من أصحابه حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم[5]، ثم كر وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا[6]. قوله:
    وَبَعْدَهُ اسْتِسْقَاؤُهُ.. .......♦♦♦ .............................. ........
    أي: وبعد غزوة بني لحيان التي كانت في جمادى الأولى، كان استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان. قال ابن جريرٍ الطبري رحمه الله:وفيها - أي في السنة السادسة - أجدب الناس جدبًا شديدًا، فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بالناس[7].قوله:
    ........... وَذُو قَرَدْ ♦♦♦ .............................. .....
    ذو قَردٍ: اسم ماءٍ على بُعد يومٍ من المدينة. عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه - وهو يحكي قصة الحديبية، ومبايعته للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مراتٍ - قال: ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلًا، بيننا وبين بني لحيان جبلٌ، وهم المشركون، فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقي هذا الجبل الليلة، كأنه طليعةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا، ثم قدمنا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره مع رباحٍ غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه، وخرجت معه بفرس طلحة أُندِّيه مع الظهر[8]، فلما أصبحنا إذا عبدالرحمن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقه أجمع وقتل راعيه، قال: فقلت: يا رباح، خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيدالله، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشركين قد أغاروا على سرحه[9]، قال: ثم قمت على أكمةٍ[10]، فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثًا: يا صباحاه، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل، وأرتجز أقول:
    أنا ابن الأكوع ♦♦♦ واليوم يوم الرُّضَّع
    فألحق رجلًا منهم فأصك[11] سهمًا في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه، قال: قلت:
    خذها وأنا ابن الأكوع ♦♦♦ واليوم يوم الرُّضَّع
    قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا رجع إليَّ فارسٌ، أتيت شجرةً فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به، حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا في تضايُقه، علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة، قال: فما زلت كذلك أتبعهم، حتى ما خلق الله من بعيرٍ من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري، وخلَّوْا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردةً وثلاثين رمحًا يستخفون، ولا يطرحون شيئًا إلا جعلت عليه آرامًا من الحجارة يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى أتوا متضايقًا من ثنيةٍ فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدرٍ الفزاري، فجلسوا يتضحون - يعني: يتغدون - وجلست على رأس قرنٍ، قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟! قالوا: لقينا من هذا البَرْحَ[12]، والله ما فارقنا منذ غلسٍ يرمينا حتى انتزع كل شيءٍ في أيدينا، قال: فليقم إليه نفرٌ منكم أربعةٌ، قال: فصعد إلي منهم أربعةٌ في الجبل، قال: فلما أمكنوني من الكلام، قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمدٍ صلى الله عليه وسلم لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجلٌ منكم فيدركني، قال أحدهم: أنا أظن[13]، قال: فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي، قال: فأخذت بعنان الأخرم، قال: فولَّوْا مدبرين، قلت: يا أخرم، احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحُلْ بيني وبين الشهادة، قال: فخليته، فالتقى هو وعبدالرحمن، قال: فعقر بعبدالرحمن فرسه، وطعنه عبدالرحمن فقتله، وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبدالرحمن، فطعنه فقتله، فوالذي كرم وجه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئًا حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعبٍ فيه ماءٌ، يقال له: ذو قردٍ، ليشربوا منه وهم عطاشٌ، قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم، فخليتهم عنه - يعني: أجليتهم عنه- فما ذاقوا منه قطرةً، قال: ويخرجون فيشتدون في ثنيةٍ[14]، قال: فأعدو فألحق رجلًا منهم فأصكه بسهمٍ في نغض كتفه، قال: قلت:
    خذها وأنا ابن الأكوع ♦♦♦ واليوم يوم الرضع
    قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة[15]، قال: قلت: نعم يا عدو نفسه، أكوعك بكرة، قال: وأردوا[16] فرسين على ثنيةٍ، قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ولحقني عامرٌ بسطيحةٍ فيها مذقةٌ من لبنٍ، وسطيحةٍ فيها ماءٌ[17]، فتوضأت وشربت، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي خلَّيْتُهم عنه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل، وكل شيءٍ استنقذته من المشركين، وكل رمحٍ وبردةٍ، وإذا بلالٌ نحر ناقةً من الإبل الذي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها، قال: قلت: يا رسول الله، خلني فأنتخب من القوم مائة رجلٍ، فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبرٌ إلا قتلته[18]، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه في ضوء النار، فقال: ((يا سلمة، أتراك كنت فاعلًا))، قلت: نعم والذي أكرمك، فقال: ((إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان))، قال: فجاء رجلٌ من غطفان، فقال: نحر لهم فلانٌ جزورًا، فلما كشفوا جلدها رأوا غبارًا، فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين، فلما أصبحنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان خيرَ فرساننا اليوم أبو قتادة، وخيرَ رجَّالتنا سلمةُ))، قال: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعًا، ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء[19] راجعين إلى المدينة، قال: فبينما نحن نسير، قال: وكان رجلٌ من الأنصار لا يسبق شدًّا[20]، قال: فجعل يقول: ألا مسابقٌ إلى المدينة؟ هل من مسابقٍ؟ فجعل يعيد ذلك، قال: فلما سمعت كلامه، قلت: أما تكرم كريمًا، ولا تهاب شريفًا، قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي ذَرْني فلأسابق الرجل، قال: ((إن شئت))، قال: قلت: اذهب إليك، وثنيت رجلي، فطفرت[21] فعدوت، قال: فربطت[22] عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي[23]، ثم عدوت في إثره فربطت عليه شرفًا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه، قال: فأصكه بين كتفيه، قال: قلت: قد سبقت والله، قال: أنا أظن، فسبقته إلى المدينة[24]. وكانت غزوة ذي قردٍ قبل الحديبية بثلاثٍ، كما ذكر ذلك سلمة رضي الله عنه، كما سيأتي في غزوة خيبر - إن شاء الله - ورجح ذلك أنها كانت في السنة السابعة قبل خيبرٍ بثلاثٍ[25].
    [1] وذهب الواقدي "المغازي" 2/ 535 إلى أنها كانت في ربيع الأول، ورجح ابن كثير ما ذهب إليه ابن إسحاق؛ حيث قال "الفصول" 177: "ثم خرج صلى الله عليه وسلم بعد قريظة بستة أشهر، وذلك في جمادى الأولى من السنة السادسة، على الصحيح، قاصدًا بني لحيان؛ ليأخذ ثأر أصحاب الرجيع".
    [2] "سيرة ابن هشام" 2/ 279.
    [3] الفَدْفد: المكان المرتفع.
    [4] أخرجه البخاري 4086.
    [5] كراع الغميم: موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة، وهو وادٍ أمام عسفان بثمانية أميال.
    [6] "سيرة ابن هشام" 2/ 279، 280.
    [7] "تاريخ الطبري" 2/ 642.
    [8] أُندِّيه مع الظَّهر: قال النووي: ومعناه: أن يورد الماشية الماء فتسقى قليلاً، ثم ترسل إلى المرعى، ثم ترد الماء فترد قليلاً، ثم ترد إلى المرعى؛ اه "شرح مسلم" 6/ 357.
    [9] سرحه: أي ماشيته التي يسرح بها.
    [10] الأكمة: هي الكومة من الرمل، أصغر من الجبل.
    [11] أصُك: أضرب.
    [12] البَرْحَ: أي شدة.
    [13] أظن هنا بمعنى اليقين؛ أي: أنا أتيقن وأعلم هذا.
    [14] الثنية: الطريق أعلى الجبل، ويشتدون: أي يسرعون.
    [15] أكوعه بكرة: أي أنت الأكوع الذي كنت في أول هذا النهار.
    [16] أردوا: أي تركوا.
    [17] السطيحة: إناء من جلودٍ سطح بعضها على بعض، مذقة: قيل: لبن ممزوج بماء.
    [18] أي: فلا يبقى منهم أحد يخبر من وراءهم فيستمدونهم علينا.
    [19] العضباء: ناقة رسول الله، وكانت ناقةً نجيبة لا تسبق.
    [20] شدًّا: أي جريًا.
    [21] طفرت: أي قفزت.
    [22] ربطت: أي توقفت عن الجري.
    [23] أستبقي نفسي: أي أريحها.
    [24] سبق تخريجه.
    [25] أخرجه البخاري، باب: غزوة ذي قرد، كتاب: المغازي، ورجحه ابن حجر في "الفتح" 7/ 526، وابن كثير في "البداية" 4/ 174.
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/93416/#ixzz481lXm4fM
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    .............................. ....... ♦♦♦ وَصُدَّ عَنْ عُمْرَتِهِ لَمَّا قَصَدْ

    أي: صد المشركون النبي صلى الله عليه وسلم عن أداء العمرة، وهي عمرة الحديبية.

    حيث خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة متوجهًا إلى مكة لأداء العمرة، فصدَّه المشركون عن البيت الحرام.

    والحديبية: اسم بئرٍ تقع على بُعد اثنين وعشرين كيلو مترًا إلى الشمال الغربي من مكة، وتعرف الآن بالشميس، وهي حدائق الحديبية ومسجد الرضوان[1].

    وبعضها يدخل في حدود الحرم المكي.

    قال الشافعي رحمه الله:
    بعضها في الحل، وبعضها في الحرم[2].

    وسمي بصُلح الحديبية؛ لأن قريشًا منعت المسلمين من دخول مكة وهم في الحديبية.

    قال ابن القيم رحمه الله:
    قال نافعٌ: كانت سنة ست في ذي القعدة، وهذا هو الصحيح، وهو قول الزهري، وقتادة وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم؛ اهـ[3].

    وعن قتادة قال: سألت أنسًا رضي الله عنه: كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعٌ: عمرة الحديبية في ذي القعدة حيث صده المشركون...[4].

    وخرج النبي صلى الله عليه وسلم متوجهًا إلى بيت الله الحرام قاصدًا العمرة، وخرج معه ألفٌ وأربعمائةٍ من الصحابة رضوان الله عليهم[5] متسلحين بالسلاح[6]؛ حذرًا من قريشٍ، وساقوا معهم الهَدْيَ.

    فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم ذا الحليفة[7]، قلد الهدي وأشعره[8]، وأحرم منها بعمرةٍ، وبعث عينًا له من خزاعة - وهو بشر بن سفيان الكعبي - ليعلم له أخبار قريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط[9] أتاه عينه، فقال: إن قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش[10]، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: ((أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراريِّ هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟! فإن يأتونا كان الله تعالى قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين))، قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحدٍ ولا حرب أحدٍ، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((امضوا على اسم الله))[11].

    فسار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال: ((إن خالد بن الوليد بالغميم في خيلٍ لقريشٍ طليعةٌ[12]، فخذوا ذات اليمين))، فوالله ما شعر بهم خالدٌ، حتى إذا هم بقترة الجيش[13]، فانطلق يركض نذيرًا لقريشٍ، وسار النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل[14]، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء[15]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلقٍ، ولكن حبسها حابس الفيل))[16]، ثم قال: ((والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطةً يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها))، ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمدٍ[17] قليل الماء يتبرضه الناس تبرُّضًا[18]، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفرٍ من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح[19] رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي[20] نزلوا أعداد مياه[21] الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل[22]، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم[23] مدةً، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا[24]، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي[25]، ولينفذن الله أمره))، فقال بديلٌ: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيءٍ، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعودٍ، فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ[26]، فلما بلحوا[27] علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشدٍ، اقبلوها ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من قوله لبديلٍ، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحدٍ من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوهًا، وإني لأرى أوشابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكرٍ الصِّديق: امصُصْ ببظر اللات[28]، أنحن نفر عنه وندعه؟! فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكرٍ، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائمٌ على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم، ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخِّر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غُدَر، ألست أسعى في غدرتك؟[29]، وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيءٍ))، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامةً إلا وقعت في كف رجلٍ منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر؛ تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا، والله إن تنخم نخامةً إلا وقعت في كف رجلٍ منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر؛ تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشدٍ فاقبلوها، فقال رجلٌ من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا فلانٌ، وهو من قومٍ يعظمون البدن، فابعثوها له))، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجلٌ منهم، يقال له: مكرز بن حفصٍ، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذا مكرزٌ، وهو رجلٌ فاجرٌ))، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرٍو، فلما جاء سهيل بن عمرٍو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد سهل لكم من أمركم))، فجاء سهيل بن عمرٍو، فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بسم الله الرحمن الرحيم))، قال سهيلٌ: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اكتب باسمك اللهم))، ثم قال: ((هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسول الله))، فقال سهيلٌ: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبدالله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبدالله))[30].

    قال الزهري: وذلك لقوله: ((لا يسألوني خطةً يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها)).

    فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به))، فقال سهيلٌ: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيلٌ: وعلى أنه لا يأتيك منا رجلٌ، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين، وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرٍو يرسف[31] في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيلٌ: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنا لم نقضِ الكتاب بعد))، قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيءٍ أبدًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأجزه لي))، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: ((بلى فافعل))، قال: ما أنا بفاعلٍ، قال مكرزٌ: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندلٍ: أي معشر المسلمين، أُرَد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: ((بلى))، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: ((بلى))، قلت: فلِم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: ((إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري))، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: ((بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام))، قال: قلت: لا، قال: ((فإنك آتيه ومطوفٌ به))، قال: فأتيت أبا بكرٍ، فقلت: يا أبا بكرٍ، أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوفٌ به.

    قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا[32]، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((قوموا فانحروا ثم احلقوا))، قال: فوالله ما قام منهم رجلٌ، حتى قال ذلك ثلاث مراتٍ، فلما لم يقم منهم أحدٌ، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمةً حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا، ثم جاءه نسوةٌ مؤمناتٌ فأنزل الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ﴾ [الممتحنة: 10] حتى بلغ: ﴿ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾ [الممتحنة: 10]، فطلَّق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصيرٍ، رجلٌ من قريشٍ، وهو مسلمٌ، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم، فقال أبو بصيرٍ لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيدٌ، لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصيرٍ: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: ((لقد رأى هذا ذعرًا))، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتولٌ، فجاء أبو بصيرٍ، فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويل أمه، مِسعَر حربٍ لو كان له أحدٌ!))[33]، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيلٍ، فلحق بأبي بصيرٍ، فجعل لا يخرج من قريشٍ رجلٌ قد أسلم إلا لحق بأبي بصيرٍ، حتى اجتمعت منهم عصابةٌ، فوالله ما يسمعون بعِيرٍ خرجت لقريشٍ إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمنٌ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفتح: 24] حتى بلغ: ﴿ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [الفتح: 26]، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا بـ: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وحالوا بينهم وبين البيت[34].

    أحداث أخرى مهمة:
    كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تأتيه رسل قريشٍ قد أرسل إليهم؛ لبيان موقفه، وأنه لم يأتِ إلا لزيارة البيت وأداء العمرة، ولم يأت لحربٍ.

    فبعث صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جملٍ له يقال له: الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريشٌ[35]، وأرادوا قتل خراشٍ، فمنعهم الأحابش، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحدٌ يمنعني، وقد عرفت قريشٌ عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجلٍ هو أعز مني[36]؛ عثمان بن عفان، قال: فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثه إلى قريشٍ يخبرهم أنه لم يأتِ لحربٍ، وأنه جاء زائرًا لهذا البيت، معظمًا لحرمته، فخرج عثمان حتى أتى مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته، وحمله بين يديه، وردف خلفه، وأجاره حتى بلَّغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريشٍ، فبلَّغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت، فطُفْ به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبسته قريشٌ عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل[37].

    فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للبيعة تحت الشجرة[38].

    ومما حدث أيضًا أنه أثناء سير النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية، ولما بلغ الروحاء على بعد 73 كيلو مترًا من المدينة، أرسل أبا قتادة الأنصاري مع جمعٍ من الصحابة إلى ساحل البحر الأحمر؛ حيث بلغه وجود بعض المشركين الذين يخشى من مباغتتهم للمسلمين، فقال: ((خذوا ساحل البحر حتى نلتقي))، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم، إلا أبو قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحشٍ، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانًا[39]، فنزلوا فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمون؟ قال أبو قتادة: فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، إنا كنا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحشٍ، فحمل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتانًا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل لحم صيدٍ ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها، قال صلى الله عليه وسلم: ((أمنكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟))، قالوا: لا، قال: ((فكلوا ما بقي من لحمها))[40].

    وأثناء وجود النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية حاولت قريشٌ قتل النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم فشلوا.

    فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: أن ثمانين رجلًا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه - عند صلاة الفجر- فأخذهم سلمًا، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفتح: 24][41].

    بنود العقد:
    كان العقد الذي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين مكتوبًا فيه:
    باسمك اللهم، هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبدالله وسهيل بن عمرٍو على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعضٍ، على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه، وإن بيننا عيبةً مكفوفةً[42]، وإنه لا إسلال ولا إغلال[43]، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمدٍ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريشٍ وعهدهم دخل فيه.

    فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن مع عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكرٍ، فقالوا: نحن في عقد قريشٍ وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابلٍ خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك وأقمت فيهم ثلاثًا معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف في القرب[44].

    وقد لاقت هذه الشروط - التي ظاهرها توهينٌ لموقف المسلمين- غضبًا شديدًا من بعض الصحابة، وقد تقدم موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    ومما يعبر عن مشاعر المسلمين من هذه الشروط ورفضهم لها: قول سهل بن حنيفٍ رضي الله عنه يوم صفين: اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندلٍ ولو أستطيع أن أرد أمر النبي صلى الله عليه وسلم لرددته[45].

    ومما حدث في الحديبية:
    • عن أبي المليح رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وأصابتنا سماءٌ لم تبلَّ أسافل نعالنا[46]، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلوا في رحالكم[47].

    • وفي الحديبية حُمل كعب بن عجرة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى - أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى - تجد شاةً؟))، فقال كعبٌ: لا، فقال: ((فصم ثلاثة أيامٍ، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكينٍ نصف صاعٍ))[48].

    • وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعةٍ[49].

    • وعن عبدالله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يكلؤنا؟))[50]، فقال بلالٌ: أنا، فناموا حتى طلعت الشمس، وكان ذلك في صلاة الصبح، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((افعلوا كما كنتم تفعلون))، قال: ففعلنا، قال: ((فكذلك فافعلوا لمن نام أو نسي))[51].

    • وكانت أم كلثومٍ بنت عقبة بن أبي معيطٍ ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ، فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم، لما أنزل الله فيهن: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ﴾ [الممتحنة: 10] إلى قوله: ﴿ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾ [الممتحنة: 10][52].

    • وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية في هدايا رسول الله صلى الله عليه وسلم جملًا كان لأبي جهلٍ في رأسه برة فضةٍ[53]، يغيظ بذلك المشركين[54].

    • وعن زيد بن خالدٍ الجهني رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فأصابنا مطرٌ ذات ليلةٍ، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، ثم أقبل علينا، فقال: ((أتدرون ماذا قال ربكم؟))، قلنا: الله ورسوله أعلم! فقال: ((قال الله: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ بي، فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله، فهو مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا فهو مؤمنٌ بالكوكب كافرٌ بي))[55].

    • وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوةٌ[56]، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما لكم؟))، قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماءٌ نتوضأ به ولا نشرب، إلا ما في ركوتك، قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا، فقيل لجابرٍ: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: لو كنا مائة ألفٍ لكفانا، كنا خمس عشرة مائةً[57].


    [1] "السيرة النبوية الصحيحة" 2/ 434.
    [2] "زاد المعاد" 3/ 270.
    [3] "زاد المعاد" 3/ 255.
    [4] متفق عليه: أخرجه البخاري (1778)، ومسلم (1253).
    [5] ورد ذكر هذا العدد في أحاديث صحيحة بصحيح البخاري، عن نفر من الصحابة رضوان الله عليهم، ممن شهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم هذا المشهد، منهم جابر بن عبدالله، وفي رواية أخرى عن جابر: أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة، وعن عبدالله بن أبي أوفى: أنهم كانوا ألفًا وثلاثمائة؛ انظر: "صحيح البخاري" كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية.
    ورجح ابن القيم في "زاد المعاد" (3/ 256، 257) قول من قال: إنهم ألف وأربعمائة؛ لأنه قول الأكثر، حيث قال: والقلب إلى ذلك أميل، وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين، وقول المسيب بن حزن؛ اهـ.
    وقال ابن حجر: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال: ألفًا وخمسمائة جبَر الكسر، ومن قال: ألفًا وأربعمائة ألغاه، ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء: ألفًا وأربعمائة أو أكثر؛ اهـ.
    [6] مما يدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم خرجوا متسلحين ما رواه البخاري (4179): أنه لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشًا جمعوا له الجموع لقتاله، استشار الصحابة في قتالهم أو عدم قتالهم، وهذا يدل على أنهم كانوا مستعدين للقتال في أي وقت.
    [7] ذو الحليفة: هو ميقات أهل المدينة الذي يحرمون من عنده، وهو الذي يسمى الآن بــ: (أبيار علي)، وتبعد عن المدينة أحد عشر كيلو مترًا، وبينها وبين مكة أربعمائة وأربعة وستون كيلو مترًا تقريبًا.
    [8] الهَدْي: ما يُهدَى من النَّعَم إلى الحرم تقربًا إلى الله، ويكون الهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، وتقليد الهدي: هو أن يعلق في عنقها نعلين، أو يضع عليها شيئًا من صوف ونحوه؛ علامة لها أنها من الهدي، والتقليد عام للبقر والغنم والإبل، أما الإشعار: فهو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل الدم، ثم يسلته، ويكون ذلك في الجانب الأيمن لسنمة البعير، والإشعار خاص بالإبل فقط دون البقر والغنم.
    [9] غدير الأشطاط: اسم مكان وراء عسفان، على بُعد ثمانين كيلو من مكة.
    [10] الأحابيش: هم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو الحارث بن عبدمناة بن كنانة، وبنو المصطلق بن خزاعة، كانوا تحالفوا مع قريش، قيل: تحت جبل يقال له: الحبش أسفل مكة، وقيل: سموا بذلك لتحبشهم؛ أي: تجمُّعهم، والتحبُّش: التجمُّع.
    [11] أخرجه البخاري (4178، 4179).
    [12] الطليعة: مقدمة الجيش.
    [13] قترة الجيش: غبار الجيش الذي يحدثه أثناء سيره.
    [14] حل حل: كلمة تقال للناقة إذا تركت السير.
    [15] خلأت القصواء: خلأت؛ أي: بركت من غير علة، والقصواء: اسم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان طرف أذنها مقطوعًا، والقصو: قطع طرف الأذن، وقيل: إنها كانت لا تسبق، فقيل لها: القصواء؛ لأنها بلغت من السبق أقصاه؛ "فتح الباري" (5/ 395).
    [16] حبسها حابس الفيل: قال ابن حجر: أي حبسها الله تعالى عن دخول مكة، كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذكرها أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة، وصدهم قريش عن ذلك، لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه مكة.؛ اهـ. أي: فيل أبرهه الأشرم الذي كان يريد هدم الكعبة.
    [17] ثمد: بفتح الثاء والميم؛ أي: حفرة صغيرة فيها ماء مثمود، أي: قليل.
    [18] التبرض: هو الأخذ قليلًا قليلًا.
    [19] عيبة نصح: العيبة: ما توضع فيه الثياب لحفظها؛ أي: إنهم موضع النصح له، والأمانة على سره.
    [20] قوله: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي: يقصد قريشًا، وإنما اقتصر على ذكر هذين؛ لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع ترجع أنسابهم إليهما.
    [21] أعداد: جمع عد بالكسر والتشديد، وهو الماء الذي لا انقطاع له.
    [22] العوذ: جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل: الأمهات التي معها أطفالها، يريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل؛ ليتزودوا من ألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال، والمراد أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم؛ لإرادة طول المقام، وليكون أدعى إلى عدم الفرار، قال ابن فارس: كل أنثى إذا وضعت، فهي إلى سبعة أيام عائذ، والجمع عوذ، كأنها سميت بذلك لأنها تعوذ ولدها، وتلزم الشغل به؛ "فتح".
    [23] ماددتهم: أي جعلت بيني وبينهم مدة بترك الحرب.
    [24] جموا: أي استراحوا، والمعنى الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم أن تترك قريش القتال، فإن أرادوا الدخول في الإسلام بعد ذلك دخلوا، وإن لم يدخلوا استراحوا فترة من القتال.
    [25] حتى تنفرد سالفتي: أراد أنه يقاتل حتى ينفرد وحده في قتالهم؛ أي: إن لي من القوة بالله والحول به ما يقتضي أن أقاتل عن دينه، ولو انفردت؛ "فتح" بتصرف.
    [26] قوله: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ: أي دعوتهم لنصركم.
    [27] فلما بلَّحوا: أي امتنعوا، والتبلح: التمنع من الإجابة.
    [28] امصص ببظر اللات: البظر قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة، واللات اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتم بذلك، ولكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة مَن كانوا يعبدونه مكان أمه؛ "فتح" بتصرف.
    [29] قوله: أي غدر: مبالغة في وصفه بالغدر، قوله: ألست أسعى في غدرتك: أي ألست أسعى في دفع شر غدرتك.
    قال ابن هشام في "السيرة": أشار عروة بهذا إلى ما وقع للمغيرة قبل إسلامه؛ وذلك أنه خرج مع ثلاثة عشر نفرًا من ثقيف من بني مالك، فغدر بهم وقتلهم وأخذ أموالهم، فتهايج الفريقان بنو مالك والأحلاف رهط المغيرة، فسعى عروة بن مسعود عم المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفسًا، واصطلحوا؛ "فتح" 5/ 402.
    [30] وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليًّا أن يمحاها، فقال علي: لا والله لا أمحاها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرني مكانها))، فأراه مكانها فمحاها، وكتب: ابن عبدالله؛ أخرجه البخاري (2699)، مسلم (1783).
    [31] يرسف: أي يمشي مشيًا بطيئًا بسبب القيد.
    [32] قول عمر: وعملت لذلك أعمالًا؛ أي: من الأعمال الصالحة؛ ليكفر عنه اعتراضه على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي "مسند أحمد" 4/ 325 يقول عمر: ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق من الذي صنعت؛ مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا.
    [33] قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ويل أمه": كلمة ذم تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون معنى ما فيها من ذم، وقوله: "مسعر حرب"؛ أي: مشعل نار الحرب مما فعله من قتل الرجل، وقوله: "لو كان له أحد"؛ أي: ينصره ويعاضده ويناصره، وفيه إشارة إليه بالفرار؛ لئلا يرده إلى المشركين، ورمزٌ إلى من بلغه ذلك من المسلمين المستضعفين في مكة أن يلحقوا به؛ (فتح) بتصرف.
    [34] أخرجه البخاري (2731، 2732)، كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط.
    [35] أي: عقرت الجمل، قتلوه.
    [36] أعز مني: أي له ناس وقوم يمنعونه من غدر قريش.
    [37] إسناده حسن: أخرجه أحمد (18812)، بإسناد حسن، وأصل الحديث عند البخاري، انظر التخريج السابق.
    [38] سيأتي الكلام عن البيعة إن شاء الله تعالى.
    [39] الأتان: أنثى الحمار، وحمر الوحش حلالٌ أكلها.
    [40] متفق عليه: أخرجه البخاري (1824)، ومسلم (1196).
    [41] أخرجه مسلم (1808)، وأبو داود (2688).
    [42] أي: بينهم صدر نقي من الغل والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح؛ (نهاية).
    [43] الإسلال: السرقة، وقيل: سل السيوف، والإغلال: الخيانة، وقيل: لبس الدروع؛ (نهاية).
    [44] أخرجه أحمد (18812)، بإسناد حسن، والقرب: غمد السيوف.
    [45] أخرجه البخاري (3181).
    [46] كناية عن قلة المطر.
    [47] أخرجه ابن ماجه (936)، وصححه الألباني "الإرواء" (2/ 341، 342).
    [48] متفق عليه: أخرجه البخاري (1816)، ومسلم (1201).
    [49] أخرجه مسلم (1318).
    [50] يكلؤنا: أي يحرسنا.
    [51] أخرجه أبو داود (441)، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود".
    [52] أخرجه البخاري (2711، 2712).
    [53] البرة: الحلقة، والمعنى في أنفه حلقة فضة؛ "عون المعبود".
    [54] أخرجه أبو داود (1749)، وحسنه الألباني.
    [55] متفق عليه: أخرجه البخاري (4147)، ومسلم (71).
    [56] الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، والجمع ركاء.
    [57] متفق عليه: أخرجه البخاري (4152)، ومسلم (1856).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/93757/#ixzz4HxG9kc6O
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    وَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ أَوَّل.......♦♦♦.. ...........................

    أي: وفي السنة السادسة كانت بيعة الرضوان (أول)؛ أي: قبل صلح الحديبية.

    وكان سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريشٍ ليبين لهم سبب مجيء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأنهم يقصدون العمرة وليس القتال، وتأخر عثمان رضي الله عنه، فظن المسلمون أن قريشًا قد قتلته، دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى البيعة على قتال قريشٍ، فبايعوه جميعًا تحت الشجرة - وهي سمرةٌ - غير جد بن قيسٍ الأنصاري، اختبأ تحت بطن بعيره[1]، وكان الجد بن قيسٍ منافقًا.

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: ((هذه يد عثمان))، فضرب بها على يده، فقال: ((هذه لعثمان))[2].

    وقد بايع الصحابة رضوان الله عليهم النبي صلى الله عليه وسلم على الموت، وعلى ألا يفروا.

    فعن يزيد بن أبي عبيدٍ، قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيءٍ بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت[3].

    وعن عبدالله بن زيدٍ: أنه أتاه آتٍ فقال يوم الحرة والناس يبايعون لعبدالله بن حنظلة: هذاك ابن حنظلة يبايع الناس، فقال: على ماذا؟ قال: على الموت، قال: لا أبايع على هذا أحدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم[4].

    وعن معقل بن يسارٍ رضي الله عنه قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافعٌ غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائةً، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر[5].

    وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: لم نبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، إنما بايعناه على ألا نفر[6].

    وقد ذكر ابن حجرٍ رحمه الله أنه لا تعارض بين المبايعة على الموت والمبايعة على ألا يفروا؛ حيث قال رحمه الله:
    "وقد أخبر سلمة بن الأكوع - وهو ممن بايع تحت الشجرة - أنه بايع على الموت، فدل ذلك على أنه لا تنافي بين قولهم: بايعوه على الموت، وعلى عدم الفرار؛ لأن المراد بالمبايعة على الموت: ألا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت ولا بد"[7].

    سلمة بن الأكوع رضي الله عنه يبايع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات:
    عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائةً وعليها خمسون شاةً لا ترويها، قال: فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الركية[8]، فإما دعا وإما بصق فيها، قال: فجاشت، فسقينا واستقينا، قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة، قال: فبايعته أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسطٍ من الناس، قال: ((بايع يا سلمة))، قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس، قال: ((وأيضًا))، قال: ورآني رسول الله صلى الله عليه وسلم عزلًا - يعني ليس معه سلاحٌ - قال: فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم حجفةً أو درقةً[9]، ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس، قال: ((ألا تبايعني يا سلمة؟))، قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أول الناس وفي أوسط الناس، قال: ((وأيضًا))، قال: فبايعته الثالثة، ثم قال لي: ((يا سلمة، أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟))، قال: قلت: يا رسول الله، لقيني عمي عامرٌ عزلًا، فأعطيته إياها، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيبًا هو أحب إلي من نفسي))، ثم إن المشركين راسلونا الصلح، حتى مشى بعضنا في بعضٍ واصطلحنا، قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عبيدالله، أسقي فرسه وأحسه وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعضٍ أتيت شجرةً فكسحت شوكها، فاضطجعت في أصلها، قال: فأتاني أربعةٌ من المشركين من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرةٍ أخرى، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زنيمٍ، قال: فاخترطت سيفي[10]، ثم شددت على أولئك الأربعة، وهم رقودٌ، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثًا[11] في يدي، قال: ثم قلت: والذي كرم وجه محمدٍ، لا يرفع أحدٌ منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وجاء عمي عامرٌ برجلٍ من العبلات[12] يقال له: مكرزٌ، يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرسٍ مجففٍ[13] في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه))[14]، فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفتح: 24].

    منزلة أهل بيعة الرضوان:
    قال الله تعالى في أهل البيعة: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة؛ ﴿ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 18].

    وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: ((أنتم خير أهل الأرض))، وكنا ألفًا وأربعمائةٍ[15].

    وعن أم مبشرٍ: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: ((لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها))، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [مريم: 71]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ﴾ [مريم: 72][16].

    وجاء عبدٌ لحاطب بن أبي بلتعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطبٌ النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذبت لا يدخلها؛ فإنه قد شهد بدرًا والحديبية))[17].


    [1] أخرجه مسلم (1856).
    [2] أخرجه البخاري (3698).
    [3] متفق عليه: أخرجه البخاري (4169)، ومسلم (1860).
    [4] متفق عليه: أخرجه البخاري (4167)، ومسلم (1861).
    [5] أخرجه مسلم (1858).
    [6] أخرجه مسلم (1856).
    [7] "فتح الباري" 6/ 137.
    [8] البئر.
    [9] الترس.
    [10] أي: سللته.
    [11] حزمة.
    [12] بطن من قريش.
    [13] مجفَّف: أي عليه تجفاف، وهو ثوب يلبسه الفرس؛ ليقيه من السلاح.
    [14] أي: لهم بدء الفجور، وثناه: أي العودة إليه مرة ثانية، والحديث أخرجه مسلم (1807).
    [15] متفق عليه: أخرجه البخاري (4154)، ومسلم (1856).
    [16] أخرجه مسلم (2496).
    [17] سبق تخريجه.
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/94038/#ixzz4I2qrMRs7
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    .................... وَبَنَى ♦♦♦ فِيهَا بِرَيْحَانَةَ هَذَا بُيِّنَا

    أي: وفي السنة السادسة بنى النبي صلى الله عليه وسلم بريحانة رضي الله عنها.

    وقد تقدم الكلام عنها رضي الله عنها، وذكرنا أن الراجح أنها كانت أمَةً له صلى الله عليه وسلم، وليست زوجةً.

    قوله:
    وَفُرِضَ الْحَجُّ بِخُلْفٍ فَاسْمَعَهْ ♦♦♦ .............................. .

    أي: وفي السنة السادسة كان فرض الحج، (بخُلفٍ)؛ أي: وفي وقته خلافٌ بين المؤرخين.

    قال ابن كثيرٍ رحمه الله:
    "وكان فرض الحج في السنة السادسة في قول بعض العلماء، وفي التاسعة في قول آخرين منهم، وقيل: سنة عشرٍ، وهو غريبٌ، وأغرب منه ما حكاه إمام الحرمين في "النهاية"[1] وجهًا لبعض الأصحاب: أن فرض الحج كان قبل الهجرة"[2].

    قوله:
    .............................. ..... ♦♦♦ وَكَانَ فَتْحُ خَيْبَرٍ فِي السَّابِعَهْ

    قال سلمة بن الأكوع رضي الله عنه في حديثه السابق عن غزوة ذي قردٍ: فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليالٍ حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم[3].

    وخيبر: واحةٌ زراعيةٌ تقع شمال المدينة المنورة، وتبعد عنها بحوالي 165كم[4]، وترتفع عن سطح البحر 850م، وهي من أعظم حرار العرب بعد حرة بني سليمٍ، وامتازت خيبر بخصوبة أرضها ووفرة مياهها، فاشتهرت بكثرة نخيلها، هذا سوى ما تنتجه من الحبوب والفواكه؛ لذلك كانت توصف بأنها قرية الحجاز ريفًا ومنعةً ورجالًا، وكان بها سوقٌ يعرف بسوق النطاة، تحميه قبيلة غطفان التي تعتبر خيبر ضمن أراضيها.

    ونظرًا لمكانتها الاقتصادية، فقد سكنها العديد من التجار وأصحاب الحرف، وكان فيها نشاطٌ واسعٌ للصيرفة.

    وكان يسكنها قبل الفتح أخلاطٌ من العرب واليهود، وزاد عدد اليهود فيها بعد إجلاء يهود المدينة[5]؛ حيث ذهب يهود المدينة الذين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فأقاموا فيها.

    سبب الغزوة:
    تقدم أن قبائل اليهود الثلاثة - بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة - نقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقتل النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة، وأجلى بني قينقاع وبني النضير عن المدينة، فذهب بعضهم إلى خيبر، وأصبحوا يشكلون خطرًا على المسلمين، وكان لبعضهم يد في تأليب قريشٍ وجمعهم الأحزاب لمحاربة المسلمين.

    فأراد النبي صلى الله عليه وسلم - بعدما عاهد قريشًا - أن يعالج الموقف؛ حيث صارت خيبر مصدر خطرٍ كبيرٍ على الإسلام والمسلمين.

    خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر:
    فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر بقريبٍ من ألفٍ وخمسمائة مقاتلٍ، معهم مائتا فرسٍ.

    فعن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه، قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمسمائةٍ، فيهم ثلاثمائة فارسٍ[6]، فسار النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ليلًا[7]، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة[8].

    وكان الله تعالى قد وعد المؤمنين مغانم خيبر في قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [الفتح: 18 - 20].

    فأراد المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية أن يخرجوا معه إلى خيبر، لما علموا ما بها من مغانم وأموالٍ كثيرةٍ، فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخروج، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ ﴾ عن الحديبية ﴿ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ﴾؛ أي: إلى خيبر، ﴿ ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ﴾؛ أي: يريدون أن يبدلوا كلام الله؛ حيث وعدهم بأن المغانم ستكون لمن شهد الحديبية وبايع تحت الشجرة؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الفتح: 15]؛ أي: قال بأن المغانم ستكون لأهل الحديبية، ﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ﴾ [الفتح: 15]؛ أي: أن نشرككم في المغانم، ﴿ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الفتح: 15]؛ أي: ليس الأمر كما زعموا، ولكنهم لا فهم لهم[9].

    ومضى جيش المسلمين حتى نزل بالرجيع.

    فعن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة، قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة، فقدم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، فنزل بالرجيع - وادٍ بين خيبر وغطفان - فتخوف أن تمدهم غطفان، فبات حتى أصبح، فغدا إليهم[10].

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى قومًا بليلٍ لم يغر بهم حتى يصبح[11].

    فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح قريبًا من خيبر بغلسٍ[12].

    يقول أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلسٍ، فركب النبي صلى الله عليه وسلم، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، وانحسر الإزار عن فخذ نبي الله، وإني لأرى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم.

    يقول أنسٌ: فأتيناهم حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا بفؤوسهم، ومكاتلهم[13]، ومرورهم[14]، فقالوا: محمدٌ والخميس[15]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين)) قالها ثلاث مراتٍ[16].

    فلما رأى أهل خيبر جيش المسلمين، هربوا إلى حصونهم، فتحصنوا بها.

    وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُم ْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ﴾ [الحشر: 14].

    وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين، شطر فيه خمسة حصون، وهم:
    1- حصن ناعمٍ.
    2- حصن الصعب بن معاذٍ.
    3- حصن قلعة الزبير.
    4- حصن أبي.
    5- حصن نزارٍ.

    فأما الحصون الثلاثة الأولى منها فتقع في منطقةٍ يقال لها: (النطاة)، وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقةٍ تسمى بالشق.

    أما الشطر الثاني، ويعرف بالكتيبة، ففيه ثلاثة حصون فقط:
    1- حصن القموص، (وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير).
    2- حصن الوطيح.
    3- حصن السلالم.

    وفي خيبر حصونٌ وقلاعٌ غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرةً لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها[17].

    فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أول الحصون افتتح حصن ناعمٍ، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه منه رحًى فقتلته[18].

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أعطى اللواء أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه، فانصرف ولم يفتح له، ثم أخذه من الغد، فخرج ولم يفتح له، وأصاب الناسَ يومئذٍ شدةٌ وجهدٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني دافعٌ اللواء غدًا إلى رجلٍ يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له))، فبات الصحابة وأنفسهم طيبةٌ أن الفتح غدًا، فلما أن أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الغداة، ثم قام قائمًا، فدعا باللواء والناس على مصافهم، فدعا عليًّا وهو أرمد[19]، فتفل في عينيه، ودفع إليه اللواء، وفتح له[20].

    وكان علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قد تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر؛ لمرض عينه، فقال: أنا أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فلحق به[21].

    وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله))، قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: ((أين علي بن أبي طالبٍ؟))، فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: ((فأرسلوا إليه))، فأتي به، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: ((انفُذْ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم))[22].

    وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل عمي عامرٌ يرتجز بالقوم:
    تاللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا
    ولا تصدقنا ولا صلينا
    ونحن عن فضلك ما استغنينا
    فثبِّتِ الأقدام إن لاقينا
    وأنزلن سكينةً علينا

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من هذا؟))، قال: أنا عامرٌ، قال: ((غفر لك ربك))، قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسانٍ يخصه إلا استشهد، قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جملٍ له: يا نبي الله، لولا ما متعتنا بعامرٍ، قال: فلما قدمنا خيبر، قال: خرج ملكهم مرحبٌ يخطر بسيفه، ويقول:
    قد علمت خيبر أني مرحب
    شاكي السلاح بطلٌ مجرب
    إذا الحروب أقبلت تلهب

    قال: وبرز له عمي عامرٌ، فقال:
    قد علمت خيبر أني عامرُ ♦♦♦ شاكي السلاح بطلٌ مغامرُ

    قال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحبٍ في ترس عامرٍ، وذهب عامرٌ يسفل له[23]، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه[24].

    قال سلمة: فخرجت فإذا نفرٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامرٍ؛ قتل نفسه، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، بطل عمل عامرٍ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال ذلك؟))، قال: قلت: ناسٌ من أصحابك، قال: ((كذب من قال ذلك؛ بل له أجره مرتين))، ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد، فقال: ((لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله))، قال: فأتيت عليًّا، فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبسق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية، وخرج مرحبٌ، فقال:
    قد علمت خيبر أني مرحب
    شاكي السلاح بطلٌ مجرب
    إذا الحروب أقبلت تلهب

    فقال علي:
    أنا الذي سمتني أمي حيدره
    كليثِ غاباتٍ كريه المنظره
    أوفيهمُ بالصاع كيل السندره

    قال: فضرب رأس مرحبٍ فقتله، ثم كان الفتح على يديه[25].

    وهكذا تم فتح حصن ناعمٍ.

    وكانت غطفان قد سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فجمعوا له، ثم خرجوا ليظاهروا يهودَ عليه، حتى إذا ساروا منقلةً[26] سمعوا خلفهم في أموالهم حسًّا، فظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهلهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر[27].

    وفتح النبي صلى الله عليه وسلم حصن القموص، حصن بني أبي الحقيق، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا، منهن صفية بنت حيي بن أخطب - وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق - وبنتي عم لها، فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه[28].

    ثم فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حصن الصعب بن معاذٍ، وما بخيبر حصنٌ كان أكثر طعامًا وودكًا منه[29].

    ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم الوطيح والسلالم، وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحًا[30].

    تصالح النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر:
    عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر، أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، فأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها، ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نقركم بها على ذلك ما شئنا))[31].

    فكان الصلح مع يهود خيبر مشروطًا بإخراجهم إذا شاء المسلمون ذلك.

    ولذلك أخرجهم عمر رضي الله عنه في إمارته، وقال: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، ومن كان له مالٌ فليلحق به، وإني مخرجٌ يهود، فأخرجهم[32].

    وكان سبب إخراجهم أنهم اعتدوا على عبدالله بن عمر رضي الله عنه عندما ذهب إلى ماله هناك ليلًا، فقام عمر رضي الله عنه خطيبًا فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على أموالهم، وقال: "نقركم ما أقركم الله"، وإن عبدالله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه[33]، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك، أتاه أحد بني أبي الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم وعاملنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلةً بعد ليلةٍ))[34]، فقال: كانت هذه هُزَيلةً من أبي القاسم[35]، فقال: كذبتَ يا عدو الله، فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتابٍ وحبالٍ وغير ذلك[36].

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد صالح أهل خيبر على ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مَسكًا لحيي بن أخطب، وقد كان قتل قبل خيبر، كان احتمله معه يوم بني النضير حين أجليت النضير، فيه حليهم، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعية[37]: ((أين مَسك حيي بن أخطب؟))، قال: أذهبته الحروب والنفقات، فوجدوا المَسك، فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي الحقيق، وسبى نساءهم وذراريهم[38].

    تقسيم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم خيبر:
    لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم أموال خيبر، قسمها النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة آلافٍ وستمائة سهمًا، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك، وهو ألفٌ وثمانمائة سهمٍ، لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهمٌ كسهم أحد المسلمين، وهو ما غنمه المسلمون من منطقتي الشق والنطاة وما أحيز معهما، وعزل رسول الله صلى الله عليه وسلم النصف الآخر، وهو ألفٌ وثمانمائة سهمٍ لنوائبه وما ينزل من أمور المسلمين، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم لهذا القسم ما حازه المسلمون من حصون: الوطيح، والكتيبة، والسلالم وتوابعها[39].

    فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم للفارس ثلاثة أسهمٍ؛ سهمٌ له، وسهمان لفرسه، وللراجل[40] سهمًا واحدًا[41].

    وقد أسهم النبي صلى الله عليه وسلم لأهل السفينة من مهاجرة الحبشة الذين حضروا بعد الفتح؛ جعفر بن أبي طالبٍ وأصحابه، ولم يقسم لأحدٍ لم يشهد الغزوة غيرهم[42].

    وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشمٍ وبني المطلب من سهم ذي القربى، ولم يقسم لبني عبدشمسٍ ولا لبني نوفلٍ من ذلك السهم[43].

    فعن جبير بن مطعمٍ رضي الله عنه قال: فلما كان يوم خيبر، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذي القربى في بني هاشمٍ وبني المطلب، وترك بني نوفلٍ وبني عبدشمسٍ، فانطلقت أنا وعثمان بن عفان حتى أتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشمٍ لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدةٌ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، وإنما نحن وهم شيءٌ واحدٌ))، وشبك بين أصابعه صلى الله عليه وسلم[44].

    قال ابن كثيرٍ رحمه الله:
    "وأما سهم ذوي القربى، فإنه يصرف إلى بني هاشمٍ وبني المطلب؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشمٍ في الجاهلية وفي أول الإسلام، ودخلوا معهم في الشِّعب غضبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايةً له؛ مسلمهم طاعةً لله ولرسوله، وكافرهم حميةً للعشيرة، وأنفةً وطاعةً لأبي طالبٍ عم رسول الله، وأما بنو عبدشمسٍ وبنو نوفلٍ - وإن كانوا أبناء عمهم - فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم ونابذوهم، ومالؤوا بطون قريشٍ على حرب الرسول"؛ اهـ[45].

    وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عبدًا يقال له: عمير، من الغنيمة، ولم يسهم له[46].

    يقول عميرٌ مولى آبي اللحم[47]: شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا فيَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم[48]، فأمر بي، فقلدت سيفًا، فإذا أنا أجره[49]، فأخبر أني مملوكٌ، فأمر لي بشيءٍ من خرثي[50] المتاع[51].

    ويروي أبو هريرة قصةً حدثت له مع أبان بن سعيد بن العاص، فيقول رضي الله عنه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبان بن سعيد بن العاص على سريةٍ من المدينة قِبَل نجدٍ، فقدم أبان بن سعيدٍ وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها، وإن حزم[52] خيلهم ليفٌ، فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، فقال أبو هريرة: فقلت: لا تَقسم لهم يا رسول الله، فقال أبان: أنت بها يا وبر تحدر علينا من رأس ضال![53]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اجلس يا أبان))، ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم[54].

    وكانت ثمار خيبر كثيرة جدًّا، حتى إن عبدالله بن رواحة رضي الله عنه قدرها بأربعين ألف وسقٍ.

    فقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمارها، فلما كان حين يصرم النخل[55]، بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله بن رواحة، فحزر عليهم النخل[56]، فقال: في ذه كذا وكذا، فقالوا: أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال ابن رواحة: فأنا ألي حزر النخل وأعطيكم نصف الذي قلت[57]، قالوا: هذا الحق، وبه تقوم السماء والأرض، قد رضينا أن نأخذَه بالذي قلت[58].

    فلما قال لهم ابن رواحة ذلك، أخذوا الثمر وعليهم عشرون ألف وسقٍ[59].

    ولكثرة ثمار خيبر، وما أخذه المسلمون منها، كان في ذلك توسعةٌ على المسلمين، وإغناءٌ لهم، حتى إن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر[60].

    وقالت عائشة رضي الله عنها: لما فتحت خيبر، قلنا: الآن نشبع من التمر[61].

    ولما وسع الله على المهاجرين وأخذوا من غنائم خيبر، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم إياها حين هاجروا من مكة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قد رد عذاقًا[62] على أم سليمٍ كانت قد أعطتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها لأم أيمن، فرد على أم سليمٍ عذاقها، وأعطى أم أيمن مكانهن من حائطه[63].

    النبي صلى الله عليه وسلم يؤمِّر سواد بن غزية على خيبر:
    عن أبي سعيدٍ الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر فأمَّره عليها[64].

    وعنهما أيضًا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمرٍ جنيبٍ[65]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكل تمر خيبر هكذا؟))، فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: ((لا تفعل، بِعِ الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا))[66].

    وهذا الرجل - الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر - هو سواد بن غزية[67].

    حدث في خيبر:
    • عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، أو قال: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشرف الناس على وادٍ، فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ارْبَعُوا على أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم))، وأنا خلف دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال لي: ((يا عبدالله بن قيسٍ))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((ألا أدلك على كلمةٍ من كنزٍ من كنوز الجنة؟))، قلت: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأمي، قال: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))[68].

    • وفي غزوة خيبر أصيب سلمة بن الأكوع رضي الله عنه في ساقه، فنفث فيها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث نفثاتٍ، يقول سلمة: فما اشتكيتها حتى الساعة[69].

    • وفي خيبر نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الثُّوم[70].

    • وعن سويد بن النعمان: أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي أدنى خيبر - فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد[71]، فلم يؤتَ إلا بالسويق، فأمر به فثري[72]، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ[73].

    • وعن عبدالله بن مغفلٍ رضي الله عنه قال: رمي إلينا جرابٌ فيه طعامٌ وشحمٌ[74] يوم خيبر، فوثبت لآخذه، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحييت منه.

    وفي روايةٍ: فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسمًا[75].


    [1] "نهاية المطلب في دراية المذهب" في الفقه الشافعي، لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني.
    [2] "الفصول في سيرة الرسول" 227.
    [3] سبق تخريجه.
    [4] قال الدكتور/ العمري: هذا بالنسبة للطريق المسفلت، وهو يختلف عن الطريق التي سلكها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خيبر؛ اه. "السيرة النبوية الصحيحة" هامش 1/ 318.
    [5] "السيرة النبوية الصحيحة" 1/ 318.
    [6] روى هذا الحديث أبو داود 3015، وحسنه الشيخ الألباني، ولكن ضعفه في موضع آخر برقم 2736، قال أبو داود: وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال: ثلاثمائة فارس، وكانوا مائتي فارس.
    [7] متفق عليه: أخرجه البخاري 4196، ومسلم 1802.
    [8] أخرجه أحمد 8552، والطيالسي 2713، وابن حبان 7156، والبيهقي في "الكبرى" 4020، والحاكم في "المستدرك" 4337، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "الصحيحة" 2965.
    [9] انظر: "مختصر تفسير ابن كثير" 3/ 296. الشيخ/ أحمد شاكر.
    [10] إسناده حسن: أخرجه البيهقي في "الدلائل" 4/ 196، 197، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيق "زاد المعاد": رجاله ثقات.
    [11] متفق عليه: أخرجه البخاري 4197، ومسلم 1365، واللفظ للبخاري.
    [12] الغلس: اختلاط ظلمة الليل بضوء النهار.
    [13] المكاتل: جمع مِكْتَل - بكسر الميم - وهو القفة.
    [14] المرور: جمع مَر - بفتح الميم - وهي المساحي.
    [15] الخميس: هو الجيش، وسمي خميسًا؛ لأنه خمسة أقسام: ميمنة وميسرة، ومقدمة ومؤخرة، وقلب.
    [16] متفق عليه: انظر التخريج السابق.
    [17] "الرحيق المختوم" 318، 319، وقد ذكر هذه الحصون ابن إسحاق، والواقدي؛ انظر: "سيرة ابن هشام"، "الطبقات الكبرى" غزوة خيبر.
    [18] "تهذيب سيرة ابن هشام" 184.
    [19] الرَّمَد: مرض العين.
    [20] أخرجه أحمد 22889، والحاكم 3/ 37، الهيثمي في "الزوائد" 6/ 150، صححه الحاكم، ووافقه الذهبي والهيثمي، وذكر الواقدي في "مغازيه" 2/ 657 أن حصن ناعم فتح بعد عشرة أيام، ولكن هذه الرواية تبين أنه فتح بعد ثلاثة أيام فقط.
    [21] متفق عليه: أخرجه البخاري 4209، ومسلم 1807، واللفظ للبخاري.
    [22] متفق عليه: أخرجه البخاري 4210، ومسلم 2406.
    وحُمْرُ النَّعَم: هي الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء.
    [23] يسفل له: أي يضربه من أسفل.
    [24] أي: قتل.
    [25] أخرجه مسلم 1807.
    [26] منقلة: أي مرحلة.
    [27] "تهذيب سيرة ابن هشام" 184.
    [28] "سيرة ابن هشام" 3/ 195.
    [29] "سيرة ابن هشام" 3/ 196، والودَك: اللحم السمين.
    [30] السابق.
    [31] متفق عليه: أخرجه البخاري 3152، ومسلم 1551.
    [32] أخرجه أبو داود 3007، وقال الألباني في "صحيح سنن أبي داود": حسن صحيح.
    [33] الفدع: هو زوال المفصل، وأخرج البخاري حديثًا معلقًا: أنهم ألقوه من فوق بيت ففدعوا يديه.
    [34] القَلوص - بفتح القاف -: الناقة الصابرة على السير، وقيل: الشابة، وفي ذلك إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى إخراجهم من خيبر، وكان ذلك من إخباره بالغيبيات قبل وقوعها.
    [35] هُزَيلة: تصغير هزل، وهو ضد الجد.
    [36] أخرجه البخاري 2730.
    [37] عم حيي بن أخطب.
    [38] حسن: أخرجه أبو داود 3006، وحسنه الألباني.
    [39] ورد هذا التقسيم في عدة أحاديث صحيحة، صححها العلامة محمد ناصر الدين الألباني، أخرجها أبو داود في سننه؛ انظر: "سنن أبي داود"، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: ما جاء في حكم أرض خيبر.
    وقد قيل: إن خيبر فتح نصفها عَنوةً، ونصفها صلحًا، وقيل: فتحت كلها عنوةً؛ وقد رجح ابن القيم كونها فتحت عَنوةً؛ حيث قال رحمه الله تعالى: "فالصواب الذي لا شك فيه أنها فتحت عَنوةً، والإمام مخيرٌ في أرض العنوة بين قسمها ووقفها، أو قسم بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنواع الثلاثة؛ فقسم قريظة والنضير، ولم يقسم مكة، وقسم شطر خيبر، وترك شطرها، وقد تقدم تقرير كون مكة فتحت عَنوةً بما لا مدفع له"؛ اهـ.
    قلت: والأدلة ترجح كلام ابن القيم رحمه الله تعالى؛ وذلك لما في "الصحيحين" عن أنسٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر، فأصبناها عَنوةً.
    وقد وردت روايات تفيد بأن بعضها فتح عَنوة، وبعضها فتح صلحًا، وهي ضعيفة؛ ضعفها الشيخ الألباني.
    [40] الراجل: الذي يقاتل على رِجله بلا فرس.
    [41] متفق عليه: أخرجه البخاري 4228، ومسلم 1762.
    [42] متفق عليه: وسيأتي تخريجه، وذكر ابن إسحاق أنه أسهم لجابر بن عبدالله ولم يشهد الغزوة، وليس له إسناد.
    [43] تقسم غنيمة المسلمين إلى خمسة أخماس: أربعة منها توزع على المقاتلين، وخُمس لله ورسوله، ويقسم خمسة أسهم، توزع على مَن ذكرهم الله في هذه الآية: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41].
    [44] أخرجه البخاري 3140، وأبو داود 2980، واللفظ له.
    [45] "تفسير ابن كثير" 4/ 63.
    [46] لم يسهم له: أي لم يعطه سهمًا معلومًا كبقية الجيش، وإنما أعطاه شيئًا من الغنيمة ترضيةً له، وهذا هو حكم العبد المملوك في الشريعة الإسلامية؛ أنه إذا قاتل مع المسلمين لا يسهم له كبقية الجنود، وإنما يعطى من الغنيمة ما يراه الأمير.
    [47] قال وكيع: كان لا يأكل اللحم؛ اهـ فلذلك سمي: آبي اللحم.
    [48] أي: في شأني وحقي بما هو مدح لي؛ "عون المعبود" 5/ 170.
    [49] فإذا أنا أجره؛ أي: أسحب السيف على الأرض من صغر سني؛ "عون المعبود" 5/ 170.
    [50] خرثي المتاع؛ أي: أثاث البيت؛ كالقِدْر وغيره؛ "عون المعبود" 5/ 170.
    [51] أخرجه أبو داود 2730، والترمذي 1557، وأحمد 27914، وصححه الألباني "صحيح سنن أبي داود" 2440.
    [52] حزم: جمع حزام، وهو ما يشد به الوسط.
    [53] فقال أبان: أنت بها؛ أي: أنت تقول بهذا، يا وبر؛ عن أبي حاتم: أن العرب تسمي كل دابة من حشرات الجبال وبرًا، وقيل: هي دابة صغيرة كالهرة وحشية، تحدر علينا: أي تهجم علينا بغتة، من رأس ضال: قال ابن دقيق العيد: الضال هو السدر البري؛ اهـ والمعنى: تنزل علينا من رأس شجر السدر.
    [54] أخرجه البخاري 4238، وأبو داود 2723، واللفظ له.
    [55] يصرم النخل: أي يقطع.
    [56] الحزر: التقدير.
    [57] المعنى: أنهم لما قالوا له: أكثرت علينا، واتهموه بالظلم، وأن الثمار أقل من ذلك، فلو أعطوه عشرين ألف وسق، وهو نصف ما قدره ابن رواحة، سيتبقى لهم أقل من ذلك، فقال لهم ابن رواحة: إذن أعطيكم أنا عشرين ألف وسق وآخذ ما تبقى.
    [58] أخرجه أبو داود 3410، وابن ماجه 1820، وصححه الألباني.
    [59] أخرجه أبو داود 3415، وصححه الألباني.
    [60] أخرجه البخاري 4243.
    [61] أخرجه البخاري 4242.
    [62] العذاق: جمع عذق، وهو عرجون النخل.
    [63] متفق عليه: أخرجه البخاري 2630، ومسلم 1771.
    [64] أخرجه البخاري 4246، 4247.
    [65] قال ابن حجر: بتمر جنيب: قال مالك: هو الكبيس، وقال الطحاوي: هو الطيب، وقيل: هو الصلب، وقيل: الذي أخرج منه حشفه ورديئه، وقال غيرهم: هو الذي لا يخلط بغيره؛ اهـ "فتح الباري" 4/ 467.
    [66] أخرجه البخاري 4244، 4245.
    [67] "فتح الباري" من رواية أبي عوانة والدارقطني.
    [68] متفق عليه: أخرجه البخاري 4205، ومسلم 2704.
    [69] أخرجه البخاري 4206.
    [70] متفق عليه: أخرجه البخاري 4215، ومسلم 561.
    [71] الأزواد: جمع زاد، وهو الطعام.
    [72] ثري: أي بل بالماء؛ لِما لحقه من يبس.
    [73] أخرجه البخاري 209.
    [74] الشحم: الدهن.
    [75] متفق عليه: أخرجه البخاري 4214، ومسلم 1772.
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/94355/#ixzz4IF1hTn6F
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    وَحَظْرُ لَحْمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّهْ ♦♦♦ فِيهَا، وَمُتْعَةُ النِّسَا الرَّدِيَّهْ


    أي: وفي خيبر حرمت لحوم الحمر الأهلية، كما حرمت متعة النساء.
    عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم، أوقدوا نيرانًا كثيرةً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما هذه النيران؟ على أي شيءٍ توقدون؟))، قالوا: على لحمٍ، قال: ((على أي لحمٍ؟))، قالوا: لحم حمر الإنسية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أهريقوها واكسروها))، فقال رجلٌ: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها؟ قال: ((أو ذاك))[1].

    وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جاءٍ، فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثانية، فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثالثة، فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديًا فنادى في الناس: ((إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم))[2].

    وعن علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية[3].

    قوله:
    ثمَّ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةٍ عَقَدْ♦♦♦ وَمَهْرَهَا عَنْهُ النَّجَاشِيُّ نَقَدْ


    أي: عقد النبي صلى الله عليه وسلم على أم حبيبة رضي الله عنها في السنة السادسة.
    عن عروة، عن أم حبيبة رضي الله عنها: أنها كانت تحت عبيدالله بن جحشٍ، وكان أتى النجاشي، فمات، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة وإنها بأرض الحبشة، زوجها إياه النجاشي، ومهرها أربعة آلافٍ، ثم جهزها من عنده، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي، ولم يرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ، وكان مهور أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهمٍ[4].

    قوله:
    وَسُمَّ فِي شَاةٍ بِهَا هَدِيَّهْ ♦♦♦ .............................. .........


    (بها)؛ أي: بغزوة خيبر سم النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث وضع له السم في شاةٍ.

    قال ابن إسحاق رحمه الله:
    "فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكمٍ، شاةً مصليةً، وقد سألت: أي عضوٍ من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم،ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تناول الذراع، فلاك منها مضغةً، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرورٍ، قد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشرٌ فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: ((إن هذا العظم ليخبرني أنه مسمومٌ))[5].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه قال: لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاةٌ فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اجمعوا لي من كان ها هنا من اليهود))، فجمعوا له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني سائلكم عن شيءٍ، فهل أنتم صادقي عنه؟))، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أبوكم؟))، قالوا: أبونا فلانٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذبتم، بل أبوكم فلانٌ))، فقالوا: صدقت وبررت، فقال: ((هل أنتم صادقي عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟))، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك، عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أهل النار؟))، فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تخلفوننا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا))، ثم قال لهم: ((فهل أنتم صادقي عن شيءٍ إن سألتكم عنه؟))، قالوا: نعم، فقال: ((هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟))، فقالوا: نعم، فقال: ((ما حملكم على ذلك؟))، فقالوا: أردنا إن كنت كذابًا، نستريح منك، وإن كنت نبيًّا، لم يضرك[6].


    [1] متفق عليه: أخرجه البخاري (4196)، ومسلم (1802).
    [2] متفق عليه: أخرجه البخاري (4199)، ومسلم (1940).
    [3] متفق عليه: أخرجه البخاري (4216)، ومسلم (1407).
    [4] أخرجه أبو داود (2107)، وأحمد (27408)، والنسائي (3350)، والحاكم (2800)، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وصححه الألباني "صحيح أبي داود" (1835).
    [5] "سيرة ابن هشام" (2/ 338).
    [6] أخرجه البخاري (5777).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/94685/#ixzz4IKTJxEzM
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    .............................. ... ♦♦♦ ثُمَّ اصْطَفَى صَفِيَّةً صَفِيَّهْ
    عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه في قصة خيبر، قال: فأصبناها عَنوةً، فجمع السبي، فجاء دحية الكلبي رضي الله عنه فقال: يا نبي الله، أعطني جاريةً من السبي، قال: ((اذهب فخذ جاريةً))، فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، قال: ((ادعوه بها))، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خذ جاريةً من السبي غيرها))، قال: فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها، حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليمٍ، فأهدتها له من الليل، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروسًا، فقال: ((من كان عنده شيءٌ، فليجِئْ به))، وبسط نِطَعًا، فجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، قال: وأحسبه قد ذكر السويق، قال: فحاسوا حيسًا، فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم[1].

    وعن أنسٍ أيضًا قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة ثلاث ليالٍ يبنى عليه بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته، وما كان فيها من خبزٍ ولا لحمٍ، وما كان فيها إلا أن أمر بلالًا بالأنطاع فبسطت، فألقى عليها التمر، والأقط، والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو ما ملكت يمينه، قالوا: إن حجبها، فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها، فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد الحجاب[2].

    ويقول أنسٌ رضي الله عنه: قدمنا خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن، ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها، وكانت عروسًا، فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، فخرج بها حتى بلغنا سد الصهباء حلت، فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صنع حيسًا في نطعٍ صغيرٍ، ثم قال لي: ((آذن من حولك))، فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءةٍ، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب[3]، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم عتقها صداقها[4].

    قوله:
    ثُمَّ أَتَتْ وَمَنْ بَقِي مُهَاجِرَا ♦♦♦ .............................. ......

    أي: أتت أم حبيبة رضي الله عنها، ومن بقي من مهاجري الحبشة بعدما فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر.

    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن[5]، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي، أنا أصغرهما، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهمٍ، إما قال: بضعًا، وإما قال: ثلاثةً وخمسين أو اثنين وخمسين رجلًا من قومي، فركبنا سفينةً، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالبٍ، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر[6].

    وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن افتتح خيبر، فقسم لنا، ولم يقسم لأحدٍ لم يشهد الفتح غيرنا[7].

    قوله:
    .............................. ..... ♦♦♦ وَعَقْدُ مَيْمُونَةَ كَانَ الْآخِرَا

    قال ابن القيم رحمه الله:
    "ثم تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي آخر من تزوج بها؛ تزوجها بمكة في عمرة القضاء بعد أن حل منها - على الصحيح"[8].

    عن ميمونة رضي الله عنها: أنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها، وهما حلالان بسرف، بعدما رجع[9].

    قوله:
    وَقَبْلُ إِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَهْ ♦♦♦ .............................. ........

    أي: وقبلَ خيبرَ كان إسلام أبي هريرة رضي الله عنه، ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر.

    عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعدما افتتحوها[10].

    وعن خثيم بن عراكٍ، عن أبيه: أن أبا هريرة رضي الله عنه، قدم المدينة في رهطٍ من قومه، والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر، وقد استخلف سباع بن عرفطة على المدينة، قال: فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى بـ: (كهيعص)، وفي الثانية: (ويلٌ للمطففين)، قال: فقلت لنفسي: ويلٌ لفلانٍ إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص، قال: فلما صلى، زودنا شيئًا حتى أتينا خيبر، وقد افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، قال: فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم[11].

    قوله:
    .............................. ..... ♦♦♦ وَبَعْدُ عُمْرَةُ الْقَضَا الشَّهِيرَهْ

    أي: وفي السنة السابعة كانت عمرة القضاء.
    وتسمى أيضًا:
    1- عمرة القضية[12].
    2- عمرة الصلح[13].
    3- عمرة القِصاص[14].

    وأما عن أحداث هذه الرحلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد توجه إلى مكة معتمرًا حسب اتفاقه مع مشركي مكة يوم الحديبية؛ أن يرجع إلى المدينة عامه هذا، على أن يخلوا بينه وبين البيت عام قابلٍ[15].

    فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة سبعٍ[16]؛ حيث اتفقوا ألا يدخل مكة السلاح، إلا السيف في القراب، وألا يخرج من أهلها بأحدٍ إن أراد أن يتبعه، وألا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها[17]، وألا يقيم بها أكثر من ثلاثة أيامٍ[18].

    فسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل مكة وعبدالله بن رواحة يمشي بين يديه، وهو يقول:
    خلوا بني الكفار عن سبيله
    اليوم نَضْرِبْكم على تنزيله
    ضربًا يزيل الهام عن مقيله
    ويذهل الخليل عن خليله

    فقال له عمر: يا بن رواحة، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خَلِّ عنه يا عمر؛ فلهي أسرع فيهم من نضح النبل))[19].

    وطاف المسلمون بالكعبة، وصعد المشركون على جبل قعيقعان المواجه لما بين الركنين من الكعبة؛ حيث أشاعوا أن المسلمين ضعفاء ولن يستطيعوا الطواف بالبيت وتأدية المناسك[20].

    حيث قال المشركون: إنه يَقدَم عليكم قومٌ قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا[21] الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا[22].

    وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا بين الصفا والمروة؛ ليري المشركين قوته[23].

    وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يسترون رسول الله صلى الله عليه وسلم من غلمان المشركين؛ خشية أن يؤذوه[24].

    فلما مضى الأجل، أتى المشركون عليًّا، فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا؛ فقد مضى الأجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم[25].

    وتبعته ابنة حمزة رضي الله عنه تنادي: يا عم يا عم، فتناولها علي رضي الله عنه فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها، فاختصم فيها علي وزيدٌ وجعفرٌ، قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفرٌ: ابنة عمي وخالتها تحتي[26]، وقال زيدٌ: ابنة أخي[27]، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: ((الخالة بمنزلة الأم))، وقال لزيدٍ: ((أنت أخونا ومولانا))[28].

    فكانت تلك العمرة هي وعد الله تعالى الذي وعد رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 27].


    [1] متفق عليه: أخرجه البخاري (371)، ومسلم (1365).
    [2] أخرجه البخاري (4213).
    [3] أخرجه البخاري (4211).
    [4] متفق عليه: أخرجه البخاري (4200)، ومسلم (1365).
    [5] أي: بلغنا مبعثه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينها بمكة.
    [6] متفق عليه: أخرجه البخاري (4230)، ومسلم (2502).
    [7] أخرجه البخاري (4233).
    [8] "زاد المعاد" (1/ 109).
    [9] أخرجه مسلم (1411)، وأحمد (26841)، واللفظ له.
    [10] متفق عليه: أخرجه البخاري (4230)، ومسلم (2502).
    [11] أخرجه أحمد (8552)، والطيالسي (2713)، وابن حبان (7156)، والبيهقي في "الكبرى" (4020)، والحاكم في "المستدرك" (4337)، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "الصحيحة" (2965).
    [12] سميت عمرة القضاء أو عمرة القضية؛ لأنها كانت قضاءً عن عمرة الحديبية، أو لأنها وقعت حسب المقاضاة - أي: المصالحة التي وقعت في الحديبية.
    [13] لأنه اتفق عليها في صلح الحديبية.
    [14] قال السهيلي: تسميتها عمرة القِصاص أولى؛ لأن هذه الآية نزلت فيها: ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ [البقرة: 194]؛ "فتح الباري" (7/ 571، 572).
    [15] انظر ذلك الشرط في صلح الحديبية.
    [16] قال ابن حجر: وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند حسن عن ابن عمر قال: كانت عمرة القضية في ذي القعدة سنة سبع؛ اهـ "فتح الباري" (7/ 572)، وهو قول ابن إسحاق، وموسى بن عقبة.
    [17] أخرجه البخاري (4251).
    [18] انظر ذلك الشرط في صلح الحديبية.
    [19] أخرجه الترمذي (2847)، والنسائي (2873)، وصححه الألباني في "مختصر الشمائل" (210).
    [20] أخرجه البخاري (4256).
    [21] الرَّمَل: الإسراع في السير مع تقارب الخطى.
    [22] متفق عليه: أخرجه البخاري (4256)، ومسلم (1266).
    [23] متفق عليه: أخرجه البخاري (4257)، ومسلم (1264).
    [24] أخرجه البخاري (4255).
    [25] أخرجه البخاري (4251).
    [26] وخالتها هذه هي أسماء بنت عميس، وكانت زوجة جعفر بن أبي طالب، وقيل: ابنة حمزة هذه اسمها عمارة.
    [27] قال زيد: ابنة أخي، بالمؤاخاة التي بينه وبين آل البيت.
    [28] الحديث السابق.
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/94967/#ixzz4IeuCXG63
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    وَالرُّسْلَ فِي الْمُحَرَّمِ الْمُحَرَّمِ ♦♦♦ أَرْسَلَهُمْ إِلَى الْمُلُوكِ فَاعْلَمِ

    وفي شهر المحرم من السنة السابعة، وبعدما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية، وقد عاهد قريشًا على وضع القتال بينهما لمدة عشر سنواتٍ - مما أتاح له التفرغ التام للدعوة - بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراسلة ملوك العالم، ودعوتهم إلى الإسلام.

    عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبارٍ يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم[1].

    قال الدكتور أكرم العمري رحمه الله:
    "وقد أخرج البخاري في "صحيحه" نص كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، وهو النص الوحيد الذي ثبت صحته وفق شروط المحدثين من بين سائر نصوص الكتب التي وجهت إلى الملوك والأمراء التي ينبغي أن تنقد من جهة المتن والسند معًا قبل اعتمادها تاريخيًّا، فضلًا عن الاستدلال بها في مجال التشريع"؛ اهـ[2].

    ولما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتابه إلى هرقل عظيم الروم، وبلغ هرقلَ كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل إلى أبي سفيان بن حربٍ - وكان لا يزال على الشرك - في ركبٍ من قريشٍ، وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مَادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريشٍ[3]، فأتوه وهم بإيلياء[4]، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا، فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائلٌ هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبًا، لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسبٍ، قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قط قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملكٍ؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلت: لا، ونحن منه في مدةٍ لا ندري ما هو فاعلٌ فيها، قال: ولم تمكني كلمةٌ أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجالٌ، ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة، والصدق والعفاف والصلة، فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسبٍ، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك: هل قال أحدٌ منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحدٌ قال هذا القول قبله، لقلت: رجلٌ يأتسي بقولٍ قيل قبله، وسألتك: هل كان من آبائه من ملكٍ؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملكٍ، لقلت: رجلٌ يطلب ملك أبيه، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك: أيرتد أحدٌ سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك: بمَ يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًّا، فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارجٌ، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه، لتجشمت لقاءه[5]، ولو كنت عنده، لغسلت عن قدمه، ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل، فقرأه فإذا فيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين[6] و ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 64])).

    قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة[7]؛ إنه يخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام.

    وكان ابن الناظور صاحب إيلياء وهرقل سُقفًّا على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء، أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناظور: وكان هرقل حزَّاءً[8] ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مَدايِنِ ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجلٍ أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استخبره هرقل، قال: اذهبوا فانظروا أمختتنٌ هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتنٌ، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحبٍ له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتابٌ من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرةٍ[9] له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، فحاصوا[10] حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردوهم علي، وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له، ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل[11].

    وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لن يقرؤوا كتابك إذا لم يكن مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضةٍ، ونقشه: محمدٌ رسول الله، فكأنما أنظر إلى بياضه في يده[12].

    وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطرٍ، محمدٌ سطرٌ، ورسول سطرٌ، والله سطرٌ[13].

    وبعث النبي صلى الله عليه وسلم بكتابه إلى كسرى مع عبدالله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزقٍ[14].


    [1] أخرجه مسلم (1774).
    قوله: وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: ليس هو النجاشي الذي هاجر إليه الصحابة في العام الخامس من البعثة، ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ملك عادل لا يظلم عنده أحد؛ فإن النجاشي هذا - واسمه أصحمة - قد مات قبل ذلك، أما الذي أَرسَل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو ملك غيره، ولقب (النجاشي) يلقب به كل من تولى مُلك الحبشة، مثل قيصر لمن تولى مُلك الروم، وكسرى لمن تولى مُلك الفُرس، وفرعون لمن تولى مُلك الأقباط، والعَزيز لمن تولى مُلك مصر.
    [2] "السيرة النبوية الصحيحة" (2/ 456).
    [3] في المدة التي مَادَّ فيها أبا سفيان؛ أي: في الهدنة، وهي هدنة الحديبية.
    [4] إيلياء: اسم مدينة، ومعناه: بيت الله.
    [5] لتجشمت لقاءه: لتكلفت لقاءه.
    [6] الأريسيون: الفلاحون، وكان أغلب الروم يعملون بالزراعة.
    [7] أبو كبشة: أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، نسبه أبو سفيان إليه.
    [8] حزَّاء: كاهن.
    [9] الدسكرة: بناء على هيئة القصر، وهي كلمة ليست عربية.
    [10] حاصوا: أي نفروا كالحمر.
    [11] متفق عليه: أخرجه البخاري (7)، ومسلم (1773).
    [12] أخرجه البخاري (5875).
    [13] أخرجه البخاري (5878).
    [14] أخرجه البخاري (4424).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/95293/#ixzz4ItNuMhF1
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    وَأُهْدِيَتْ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّهْ ♦♦♦ فِيهِ.................... ...

    أي: وفي شهر المحرم من السنة السابعة أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية رضي الله عنها.

    قال ابن القيم رحمه الله:
    "وبعث النبي صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، واسمه جريج بن ميناء، ملك الإسكندرية عظيم القبط، فقال خيرًا، وقارب الأمر، ولم يسلم، وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم مارية، وأختيها سيرين، وقيسرى، فتسرى مارية، ووهب سيرين لحسان بن ثابتٍ، وأهدى له جاريةً أخرى، وألف مثقالٍ ذهبًا، وعشرين ثوبًا من قباطي مصر، وبغلةً شهباء، وهي دلدل، وحمارًا أشهب، وهو عفيرٌ، وغلامًا خصيًّا يقال له: مابور، وقيل: هو ابن عم مارية، وفرسًا، وهو اللزاز، وقدحًا من زجاجٍ، وعسلًا"[1].

    قوله:
    .............................. ..............
    ............ وَفِي الثَّامِنَةِ السَّرِيَّهْ
    لِمُؤْتَةٍ سَارَتْ................ ................
    .............................. ..............

    وفي جمادى الأولى من السنة الثامنة كانت سرية مؤتة، ولم يأتِ خبرٌ صحيحٌ يذكر السبب المباشر لهذه الغزوة.

    قال الدكتور أكرم العمري رحمه الله:
    "والحق أن البحث عن الأسباب المباشرة لغزو القبائل العربية في أطراف الشام لا يؤثر على تفسير الأحداث كثيرًا؛ لأن تشريع الجهاد يقتضي الاستمرار في إخضاع القبائل العربية، وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية، بصرف النظر عن الأسباب المباشرة"؛ اهـ[2].

    أما عن أحداث تلك السرية[3]، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة بعد عمرة القضاء بقية شهر ذي الحجة، والمحرم، وصفرًا، وربيعًا الأول والثاني، وبعث في جمادى الأولى جيشًا إلى الشام، قوامه ثلاثة آلاف مقاتلٍ[4].

    وكانت هذه القبائل من بلاد الشام مواليةً للإمبراطورية الرومية البيزنطية، وخاضعةً تحت سيطرتها، وكان هذا هو أول احتكاكٍ للمسلمين بهذه الإمبراطورية العظيمة، أو لقبائل مواليةٍ لها.

    وعين رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة رضي الله عنه قائدًا للجيش، وقال: ((إن قتل زيدٌ فجعفر بن أبي طالبٍ، وإن قتل جعفرٌ فعبدالله بن رواحة))[5].

    ومضى الجيش حتى نزل معان من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء، في مائة ألفٍ من الروم، وانضم إليهم من لخمٍ وجذامٍ والقين وبهراء وبلي مائة ألفٍ أخرى، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضي له، فشجع الناس عبدالله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرةٍ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا؛ فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة، فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء[6] لقيتهم جموع هرقل، من الروم والعرب بقريةٍ من قرى البلقاء يقال لها: "مشارف"، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قريةٍ يقال لها: "مؤتة"، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلًا من بني عذرةٍ، يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار يقال له: عباية بن مالكٍ، ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط[7] في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرسٍ له شقراء فعقرها، ثم أخذ يقاتل وهو يقول:
    يا حبذا الجنةُ واقترابُها
    طيبةً وباردًا شرابها
    والروم رومٌ قد دنا عذابها
    كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
    عليَّ إذ لاقيتُها ضرابها

    ثم قاتل رضي الله عنه حتى قتل، ويقال: إنه أخذ الراية بيمينه، فقطعت يمينه، فأخذها بشماله فقطعت، فاحتضنها بعضديه حتى قتل رضي الله عنه، فأثابه الله جَناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.

    ثم أخذ الراية عبدالله بن رواحة رضي الله عنه، وتقدم بها وهو على فرسه، فجعل يتردد بعض الشيء ثم قال:
    أقسمتُ يا نفس لتنزلنه
    لتنزلن أو لتُكرَهنه
    إن أجلب الناس وشدوا الرنَّه[8]
    ما لي أراك تكرهين الجنه
    قد طالما قد كنت مطمئنه
    هل أنت إلا نطفةٌ في شنه[9]

    وقال أيضًا:
    يا نفس، إلا تقتلي تموتي
    هذا حِمامُ الموت قد صَلِيت
    وما تمنَّيْتِ فقد أعطيت
    إن تفعلي فِعلَهما هُدِيت

    يريد صاحبيه: زيدًا وجعفرًا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرقٍ[10] من لحمٍ، فقال: شد بهذا صُلبك؛ فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده، ثم انتهش[11] منه نهشةً، ثم سمع الحطمة[12] في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ بسيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل.

    فلما قتل القُوَّاد الثلاثة، أخذ الراية ثابت بن أرقم رضي الله عنه، ثم قال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجلٍ منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعلٍ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد.

    وعند الطبراني: أن ثابتًا أعطى الراية خالدًا، وقال: أنت أعلم بالقتال مني.

    فلما أخذ الراية خالدٌ رضي الله عنه، دافع وانحاز بالمسلمين حتى انصرف، وكان انسحابًا منظمًا، لم يلحق بالمسلمين خسائر كثيرةٌ، بل لم يستشهد من المسلمين في المعركة كلها سوى ثلاثة عشر صحابيًّا فقط.

    واستحق خالدٌ رضي الله عنه لقب: سيف الله، الذي منحه إياه الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم[13].

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر مَن بالمدينة خبر المعركة، ومقتل قادة المسلمين الثلاثة، وأَخْذ خالدٍ رضي الله عنه الراية، ثم انسحابه، وهو يبكي صلى الله عليه وسلم وعيناه تذرفان.

    فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: نعى النبي صلى الله عليه وسلم زيدًا، وجعفرًا، وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: ((أخذ الراية زيدٌ فأصيب، ثم أخذ جعفرٌ فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله حتى فتح الله عليهم))[14].

    وتعد هذه من معجزاته صلى الله عليه وسلم؛ حيث أخبر الناس خبر القوم قبل أن يأتيه الرسول بالخبر، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم انسحاب خالدٍ رضي الله عنه المنظم بالجيش فتحًا، وإنما ذلك لما أوقعه المسلمون بالروم من خسائر رغم تفوقهم العددي الكبير[15].

    بعض الأحداث المتعلقة بالغزوة:
    • عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه وقف على جعفرٍ يومئذٍ وهو قتيلٌ، قال: فعددت به خمسين بين طعنةٍ وضربةٍ، ليس منها شيءٌ في دبره - يعني: في ظهره[16].

    وفي روايةٍ: أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: فالتمسنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنةٍ ورميةٍ[17].

    والظاهر هنا - والله أعلم - أن العدد ليس بمفهومٍ، وإنما أراد ابن عمر رضي الله عنهما أن يكني عن كثرة الطعنات[18].

    وقول ابن عمر رضي الله عنهما: ليس منها شيء في دبره، بيان فرط شجاعته وإقدامه رضي الله عنه[19].

    وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا حيا ابن جعفرٍ قال: السلام عليك يا ابن ذي الجَناحين[20].

    • وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: لقد انقطعَتْ في يدي يوم مؤتة تسعة أسيافٍ، فما بقي في يدي إلا صفيحةٌ يمانيةٌ[21].

    قال ابن حجرٍ رحمه الله:
    "وهذا الحديث يقتضي أن المسلمين قتلوا من المشركين كثيرًا"؛ اهـ[22].

    • وعن عائشة رضي الله عنهما قالت: لما جاء قتل ابن حارثة، وجعفر بن أبي طالبٍ، وعبدالله بن رواحة، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف فيه الحزن، قالت عائشة: وأنا أطلع من صائر الباب - تعني: من شق الباب - فأتاه رجلٌ، فقال: أي رسول الله، إن نساء جعفرٍ، قال: وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن، قال: فذهب الرجل، ثم أتى فقال: قد نهيتهن، وذكر أنه لم يُطِعْنَهُ، قال: فأمر أيضًا، فذهب ثم أتى، فقال: والله لقد غلبننا، فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((فاحثُ في أفواههن من التراب))، قالت عائشة: فقلت: أرغم الله أنفك، فوالله ما أنت تفعل، وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء[23].

    • وعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما قال: أغمي على عبدالله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي واجبلاه، واكذا واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: آنت كذلك؟ فلما مات لم تبكِ عليه[24].

    • وعن عبدالله بن جعفرٍ رضي الله عنهما قال: لما جاء نعي جعفرٍ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اصنعوا لآل جعفرٍ طعامًا؛ فإنه قد أتاهم ما يَشغَلهم - أو أمرٌ شغلهم))[25].


    [1] "زاد المعاد" (1/ 118).
    [2] "السيرة النبوية الصحيحة" (2/ 467).
    [3] اصطلح أهل التاريخ والسير على إطلاق اسم (الغزوة) على كل وقعة يقودها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، أما ما لم يشترك فيها النبي صلى الله عليه وسلم فيسمونها (سَرية)، وهذه السَّرية برغم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترك فيها بنفسه، فإنك ترى جمهور أهل السير والمغازي يسمونها (غزوة)، وإنما ذلك لكبرها، وكثرة عدد الجيش فيها، وتأثيرها، واشتهارها الكبير بين الناس.
    [4] "سيرة ابن هشام" (3/ 221).
    [5] أخرجه البخاري (4261).
    [6] التخوم: حدود الأرضين التي تقع بين أرض وأرض، ويقال بفتح التاء أو ضمها.
    [7] شاط: أي هلك، تقول: شاط الرجل، إذا سال دمه فهلك.
    [8] أجلب الناس: صاحوا واجتمعوا، والرنة: صوت فيه ترجيع يشبه البكاء.
    [9] النطفة: الماء القليل الصافي، والشنة: القربة القديمة.
    [10] العَرْق: العظم الذي عليه بعض اللحم.
    [11] انتهش: أخذ منه بفمه يسيرًا.
    [12] الحطمة: الكسرة.
    [13] ذكر هذه الأحداث ابن إسحاق "سيرة ابن هشام" (222 - 224)، قصة عقر جعفر لفرسه وإنشاده، وخبر تردد ابن رواحة حتى قتل بسند حسن.
    [14] أخرجه البخاري (4262).
    [15] "السيرة النبوية الصحيحة" (2/ 469).
    [16] أخرجه البخاري (4260).
    [17] السابق (4261).
    [18] انظر: "فتح الباري" (7/ 585).
    [19] السابق.
    [20] أخرجه البخاري (4264).
    [21] أخرجه البخاري (4265، 4266).
    [22] "فتح الباري" 7/ 589.
    [23] متفق عليه: أخرجه البخاري (4263)، ومسلم (935).
    [24] أخرجه البخاري (4267، 4268).
    [25] أخرجه أبو داود (3132)، وابن ماجه (1610)، وحسنه الألباني في "صحيح السنن".
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/spotlight/0/95637/#ixzz4JMjpKylB
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    ............... وَفِي الصِّيَامِ ♦♦♦ قَدْ كَانَ فَتْحُ الْبَلَدِ الْحَرَامِ

    عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلافٍ، وذلك على رأس ثمان سنين ونصفٍ من مَقدَمِه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة[1].

    وقد تكتم النبي صلى الله عليه وسلم الخبر، وحرص على السرية التامة؛ حتى لا يصل الخبر لقريشٍ فيستعدوا له.

    عن عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكرٍ دخل عليها وهي تغربل حنطةً، فقال: ما هذا؟ أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز؟ قالت: نعم، فتجهز، قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمى لنا شيئًا، غير أنه قد أمرنا بالجهاز[2].

    واستخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا رهمٍ كلثوم بن حصينٍ بن عتبة بن خلفٍ الغفاري[3].

    ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم كراع الغميم[4] أفطر ليراه الناس.

    عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدحٍ من ماءٍ، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة)).

    وفي روايةٍ: أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدحٍ من ماءٍ بعد العصر[5].

    ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم مفطرًا حتى انسلخ الشهر[6].

    وعن أنسٍ رضي الله عنه، قال: لما استوى النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته، دعا بإناءٍ من لبنٍ أو ماءٍ على راحته أو راحلته، ثم نظر إلى الناس، فقال المفطرون للصُّوَّام: أفطروا[7].

    وسار النبي صلى الله عليه وسلم وِجَاهَ مكة، وعند مر الظهران[8] لقيه أبو سفيان بن حربٍ، وحكيم بن حزامٍ، وبديل بن ورقاء، فأسلموا.

    عن عروة بن الزبير قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشًا، خرج أبو سفيان بن حربٍ، وحكيم بن حزامٍ، وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران، فإذا هم بنيرانٍ كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة، فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرٍو، فقال أبو سفيان: عمرٌو أقل من ذلك، فرآهم ناسٌ من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو سفيان[9].

    وفي روايةٍ: عن عروة أن حكيم بن حزامٍ وبديل بن ورقاء ذهبَا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي سفيان فأسلما[10].

    عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، قال العباس: والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عَنوةً قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريشٍ، فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لعلي أجد ذا حاجةٍ يأتي أهل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه، فيستأمنوه، فإني لأسير إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي؟! قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، قال: فما الحيلة؟ قال: فركب خلفي ورجع صاحبه، فلما أصبح غدوت به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، فقلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئًا، قال: ((نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ، ومن أغلق عليه داره فهو آمنٌ، ومن دخل المسجد فهو آمنٌ))، قال: فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد[11].

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: ((احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين))، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي صلى الله عليه وسلم، تمر كتيبةً كتيبةً على أبي سفيان، فمرت كتيبةٌ، قال: يا عباس، من هذه؟ قال: هذه غِفار، قال: ما لي ولغفار، ثم مرت جهينة، قال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيمٍ، فقال مثل ذلك، ومرت سليم، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبةٌ لم يرَ مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار[12]، ثم جاءت كتيبةٌ، وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وراية النبي صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما قال؟))، قال: كذا وكذا، فقال: ((كذب سعدٌ[13]، ولكن هذا يومٌ يعظم الله فيه الكعبة، ويومٌ تكسى فيه الكعبة))، قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون[14].

    وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الراية من سعد بن عبادة فدفعها إلى ابنه قيسٍ، ثم كلم سعدٌ الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الراية من ابنه قيسٍ؛ مخافة أن يقع في خطأٍ، فأخذها منه[15].

    ثم جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشه استعدادًا لدخول مكة، فقسم الجيش، وجعل خالد بن الوليد رضي الله عنه على المجنبة اليمنى، والزبير بن العوام رضي الله عنه على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على الرَّجالة الذين هم في آخر الجيش[16].

    ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة أن يجمع له الأنصار، فجاؤوا يهرولون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش[17] قريشٍ؟))، قالوا: نعم، قال: ((انظروا إذا لقيتموهم غدًا أن تحصدوهم حصدًا))، ثم قال بيده - أي: أشار - ووضع يمينه على شماله[18].

    ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يأخذ بطن الوادي أسفل مكة[19]، وقام بتوزيع الزبير بن العوام وأبي عبيدة رضي الله عنهما [20].

    وسار النبي صلى الله عليه وسلم ناحية كداءٍ[21] التي بأعلى مكة[22]، وواعدهم أن يوافوه عند جبل الصفا، وقال: ((موعدكم الصفا)).

    يقول أبو هريرة رضي الله عنه: فانطلقنا، فما شاء أحدٌ منا أن يقتل أحدًا إلا قتله، وما أحدٌ منهم يوجه إلينا شيئًا[23].

    ويذكر أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهلٍ وسهيل بن عمرٍو جمعوا ناسًا بمكانٍ يقال له: الخندمة؛ ليقاتلوا، وكان رجلٌ اسمه حماس بن قيس بن خالدٍ يعد سلاحًا قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلح منهم، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال لمحمدٍ وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لمحمدٍ وأصحابه شيءٌ، قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم[24]، ثم أنشد يقول:
    إن يُقْبلوا اليوم فما لي علَّه
    هذا سلاحٌ كاملٌ وألَّه[25]
    وذو غرارين[26]سريع السلَّه

    ثم شهد حماسٌ هذا الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيلٍ ومن معهم، فهزمهم المسلمون، وقتلوا منهم[27]، وفر حماسٌ حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي عليَّ بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:
    إنك لو شهدت يوم الخندمه
    إذ فر صَفوانٌ وفر عكرمه
    وأبو يزيدٍ قائمٌ كالمؤتمه[28]
    واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
    يقطعن كل ساعدٍ وجمجمه
    ضربًا فلا يسمع إلا غمغمه[29]
    لهم نهيتٌ خلفنا وهمهمه
    لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه[30]

    وقتل من خيل خالدٍ يومئذٍ رجلان، هما: حبيش بن الأشعر، وكرز بن جابرٍ الفهري[31].

    ودخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا منتصرًا دون أدنى مقاومةٍ تذكر، وكان على رأسه المغفر[32]، وكانت راية النبي صلى الله عليه وسلم حين دخوله سوداء، ولواؤه أبيض[33]، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من أعلى مكة على ناقته، وهو يقرأ سورة الفتح يُرجِّعُ[34].

    وكان صلى الله عليه وسلم مردفًا أسامة بن زيدٍ، ومعه بلالٌ، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة[35]، حتى أناخ النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فأمر عثمان بن طلحة أن يأتي بمفتاح البيت، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أسامة وبلالٌ وعثمان بن طلحة، فمكث فيها نهارًا طويلًا، ثم خرج، فاستبق الناس، وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أول من دخل، فوجد بلالًا وراء الباب قائمًا، فسأله: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه - وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة - ثم صلى[36].

    وعن عمر رضي الله عنه أنه صلى ركعتين[37].

    وقام النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء في نواحيها كلها[38].

    ولم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت، ولم يصل فيه إلا بعد أن طهَّره من كل مظاهر الشرك؛ من أوثانٍ وصورٍ وغير ذلك.

    فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحطيم الأصنام، وتطهير البيت الحرام منها، وشارك هو بنفسه في ذلك.

    وكان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم، فجعل يطعُنُها بعودٍ في يده، ويقول: ((جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد))[39].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى على صنمٍ إلى جنب البيت، كانوا يعبدونه وفي يده قوسٌ، وهو آخذٌ بسية القوس[40]، فلما أتى على الصنم جعل يطعُنُه في عينه، ويقول: ((جاء الحق وزهق الباطل))[41].

    وفي روايةٍ عن ابن مسعودٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل يطعُنُها وهو يقول: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81]، ﴿ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ [سبأ: 49][42].

    وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: دخلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمائةٍ وستون صنمًا تُعبَد من دون الله، قال: فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبت كلها لوجوهها، ثم قال: ﴿ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81]، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فصلى ركعتين، فرأى فيه تمثال إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وقد جعلوا في يد إبراهيم الأزلام يستقسم بها[43]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قاتلهم الله، ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام))، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزعفران فلطخه بتلك التماثيل[44].

    وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما من الأزلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قاتلهم الله، لقد علموا ما استقسما بها قط))[45].

    وعن صفية بنت شيبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة، واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعًا على راحلته، يستلم الركن بمحجنٍ[46] في يده، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامةً من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف[47] له الناس في المسجد[48].

    وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه زمن الفتح، وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورةٍ فيها، فلم يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم حتى محيت كل صورةٍ فيها.

    وفي روايةٍ: فبل عمر ثوبًا ومحاها به[49].

    وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت فوجد فيه صورة إبراهيم، وصورة مريم، فقال: ((أما لهم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورةٌ، هذا إبراهيم مصورٌ، فما له يستقسم))[50].

    وهكذا تم تطهير البيت العتيق من مظاهر الوثنية وأوضار الجاهلية، ليعود كما أراد له الله تعالى، وكما قصد ببنائه إبراهيم وإسماعيل، مكانًا لعبادة الله وتوحيده، ولا شك أن تطهير البيت من الأصنام كان أكبر ضربةٍ للوثنية في أرجاء الجزيرة العربية؛ حيث كانت الكعبة أعظم مراكزها[51].

    النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بعد الفتح:
    عن عمرو بن حريثٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامةٌ سوداء، قد أرخى طرفيها بين كتفيه[52].

    وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم فتح مكة، وهو على درج الكعبة، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: ((الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مأثرةٍ في الجاهلية تذكر وتدعى من دمٍ أو مالٍ تحت قدمي، إلا ما كان مِن سقاية الحاجِّ، وسدانة البيت، ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا، مائةٌ من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها))[53].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليثٍ، عام فتح مكة، بقتيلٍ منهم قتلوه، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركب راحلته فخطب، فقال: ((إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحدٍ قبلي، ولم تحل لأحدٍ بعدي، ألا وإنها حلت لي ساعةً من نهارٍ، ألا وإنها ساعتي هذه حرامٌ، لا يخبط[54] شوكها، ولا يعضد شجرها[55]، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشدٍ، ومن قُتِل له قتيلٌ فهو بخير النظرين[56]))، فجاء رجلٌ من أهل اليمن يقال له: أبو شاهٍ، فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال: ((اكتبوا لأبي شاهٍ))[57].

    وعن أبي شريحٍ العدوي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم الغد من فتح مكة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرةً، فإن أحدٌ ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعةً من نهارٍ، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب))[58].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة))[59].

    وعن عبدالله بن مطيعٍ، عن أبيه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم فتح مكة: ((لا يُقتَل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة))[60].

    وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، فقال: ((يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية، وتعاظمها بآبائها؛ فالناس رجلان: بر تقي كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقي هينٌ على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من ترابٍ؛ قال الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13].

    وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا استنفرتم فانفروا))، ثم ساق ابن عباسٍ خُطبة النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي هريرة في تحريم مكة وشجرها ونباتها، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فإنه لقَيْنِهم[61]، ولبيوتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إلا الإذخر))[62].

    وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام))، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؟ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويَستصبح بها الناس[63]، فقال: ((لا، هو حرامٌ))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ((قاتل الله اليهودَ؛ إن الله لما حرم شحومها جملوه[64]، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه))[65].

    ثم مضى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى الصفا؛ حيث واعد قواد جيشه هناك، فلما أتى الصفا علا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله، ويدعو بما شاء أن يدعو، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريشٍ، لا قريش بعد اليوم[66]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ، ومن ألقى السلاح فهو آمنٌ، ومن أغلق بابه فهو آمنٌ))[67].

    فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفةٌ بعشيرته، ورغبةٌ في قريته، وجاء الوحي؛ يقول أبو هريرة رضي الله عنه: وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحدٌ يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي، فلما انقضى الوحي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الأنصار))، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: ((قلتم: أما الرجل فأدركته رغبةٌ في قريته))؟، قالوا: قد كان ذلك، قال: *((كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم؛ فالمحيا محياكم، والممات مماتكم))، فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا إلا ضنًّا بالله ورسوله[68]، قال: ((إن الله ورسوله يصدقانكم، ويعذِرانكم))، فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأغلق الناس أبوابهم[69].

    ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَّن أهل مكة جميعهم، فإنه صلى الله عليه وسلم استثنى ستة نفرٍ، أهدر دماءهم.

    فعن سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه قال: لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، إلا أربعة نفرٍ وامرأتين، وقال: ((اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة))، عكرمة بن أبي جهلٍ، وعبدالله بن خطلٍ، ومقيس بن صبابة، وعبدالله بن سعد بن أبي سرحٍ، فأما عبدالله بن خطلٍ فأدرك وهو متعلقٌ بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريثٍ وعمار بن ياسرٍ، فسبق سعيدٌ عمارًا، وكان أشب الرجلين، فقتله، وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر، فأصابتهم عاصفٌ، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا؛ فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا ها هنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك عليَّ عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفوًّا كريمًا، فجاء فأسلم، وأما عبدالله بن سعد بن أبي سرحٍ، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، بايِعْ عبدالله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاثٍ، ثم أقبل على أصحابه، فقال: ((ما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟))، قالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، هلا أومأت إلينا بعينك؟ قال: ((إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين))[70].

    النبي صلى الله عليه وسلم يُبايع أهل مكة:
    عن الأسود بن خلفٍ رضي الله عنه: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس يوم الفتح، قال: جلس عند قرن مصقلة[71]، فبايع الناس على الإسلام والشهادة[72].

    وعن مجاشع بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بأخي بعد الفتح، قلت: يا رسول الله، جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، قال: ((ذهب أهل الهجرة بما فيها))، فقلت: على أي شيءٍ تبايعه؟ قال: ((أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد))[73].

    حدث في فتح مكة:
    • عن أم هانئٍ بنت أبي طالبٍ رضي الله عنها قالت: ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره، قالت: فسلمت عليه، فقال: ((من هذه؟))، قلت: أنا أم هانئٍ بنت أبي طالبٍ، فقال: ((مرحبًا بأم هانئٍ))، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثماني ركعاتٍ ملتحفًا في ثوبٍ واحدٍ، فلما انصرف، قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي أنه قاتلٌ رجلًا قد أجرته، فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد أجَرْنا من أجَرْتِ يا أم هانئٍ))[74].

    • وعن عائشة رضي الله عنها: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيدٍ حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فأتي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فيها أسامة بن زيدٍ، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أتشفع في حد من حدود الله؟))، فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد: فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرَقَتْ، لقطعتُ يدها))، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها، قالت عائشة: فحسنت توبتها بعدُ وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم[75].

    • وعن عمرو بن سلمة رضي الله عنه قال: كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم: ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه؛ فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادقٌ، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قومٍ بإسلامهم، وبدر أبي[76] قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذِّنْ أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا، فنظروا فلم يكن أحدٌ أكثر قرآنًا مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردةٌ كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأةٌ من الحي: ألا تغطوا عنا استَ قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيءٍ فرحي بذلك القميص[77].

    • وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاصٍ عهد إلى أخيه سعدٍ أن يقبض ابن وليدة زمعة، وقال عتبة: إنه ابني، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح، أخذ سعد بن أبي وقاصٍ ابن وليدة زمعة، فأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل معه عبد بن زمعة، فقال سعد بن أبي وقاصٍ: هذا ابن أخي، عهد إلي أنه ابنه، قال عبد بن زمعة: يا رسول الله، هذا أخي، هذا ابن زمعة، وُلد على فراشه، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن وليدة زمعة، فإذا أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاصٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة)) - من أجل أنه ولد على فراشه - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((احتجبي منه يا سودة))؛ لما رأى من شبه عتبة بن أبي وقاصٍ، قال رسول الله: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجَر))[78].

    • وعن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوًى، قال أبو قحافة لابنةٍ له من أصغر ولده: أي بنية، اظهري بي على أبي قبيسٍ[79]، قالت: وقد كف بصره، قالت: فأشرفت به عليه، فقال: أي بنية، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعًا، قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلًا يسعى بين يدي ذلك مقبلًا ومدبرًا، قال: أي بنية، ذلك الوازع - يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها - ثم قالت: قد والله انتشر السواد، قالت: فقال: قد والله إذًا دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي، فانحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته، قالت: وفي عنق الجارية طوقٌ من ورقٍ[80]، فتلقاها رجلٌ فيقتطعه من عنقها، قالت: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ودخل المسجد، أتى أبو بكرٍ بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟))، قال أبو بكرٍ: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، قالت: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: ((أسلم))، فأسلم، قالت: فدخل به أبو بكرٍ وكأن رأسه ثغامةً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((غَيِّروا هذا من شعره))، ثم قام أبو بكرٍ فأخذ بيد أخته، وقال: أنشد الله والإسلام طوق أختي، فلم يجبه أحدٌ، قالت: فقال: أي أخية، احتسبي طوقك، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليلٌ[81].

    • ومكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة.

    عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة[82].


    [1] متفق عليه: أخرجه البخاري (4276)، ومسلم (1113).
    [2] إسناده حسن: أخرجه البيهقي في "الدلائل" (5/ 12)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (4/ 317)، من رواية ابن إسحاق بإسناد حسن.
    [3] "سيرة ابن هشام" (4/ 10)، بإسناد صحيح.
    [4] (كراع الغميم): ويسمى اليوم (برقاء الغميم)، والبرقاء والأبرق: مرتفع تختلط فيه الحجارة بالرمل.
    تبعد برقاء الغميم أو كراع الغميم 64 كيلًا من مكة على طريق المدينة، يراها من يسير على هذا الطريق يمينه، وتبعد عن عسفان 16 كيلًا، في طريق مكة؛ "معالم مكة التاريخية والأثرية" (205).
    [5] أخرجه مسلم (1114).
    كراع الغميم: تبعد عن المدينة 301 كم، وعن مكة 86 كم.
    [6] أخرجه البخاري (4275).
    [7] أخرجه البخاري (4277).
    [8] (مر الظهران): وادٍ من أودية الحجاز، فيمر شمال مكة على مسافة اثنين وعشرين كيلًا، ويصب في البحر جنوب جدة، وفيه عدد من القرى؛ منها: الجموم وبحرة؛ "المعالم الأثيرة" (184).
    [9] انظر: "صحيح البخاري" (4280) من مرسل عروة.
    [10] انظر: "البداية والنهاية" (4/ 324).
    [11] أخرجه أبو داود (3022)، وحسنه الألباني.
    [12] يوم الذمار: أي يوم الهلاك.
    [13] كذب سعد: بمعنى أخطأ سعد.
    [14] الحجون: موضع بقرب مقابر مكة، المصدر قبل السابق.
    [15] "مختصر زوائد البزار" (248)، وقال ابن حجر: صحيح.
    [16] أخرجه مسلم (1780).
    [17] أوباش قريش: أي جموع قريش.
    [18] التخريج السابق.
    [19] التخريج السابق.
    [20] أخرجه أبو داود (3024)، وصححه الألباني.
    [21] كداء: جبل بأعلى مكة.
    [22] أخرجه البخاري (4290).
    [23] الحديث قبل السابق.
    [24] أي نتخذ بعضهم عبيدًا لنا.
    [25] الألة: الحربة لها سنان طويل.
    [26] ذو غرارين: يعني به سيفًا، والغرار: الحد.
    [27] ذكر ابن إسحاق أن عدد قتلى المشركين في هذه الوقعة كان قريبًا من اثني عشر رجلًا، وذكر موسى بن عقبة أنهم بلغوا أربعة وعشرين.
    [28] المؤتمة: هي التي قتل زوجها فبقي لها أولاد أيتام.
    [29] الغمغمة: أصوات الرجال في الحرب.
    [30] "سيرة ابن هشام" (4/ 14، 15)، من رواية ابن إسحاق عن عبدالله بن أبي نجيح، وعبدالله بن أبي بكر مرسلًا.
    النهيت: نوع من صياح الأسد، والهمهمة: صوت في الصدر.
    [31] أخرجه البخاري (4280).
    [32] أخرجه البخاري (4286)، المِغفر: واقي الرأس، الذي يلبسه الفرسان في الحروب.
    [33] أخرجه ابن ماجه (2818).
    [34] متفق عليه: أخرجه البخاري (4281)، ومسلم (794)، الترجيع: ترديد الحرف في الحلق.
    [35] الحجَبة: الذين معهم مفتاح الكعبة.
    [36] متفق عليه: أخرجه البخاري (2988)، ومسلم (1329).
    [37] أخرجه أبو داود (2026)، وصححه الألباني.
    [38] متفق عليه: أخرجه البخاري (4288)، ومسلم (1330).
    [39] متفق عليه: أخرجه البخاري (4287)، ومسلم (1781).
    [40] سية القوس: أي طرفه.
    [41] أخرجه مسلم (1780).
    [42] متفق عليه: التخريج قبل السابق.
    [43] الأزلام: مفردها زلم، بفتح الزاي أو ضمها، وهي الرماح، فكان أهل الجاهلية إذا كان الواحد منهم مقبلاً على أمر مهم جاء برماح ثلاثة مكتوب على أحدها: (افعل)، والآخر (لا تفعل)، والثالث ليس عليه شيء، أو مكتوب على أحدها: (أمرني ربي)، والآخر (نهاني ربي)، والثالث ليس عليه شيء، ثم وضعها في شيء، ثم يمد يده فيخرج أحدها، فإذا خرج سهم الأمر، فعله، وإذا خرج سهم النهي، تركه، وإن طلع الفارغ، أعاد، والاستقسام: مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام.
    [44] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (18751)، وحسنه ابن حجر في "المطالب العالية" (4364)، وله شواهد مما تقدم، وانظر الحديث الآتي.
    [45] أخرجه البخاري (4288).
    [46] المحجن: عود معوج الطرف، يمسكه الراكب للبعير في يده.
    [47] استكف الناس: أي: اجتمعوا.
    [48] أخرجه ابن هشام في "السيرة" عن ابن إسحاق بإسناد حسن.
    [49] أخرجه أحمد (3/ 335، 3/ 396)، وأبو داود (4156)، وصححه الألباني.
    [50] أخرجه البخاري (3351).
    [51] "السيرة النبوية الصحيحة" (2/ 483، 484).
    [52] أخرجه مسلم (1359).
    [53] أخرجه أبو داود (4547)، وابن ماجه (2628).
    [54] يخبط: أي يضرب بالعصا ليقع.
    [55] يعضد: يقطع.
    [56] بخير النظرين: أي إما أن يقبل الدية، وإما أن يقاد من القاتل.
    [57] متفق عليه: أخرجه البخاري (112)، ومسلم (1355).
    [58] متفق عليه: أخرجه البخاري (104)، ومسلم (1354).
    [59] أخرجه الترمذي (1611)، وقال: حسن صحيح، "الصحيحة" (2427).
    [60] أخرجه مسلم (1782).
    [61] قَيْنهم، بفتح القاف: الحداد والصائغ، وهم يحتاجون إليه في وقود النار.
    [62] متفق عليه: أخرجه البخاري (1349)، ومسلم (1353)، وفي رواية قال العباس: ولقبورهم.
    [63] يستصبح بها الناس: أي يوقدون بها مصابيحهم.
    [64] جَمَلوه: أي: أذابوه.
    [65] متفق عليه: أخرجه البخاري (2236)، ومسلم (1581).
    [66] خضراء قريش: أي جماعتهم، ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة، ومنه السواد الأعظم؛ (نووي).
    [67] الذي يظهر من الروايات الصحيحة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه الكلمة مرتين، مرة حينما جاء أبو سفيان مسلمًا، وهذه المرة عند الصفا، ولا تعارض في ذلك؛ والله أعلم.
    [68] ضنًّا بالله ورسوله: أي حرصًا على وجودك عندنا، ومصاحبتك؛ فالضنُّ بالشيء الحرص عليه.
    [69] أخرجه مسلم (1780).
    [70] أخرجه أبو داود (2683)، والنسائي (4067)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (1723).
    [71] مكان في الكعبة.
    [72] أخرجه أحمد (15369)، بإسناد صحيح.
    [73] متفق عليه: أخرجه البخاري (4305، 4306)، ومسلم (1863).
    [74] متفق عليه: أخرجه البخاري (357)، ومسلم (336).
    [75] متفق عليه: أخرجه البخاري (3733)، ومسلم (1688).
    [76] بَدَر أَبي: أي سبق.
    [77] أخرجه البخاري (4302).
    [78] متفق عليه: أخرجه البخاري (4303)، ومسلم (1457).
    [79] اظهري بي: اصعدي وارتفعي، وأبو قبيس: جبل بمكة.
    [80] الطوق: القلادة، والوَرِق: الفضة.
    [81] أخرجه ابن هشام في "السيرة" (4/ 14، 15)، بإسناد حسن.
    [82] أخرجه البخاري (4298).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/95974/#ixzz4LnzFzgsu
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    وَبَعْدَهُ قَدْ أَوْرَدُوا مَا كَانَ فِي ♦♦♦ يَوْمِ حُنَيْنٍ............

    قال ابن إسحاق رحمه الله:
    "ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوفٍ النصري، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيفٌ كلها، واجتمعت نصرٌ وجشمٌ كلها، وسعد بن بكرٍ، وناسٌ من بني هلالٍ، وهم قليلٌ، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعبٌ ولا كلابٌ، ولم يشهدها منهم أحدٌ له اسمٌ، وفي بني جشمٍ دريد بن الصمة شيخٌ كبيرٌ، ليس فيه شيءٌ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخًا مجربًا، وفي ثقيفٍ سيدان لهم، وفي الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود بن معتبٍ، وفي بني مالكٍ ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالكٍ، وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوفٍ النصري، فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس، اجتمع إليه الناس، وفيهم دريد بن الصمة في شجارٍ له يقاد به[1]، فلما نزل قال: بأي وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل! لا حزنٌ ضرسٌ، ولا سهلٌ دهسٌ[2]، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوفٍ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم.

    قال: أين مالكٌ؟ قيل: هذا مالكٌ، ودعي له، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يومٌ كائنٌ له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: ولمَ ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجلٍ منهم أهله وماله؛ ليقاتل عنهم، فقال: راعي ضأنٍ والله! وهل يرد المنهزم شيءٌ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجلٌ بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، ثم قال: ما فعلت كعبٌ وكلابٌ؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحدٌ، قال: غاب الحد والجد، ولو كان يوم علاءٍ ورفعةٍ لم تغب عنه كعبٌ ولا كلابٌ، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعبٌ وكلابٌ، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامرٍ، وعوف بن عامرٍ، قال: ذانك الجذعان[3] من عامرٍ لا ينفعان ولا يضران، يا مالك، إنك لم تصنع بتقديمالبيضة بيضة هوازن[4] إلى نحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلى متمنَّع بلادهم وعُلْيا قومهم، ثم القَ الصُّبَّاء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك قد أحرزت أهلك ومالك، قال: والله لا أفعل ذلك، إنك قد كَبِرْتَ وكَبِرَ عقلك، والله لتطيعُنَّني يا معشر هوازن، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكرٌ أو رأيٌ، فقالوا: أطعناك، فقال دريد بن الصمة: هذا يومٌ لم أشهده ولم يفتني:
    يا ليتني فيها جذع
    أخب فيها وأضع
    أقود وطفاء الزمع
    كأنها شاةٌ صدع

    ثم قال مالكٌ للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجلٍ واحدٍ"؛ اهـ[5].

    تجهيز جيش المسلمين:
    ولما سمع بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبدالله بن أبي حدردٍ الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدردٍ، فدخل فيهم، فأقام فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالكٍ وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر[6].

    فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن، وقام صلى الله عليه وسلم بتجهيز جيشه المكون من اثني عشر ألفًا[7]؛ العشرة آلافٍ الذين فتحوا مكة، وألفان من الطلقاء، وهو أكبر جيشٍ للمسلمين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيدٍ على مكة[8].

    فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعًا له وسلاحًا - وكان صفوان لا يزال مشركًا - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا صفوان، هل عندك سلاحٌ؟))، قال: عارية أم غصبًا؟ قال: ((لا، بل عاريةٌ))، فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعًا[9].

    فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة خامس شوالٍ[10].

    ووصلوا إلى حنينٍ في مساء العاشر من شوالٍ[11].

    عن سهل بن الحنظلية: أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنينٍ، فأطنبوا السير حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجلٌ فارسٌ، فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنينٍ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ((تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله))، ثم قال: ((من يحرسنا الليلة؟))، قال أنس بن أبي مرثدٍ الغنوي: أنا يا رسول الله، قال: ((فاركب))، فركب فرسًا له، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((استقبل هذا الشِّعْبَ حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن من قِبلك الليلة))، فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين، ثم قال: ((هل أحسستم فارسكم؟))، قالوا: يا رسول الله، ما أحسسناه، فثوب بالصلاة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته وسلم، قال: ((أبشروا؛ فقد جاءكم فارسكم))، فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحت اطلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أرَ أحدًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل نزلت الليلة؟))، قال: لا، إلا مصليًا أو قاضيًا حاجةً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد أوجبت، فلا عليك ألا تعمل بعدها))[12].

    وبدأت المعركة:
    خرج مالك بن عوفٍ بمن معه إلى حنينٍ، فسبقَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إليها، فأعدوا وتهيؤوا في مضايق الوادي وأجنابه، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح[13]، وقد أعجبت بعضَ المسلمين كثرتُهم، فحمل المسلمون على المشركين في أول المعركة فهزموهم، وفر المشركون من الميدان، فانكب المسلمون على الغنائم يجمعونها، فاستقبلهم رماة المشركين بالسهام[14]، فثارت في وجوه المسلمين الخيل، فشدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين، لا يقبل أحدٌ على أحدٍ[15]، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وأبو سفيان آخذٌ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعباس آخذٌ بلجام بغلته، يكفها عن الجري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أي عباس، نادِ أصحاب السمرة[16]))، قال عباسٌ - وكان رجلًا صيتًا -: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار، يقول: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج[17]، وكان الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر لا يتعدون المائة[18]، منهم رهطٌ من أهله؛ علي بن أبي طالبٍ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، وأخوه ربيعة، والفضل بن العباس - وقيل: الفضيل بن أبي سفيان - وأيمن بن أم أيمن، وأسامة بن زيدٍ، وقثم بن العباس، ورهطٌ من المهاجرين؛ منهم: أبو بكرٍ وعمر[19]، فلما دعاهم العباس، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم ويقول: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب، اللهم نزل نصرك))[20]، فاستجاب الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، واجتمع المسلمون مرةً أخرى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم إنك إن تشَأْ ألا تُعبَدَ بعد اليوم))[21].

    ويقول - أيضًا - صلى الله عليه وسلم: ((أين أيها الناس؟ هلم إلي، أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبدالله))[22].

    واستعاد المسلمون توازنهم، ونظموا صفوفهم، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا حين حمي الوطيس))، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصياتٍ فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: ((انهزموا وربِّ محمدٍ))، يقول العباس رضي الله عنه: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلًا، وأمرهم مدبرًا، قال العباس: وكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته[23].

    وقد أنزل الله تعالى في هذه المعركة جندًا من السماء لإعانة المسلمين على عدوهم؛ كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ [التوبة: 26].

    وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنيةً، فاستقبلني رجلٌ من العدو، فأرميه بسهمٍ فتوارى عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنيةٍ أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وأرجع منهزمًا، وعليَّ بردتان متزرًا بإحداهما مرتديًا بالأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعًا، ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزمًا، وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد رأى ابن الأكوع فزعًا))، فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضةً من ترابٍ من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: ((شاهت الوجوه))، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله تعالى[24].

    وفي غزوة حنينٍ يقول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 25 - 27].

    سرية أوطاس لتتبع فلول هوازن:
    لما انهزمت هوازن، ذهبت فرقةٌ منهم - فيهم الرئيس مالك بن عوفٍ النصري - إلى الطائف فتحصنوا بها، وتوجه بنو غيرة من ثقيفٍ نحو نخلة، وسارت فرقةٌ فتحصنوا بمكانٍ يقال له: "أوطاس"، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريةً من أصحابه عليهم أبو عامرٍ الأشعري، فقاتلوهم فغلبوهم[25].

    وكان قائد المشركين في أوطاس دريد بن الصمة.

    عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حنينٍ، بعث أبا عامرٍ على جيشٍ إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقُتل دريدٌ، وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامرٍ، فرمي أبو عامرٍ في ركبته؛ رماه جشمي بسهمٍ فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم، من رماك؟! فأشار فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولى، فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فقتلته، ثم قلت لأبي عامرٍ: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزا منه الماء، قال: يا بن أخي، أقرئ النبي صلى الله عليه وسلم السلام، وقل له: استغفر لي، واستخلفني أبو عامرٍ على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته على سريرٍ مرملٍ[26]، وعليه فراشٌ قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامرٍ، وقال: قل له: استغفر لي، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بماءٍ فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: ((اللهم اغفر لعبيدٍ أبي عامرٍ))، قال أبو موسى: ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: ((اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثيرٍ من خلقك من الناس))، فقلت: ولي فاستغفر، فقال: ((اللهم اغفر لعبدالله بن قيسٍ ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا))[27].

    ويقال: إن الذي قتل دريد بن الصمة هو الزبير بن العوام رضي الله عنه[28].

    وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنينٍ بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوا فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿ وَالْمُحْصَنَات ُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ [النساء: 24]؛ أي: فهن لكم حلالٌ، إذا انقضت عدتهن [29].

    حدث في حنين:
    • عن الحارث بن مالكٍ رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنينٍ ونحن حديثو عهدٍ بالجاهلية، قال: فسرنا معه إلى حنينٍ، قال: وكانت كفار قريشٍ ومن سواهم من العرب لهم شجرةٌ عظيمةٌ خضراء، يقال لها: ذات أنواطٍ، يأتونها كل سنةٍ، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يومًا، قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرةً خضراء عظيمةً، قال: فنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواطٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر، قلتم والذي نفس محمدٍ بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الأعراف: 138]، إنها السَّنَن؛ لتركبن سَنَنَ مَن كان قبلكم))[30].

    • وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن، فبينا نحن نتضحى[31] مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجلٌ على جملٍ أحمر، فأناخه ثم انتزع طلقًا من حقبه[32]، فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفةٌ ورقةٌ في الظهر، وبعضنا مشاةٌ، إذ خرج يشتد، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم أناخه وقعد عليه، فأثاره، فاشتد به الجمل، فاتبعه رجلٌ على ناقةٍ ورقاء.

    قال سلمة: وخرجت أشتد، فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت، حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض، اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل، فندر، ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه، فقال: ((من قتل الرجل؟))، قالوا: ابن الأكوع، قال: ((له سلبه أجمع))[33].

    • وعن رباح بن ربيعٍ رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ، فرأى الناس مجتمعين على شيءٍ، فبعث رجلًا، فقال: ((انظر علام اجتمع هؤلاء؟))، فجاء، فقال: على امرأةٍ قتيلٍ، فقال: ((ما كانت هذه لتقاتل!))، قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلًا، فقال: ((قل لخالدٍ: لا تقتلن امرأةً ولا عسيفًا))[34].

    • وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ - يعني يوم حنينٍ -: ((من قتل كافرًا فله سلبه))، فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم[35].

    • وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حنينٍ، فلما التقينا كانت للمسلمين جولةٌ، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع، وأقبل علي فضمني ضمةً وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله تعالى، ثم رجعوا وجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((من قتل قتيلًا له عليه بينةٌ، فله سلبه))، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مثله، فقمت، فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مثله، فقمت، فقال: ((ما لك يا أبا قتادة؟))، فأخبرته، فقال رجلٌ: صدق، وسلبه عندي، فأرضه مني، فقال أبو بكرٍ: لاها الله إذًا، لا يعمد إلى أسدٍ من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيعطيك سلبه[36]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صدق، فأعطه))، فأعطانيه، فابتعت به مخرفًا[37] في بني سلِمة، فإنه لأول مالٍ تأثلته[38] في الإسلام[39].

    • وعن أنسٍ رضي الله عنه: أن أم سليمٍ اتخذت يوم حنينٍ خنجرًا، فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، هذه أم سليمٍ معها خنجرٌ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما هذا الخنجر؟))، قالت: اتخذته، إن دنا مني أحدٌ من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء[40]؛ انهزموا بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أم سليمٍ، إن الله قد كفى وأحسن))[41].


    [1] الشجار: شبه الهودج إلا أنه مكشوف الأعلى.
    [2] (الحزن): المرتفع من الأرض، (والضرس): الذي فيه حجارة محددة، (الدهس): اللين الكثير التراب.
    [3] جَذَعان: صغيران لا قوة ولا خبرة لهما بالحرب.
    [4] (بيضة هوازن): جماعتهم.
    [5] "سيرة ابن هشام" (2/ 437- 439).
    [6] "سيرة ابن هشام" (4/ 37).
    [7] "سيرة ابن هشام" (4/ 38).
    [8] السابق.
    [9] أخرجه أبو داود (3563)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (631).
    [10] "سيرة ابن هشام" (4/ 39).
    [11] السابق.
    [12] أخرجه أبو داود (2501)، وصححه الألباني.
    [13] أخرجه أحمد (3/ 376) بإسناد حسن.
    [14] متفق عليه: أخرجه البخاري (4317)، ومسلم (1776).
    [15] التخريج قبل السابق.
    [16] أصحاب السمرة: هم أصحاب البيعة تحت الشجرة، وكانت شجرة سمر.
    [17] أخرجه مسلم (1775).
    [18] أخرجه الترمذي (1689)، وصحح إسناده الألباني.
    [19] أخرجه أحمد (3/ 376) بإسناد حسن.
    [20] متفق عليه: سبق تخريجه.
    [21] أخرجه أحمد (3/ 121).
    [22] أخرجه أحمد (3/ 374) بإسناد حسن.
    [23] أخرجه مسلم (1775).
    [24] أخرجه مسلم (1777).
    [25] "سيرة ابن هشام" (4/ 47)، "البداية والنهاية" (5/ 22).
    [26] سرير مرمل: أي معمول بالرمال، وهي حبال الحصر التي تضفر بها الأسِرَّة؛ "فتح".
    [27] متفق عليه: أخرجه البخاري (4323)، ومسلم (2498).
    [28] "فتح الباري" (7/ 638)، وقال ابن حجر: رواه البزار في مسند أنس بإسناد حسن.
    [29] أخرجه مسلم (1456).
    [30] رواه ابن إسحاق بسند صحيح، "سيرة ابن هشام" (4/ 39)، والحديث أخرجه الترمذي (2180)، كتاب: الفتن، باب: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، عن أبي واقد الليثي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في "صحيح السنن".
    [31] نتضحى: نتغدى.
    [32] الطلق: هو العقال من الجلد.
    [33] أخرجه مسلم (1754).
    [34] أخرجه أبو داود (2669)، وصححه الألباني.
    [35] أخرجه أبو داود (2719).
    [36] يريد أبو بكر رضي الله عنه أن أبا قتادة معه بينة، فقد يأخذ حق غيره؛ ولذلك قال: لا يعمد إلى أسدٍ من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين صدق أبي قتادة فقال: ((صدق، فأعطه)).
    [37] مخرَفًا: أي بستانًا، سمي بذلك لأنه يخترف منه التمر؛ أي: يجتنى.
    [38] تأثلته: أي: أصلته أو تملَّكته.
    [39] متفق عليه: أخرجه البخاري (4321)، ومسلم (1751).
    [40] اقتل من بعدنا من الطلقاء، هم الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح، سموا بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مَنَّ عليهم وأطلقهم، وكان في إسلامهم ضعف، فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون، وأنهم استحقوا القتل بانهزامهم؛ (نووي).
    [41] أخرجه مسلم (1809).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/spotlight/0/96361/#ixzz4M5LPX9nE
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    .............................. .. ♦♦♦ ........ ثُمَّ يَوْمِ الطَّائِفِ

    "بعد أن شتت المسلمون هوازن وتعقبوها في نخلة وأوطاس، اتجهوا إلى مدينة الطائف التي تحصنت فيها ثقيفٌ ومعهم مالك بن عوفٍ النصري قائد هوزان.

    وكانت الطائف تمتاز بموقعها الجبلي، وبأسوارها القوية، وحصونها الدفاعية، وليس إليها منفذٌ سوى الأبواب التي أغلقتها ثقيفٌ بعد أن أدخلت من الأقوات ما يكفي لسنةٍ كاملةٍ، وهيأت من وسائل الحرب ما يكفل لها الصمود طويلًا، وكان وصول المسلمين إلى الطائف في حدود العشرين من شوالٍ دون أن يستجم الجيش طويلًا من غزوة حنينٍ وسرايا نخلة وأوطاس التي بدأت في العاشر من شوالٍ واستغرقت أكثر من أسبوعٍ.

    وقد حاصر المسلمون الطائف بضع عشرة ليلةً؛ كما في رواية عروة بن الزبير وموسى بن عقبة، وحددت روايةٌ عن عروة أيضًا المدة بنصف شهرٍ، ورغم أن سائر هذه الروايات مراسيل لا تقوم بها حجةٌ، فإن عروة وموسى من أجلِّ كتَّاب المغازي وأوثقهم، وروايتهما تتفق مع تواريخ الأحداث وسياقها"[1].

    وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم حاول اقتحام الحصن بالدبابات[2]، والمنجنيق[3]، فلم يستطع المسلمون اقتحام الحصن، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برميهم بالسهام، وشجع المسلمين على ذلك.

    فعن أبي نجيحٍ السلمي رضي الله عنه قال: حاصرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصن الطائف، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من بلغ بسهمٍ في سبيل الله تعالى، فله درجةٌ))[4].

    ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفك الحصار.

    عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما قال: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فلم ينل منهم شيئًا، فقال: ((إنا قافلون إن شاء الله))، قال أصحابه: نرجع ولم نفتحه؟! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اغدوا على القتال))، فغدوا عليه، فأصابهم جراحٌ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنا قافلون غدًا))، قال: فأعجبهم ذلك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم[5].

    وفي حصار الطائف نزل نفرٌ من رقيق الطائف، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان منهم أبو بكرة رضي الله عنه.

    عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف من خرج إليه من عبيد المشركين[6].

    وعنه - أيضًا - رضي الله عنه قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف، فخرج إليه عبدان، أحدهما: أبو بكرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتق العبيد إذا خرجوا إليه[7].

    وفي أواخر شوالٍ من السنة الثامنة رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصار عن الطائف، ثم رجع إلى الجعرانة، فقدم عليه وفود هوازن قد أسلموا، فرد عليهم أسراهم.

    قال ابن إسحاق رحمه الله:
    "ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة[8]، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبي هوازن ستة آلافٍ من الذراري والنساء، ومن الإبل والشاء ما لا يدرى ما عدته"[9].

    عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن وفد هوازن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصلٌ وعشيرةٌ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخفَ عليك؛ فامنن علينا، مَنَّ الله عليك، قال: وقام رجلٌ من هوازن، ثم أحد بني سعد بن بكرٍ، يقال له: زهيرٌ، يكنى أبا صردٍ، فقال: يا رسول الله، إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك[10] اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا مَلَحْنا[11] للحارث بن أبي شمرٍ، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته[12] علينا، وأنت خير المكفولين.

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟))، فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا، فقال لهم: ((أما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم، وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس، فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم))، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر، قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وأما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم))، فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقال الأقرع بن حابسٍ: أما أنا وبنو تميمٍ فلا، وقال عيينة بن حصنٍ: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداسٍ: أما أنا وبنو سليمٍ فلا، فقالت بنو سليمٍ: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: يقول عباس بن مرداسٍ لبني سليمٍ: وهنتموني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي، فله بكل إنسانٍ ست فرائض، من أول سبيٍ أصيبه))، فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم[13].

    وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب جاريةً، فوصى بها عمر لابنه عبدالله، يقول عبدالله بن عمر: فبعثت بها إلى أخوالي من بني جمحٍ؛ ليصلحوا لي منها، ويهيئوها، حتى أطوف بالبيت، ثم آتيهم، وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها، قال: فخرجت من المسجد حين فرغت، فإذا الناس يشتدون، فقلت: ما شأنكم؟ قالوا: رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا وأبناءنا، فقلت: تلكم صاحبتكم في بني جمحٍ، فاذهبوا فخذوها، فذهبوا إليها، فأخذوها[14].

    وعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((معي من ترون، وأحب الحديث إليَّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبي وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم))[15]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنظرهم بضع عشرة ليلةً حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرُ رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: ((أما بعد: فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل))، فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم))، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم[16]، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا[17].

    قوله:
    وَبَعْدُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ اعْتِمَارُهْ ♦♦♦ مِنَ الْجِعِرَّانَةِ وَاسْتِقْرَارُه ْ

    عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عُمَرٍ، كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرةً من الحديبية في ذي القعدة، وعمرةً من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرةً من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنينٍ في ذي القعدة، وعمرةً مع حجته[18].

    قوله:
    وَبِنْتُهُ زَيْنَبُ مَاتَتْ، ثُمَّا ♦♦♦ مَوْلِدُ إِبْرَاهِيمَ فِيهَا حَتْمَا

    وتوفيت زينب رضي الله عنها في أول سنة ثمانٍ من الهجرة[19].

    وهي أكبر بناته صلى الله عليه وسلم، وقيل: هي أسن من القاسم[20].

    قال ابن حجرٍ رحمه الله:
    "هي أكبر بناته، وأول من تزوج منهن، ولدت قبل البعثة بمدةٍ، قيل: إنها عشر سنين، واختلف: هل القاسم قبلها أو بعدها؟ وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وأمه هالة بنت خويلدٍ"[21].

    وولدت زينب لأبي العاص عليًّا وأمامة[22]، فتوفي علي وهو صغيرٌ، وبقيت أمامة، فتزوجها علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه بعد موت فاطمة[23].

    عن أم عطية رضي الله عنها، قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اغسلنها وترًا؛ ثلاثًا، أو خمسًا، واجعلن في الخامسة كافورًا، أو شيئًا من كافورٍ، فإذا غسلتنها، فأعلمنني))، قالت: فأعلمناه، فأعطانا حقوه وقال: ((أشعِرْنها إياه))[24].

    وفي هذه السنة ولد إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من مارية القبطية رضي الله عنها، ولدته مارية في ذي الحجة سنة ثمانٍ من الهجرة، ومات سنة عشرٍ، يوم الثلاثاء لعشرٍ خلون من شهر ربيعٍ الأول[25].

    عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ولد لي الليلة غلامٌ، فسميته باسم أبي إبراهيم))، ثم دفعه إلى أم سيفٍ، امرأة قينٍ[26] يقال له: أبو سيفٍ، فانطلق يأتيه واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيفٍ وهو ينفخ بكيره، قد امتلأ البيت دخانًا، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا أبا سيفٍ، أمسك؛ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالصبي، فضمه إليه، وقال ما شاء الله أن يقول، فقال أنسٌ: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون))[27].


    [1] "السيرة النبوية الصحيحة" (2/ 507).
    [2] الدبابات: آلات تصنع من خشب وتغطى بجلود، ثم يدخل فيها الرجال؛ لتحميهم من سهام الأعداء.
    [3] يتكون المنجنيق من عمود طويل قوي موضوع على عربة ذات عجلتين في رأسها حلقة أو بكرة، يمر بها حبل متين، في طرفه الأعلى شبكة في هيئة كيس، توضع حجارة أو مواد محترقة في الشبكة، ثم تحرك بواسطة العمود والحبل، فيندفع ما وضع في الشبكة من القذائف، ويسقط على الأسوار، فيقتل أو يُحرِق ما يسقط عليه.
    "الرسول القائد" (254) محمود شيت خطاب نقلًا عن "السيرة النبوية الصحيحة".
    [4] أخرجه أبو داود (3965)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (1756).
    [5] متفق عليه: أخرجه البخاري (4325)، ومسلم (1778).
    [6] أخرجه أحمد (1959)، وحسن إسناده الشيخ أحمد شاكر.
    [7] أخرجه أحمد (2176)، وحسن إسناده الشيخ أحمد شاكر.
    [8] قال ياقوت الحموي "معجم البلدان" (2/ 142): "الجعرانة: بكسر أوله إجماعًا، ثم إن أصحاب الحديث يكسرون عينه، ويشددون راءه، وأهل الإتقان والأدب يخطئونهم ويسكنون العين ويخففون الراء، وقد حكي عن الشافعي أنه قال: المحدثون يخطئون في تشديد الجعرانة وتخفيف الحديبية، إلى هنا مما نقلته، والذي عندنا أنهما روايتان جيدتان، حكى إسماعيل بن القاضي عن علي بن المديني أنه قال: أهل المدينة يثقلونه ويثقلون الحديبية، وأهل العراق يخففونهما، ومذهب الشافعي تخفيف الجعرانة، وسمع من العرب من قد يثقلها، وبالتخفيف قيدها الخطابي، وهي ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، نزلها النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم غنائم هوازن مرجعه من غزاة حنين، وأحرم منها صلى الله عليه وسلم، وله فيها مسجد، وبها بئار متقاربة".
    [9] "سيرة ابن هشام" (2/ 488).
    [10] لأن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني سعد، وهم من هوازن.
    [11]ملحنا: أي أرضعنا.
    [12]عائدته: فضله.
    [13] "سيرة ابن هشام" (4/ 71- 72)، عن ابن إسحاق بإسناد حسن.
    [14] أخرجه ابن هشام في "السيرة"، بإسناد صحيح.
    [15] وقد كنت استأنيت بكم: أي أخرت قسم السبي لتحضروا، فأبطأتم.
    [16] العرفاء: جمع عريف، وهو القائم بأمر طائفة من الناس، وسمي بذلك؛ لكونه يتعرف أمورهم حتى يعرِّفَ بها من فوقه عند الاحتياج؛ "فتح".
    [17] أخرجه البخاري (4318، 4319).
    [18] متفق عليه: أخرجه البخاري (4148)، ومسلم (1253).
    [19] "الطبقات" (8/ 34).
    [20] السابق.
    [21] "الإصابة" (8/ 151).
    [22] وهي التي كان يحملها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته؛ ففي الصحيحين عن أبي قتادة رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حاملٌ أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأبي العاص بن الربيع، فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها"؛ البخاري (516)، ومسلم (543).
    [23] "الطبقات الكبرى" (8/ 31).
    [24] متفق عليه: أخرجه البخاري (1253)، ومسلم (939).
    [25] "الإصابة في تمييز الصحابة" (1/ 318).
    [26] "القين": الحداد.
    [27] متفق عليه: أخرجه البخاري (1303)، ومسلم (2315).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/96715/#ixzz4MeWo0U00
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    وَوَهَبَتْ نَوْبَتَهَا لِعَائِشَهْ ♦♦♦ سَوْدَةُ مَا دَامَتْ زَمَانًا عَائِشَهْ
    وفي السنة الثامنة وهبت سودة رضي الله عنها نوبتها لعائشة رضي الله عنها[1].

    عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما رأيت امرأةً أحب إلي أن أكون في مسلاخها[2] من سودة بنت زمعة، من امرأةٍ فيها حدةٌ[3]، قالت: فلما كبِرَت، جعلت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة، قالت: يا رسول الله، قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة[4].

    وعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: يا بن أختي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعضٍ في القسم، من مكثه عندنا، وكان قل يومٌ إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأةٍ من غير مسيسٍ، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة - حين أسنت وفَرِقَتْ أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، يومي لعائشة، فقَبِل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، قالت: نقول: في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا ﴾ [النساء: 128][5].

    قوله:
    وَعُمِلَ الْمِنْبَرُ غَيْرَ مُخْتَفِ ♦♦♦ ...........................
    وفي السنة الثامنة عُمِل المنبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرةٍ أو نخلةٍ، فقالت امرأةٌ من الأنصار، أو رجلٌ: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: ((إن شئتم))، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يسكن، قال: ((كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها))[6].

    قوله:
    ....................... ♦♦♦ وَحَجَّ عَتَّابٌ بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ

    قال ابن إسحاق رحمه الله:
    وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحج عليه، وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيدٍ، وهي سنة ثمانٍ[7].
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/97021/#ixzz4MfDd6LL3
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    ثُمَّ تَبُوكَ قَدْ غَزَا فِي التَّاسِعَهْ ♦♦♦ .............................. ........

    وفي السنة التاسعة كانت غزوة تبوك.

    "وتقع تبوك شمال الحجاز، وتبعد عن المدينة المنورة 778 كم حسب الطرق المعبدة في الوقت الحاضر، وكانت من ديار قضاعة الخاضعة لسلطان الروم آنذاك"[1].

    وقد عزم النبي صلى الله عليه وسلم على غزو الروم؛ لنشر دين الإسلام في هذه البلاد، التي هي من أقرب البلاد إلى أرض الحجاز، والتي تقع تحت السيطرة الرومية، ولتكون تلك هي المواجهة الثانية مع الروم بعد مؤتة التي لم تحقق جميع أهدافها المرجوة، فبرغم أنها أظهرت للعالم قدرة المسلمين الفائقة، حتى في مواجهة أعظم إمبراطوريةٍ في العالم حينها، وهي إمبراطورية الروم، فإنها لم تحقق الهدف الأسمى الذي ينشده المسلمون، ألا وهو إخضاع هذه الإمبراطورية وتلك الدول للإسلام والمسلمين، وبالتالي توسيع المجال أمام الدعوة الإسلامية؛ أن تنشر بين ساكني تلك الدول التي يمنع حكامها المسلمين من نشر الدين الحق فيها.

    والذي حمل النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج في هذا التوقيت بالذات، رغم ما كان بالمسلمين من شدةٍ وعسرةٍ: وصول خبرٍ إلى المدينة أن أحد ملوك غسان تجهز لغزو المسلمين، مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يسارع في الخروج لملاقاتهم في بلادهم، قبل مباغتتهم المسلمين في بلادهم[2].

    فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحابة بالجهاد لغزو الروم، ولم تكن تلك عادة النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن يعلم الصحابة بوجهته الحقيقية، إنما كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوةً يغزوها، ورَّى بغيرها[3].

    عن كعب بن مالكٍ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوةً يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديدٍ، واستقبل سفرًا بعيدًا، ومفازًا[4]، واستقبل غزو عدو كثيرٍ، فجلى[5] للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد[6].

    وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإنفاق لتجهيز جيش العسرة[7]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من جهز جيش العسرة، فله الجنة))، فجهزه عثمان بن عفان رضي الله عنه[8].

    وقد تبرع عثمان رضي الله عنه من المال فقط بألف دينارٍ، فجاء بها فنثرها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره، ويقول: ((ما ضر عثمانَ ما عمل بعد اليوم، ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم))[9].

    وأخذ المنافقون يثبطون المؤمنين عن الخروج والجهاد في سبيل الله، وقالوا لهم: لا تنفروا في هذا الحر الشديد.

    وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: 81].

    يبلغهم الله تعالى أن نار جهنم التي سيصيرون إليها بسبب مخالفتهم أمرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أشد حرًّا مما فروا منه.

    وجاء المعذرون من الأعراب الذين يسكنون حول المدينة يشكون للنبي صلى الله عليه وسلم ضعفهم وفقرهم، وعدم استطاعتهم الخروج معه صلى الله عليه وسلم، كما جاء المنافقون مبدين الأعذار الكاذبة والحجج الواهية، مستأذنين النبي صلى الله عليه وسلم في عدم الخروج.

    وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 90].

    ثم بين الله تعالى حال أصحاب الأعذار الحقيقية، وأنه لا سبيل عليهم، فقال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 91].

    كما بين الله تعالى تقبُّله عذر الفقراء الذين جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحملهم معه في تلك الغزوة، فلم يجد النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه، فتولوا وهم يبكون من شدة حزنهم؛ فقال تعالى: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾ [التوبة: 92].

    ثم قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ كَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 93].

    وكان أكثر المنافقين الذين تخلَّفوا من الأعراب أهل البادية؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 97، 98].

    ثم بين الله تعالى أنه ليس كل الأعراب كذلك، بل منهم مَن هو مؤمنٌ، فقال تعالى: ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 99].

    ثم أوضح الله تعالى أن بالمدينة منافقين أيضًا، فقال تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ [التوبة: 101].

    وعمومًا فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لكل من جاءه معتذرًا، فهو صلى الله عليه وسلم لم يشق عن قلوبهم.

    فعاتَبه الله تعالى وأنزل عليه: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [التوبة: 43].

    يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: هلا تركتهم لما استأذنوك، فلم تأذن لأحدٍ منهم في القعود؛ لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب؛ فإنهم إن كانوا مؤمنين حقًّا ثم وجدوك لم تأذن لهم في القعود، لخرجوا معك، ولو كان بهم شدة.

    وعلى أية حالٍ، فقد كان عدم خروجهم في مصلحة المؤمنين؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة: 46، 47].

    ويحكي أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قصة الأشعريين الذين أرسلوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه الحملان لهم، فيقول رضي الله عنه: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك، فقلت: يا نبي الله، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: ((والله لا أحملكم على شيءٍ)) - يقول أبو موسى -: ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، ورجعت حزينًا من منع النبي صلى الله عليه وسلم، ومن مخافة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه عليَّ، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ألبث إلا سويعةً إذ سمعت بلالًا ينادي: أي عبدالله بن قيسٍ، فأجبته، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فلما أتيته، قال: ((خذ هذين القرينين، وهذين القرينين[10] - لستة أبعرةٍ ابتاعهن حينئذٍ من سعدٍ - فانطلق بهن إلى أصحابك، فقل: إن الله - أو قال: إن رسول الله - يحملكم على هؤلاء، فاركبوهن))، فانطلقت إليهم بهن، فقلت: إن النبي صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء، ولكني والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تظنوا أني حدثتكم شيئًا لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لي: والله إنك عندنا لمصدقٌ، ولنفعلن ما أحببت، فانطلق أبو موسى بنفرٍ منهم حتى أتوا الذين سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم منعه إياهم، ثم إعطاءهم بعدُ، فحدثوهم بمثل ما حدثهم به أبو موسى[11].

    وخرج النبي صلى الله عليه وسلم متوجهًا إلى تبوك بجيشٍ يقرب من الثلاثين ألف مقاتلٍ[12]، معهم حوالي عشرة آلاف فرسٍ، وخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه[13]، فقال عليٌّ للنبي صلى الله عليه وسلم: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ((ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه ليس نبي بعدي))[14].

    وكان خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغزوة يوم الخميس، وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يخرج يوم الخميس في جميع أسفاره[15].

    وفي الطريق أصاب المسلمين مجاعةٌ شديدةٌ وعطشٌ.

    فعن أبي هريرة أو أبي سعيدٍ (شك الأعمش) قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعةٌ، قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا، فأكلنا وادَّهَنَّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((افعلوا))، قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظَّهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادعُ الله لهم عليها بالبركة؛ لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم)، فدعا بنطعٍ فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرةٍ، ويجيء الآخر بكف تمرٍ، ويجيء الآخر بكسرةٍ، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيءٌ يسيرٌ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بالبركة، ثم قال: ((خذوا في أوعيتكم))، قال: فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملؤوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاك فيحجب عن الجنة))[16].

    فأكل الصحابة الكرام وشربوا، بعد الذي أصابهم من الجوع والعطش.

    وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: خرجنا إلى تبوك في قيظٍ شديدٍ، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطشٌ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيرًا، فادعُ الله لنا، قال: ((أتحب ذلك؟))، قال: نعم، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر[17].

    فقال الصحابة لأحد المنافقين ممن كان معهم: ويحك! هل بعد هذا شيءٌ؟! قال: سحابةٌ مارةٌ[18].

    وفي الطريق فقدت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أحد المنافقين - واسمه زيد بن اللصيت - وكان في رحل صحابي اسمه عمارة بن حزمٍ: أليس محمدٌ يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمارة عنده: "إن رجلًا قال: هذا محمدٌ يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرةٌ بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها))، فذهبوا، فجاؤوا بها، فرجع عمارة بن حزمٍ إلى رحله، فقال: والله لعجبٌ من شيءٍ حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفًا، عن مقالة قائلٍ أخبره الله عنه بكذا وكذا، للذي قال زيد بن لصيتٍ، فقال رجلٌ ممن كان في رحل عمارة ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيدٌ والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي، فأقبل عمارة على زيدٍ يجأ في عنقه ويقول: إليَّ عباد الله؛ إن في رحلي لداهيةً وما أشعر، اخرج أي عدو الله من رحلي، فلا تصحبني[19].

    وفي الطريق مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم ببئر ثمود، فنهاهم أن يشربوا أو يتوضؤوا من مائها.

    فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك، أمرهم ألا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا؟ فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء[20].

    وفي روايةٍ عن ابن عمر - أيضًا -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة[21].

    ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عبدالله بن مسعودٍ رضي الله عنه: فجعل لا يزال يتخلف الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلانٌ، فيقول: ((دعوه، إن يك فيه خيرٌ، فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك، فقد أراحكم الله منه))، حتى قيل: يا رسول الله، تخلَّف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوه؛ إن يك فيه خيرٌ، فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك، فقد أراحكم الله منه))، فتلوم أبو ذر على بعيره، فأبطأ عليه، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فجعله على ظهره، فخرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيًا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله، ونظر ناظرٌ من المسلمين، فقال: يا رسول الله، هذا رجلٌ يمشي على الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كن أبا ذر))، فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله أبا ذر؛ يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده))[22].

    وكان أبو خيثمة رضي الله عنه رجع - بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أيامًا - إلى أهله في يومٍ حار، فوجد امرأتين له في عريشين[23] لهما في حائطه، قد رشت كل واحدةٍ منهما عريشها، وبردت له فيه ماءً، وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضِّحِّ[24] والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل باردٍ، وطعامٍ مهيأٍ، وامرأةٍ حسناء، في ماله مقيمٌ، ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيِّئَا لي زادًا، ففعلتا، ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهبٍ الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهبٍ: إن لي ذنبًا؛ فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل، حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازلٌ بتبوك، قال الناس: هذا راكبٌ على الطريق مقبلٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كن أبا خيثمة))، فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أولى لك[25] يا أبا خيثمة))، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له بخير[26].

    ولما وصلوا إلى تبوك حدث ما يرويه معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، حتى إذا كان يومًا أخر الصلاة، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج بعد ذلك، فصلى المغرب والعشاء جميعًا، ثم قال: ((إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم، فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي))، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيءٍ من ماءٍ، قال: فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل مسستما من مائها شيئًا؟))، قالا: نعم، فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا حتى اجتمع في شيءٍ، وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماءٍ منهمرٍ - أو قال: غزيرٍ - حتى استقى الناس، ثم قال: ((يوشك يا معاذ إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا))[27].

    وأقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يومًا[28]، فلم يلقَ كيدًا؛ حيث خافه ملك بني الأصفر والقبائل العربية المتنصرة، فلم يحضروا.

    فقفل النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه راجعًا إلى المدينة بعدما عرف الجميع قوة الجيش الإسلامي، التي ظنوا أنها ستضعف بعد مؤتة، فوجدوها قد ازدادت قوةً وصلابةً، حتى إنهم قد خافوا الخروج لملاقاتهم.

    وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قد قام يصلي من الليل - وهو في تبوك - فاجتمع وراءه رجالٌ من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى وانصرف إليهم، فقال لهم: ((لقد أعطيت الليلة خمسًا، ما أعطيهن أحدٌ قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامةً، وكان مَن قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونُصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهرٍ لملئ منه رعبًا، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان من قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم، والخامسة هي ما هي، قيل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله))[29].
    المنافقون يريدون قتل النبي صلى الله عليه وسلم:
    عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، أمر مناديًا فنادى: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ العقبة، فلا يأخذها أحدٌ، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة، ويسوق به عمارٌ إذ أقبل رهطٌ متلثمون على الرواحل، غشوا عمارًا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عمارٌ يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: ((قُدْ قُدْ))، حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل، ورجع عمارٌ، فقال: ((يا عمار، هل عرفت القوم؟))، فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: ((هل تدري ما أرادوا؟))، قال: الله ورسوله أعلم، قال: ((أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوه))[30].

    • ومما حدث أيضًا في هذه الغزوة: ما يرويه أبو حميدٍ الساعدي رضي الله عنه، حيث قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني مسرعٌ، فمن شاء منكم فليسرع معي، ومن شاء فليمكث))، فخرجنا، حتى أشرفنا على المدينة، فقال: ((هذه طابة، وهذا أحدٌ، وهو جبلٌ يحبنا ونحبه))[31].

    وفي مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، وحين دنا من المدينة، قال صلى الله عليه وسلم: ((إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم))، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: ((وهم بالمدينة، حبسهم العذر))[32].

    قصة كعب بن مالك والذين خُلِّفُوا معه:
    عن كعب بن مالكٍ رضي الله عنه قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ غزاها، إلا في غزوة تبوك؛ غير أني كنت تخلفت في غزوة بدرٍ، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريشٍ حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعادٍ، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوةً إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديدٍ، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا وعدوًّا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابٌ حافظٌ - يريد الديوان - قال كعبٌ: فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضِ شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادرٌ عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقضِ من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيومٍ أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقضِ شيئًا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقضِ شيئًا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: ((ما فعل كعبٌ؟))، فقال رجلٌ من بني سلِمة: يا رسول الله، حبسه بُرداه ونظره في عطفه، فقال معاذ بن جبلٍ: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال كعب بن مالكٍ: فلما بلغني أنه توجه قافلًا، حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأيٍ من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيءٍ فيه كذبٌ، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: ((تعال))، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ((ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟))، فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذرٍ، ولقد أعطيت جدلًا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذبٍ ترضى به عني، ليوشكن الله أن يُسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدقٍ تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله؛ لا والله ما كان لي من عذرٍ، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما هذا فقد صدق، فقُمْ حتى يقضي الله فيك))، فقمت، وثار رجالٌ من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيَك ذنبك استغفارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوةٌ، فمضيت حين ذكروهما لي.

    ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبَنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحدٌ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالكٍ؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ولا مضيعةٍ؛ فالحَقْ بنا نواسِك، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال كعبٌ: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخٌ ضائعٌ، ليس له خادمٌ، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: ((لا، ولكن لا يقربك))، قالت: إنه والله ما به حركةٌ إلى شيءٍ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.

    فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجلٌ شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ، حتى كملت لنا خمسون ليلةً من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلةً وأنا على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالسٌ على الحال التي ذكر الله؛ قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخٍ أوفى على جبل سلعٍ بأعلى صوته: يا كعب بن مالكٍ، أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرجٌ، وآذَن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنُّوني بالتوبة، يقولون: لِتَهْنِكَ توبة الله عليك، قال كعبٌ: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعبٌ: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: ((أبشر بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك))، قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: ((لا، بل من عند الله))، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمرٍ، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خيرٌ لك))، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِي نَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ [التوبة: 117]، إلى قوله: ﴿ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]، فوالله ما أنعم الله علي من نعمةٍ قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا؛ فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحدٍ؛ فقال تبارك وتعالى: ﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ ﴾ [التوبة: 95]، إلى قوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 96].

    قال كعبٌ: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه؛ فبذلك قال الله: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ [التوبة: 118]؛ وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو؛ إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه[33].

    [1] "السيرة النبوية الصحيحة" (2/ 524).
    [2] انظر: الدليل على انتشار هذا الخبر في المدينة حديث عمر رضي الله عنه في شرح الفقرة (47) من هذه السنة، وهو حديث متفق عليه.
    [3] ورَّى بغيرها: أي: أوهم بغيرها؛ وذلك حتى لا تتسرب الأخبار للعدو الذي يريد النبي صلى الله عليه وسلم ملاقاته.
    [4] المفاز: الفلاة التي لا ماء فيها.
    [5] جلَّى؛ أي: أوضح وبين.
    [6] متفق عليه: انظر تخريجه في شرح الفقرة (20) من هذه السنة.
    [7] سمي جيش العسرة؛ للعسر والشدة التي كان عليها المسلمون حينها.
    [8] أخرجه البخاري (2778).
    [9] أخرجه الترمذي (3071)، وحسنه الألباني في "المشكاة" (6064).
    [10] القرينين: أي: البعيرين المتماثلين في الحجم والسن.
    [11] متفق عليه: أخرجه البخاري (4415)، ومسلم (1649).
    [12] انظر: "السيرة النبوية الصحيحة" (2/ 531)، حيث قال: ويبدو أن أغلب المؤرخين يميلون إلى القول: إنهم كانوا ثلاثين ألفًا؛ اهـ.
    [13] ذكر بعض أهل السير - ومنهم ابن هشام -: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، أو سباع بن عرفطة، واستخلف عليًّا على أهل بيته فقط، قلت: وهذا التفصيل لم يأتِ في رواية صحيحة، إنما الذي جاء في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عليًّا، وقول علي للنبي صلى الله عليه وسلم: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ يوضح أنه رضي الله عنه كان على المدينة كلها، وليس على أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فقط، والله أعلم.
    [14] متفق عليه: أخرجه البخاري (4416)، ومسلم (2404).
    [15] أخرجه البخاري (2950).
    [16] أخرجه مسلم (27).
    [17] أخرجه البيهقي في "الدلائل" (5/ 231)، قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (5/ 74): إسناده جيد.
    [18] "سيرة ابن هشام" (4/ 92، 93)، من رواية ابن إسحاق، قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعاصم ثقة، وثقة ابن حجر، كما في "التقريب" (295)، قال: ثقة عالم بالمغازي عن محمود بن لبيد، عن رجال من بني عبدالأشهل، به، ومحمود بن لبيد صحابي صغير، قال ابن حجر في "التقريب" (582): صحابي صغير، وجلُّ روايته عن الصحابة؛ اهـ.
    فإن كان من روى عنهم هذه الرواية من الصحابة، فلا يضر إبهامهم، ويكون الحديث صحيحًا.
    [19] "سيرة ابن هشام" (4/ 93)، من رواية ابن إسحاق بالإسناد السابق.
    [20] أخرجه البخاري (3387).
    [21] أخرجه البخاري (3379).
    [22] أخرجه الحاكم (3/ 50، 51)، وصححه ووافقه الذهبي، ولكنه قال: فيه إرسال، وابن كثير في "البداية والنهاية" (5/ 73)، وقال: إسناده حسن.
    [23] العريش: شبيه الخيمة.
    [24] الضِّح: الشمس.
    [25] أولى لك: كلمة فيها معنى التهديد، معناها: دنوت من الهلكة.
    [26] "سيرة ابن هشام" من رواية ابن إسحاق بلا سند، وله شاهد من حديث كعب بن مالك الطويل في "الصحيحين".
    [27] أخرجه مسلم (706).
    [28] أخرجه أحمد (14702)، بإسناد رجاله ثقات.
    [29] أخرجه أحمد (7068)، بسند رجاله ثقات.
    [30] أخرجه أحمد (23682)، بإسناد صحيح.
    [31] متفق عليه: أخرجه البخاري (1481)، ومسلم (1392).
    [32] متفق عليه: أخرجه البخاري (4423)، ومسلم (1911).
    [33] متفق عليه: أخرجه البخاري (4418)، ومسلم (2769).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/97493/#ixzz4N8RcxRtY
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    .............................. .... ♦♦♦ وَهَدَّ مَسْجِدَ الضِّرَارِ رَافِعَهْ

    أي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من تبوك بهدم مسجد الضرار؛ رافعًا الضرر الذي بني من أجله.

    قال ابن إسحاق رحمه الله:
    "ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي: من تبوك - حتى نزل بذي أوان - بلدٍ بينه وبين المدينة ساعةٌ من نهارٍ - وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا، فتصلي لنا فيه، فقال: ((إني على جناح سفرٍ، وحال شغلٍ - أو كما قال صلى الله عليه وسلم - ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم، فصلينا لكم فيه)).

    فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم، أخا بني سالم بن عوفٍ، ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، أخا بني العجلان، فقال: ((انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه)).

    فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوفٍ، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالكٌ لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنارٍ من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفًا من النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 107]، إلى آخر القصة[1].

    قوله:
    وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ، وَثمْ
    تَلَا بَرَاءةً علِيٌّ وَحَتَمْ
    أَلَّا يَحُجَّ مِشْرِكٌ بَعْدُ وَلَا
    يَطُوفَ عَارٍ ذَا بِأَمْرٍ فَعَلَا

    بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ رضي الله عنه أميرًا على الحج في شهر ذي الحجة سنة تسعٍ؛ ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكرٍ رضي الله عنه ومن معه من المسلمين[2].

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكرٍ الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهطٍ يؤذنون في الناس يوم النحر: لا يحج بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ[3].

    ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالبٍ بعد أبي بكرٍ رضي الله عنهما فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منًى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ[4].

    وعن زيد بن أثيعٍ قال: سألنا عليًّا: بأي شيءٍ بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربعٍ: أن لا يطوف بالبيت عريانٌ، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهدٌ فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهدٌ فأجله أربعة أشهرٍ، ولا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنةٌ، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا[5].

    قوله:
    وَجَاءَتِ الْوُفُودُ فِيهَا تَتْرَى ♦♦♦ .............................. ........

    وفي السنة التاسعة أقبلت الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم (تترى)؛ أي: متتابعةً كثيرةً.

    قال ابن الجوزي رحمه الله - في ذكر أحداث السنة التاسعة -:
    "وفيها تتابعت الوفود، وكانت تسمى: سنة الوفود"[6].

    وقال ابن كثير رحمه الله:
    "وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب؛ ولذلك تسمى سنة تسعٍ: سنة الوفود"[7].

    وقال أيضًا:
    "وتواترت الوفود هذه السنة وما بعدها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مذعنةً بالإسلام، وداخلين في دين الله أفواجًا؛ كما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 1 - 3]"[8].

    قوله:
    .............................. ... ♦♦♦ هَذَا وَمِنْ نِسَاهُ آلَى شَهْرَا

    عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: أصبحنا يومًا ونساء النبي صلى الله عليه وسلم يبكين، عند كل امرأةٍ منهن أهلها، فخرجت إلى المسجد فإذا هو ملآن من الناس، فجاء عمر بن الخطاب، فصعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غرفةٍ له، فسلم، فلم يجبه أحدٌ، ثم سلم فلم يجبه أحدٌ، ثم سلم فلم يجبه أحدٌ، فناداه، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أطلقت نساءك؟ فقال: ((لا، ولكن آليت منهن شهرًا))، فمكث تسعًا وعشرين، ثم دخل على نسائه[9].

    فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم على نسائه، قيل له: يا رسول الله، آليت منهن شهرًا؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الشهر تسعٌ وعشرون))[10].

    وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: مكثت سنةً أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آيةٍ، فما أستطيع أن أسأله؛ هيبةً له، حتى خرج حاجًّا، فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراك لحاجةٍ له، قال: فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنةٍ فما أستطيع؛ هيبةً لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علمٍ، فاسألني، فإن كان لي علمٌ، خبرتك به، قال: ثم قال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرًا، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، قال: فبينا أنا في أمرٍ أأتمره إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، قال: فقلت لها: ما لك ولما ها هنا؟ وفيم تكلفك في أمرٍ أريده؟ فقالت لي: عجبًا لك يا بن الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان؟ فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنية، إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان؟! فقالت حفصة: والله إنَّا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله صلى الله عليه وسلم، يا بنية، لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، يريد عائشة، قال: ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة؛ لقرابتي منها، فكلمتها، فقالت أم سلمة: عجبًا لك يا بن الخطاب! دخلت في كل شيءٍ، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فأخذتني والله أخذًا كسرتني عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها، وكان لي صاحبٌ من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكًا من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب فقال: افتح افتح، فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة، فأخذت ثوبي فأخرج حتى جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربةٍ له يرقى عليها بعجلةٍ، وغلامٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسود على رأس الدرجة، فقلت له: قل: هذا عمر بن الخطاب، فأذن لي، قال عمر: فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لعلى حصيرٍ ما بينه وبينه شيءٌ، وتحت رأسه وسادةٌ من أدمٍ حشوها ليفٌ، وإن عند رجليه قرظًا[11] مغبورًا، وعند رأسه أهبًا معلقةٌ[12]، فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت فقال: ((ما يبكيك؟))، قلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله! فقال: ((أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة))[13].

    وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه، دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، فقال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم، قال فدخلت على عائشة فقلت: يا بنت أبي بكرٍ، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ما لي وما لك يا بن الخطاب! عليك بعَيبتك، قال: فدخلت على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هو في خزانته في المشربة، فدخلت فإذا أنا برباحٍ غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدًا على أسكفة المشربة، مدل رجليه على نقيرٍ من خشبٍ، وهو جذعٌ يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر، فناديت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباحٌ إلى الغرفة، ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم قلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباحٌ إلى الغرفة، ثم نظر إلي فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي، فأومأ إلي أن ارْقَهْ، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجعٌ على حصيرٍ، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضةٍ من شعيرٍ نحو الصاع، ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أفيقٌ معلقٌ، قال: فابتدرت عيناي، قال: ((ما يبكيك يا بن الخطاب؟))، قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته، وهذه خزانتك؟! فقال: ((يا بن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟))، قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن، فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكرٍ والمؤمنون معك، وقلما تكلمت - وأحمد الله - بكلامٍ إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية آية التخيير: ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا ﴾ [التحريم: 5]، ﴿ وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَة ُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾[التحريم: 4]، وكانت عائشة بنت أبي بكرٍ وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: ((لا))، قلت: يا رسول الله، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: ((نعم، إن شئت))، فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرًا، ثم نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم ونزلت، فنزلت أتشبث بالجذع، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض، ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعةً وعشرين؟ قال: ((إن الشهر يكون تسعًا وعشرين))، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ هُ مِنْهُمْ ﴾ [النساء: 83]، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله تعالى آية التخيير[14].

    سبب إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه:
    عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحشٍ فيشرب عسلًا، قالت: فتواطيت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير[15]، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحشٍ، ولن أعود له، فنزل: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ [التحريم: 1]، إلى قوله: ﴿ إِنْ تَتُوبَا ﴾ [التحريم: 4]، لعائشة وحفصة، ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ﴾ [التحريم: 3] لقوله: بل شربت عسلًا[16].


    [1] "سيرة ابن هشام" (2/ 529، 530).
    [2] انظر: "سيرة ابن هشام" (4/ 16).
    [3] متفق عليه: أخرجه البخاري (1622)، ومسلم (1347).
    [4] أخرجه البخاري (4656).
    [5] أخرجه أحمد (1/ 579)، والترمذي (3092)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني "الإرواء" (1101).
    [6] "تلقيح فهوم أهل الأثر" (41).
    [7] "البداية والنهاية" (7/ 231).
    [8] "الفصول في سيرة الرسول" (215).
    [9] أخرجه البخاري (5203).
    [10] أخرجه البخاري (5201).
    [11] القرظ: ورق السلم، مضبورًا: مجموعًا.
    [12] أهبًا: جمع إهاب، وهو الجلد قبل الدبغ.
    [13] متفق عليه: أخرجه البخاري (4913)، ومسلم (1479).
    [14] أخرجه مسلم (1479).
    [15] المغافير: صمغ حلو ينضحه شجر يقال له: العرفط، له رائحة كريهة.
    [16] متفق عليه: أخرجه البخاري (4912)، ومسلم (1474).




    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/97673/#ixzz4NPi2KV2O
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    ثُمَّ النَّجَاشِيَّ نَعَى وَصَلَّى ♦♦♦ عَلَيْهِ مِنْ طَيْبَةَ نَالَ الْفَضْلَا

    عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيراتٍ[1].

    وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مات اليوم عبدٌ لله صالحٌ؛ أصحمة))، فقام فأمَّنا وصلى عليه[2].

    وذكره الطبري[3] ضمن أحداث السنة التاسعة.

    قوله:
    وَمَاتَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْعَامِ الْأَخِيرْ ♦♦♦ .............................. .......
    إبراهيم ابن سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشمٍ، أمه مارية القبطية، ولدته في ذي الحجة سنة ثمانٍ.

    قال مصعبٌ الزبيري: ومات سنة عشرٍ، جزم به الواقدي، وقال: يوم الثلاثاء لعشرٍ خلون من شهر ربيعٍ الأول[4].

    عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيفٍ القين، وكان ظئرًا لإبراهيم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم، فقبله، وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: ((يا بن عوفٍ، إنها رحمةٌ))، ثم أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون))[5].

    وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتموهما، فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي))[6].

    وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومٍ شديد الحر، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطال القيام حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم سجد سجدتين، ثم قام فصنع نحوًا من ذلك، فكانت أربع ركعاتٍ وأربع سجداتٍ، ثم قال: ((إنه عُرض علي كل شيءٍ تولجونه؛ فعرضت علي الجنة حتى لو تناولت منها قطفًا أخذته - أو قال: تناولت منها قطفًا - فقصرت يدي عنه، وعرضت علي النار، فرأيت فيها امرأةً من بني إسرائيل تعذب في هرةٍ لها ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض[7]، ورأيت أبا ثمامة عمرو بن مالكٍ يجر قُصْبَه[8] في النار)).

    وفي روايةٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف حين انصرف - من الصلاة - وقد آضت الشمس[9]، فقال: ((يا أيها الناس، إنما الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحدٍ من الناس، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فصلوا حتى تنجلي، ما من شيءٍ توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخرت؛ مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قُصْبَه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه[10]، فإن فطن له، قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به، وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة، التي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت جوعًا، ثم جيء بالجنة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت، حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي ألا أفعل، فما من شيءٍ توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه))[11].

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إن الشمس والقمر من آيات الله، وإنهما لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فكبروا، وادعوا الله، وصلوا، وتصدقوا، يا أمة محمدٍ، إن من أحدٍ أغير من الله؛ أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمدٍ، والله لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا، ألا هل بلغت))[12].

    وفي روايةٍ عن عائشة - أيضًا -: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها ابن لحي، وهو الذي سيب السوائب))[13].

    وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك كففت[14]، فقال: ((إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أرَ كاليوم منظرًا قط، ورأيت أكثر أهلها النساء))، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: ((بكفرهن))، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: ((بكفر العشير، وبكفر الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط))[15].

    قال ابن حجرٍ رحمه الله:
    "يوم مات إبراهيم - يعني: ابن النبي صلى الله عليه وسلم - وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذ ذاك بمكة في الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلافٍ، نعم قيل: إنه مات سنة تسعٍ، فإن ثبت يصح، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية، ويجاب بأنه كان يومئذٍ بالحديبية ورجع منها في آخر الشهر"؛ اهـ[16].

    قوله:
    .............................. . ♦♦♦ وَالْبَجَلِي أَسْلَمَ وَاسْمُهُ جَرِيرْ

    قال ابن حجرٍ رحمه الله:
    جزم الواقدي بأنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة عشرٍ... وفيه عندي نظرٌ؛ لأن شريكًا حدث عن الشيباني، عن الشعبي، عن جريرٍ، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أخاكم النجاشي قد مات...))؛ الحديث.

    أخرجه الطبراني[17]، فهذا يدل على أن إسلام جريرٍ كان قبل سنة عشرٍ؛ لأن النجاشي مات قبل ذلك[18].

    عن جرير بن عبدالله رضي الله عنه قال: لما دنوت من المدينة، أنخت راحلتي، ثم حللت عيبتي، ثم لبست حلتي، ثم دخلت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فرماني الناس بالحدق[19]، فقلت لجليسي: يا عبد الله، ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ذكرك آنفًا بأحسن ذكرٍ، فبينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته، وقال: ((يدخل عليكم من هذا الباب - أو من هذا الفج - من خير ذي يمنٍ، إلا أن على وجهه مسحة ملكٍ[20]))[21].

    وعنه رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا تريحني من ذي الخلصة؟))، وكان بيتًا في خثعم يسمى الكعبة اليمانية، فانطلقت في خمسين ومائة فارسٍ من أحمس[22]، وكانوا أصحاب خيلٍ، وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري، وقال: ((اللهم ثبِّتْه واجعله هاديًا مهديًّا))، فانطلق إليها فكسرها وحرقها، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول جريرٍ: والذي بعثك بالحق، ما جئتك حتى تركتها كأنها جملٌ أجرب، قال: فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مراتٍ[23].


    [1] متفق عليه: أخرجه البخاري (1245)، ومسلم (951).
    [2] متفق عليه: أخرجه البخاري (1320)، ومسلم (952).
    [3] في "التاريخ" (2/ 191).
    [4] "الإصابة" (1/ 105)، وانظر: "عيون الأثر" (2/ 374).
    [5] أخرجه البخاري (1303).
    [6] أخرجه البخاري (1060).
    [7] خشاش الأرض؛ أي: من هوامها وحشراتها، وقيل: من صغار الطير؛ (نووي).
    [8] قُصْبَه: أمعاءَه.
    [9] آضت الشمس؛ أي: رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف، وهو من آض يئيض إذا رجع؛ (نووي).
    [10] المحجن: هو عصا معكوفة الطرف.
    [11] أخرجه مسلم (904).
    [12] متفق عليه: أخرجه البخاري (1044)، ومسلم (901).
    [13] متفق عليه: أخرجه البخاري (1046)، ومسلم (901)، واللفظ لمسلم.
    قوله: ((وهو الذي سيب السوائب))، السائبة: ناقة، أو بقرة، أو شاة، إذا بلغت من العمر شيئًا اصطلحوا عليه، سيبوها؛ فلا تركب، ولا يحمل عليها، ولا تؤكل؛ تقربًا للآلهة، وكان ابن لحي هو الذي سن ذلك.
    [14] كففت؛ أي: وقفت.
    [15] متفق عليه: أخرجه البخاري (1052)، ومسلم (907).
    [16] "فتح الباري" (2/ 614، 615).
    [17] الطبراني في "المعجم الكبير" (5983، 8525).
    [18] "الإصابة" (1/ 266).
    [19] أي: نظروا إلي بأعينهم.
    [20] حيث كان جرير رضي الله عنه جميل الوجه.
    [21] أخرجه أحمد (19180).
    [22] أحمس: رهط جرير؛ ينتسبون إلى أحمس بن الغوث بن أنمار.
    [23] متفق عليه: أخرجه البخاري (4356)، ومسلم (2475).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/98002/#ixzz4NoIdlbGb
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  18. #38
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    خطبته صلى الله عليه وسلم بتأكيد الفسخ وطاعة الصحابة له:
    فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، فقال: ((أبالله تعلموني أيها الناس؟ قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم، وأبركم، افعلوا ما آمركم به؛ فإني لولا هديي، لحللت كما تحلون، ولكن لا يحل مني حرامٌ[1] حتى يبلغ الهدي محله، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، لم أسق الهدي، فحلوا))، قال: فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وسمعنا وأطعنا.

    فحل الناس كلهم وقعدوا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هديٌ.
    قال: وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة[2].

    التوجُّه إلى منى محرمين يوم الثامن:
    فلما كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهرٍ، توجهوا إلى منًى، فأهلوا بالحج من البطحاء.

    قال: ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها فوجدها تبكي، فقال: ((ما شأنك؟))، قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: ((إن هذا أمرٌ كتبه الله على بنات آدم؛ فاغتسلي، ثم أهلي بالحج، ثم حجي، واصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا تصلي))، ففعلت - وفي روايةٍ -: فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت.

    وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى بها - يعني: بمنًى، وفي روايةٍ: بنا - الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبةٍ له - من شعرٍ - تضرب له بنمرة[3].

    التوجه إلى عرفات والنزول بنمرة:
    فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم[4]، ولا تشك قريشٌ إلا أنه واقفٌ عند المشعر الحرام بالمزدلفة، ويكون منزله ثم، كما كانت قريشٌ تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها.

    حتى إذا زاغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي[5].

    خطبة عرفات:
    فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: ((إن دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيءٍ من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوعٌ، ودماء الجاهلية موضوعةٌ، وإن أول دمٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، كان مسترضعًا في بني سعدٍ فقتلته هذيلٌ، وربا الجاهلية موضوعٌ، وأول ربًا أضع ربانا: ربا عباس بن عبدالمطلب، فإنه موضوعٌ كله، فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرحٍ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعد إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون - وفي رواية: مسؤولون - عني، فما أنتم قائلون؟))، قالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، وأديت، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشهد)).

    الجمع بين الصلاتين والوقوف على عرفة:
    ثم أذن بنداءٍ واحدٍ، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا.

    ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات[6]، وجعل حبل المشاة بين يديه[7]، واستقبل القبلة[8]، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص[9].

    وقال: ((وقفتُ هنا، وعرفة كلها موقفٌ)).
    وأردف أسامة بن زيدٍ خلفه.

    الإفاضة من عرفات:
    ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي رواية: أفاض وعليه السكينة - وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى هكذا، وأشار بباطن كفه إلى السماء: ((أيها الناس، السكينة السكينة)).

    كلما أتى حبلًا[10] من الحبال، أرخى لها قليلًا حتى تصعد[11].

    الجمع بين الصلاتين في المزدلفة والبيات بها:
    حتى أتى المزدلفة فصلى بها، فجمع المغرب والعشاء، بأذانٍ واحدٍ وإقامتين، ولم يسبح[12] بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر[13]، وصلى الفجر حين تبين له الفجر، بأذانٍ وإقامةٍ.

    الوقوف على المشعر الحرام:
    ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام[14]، فرقي عليه، فاستقبل القبلة، فدعاه - وفي لفظ: فحمد الله - وكبره وهلله ووحَّده.

    فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، وقال: ((وقفت ها هنا، والمزدلفة كلها موقفٌ)).

    الدفع من المزدلفة لرمي الجمرة:
    فدفع من جمعٍ قبل أن تطلع الشمس، وعليه السكينة[15]، وأردف الفضل بن عباسٍ، وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيمًا، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به ظعنٌ يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر، ينظر، فحوَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر.

    حتى أتى بطن محسرٍ[16]، فحرك قليلًا[17]، وقال: ((عليكم السكينة)).

    رمي الجمرة الكبرى:
    ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها ضحًى، يكبر مع كل حصاةٍ منها، مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي وهو على راحلته، يقول: ((لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه))[18]، قال: ورمى بعد يوم النحر في سائر أيام التشريق[19]، إذا زالت الشمس، ولقيه سراقة وهو يرمي جمرة العقبة، فقال: يا رسول الله، ألنا هذه خاصةً؟ قال: ((لا، بل لأبدٍ)).

    النحر والحلق:
    ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غَبَرَ - يقول: ما بقي - وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنةٍ ببضعةٍ، فجعلت في قِدرٍ، فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها.

    وفي رواية: قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرةً.
    وفي أخرى قال: فنحرنا البعير عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعةٍ.

    وفي رواية: فاشتركنا في الجزور سبعةٌ، فقال له رجلٌ: أرأيت البقرة أَيَشْتَرِكُ فِيهَا مَنْ يَشْتَرِكُ فِي الْجَزُورِ؟ فقال: ((ما هي إلا من البدن)).

    وفي رواية: قال جابرٌ: كنا لا نأكل من البدن إلا ثلاث منًى، فأرخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((كلوا وتزوَّدوا))، قال: فأكلنا وتزودنا حتى بلغنا بها المدينة[20].

    رفع الحرج عمن قدم شيئًا من المناسك أو أخر يوم النحر:
    وفي رواية: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق وجلس بمنًى يوم النحر للناس، فما سئل يومئذ عن شيءٍ قُدِّم قبل شيءٍ إلا قال: ((لا حرج، لا حرج))، حتى جاءه رجلٌ فقال: حلقت قبل أن أنحر؟ قال: ((لا حرج)).

    ثم جاء آخر فقال: حلقت قبل أن أرمي؟ قال: ((لا حرج)).
    ثم جاء آخر فقال: طفت قبل أن أرمي؟ قال: ((لا حرج)).
    وقال آخر: طفت قبل أن أذبح؟ قال: ((اذبح لا حرج)).
    ثم جاءه آخر فقال: إني نحرت قبل أن أرمي؟ قال: ((ارمِ لا حرج)).

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قد نحرت ها هنا، ومنًى كلها منحرٌ، وكل فجاج مكة طريقٌ ومنحرٌ، فانحروا من رحالكم)).

    خطبة النحر:
    وقال جابرٌ رضي الله عنه: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فقال: ((أي يومٍ أعظم حرمةً؟)) فقالوا: يومنا هذا، قال: ((فأي شهرٍ أعظم حرمةً؟))، قالوا: شهرنا هذا، قال: ((أي بلدٍ أعظم حرمةً؟))، قالوا: بلدنا هذا، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، هل بلغت؟))، قالوا: نعم، قال: ((اللهم اشهد)).

    الإفاضة لطواف الصدر:
    ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت، فطافوا[21]، ولم يطوفوا بين الصفا والمروة[22]، فصلى بمكة الظهر.

    فأتى بني عبدالمطلب يسقون على زمزم، فقال: ((انزعوا بني عبدالمطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم، لنزعت معكم))، فناولوه دلوًا فشرب منه.

    تمام قصة عائشة رضي الله عنها:
    وقال جابرٌ رضي الله عنه: وإن عائشة حاضت، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطُفْ بالبيت.

    قال: حتى إذا طهرت طافت بالكعبة، والصفا والمروة، ثم قال: ((قد حللت من حجك وعمرتك جميعًا))، قالت: يا رسول الله، أتنطلقون بحج وعمرةٍ وأنطلق بحج؟ قال: ((إن لك مثل ما لهم)).

    فقالت: إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت.
    قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا سهلًا، إذا هوِيَتِ الشيء تابعها عليه[23].
    قال: ((فاذهب بها يا عبدالرحمن فأعمرها من التنعيم))، فاعتمرت بعد الحج، ثم أقبلت، وذلك ليلة الحصبة[24].

    وقال جابرٌ: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجَر بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه؛ فإن الناس غشوه.

    وقال: رفعت امرأةٌ صبيًّا لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجرٌ))[25].

    وقدم علي رضي الله عنه من سعايته من اليمن ببُدْنِ النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل: ترجلت[26]، ولبست ثيابًا صبغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، وقال: من أمرك بهذا؟! فقالت: إن أبي أمرني بهذا.

    قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشًا على فاطمة للذي صنعت، مستفتيًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، فقال: ((صدقت، صدقت، صدقت، أنا أمرتها به)).

    قال جابرٌ: وقال لعلي: ((ماذا قلت حين فرضت الحج؟))، قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: ((فإن معي الهدي فلا تحل، وامكث حرامًا كما أنت))، قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة: مائة بدَنةٍ[27].


    [1] أي: لا يحل من شيء حرام.
    [2] قال الألباني: هذا ما اطلع عليه جابر رضي الله عنه، فلا يعارض قول عائشة رضي الله عنها: فكان الهدي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذوي اليسارة، وقول أختها أسماء: وكان مع الزبير هدي فلم يحلل؛ أخرجهما مسلم؛ لأن من علم حجة على من لم يعلم، والمثبِت مقدَّم على النافي؛ "حجة النبي" (46) هامش.
    [3] هو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم بعرفات، وليست نمرة من عرفات.
    [4] وكان أصحابه في مسيره هذا منهم الملبي ومنهم المكبر؛ كما في حديث أنس في "الصحيحين"؛ قاله الألباني.
    [5] هو وادي عُرَنة، بضم العين وفتح الراء، وليست من عرفات؛ (نووي).
    [6] قال الألباني: هي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، قال النووي: فهذا هو الموقف المستحب، وأما ما اشتهر بين العوام من الأغبياء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا به، فغلط؛ اهـ "حجة النبي" (73) هامش.
    [7] أي: مجتمعهم؛ السابق.
    [8] وجاء في غير حديث: أنه صلى الله عليه وسلم وقف يدعو رافعًا يديه، ومن السنة أيضًا التلبية في موقفه على عرفة، خلافًا لما ذكره شيخ الإسلام في "منسكه" ص383؛ فقد قال سعيد بن جبير: كنا مع ابن عباس بعرفة، فقال لي: يا سعيد، ما لي لا أسمع الناس يلبون؟ فقلت: يخافون من معاوية، قال: فخرج ابن عباس من فسطاطه، فقال: لبيك اللهم لبيك؛ فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي رضي الله عنه.
    ثم روي الطبراني في "الأوسط" (1/ 115/ 2)، والحاكم من طريق أخرى عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بعرفات، فلما قال: ((لبيك اللهم لبيك))، قال: ((إنما الخير خير الآخرة))، وسنده حسن، وفي الباب عن ميمونة من فعلها؛ أخرجه البيهقي؛ اهـ السابق.
    [9] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقفه هذا مفطرًا؛ فقد أرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه؛ كما في "الصحيحين" عنها؛ السابق.
    [10] الحبل: المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه؛ (نهاية).
    [11] وكان في سيره هذا يلبي، لا يقطع التلبية؛ كما في حديث الفضل بن العباس، في "الصحيحين"؛ "حجة النبي" (75) هامش.
    [12] لم يسبح: المقصود منها: لم يصلِّ نفلًا.
    [13] قال الألباني: قال ابن القيم: ولم يحيِ تلك الليلة، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء، قلت: وهو كما قال، وقد بينت حال تلك الأحاديث في "التعليق الرغيب على الترغيب والترهيب"؛ "حجة النبي" (76) هامش.
    [14] المشعر الحرام: هو جبل يسمى قزح، بضم القاف وفتح الزاي، وهو جبل معروف في المزدلفة، وقيل: المشعر الحرام: جميع مزدلفة.
    [15] واستمر صلى الله عليه وسلم على تلبيته لم يقطعها؛ السابق.
    [16] بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة، سمي بذلك؛ لأن خيل أصحاب الفيل حسر فيه؛ أي: أعيي وكل، قال ابن القيم: ومحسر برزخ بين منى ومزدلفة، لا من هذه، ولا من هذه.
    قال الألباني: قلت: لكن في صحيح مسلم والنسائي عن الفضل بن عباس أن محسرًا من منى؛ اهـ.
    [17] أي: أسرع السير، كما في غير هذا الحديث، وهذه كانت عادته صلى الله عليه وسلم في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه؛ اهـ "حجة النبي" (78) هامش.
    [18] فيه إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته صلى الله عليه وسلم، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة في ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع؛ (نووي).
    [19] أيام التشريق: هي الأيام الثلاثة بعد يوم النحر.
    [20] قال الألباني: وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها قد طيبته صلى الله عليه وسلم بالمسك، وذلك عقب رميه صلى الله عليه وسلم لجمرة العقبة يوم النحر، كما تقدم؛ اهـ.
    [21] ثم حل منهم كل شيء حرم منهم؛ كما في "الصحيحين" عن عائشة وابن عمر؛ (الألباني).
    [22] كذا أطلق جابر رضي الله عنه، وفصلت ذلك عائشة رضي الله عنها، حيث قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا؛ اهـ أخرجه الشيخان (الألباني).
    [23] معناه: إذا هويت شيئًا لا نقص فيه في الدين - مثل طلبها الاعتمار وغيره - أجابها إليه، وفيه حسن معاشرة الأزواج؛ قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]، لا سيما فيما كان من باب الطاعة؛ (نووي).
    [24] سميت بذلك؛ لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المحصب وباتوا به؛ (نووي).
    [25] نقلت هذا المبحث بتمامه من كتاب "حجة النبي كما رواها عنه جابر" للعلامة المحدث الشيخ الألباني، وهو عبارة عن عدة روايات صحيحة ساقها الشيخ في سياق واحد.
    [26] ترجَّلت؛ أي: تمشَّطت.
    [27] المصدر السابق: (66 - 67).




    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/98691/#ixzz4Pavv9kqB
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  19. #39
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    قوله:
    وَأُنْزِلَتْ فِي الْيَوْمِ بُشْرَى لَكُمُ ♦♦♦ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمُ

    عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آيةٌ في كتابكم تقرؤونها، لو نزلت علينا معشر اليهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آيةٍ؟ قال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائمٌ بعرفة يوم الجمعة[1].

    قوله:
    وَمَوْتُ رَيْحَانَةَ بَعْدَ عَوْدِهِ ♦♦♦ .............................. .......

    أي: وماتت ريحانةُ رضي الله عنها بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع.

    وقد ذكر ابن إسحاق أنها ماتت بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال ابن إسحاق: (فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه)[2].

    وأما الواقدي فقال بأنها ماتت قبل النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: (فلم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع)؛ اهـ[3].

    ويظهر من كلام ابن حجرٍ رحمه الله: أنه يرجح قول الواقدي؛ حيث قال: (ومن طريق الزهري: أنه لما طلقها كانت في أهلها، فقالت: لا يراني أحدٌ بعده.

    قال الواقدي: وهذا وهمٌ؛ فإنها توفيت عنده)؛ اهـ[4].

    قوله:
    .............................. ..... ♦♦♦ وَالتِّسْعُ عِشْنَ مُدَّةً مِنْ بَعْدِهِ

    وقد أجمع المؤرخون: أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسعٍ من نسائه.

    قال ابن القيم رحمه الله:
    "ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم توفي عن تسعٍ"[5].

    قوله:
    وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ قَضَى يَقِينَا
    إِذْ أَكْمَلَ الثَّلَاثَ وَالسِّتِّينَا
    وَالدَّفْنُ فِي بَيْتِ ابْنَةِ الصِّدِّيقِ
    فِي مَوْضِعِ الْوَفَاةِ عَنْ تَحْقِيقِ
    وَمُدَّةُ التَّمْرِيضِ خُمْسَا شَهْرِ
    وَقِيلَ: بَلْ ثُلْثٌ وَخُمْسٌ فَادْرِ

    بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بالسم الذي وضعته له اليهودية بخيبر، فقال: ((يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم))[6].

    ثم شعر النبي صلى الله عليه وسلم بصداعٍ في رأسه[7].

    فكان هذا بداية مرضه صلى الله عليه وسلم، في أواخر شهر صفرٍ[8].

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: ((بل أنا والله يا عائشة وارأساه))، قالت: ثم قال: ((وما ضرك لو مت قبلي، فقمت عليك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك؟))، قالت: قلت: والله لكأني بك، لو قد فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتي، فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتامَّ به وجعه، وهو يدور على نسائه، حتى استعز به وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه، فاستأذنهن في أن يمرض في بيتي، فأذِنَّ له[9].

    وعن جندبٍ رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: ((إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ؛ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك))[10].

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأذن، فقال: ((مروا أبا بكرٍ فليصل بالناس))، فقيل له: إن أبا بكرٍ رجلٌ أسيفٌ، إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد، فأعادوا له، فأعاد الثالثة، فقال: ((إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكرٍ فليصل بالناس))، فخرج أبو بكرٍ فصلى، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفةً، فخرج يهادى بين رجلين، كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكرٍ أن يتأخر، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك، ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكرٍ يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكرٍ[11].

    وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله))، فبكى أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ؟ إن يكن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد، وكان أبو بكرٍ أعلمنا، قال: ((يا أبا بكرٍ، لا تبكِ، إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكرٍ، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي، لاتخذت أبا بكرٍ، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد بابٌ إلا سد، إلا باب أبي بكرٍ))[12].

    وفي لفظ للدارمي: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه ونحن في المسجد، عاصبًا رأسه بخرقةٍ، حتى أهوى نحو المنبر فاستوى عليه واتبعناه، قال: ((والذي نفسي بيده، إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا))، ثم قال: ((إن عبدًا عرضت عليه الدنيا وزينتها، فاختار الآخرة))، قال: فلم يفطن لها أحدٌ غير أبي بكرٍ، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله، قال: ثم هبط، فما قام عليه حتى الساعة.

    وصايا النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته:
    عن أبي عبيدة قال: آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم: ((أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))[13].

    وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، عاصب رأسه بخرقةٍ، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إنه ليس من الناس أحدٌ أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا، لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخةٍ في هذا المسجد، غير خوخة أبي بكرٍ))[14].

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ((ادعي لي أبا بكرٍ أباك وأخاك، حتى أكتب كتابًا؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائلٌ: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكرٍ))[15].

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ((وددت أن عندي بعض أصحابي))، قلنا: يا رسول الله، ألا ندعو لك أبا بكرٍ؟ فسكت، قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت، قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال: ((نعم))، فجاء فخلا به، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه، ووجه عثمان يتغير، قال قيسٌ: فحدثني أبو سهلة مولى عثمان: أن عثمان بن عفان قال يوم الدار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدًا، فأنا صائرٌ إليه، وقال علي في حديثه: وأنا صابرٌ عليه، قال قيسٌ: فكانوا يرونه ذلك اليوم[16].

    وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الأنصار قد قضوا ما عليهم، وبقي الذي عليكم؛ فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم))[17].

    وقال صلى الله عليه وسلم: ((استوصوا بالأنصار خيرًا))[18].

    وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ملحفةٌ متعطفًا بها على منكبيه، وعليه عصابةٌ دسماء، حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد أيها الناس، فإن الناس يكثرون، وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم))[19].

    وفي رواية: عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه بملحفةٍ قد عصب بعصابةٍ دسماء، حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد: فإن الناس يكثرون، ويقل الأنصار، حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم شيئًا يضر فيه قومًا وينفع فيه آخرين، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم))، فكان آخر مجلسٍ جلس به النبي صلى الله عليه وسلم[20].

    وعن أنس رضي الله عنه قال: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغرغر بنفسه: ((الصلاة وما ملكت أيمانكم))[21].

    وعن علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قال: كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم))[22].

    وعن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوفٌ خلف أبي بكرٍ، فقال: ((أيها الناس، إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا، أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فقَمِنٌ أن يستجاب لكم)).

    وفي لفظ قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستر، ورأسه معصوبٌ في مرضه الذي مات فيه، فقال: ((اللهم هل بلغت - ثلاث مراتٍ - إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح، أو ترى له))، ثم ذكر بقية الحديث[23].

    وعن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: يوم الخميس، وما يوم الخميس؟! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى، فقلت: يا ابن عباسٍ، وما يوم الخميس؟! قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، فقال: ((ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعدي))، فتنازعوا، وما ينبغي عند نبي تنازعٌ، وقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟[24] استفهموه، قال: ((دعوني، فالذي أنا فيه خيرٌ، أوصيكم بثلاثٍ: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم))[25]، قال: وسكت عن الثالثة، أو قالها فأنسيتها[26].

    وفي رواية: لما حُضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي البيت رجالٌ فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هلم أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده))، فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت، فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قوموا))، قال عبيدالله: فكان ابن عباسٍ يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم[27].


    [1] متفق عليه: أخرجه البخاري (45)، ومسلم (3017).
    [2] "سيرة ابن هشام" (2/ 245).
    [3] "الطبقات" (8/ 130).
    [4] "الإصابة" (8/ 146).
    [5] زاد المعاد" (1/ 110).
    [6] أخرجه البخاري (4428) معلقًا، وقال الحافظ في "الفتح" (7/ 737): وصله البزار، والحاكم، والإسماعيلي، من طريق عنبسة بن خالد، عن يونس بهذا الإسناد.
    [7] سيأتي تخريجه.
    [8] انظر: "تاريخ الطبري" (2/ 224، 226).
    [9] أخرجه ابن هشام في "السيرة" بإسناد صحيح.
    [10] أخرجه مسلم (532).
    [11] متفق عليه: أخرجه البخاري (664)، ومسلم (418).
    [12] متفق عليه: أخرجه البخاري (466)، ومسلم (2382).
    [13] أخرجه أحمد (1/ 195).
    [14] أخرجه البخاري (467)، وأحمد (1/ 270).
    [15] متفق عليه: أخرجه البخاري (5666)، ومسلم (3287).
    [16] رواه ابن ماجه (113)، وابن أبي عاصم في السنة (1175)، وابن سعد (3/ 66)، وقال الألباني: إسناده صحيح، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي سهلة مولى عثمان، وهو ثقة، كما قال ابن حبان والعجلي والعسقلاني، وانظر: "ظلال الجنة في تخريج السنة" (2/ 560).
    [17] رواه الشافعي والبيهقي في "المعرفة" عن أنس، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (1587).
    [18] رواه أحمد عن أنس، وصححه الألباني في صحيح الجامع (959).
    [19] أخرجه البخاري (3800) عن ابن عباس.
    [20] أخرجه البخاري (927).
    [21] أخرجه ابن ماجه (2697)، وأحمد (3/ 117)، وصححه الألباني "الإرواء" (2178).
    [22] أخرجه أبو داود (5156)، وابن ماجه (2698)، وصححه الألباني.
    [23] أخرجه مسلم (479)، وأبو داود (876).
    [24] (أهجر): بهمزة استفهام؛ أي: أنكر بعض الحاضرين على من قال: لا تكتبوا، وقال: لا تجعلوا كلامه ككلام من خلط وهذى.
    [25] (أجيزوا الوفد): أعطوه جائزته، وهي العطية المستحقة.
    [26] متفق عليه: أخرجه البخاري (4431)، ومسلم (1637).
    [27] متفق عليه: أخرجه البخاري (114)، ومسلم (1637).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/99025/#ixzz4PnhhHtwG
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  20. #40
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,202

    افتراضي

    النبي صلى الله عليه وسلم ينعى نفسه إلى فاطمة رضي الله عنها:
    عن عائشة رضي الله عنها قالت: اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يغادر منهن امرأةٌ، فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((مرحبًا بابنتي))، فأجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم إنه أسر إليها حديثًا، فبكت فاطمة، ثم إنه سارها فضحكت أيضًا، فقلت لها: ما يبكيك؟! فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزنٍ، فقلت لها حين بكت: أخصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديثه دوننا، ثم تبكين، وسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا قبض سألتها، فقالت: إنه كان حدثني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عامٍ مرةً، وإنه عارضه به في العام مرتين، ولا أراني إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهلي لحوقًا بي، ونعم السلف أنا لك، فبكيت لذلك، ثم إنه سارني فقال: ((ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة))، فضحكت لذلك[1].

    وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه، فقالت: فاطمة رضي الله عنها: واكرب أباه، فقال لها: ((ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم))[2].

    قبل الوفاة بيوم:
    وقبل يومٍ من وفاته صلى الله عليه وسلم - يوم الأحد - أعتق النبي صلى الله عليه وسلم غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته، وفي الليل استعارت عائشة الزيت للمصباح من جارتها، وكانت درعه صلى الله عليه وسلم مرهونةً عند يهودي بثلاثين صاعًا من الشعير[3].

    وعن أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما قال: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت، وهبط الناس المدينة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصمت فلم يتكلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع يديه علي ويرفعهما، فأعرف أنه يدعو لي[4].

    آخر يوم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم:
    وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في صبح اليوم الذي لحق فيه بالرفيق الأعلى ينظر إلى ثمرة جهاده وصبره، فألقى على أصحابه الذين أحبوه وأحبهم نظرة وداعٍ، فكادوا يفتنون من الفرح به صلى الله عليه وسلم؛ ظنًّا منهم أنه صلى الله عليه وسلم قد عوفي من مرضه، ولم يظنوا أنه ينظر إليهم نظرة الوداع حتى يلتقي بهم على حوضه وفي جنة الله تعالى، ولو علموا ذلك لتفطرت قلوبهم[5].

    عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: أن أبا بكرٍ كان يصلي لهم في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوفٌ في الصلاة، كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائمٌ كأن وجهه ورقة مصحفٍ، ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكًا، قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من فرحٍ بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونكص أبو بكرٍ على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجٌ للصلاة، فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن أتموا صلاتكم، قال: ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك[6].

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته؛ دخل علي عبدالرحمن وبيده السواك، وأنا مسندةٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟! فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟! فأشار برأسه أن نعم، فلينته، فأمَرَّه، وبين يديه ركوةٌ أو علبةٌ فيها ماءٌ، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه يقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت سكراتٍ))، ثم نصب يده، فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى))، حتى قبض، ومالت يده[7].

    إلى الرفيق الأعلى:
    عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة، فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه وأخذته بحةٌ: ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِين َ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]، فظننت أنه خُيِّر.

    وفي رواية قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيحٌ: ((إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير))، قالت عائشة: فلما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه على فخذي، غشي عليه ساعةً، ثم أفاق[8]، فأشخص بصره إلى السقف، ثم قال: ((اللهم الرفيق الأعلى)).

    قالت عائشة: قلت: إذًا لا يختارنا، قالت عائشة: وعرفت الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيحٌ، في قوله: ((إنه لم يقبض نبي قط، حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير)).

    قالت عائشة: فكانت تلك آخر كلمةٍ تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم، قوله: ((اللهم الرفيق الأعلى))[9].

    وانتشر نبأ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة؛ فاضطرب المسلمون؛ فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية، وقال: إنما بعث إليه[10].

    ووقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه - غير مصدق للخبر - يقول: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلةً، ثم رجع بعد أن قيل: قد مات.

    والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليقطعن أيدي رجالٍ وأرجلهم يزعمون أنه مات[11].

    وأقبل أبو بكرٍ رضي الله عنه على فرسٍ من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة رضي الله عنها، فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مسجى ببرد حبرةٍ، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، فقبَّله، ثم بكى، فقال: بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها.

    ثم خرج أبو بكرٍ وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكرٍ: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله، فإن الله حي لا يموت؛ قال الله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144]، قال ابن عباسٍ: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكرٍ، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها.

    قال ابن المسيب: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكرٍ تلاها، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات[12].


    [1] متفق عليه: أخرجه البخاري (3623، 3625)، ومسلم (2450).
    [2] أخرجه البخاري (4462)، وأحمد (3/ 204).
    [3] "سيرة الرسول" لمحمود المصري، وقد أفدت غالبية هذا المبحث منه.
    [4] حسن: رواه الترمذي (3817)، وأحمد (5/ 201)، وحسنه الألباني.
    [5] "سيرة الرسول" (685).
    [6] أخرجه البخاري (680)، ومسلم (419).
    [7] أخرجه البخاري (4449).
    [8] متفق عليه: أخرجه البخاري (4435)، ومسلم (2444).
    [9] أخرجه مسلم (2444).
    [10] "لطائف المعارف" (114).
    [11] "فقه السيرة" للغزالي (519).
    [12] أخرجه البخاري (4452، 4453، 4454).
    رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/99334/#ixzz4Q3CUNbIQ
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •