النهي عن اتباع السبل والتفرقة في الدين
النتائج 1 إلى 8 من 8
1اعجابات
  • 1 Post By العلمي أمل

الموضوع: النهي عن اتباع السبل والتفرقة في الدين

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    فاس - المغرب
    المشاركات
    780

    افتراضي النهي عن اتباع السبل والتفرقة في الدين

    النهي عن اتباع السبل والتفرقة في الدين

    حملني على الكتابة في هذا الموضوع ما نراه من تفرقة في الدين بين المسلمين فاتبعوا السبل والطرق وصاروا شيعا ومللا ونحلا وفرقا مخالفين بذلك تعاليم القرآن والسنة النبوية. فجمعت في هذه الصفحة بعض الآيات التي تنهى عن اتباع السبل والتفرقة في الدين لنشرها تباعا مع شرحها من تفسير ابن كثير رحمه الله. ودونكم الآية الأولى:
    قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (الأنعام 153)
    في تفسير ابن كثير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: { وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } وفي قوله: { أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ }
    [الشورى: 13] ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله ونحو هذا، قاله مجاهد وغير واحد.

    وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا الأسود بن عامر شاذان، حدثنا أبو بكر، هو ابن عياش، عن عاصم، هو ابن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد الله، هو ابن مسعود رضي الله عنه: قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده، ثم قال: " هذا سبيل الله مستقيماً " وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: " هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه " ثم قرأ: { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } ، وكذا رواه الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن أبي بكر بن عياش به، وقال: صحيح، ولم يخرجاه، وهكذا رواه أبو جعفر الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود مرفوعاً به نحوه، وكذا رواه يزيد بن هارون ومسدد والنسائي عن يحيى بن حبيب بن عربي، وابن حبان من حديث ابن وهب، أربعتهم عن حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به، وكذا رواه ابن جرير عن المثنى عن الحماني عن حماد بن زيد به، ورواه الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد به كذلك، وقال: صحيح ولم يخرجاه. وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم من حديث أحمد بن عبد الله ابن يونس، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود به مرفوعاً، وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، به، فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين، ولعل هذا الحديث عن عاصم بن أبي النجود عن زر، وعن أبي وائل شقيق بن سلمة، كلاهما عن ابن مسعود به، والله أعلم.
    وقال الحاكم: وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي عن جابر من وجه غير معتمد، يشير إلى الحديث الذي قال الإمام أحمد وعبد بن حميد واللفظ لأحمد: حدثنا عبد الله بن محمد، وهو أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأنا أبو خالد الأحمر، عن مجاهد، عن الشعبي، عن جابر، قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً هكذا أمامه، فقال:
    " هذا سبيل الله " وخطين عن يمينه، وخطين عن شماله، وقال: " هذه سبل الشيطان " ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية: { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ورواه أحمد وابن ماجه في كتاب السنة من سننه، والبزار عن أبي سعيد عبد الله بن سعيد عن أبي خالد الأحمر به، قلت: ورواه الحافظ بن مردويه من طريقين عن أبي سعيد الكندي، حدثنا أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، وخط عن يمينه خطاً، وخط عن يساره خطاً، ووضع يده على الخط الأوسط، وتلا هذه الآية: { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ } ولكن العمدة على حديث ابن مسعود، مع ما فيه من الاختلاف، إن كان مؤثراً، وقد روي موقوفاً عليه، قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان، عن عثمان: أن رجلاً قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن يساره جواد، ثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجواد، انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط، انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } الآية، وقال ابن مردويه: حدثنا أبو عمرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا أبان بن أبي عياش، عن مسلم بن أبي عمران، عن عبد الله ابن عمر، سأل عبد الله عن الصراط المستقيم، فقال ابن مسعود: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وذكر تمام الحديث كما تقدم، والله أعلم.
    وقد روي من حديث النواس بن سمعان نحوه، قال الإمام أحمد: حدثني الحسن بن سوار أبو العلاء، حدثنا ليث، يعني: ابن سعد، عن معاوية بن صالح: أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعن جنبي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يدعو: يا أيها الناس هلموا ادخلوا الصراط المستقيم جميعاً، ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه، فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب، المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم "
    ورواه الترمذي والنسائي عن علي بن حجر، زاد النسائي: وعمرو بن عثمان، كلاهما عن بقية بن الوليد، عن يحيى بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان، به، وقال الترمذي: حسن غريب.
    وقوله تعالى: { فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ } إنما وحد سبيله؛ لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل؛ لتفرقها وتشعبها؛ كما قال تعالى:
    { ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّـٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَـٰتِ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }
    [البقرة: 257] وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سفيان ابن حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ " ثم تلا: { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } حتى فرغ من ثلاث آيات، ثم قال: " ومن وفى بهن، فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئاً، فأدركه الله في الدنيا، كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة، كان أمره إلى الله، إن شاء آخذه، وإن شاء عفا عنه ".

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    فاس - المغرب
    المشاركات
    780

    افتراضي

    قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (159) مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) ﴾ (الأنعام 159-161)
    (159) إن الذين فرقوا دينهم بعد ما كانوا مجتمعين على توحيد الله والعمل بشرعه، فأصبحوا فرقا وأحزابا، إنك -أيها الرسول- بريء منهم، إنما حكمهم إلى الله تعالى، ثم يخبرهم بأعمالهم، فيجازي من تاب منهم وأحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته. ( 160 ) من لقي ربه يوم القيامة بحسنة من الأعمال الصالحة فله عشر حسنات أمثالها، ومن لقي ربه بسيئة فلا يعاقب إلا بمثلها، وهم لا يظلمون مثقال ذرة. ( 161 ) قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم الموصل إلى جنته، وهو دين الإسلام القائم بأمر الدنيا والآخرة، وهو دين التوحيد دين إبراهيم عليه السلام، وما كان إبراهيم عليه السلام من المشركين مع الله غيره. في تفسير ابن كثير رحمه الله : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا }: وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ } الآية، وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمر السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، كتب إلي عباد بن كثير، حدثنا ليث عن طاوس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ } وليسوا منك، هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة. لكن هذا إسناد لا يصح؛ فإن عباد بن كثير متروك الحديث، ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وهم في رفعه؛ فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث، وهو ابن أبي سليم، عن طاوس عن أبي هريرة في الآية أنه قال: نزلت في هذه الأمة. وقال أبو غالب عن أبي أمامة في قوله: { وَكَانُواْ شِيَعًا } قال: هم الخوارج، وروي عنه مرفوعاً، ولا يصح. وقال شعبة عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: " { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا } - قال: -هم أصحاب البدع " وهذا رواه ابن مردويه، وهو غريب أيضاً، ولا يصح رفعه، والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفاً له؛ فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه، { وَكَانُواْ شِيَعًا } أي: فرقاً؛ كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى:
    { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِىۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا }
    [الشورى: 13] الآية.
    وفي الحديث: " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد " فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل؛ من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك، فضلالات وجهالات وآراء وأهواء، والرسل برآء منها؛ كما قال الله تعالى: { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ }. وقوله تعالى: { إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } كقوله تعالى:
    { إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئِين َ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ }
    [الحج: 17] الآية. ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة فقال تعالى: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى، وهي قوله: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا } وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية؛ كما قال الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجعد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: " إن ربكم عز وجل رحيم، من هم بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها، كتبت له واحدة، أو يمحوها الله عز وجل، ولا يهلك على الله إلا هالك " ورواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث الجعد أبي عثمان به. وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول الله عز جل: من عمل حسنة، فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة، فجزاؤها مثلها أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة، ثم لقيني لا يشرك بي شيئاً، جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبراً، اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إلي ذراعاً، اقتربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة " ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش به، ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من هم بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها، كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها، لم يكتب عليه شيء، فإن عملها، كتبت عليه سيئة واحدة " واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام: تارة يتركها لله، فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية، ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة؛ كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح: " فإنما تركها من جرائي " أي: من أجلي، وتارة يتركها نسياناً وذهولاً عنها، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو خيراً، ولا فعل شراً، وتارة يتركها عجزاً وكسلاً عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار " قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " وقال الإمام أبو يعلى الموصلي: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا علي، وحدثنا الحسن بن الصباح وابن خيثمة، قالا: حدثنا إسحاق بن سليمان، كلاهما عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من هم بحسنة، كتب الله له حسنة، فإن عملها، كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة، لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها، كتبت عليه سيئة، فإن تركها، كتبت له حسنة، يقول الله تعالى: إنما تركها من مخافتي " ، هذا لفظ حديث مجاهد، يعني: ابن موسى، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الركين بن الربيع عن أبيه عن عمه فلان بن عميلة، عن خريم بن فاتك الأسدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الناس أربعة، والأعمال ستة، فالناس موسع له في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فالموجبتان، من مات مسلماً مؤمناً لا يشرك بالله شيئاً وجبت له الجنة، ومن مات كافراً وجبت له النار، ومن هم بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها، كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة، لم تكتب عليه، ومن عملها، كتبت واحدة، ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة، كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله عز وجل، كانت بسبعمائة ضعف " ورواه الترمذي والنسائي من حديث الركين بن الربيع عن أبيه عن بشير بن عميلة عن خريم بن فاتك به ببعضه، والله أعلم.

    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب بن المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها بلغو، فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء، فهو رجل دعا الله، فإن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام " ، وذلك لأن الله عز وجل يقول: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } " وعن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صام ثلاثة أيام من كل شهر، فقد صام الدهر كله " رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه، والنسائي وابن ماجه والترمذي، وزاد: " فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } اليوم بعشرة أيام " ثم قال: هذا حديث حسن. وقال ابن مسعود: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }: من جاء بلا إله إلا الله، { وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ } ، يقول: بالشرك، وهكذا جاء عن جماعة من السلف رضي الله عنهم أجمعين، وقد ورد فيه حديث مرفوع الله أعلم بصحته، لكني لم أروه من وجه يثبت، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جداً وفيما ذكر كفاية إن شاء الله، وبه الثقة.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    فاس - المغرب
    المشاركات
    780

    افتراضي

    قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) ﴾ (الروم 30-32) ( 30 ) فأقم -أيها الرسول أنت ومن اتبعك- وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك، وهو الإسلام الذي فطر الله الناس عليه، فبقاؤكم عليه، وتمسككم به، تمسك بفطرة الله من الإيمان بالله وحده، لا تبديل لخلق الله ودينه، فهو الطريق المستقيم الموصل إلى رضا الله رب العالمين وجنته، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الذي أمرتك به -أيها الرسول- هو الدين الحق دون سواه. ( 31 ) وكونوا راجعين إلى الله بالتوبة وإخلاص العمل له، واتقوه بفعل الأوامر واجتناب النواهي، وأقيموا الصلاة تامة بأركانها وواجباتها وشروطها، ولا تكونوا من المشركين مع الله غيره في العبادة. ( 32 ) ولا تكونوا من المشركين وأهل الأهواء والبدع الذين بدَّلوا دينهم، وغيَّروه، فأخذوا بعضه، وتركوا بعضه؛ تبعًا لأهوائهم، فصاروا فرقًا وأحزابًا، يتشيعون لرؤسائهم وأحزابهم وآرائهم، يعين بعضهم بعضًا على الباطل، كل حزب بما لديهم فرحون مسرورون، يحكمون لأنفسهم بأنهم على الحق وغيرهم على الباطل.
    في تفسير ابن كثير رحمه الله :
    {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } * { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } * { مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } يقول تعالى: فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها؛ فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره؛ كما تقدم عند قوله تعالى:
    { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ }
    [الأعراف: 172]. وفي الحديث: " إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم " وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة؛ كاليهودية والنصرانية والمجوسية.
    وقوله تعالى: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ } قال بعضهم: معناه: لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبراً بمعنى الطلب؛ كقوله تعالى:
    { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً }
    [آل عمران: 97] وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك. ولهذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وابن زيد في قوله: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ } أي: لدين الله، وقال البخاري: قوله: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ } لدين الله، خلق الأولين: دين الأولين، الدين والفطرة: الإسلام.
    حدثنا عبدان: أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " ثم يقول: " فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " ورواه مسلم من حديث عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به، وأخرجاه أيضاً من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسود بن سريع التميمي. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه، فأصبت ظهراً، فقتل الناس يومئذ، حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟ " فقال رجل: يا رسول الله أما هم أبناء المشركين؟ فقال: " لا، إنما خياركم أبناء المشركين ــــ ثم قال ــــ لا تقتلوا ذرية، ولا تقتلوا ذرية ــــ وقال ــــ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها " ورواه النسائي في كتاب السير عن زياد بن أيوب عن هشيم، عن يونس، وهو ابن عبيد بن الحسن البصري، به. ومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا أبو جعفر عن الربيع بن أنس عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً ". ومنهم عبد الله بن عباس الهاشمي. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد المشركين، فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم " أخرجاه في " الصحيحين " من حديث أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً بذلك.
    وقد قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عفان، حدثنا حماد، يعني: ابن سلمة، أنبأنا عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال: أتى علي زمان وأنا أقول: أولاد المسلمين مع أولاد المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين، حتى حدثني فلان عن فلان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنهم، فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين " قال: فلقيت الرجل فأخبرني، فأمسكت عن قولي. ومنهم عياض بن حمار المجاشعي. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم، فقال في خطبته: " إن ربي عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل ما نحلته عبادي حلال، وإِني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإِنهم أتتهم الشياطين، فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم؛ عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: رب إذاً يثلغ رأسي، فيدعه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم، فسننفق عليك، وابعث جيشاً، نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك ــــ قال ــــ: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير متصدق. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك " وذكر البخيل أو الكذاب والشنظير: الفحاش. انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن قتادة به. وقوله تعالى: { ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ } أي: التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أي: فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: { وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ }
    [يوسف: 103] وقال تعالى: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ }
    [
    الأنعام: 116] الآية. وقوله تعالى: { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } قال ابن زيد وابن جريج: أي راجعين إليه. { وَٱتَّقُوهُ } أي: خافوه وراقبوه، { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ } وهي الطاعة العظيمة، { وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } أي: بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يوسف بن أبي إسحاق عن يزيد بن أبي مريم قال: مر عمر رضي الله عنه بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث، وهن المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة، وهي الملة، والطاعة، وهي العصمة، فقال عمر: صدقت. حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب عن أبي قلابة أن عمر رضي الله عنه قال لمعاذ: ما قوام هذا الأمر؟ فذكر نحوه.

    وقوله تعالى: { مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم، أي: بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وقرأ بعضهم: (فارقوا دينهم)، أي: تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام؛ كما قال تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ }
    [
    الأنعام: 159] الآية، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومثل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضاً اختلفوا فيما بينهم على نحل، كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في " مستدركه ": أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية منهم فقال: " ما أنا عليه اليوم وأصحابي ".

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    فاس - المغرب
    المشاركات
    780

    افتراضي

    قال تعالى : ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)﴾ الشورى: 13 - 15 في تفسير ابن كثير رحمه الله : يقول تعالى لهذه الأمة: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلِدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِىۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } فذكر أول الرسل بعد آدم عليه السلام، وهو نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر من بين ذلك من أولي العزم، وهم إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم. وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة؛ كما اشتملت آية الأحزاب عليهم في قوله تبارك وتعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ }
    [الأحزاب: 7] الآية. والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال عز وجل:
    { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلآ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ }
    [الأنبياء: 25]. وفي الحديث: " نحن معشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد " أي: القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم؛ كقوله جل جلاله:
    { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً }
    [المائدة: 48] ولهذا قال تعالى ههنا: { أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } أي: وصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، وقوله عز وجل: { كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } أي: شق عليهم، وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد. ثم قال جل جلاله: { ٱللَّهُ يَجْتَبِىۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ } أي: هو الذي يقدر الهداية لمن يستحقها، ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد، ولهذا قال تبارك وتعالى: { وَمَا تَفَرَّقُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ } أي: إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشقة. ثم قال عز وجل: { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } أي: لولا الكلمة السابقة من الله تعالى بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد، لعجل عليهم العقوبة في الدنيا سريعاً. وقوله جلت عظمته: { وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِهِمْ } يعني: الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق { لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } أي: ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم وشك مريب وشقاق بعيد.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    فاس - المغرب
    المشاركات
    780

    افتراضي

    قال تعالى : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) ﴾ يوسف : 108 في تفسير ابن كثير رحمه الله : يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين: الإنس والجن، آمراً له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي: طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي. وقوله: { وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ } أي: وأنزه الله، وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير، أو عديل أو نديد، أو ولد أو والد، أو صاحبة أو وزير أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه، وتعالى عن ذلك كله علواً كبيراً، { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا }[الإسراء: 44].
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ماجد مسفر العتيبي

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    فاس - المغرب
    المشاركات
    780

    افتراضي

    قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)﴾ آل عمران : 102-105 في تفسير ابن كثير رحمه الله : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن عن سفيان وشعبة عن زبيد اليامي، عن مرة، عن عبد الله، هو ابن مسعود: { ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } قال: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وهذا إسناد صحيح موقوف، وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" { ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى " ، وكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث مسعر عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعاً، فذكره، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، كذا قال، والأظهر أنه موقوف، والله أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خُثيم وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي وطاوس والحسن وقتادة وأبي سنان والسدي، نحو ذلك. وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي العبدُ اللّهَ حق تقاته حتى يخزن لسانه. وقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: { ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } قال: لم تنسخ، ولكن { حَقَّ تُقَاتِهِ } أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. وقوله تعالى: { وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فعياذاً بالله من خلاف ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا شعبة، قال: سمعت سليمان عن مجاهد: أن الناس كانوا يطوفون بالبيت، وابن عباس جالس معه محجن، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ، ولو أن قطرة من الزقوم قُطِرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم؟ " وهكذا رواه الترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من طرق عن شعبة، به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن با لله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ". وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " ورواه مسلم من طريق الأعمش به. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً فله " ، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي ". وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت، وأحسبه عن أنس، قال: كان رجل من الأنصار مريضاً، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فوافقه في السوق، فسلم عليه، فقال له: " كيف أنت يا فلان " ؟ قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف " ، ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديثه، ثم قال الترمذي: غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلاً، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا أخر إلا قائماً، ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة به، وترجم عليه فقال: (باب كيف يخر للسجود)، ثم ساقه مثله، فقيل: معناه: على أن لا أموت إلا مسلماً، وقيل: معناه: أن لا أقتل إلا مقبلاً غير مدبر، وهو يرجع إلى الأول. وقوله تعالى: وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } قيل: { بِحَبْلِ ٱللَّهِ } أي: بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ }

    [آل عمران: 112] أي: بعهد وذمة، وقيل: { بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ } يعني: القرآن؛ كما في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعاً في صفة القرآن: " هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم ".

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    فاس - المغرب
    المشاركات
    780

    افتراضي

    وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض ". وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص، عن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله: " إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه " ، وروى من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك. وقال وكيع: حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله: إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين، يا عبد الله هذا الطريق، هلم إلى الطريق، فاعتصموا بحبل الله؛ فإن حبل الله القرآن. وقوله: { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال " وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ؛ كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة، فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وقوله تعالى: وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } إلى آخر الآية، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعدواة شديدة، وضغائن وإحن وذحول، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخواناً متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: { هُوَ ٱلَّذِىۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِ ينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ }
    [
    الأنفال: 62 ـ63] إلى آخر الآية، وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان، وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم؛ بما فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله، فخطبهم فقال: " يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي. وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي " ؟ فكلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلاً من اليهود مَرَّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلاً معه أمره أن يجلس بينهم، ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتوعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم، فجعل يسكنهم ويقول: " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم " ؟ وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح، رضي الله عنهم. وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك، والله أعلم. يقول تعالى: { وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ } منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، { وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } ، قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة، يعني: المجاهدين والعلماء. وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ } ثم قال: " الخير اتباع القرآن وسنتي " رواه ابن مردويه. والمقصود من هذه الآية، أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكراً فيلغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " وفي رواية: " وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ". وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم " ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن أبي عمرو، به، وقال الترمذي: حسن، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، مع الآيات الكريمة، كما سيأتي تفسيرها في أماكنها. ثم قال تعالى: { وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ } الآية، ينهى تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين؛ في افتراقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي، عن أبي عامر عبد الله بن الهوزني، قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة، قام حين صلى الظهر، فقال: إن رسول الله قال: " إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثة وسبعين ملة يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله " والله يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم، لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به، وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى، كلاهما عن أبي المغيرة، واسمه عبد القدوس بن الحجاج الشامي، به، وقد روي هذا الحديث من طرق.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    الدولة
    في ملك الله
    المشاركات
    35

    افتراضي

    وفقنا الله واياكم لكل خير

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •