نفحةٌ مكية


ليس شيء أحبّ إلى القلب من تلك اللحظات التي يُوَفّقُ فيها لزيارة المسجد الحرام، والتمتع برؤية الكعبة المشرفة.. إنها ليست مجرد زيارةٍ للبيت الحرام، وإتمامٍ لمناسك الحج أو العمرة، إنها أبعدُ من ذلك!


لقد طاف بي طائفٌ من الذكريات التاريخية حين زرتُ مكةَ شرّفها الله - في الأسبوع الماضي- بل يردْني هذا كلما زرتُ البيت الحرام.. وتساءلتُ وشريطُ الذكريات يمرُّ كلمح البصر.. أَنْظُرُ هنا وهناك.. وأقول في نفسي: هنا كان صناديد قريش، وهم يجتمعون في منتداهم بجوار الكعبة ليمارسوا عادتهم في السخرية والصد عن الاستماع لهذا النبي الجديد!


وهناك لاحتْ لي صورةُ قيامِ أشقاهم ليُلقي سلا الجزور على ظهره الشريف صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، ولم يجد له في تلك الساعة معيناً من الناس إلا ابنته الصغيرة فاطمة، التي لم تملك حينها إلا إرسال رسائل الشتم لهم على سوء صنيعهم! أما هو صلى الله عليه وسلم، فلم يَرُعْهم إلا وهو يرفع يديه قائلاً: «اللهم عليك الملا من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف، أو أبي بن خلف»([1])، فأصابتهم الدعوةُ، فجمعهم الله شرّ مجمع في قليب بدر، وهم جيف!


وحين وقفتُ على الصفا، تذكرتُ صعوده صلى الله عليه وسلم عليه منادياً ذلك النداء المشفق: «يا صباحاه»، فاجتمعوا إليه، فقال: «يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب»، فاجتمعوا إليه، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟» قالوا: ما جربنا عليك كذِبا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، قال: فقال أبو لهب: تبًا لك! أما جمعْتنا إلا لهذا؟! ثم قام، فنزلت سورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِيْ لَهَبٍ وَتَبَّ...﴾([2]).


سبحان الله! كم هي وقاحة عمّه هذا الذي قابله بهذا السوء! أَمَا إنه لو سكت لكان أهون، ولكن: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾[المائدة: 41]، فاستمر هذا الشقي أبو لهب محرّضًا على ابن أخيه، بل ومتتبعاً للناس في موسم الحجّ محذِّراً من اتباعه!


فقلتُ في نفسي ـ وأنا أرى أمامي مسلمين من الصين، وأفريقيا السوداء، وأوروبا، وشرق آسيا، والهند، فضلاً عن بقية العرب ـ: أين أنت أيها الشقي؟ لِترى كم هم الذين يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؟ قالوها وهم لم يروه، وأحبّوه ولم تكتحل عيونُهم بلقياه، ولو طُلبتْ أرواحُهم فداء له لقدّموها زرافاتٍ ووحدانا! أين أنت لتدرك هذه الحقيقة التي وعد الله بها ـ ومن أصدق وعداً منه سبحانه ـ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 32، 33].


لقد كانت منتديات قريش أولَّ البعثة تعجّ بمنكر القول والعمل، وبرمي هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالنقائص، ولم يمض على هذا سوى زمنٍ يسير حتى صارت جنباتُ البيت الحرام تعجّ بحِلَق الذكر التي لا يخلو درس منها من الإعلان لله بالتوحيد، ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة!


إنها مشاعر عابرة، لكنها تورث في القلب من المعاني الشيء الكثير..
إنها مشاعرُ تزيد الإيمان، وتعزز اليقين بأن دين الله ظاهر وإن كاد له أعداؤه، وبأن النصر له وإن حُورِب، ولكن من الذي يركب مراكب الشرف في نصرته والدفاع عنه، ونشر قِيَمه ومبادئه؟


إن كل مسلمٍ يلتزم بالإسلام حقاً، قولاً وعملاً، مظهراً وسلوكاً؛ هو مساهم في ذلك، فالنصرُ ليس بالسيف والدبابة فحسب، بل هو نصرٌ تتنوع صوره، إنه دينٌ ينتصر بالقيم والأخلاق ـ كما انتصر بها "الصادق الأمين" صلى الله عليه وسلم ـ، وينتصرُ بالعلم النافع والعمل الصالح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾[التوبة:33]، وينتصرُ بالسيف ـ إذا وُجد سببه ـ فهنيئاً لمن نصر اللهُ به دينَه، والويل لمن صدّ عنه بقوله وفعله، أو حاربه بماله وإعلامه: ﴿فَسَيُنْفِقُو َهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾[الأنفال: 36].




______
([1]) البخاري ح(3185) مسلم ح(1794)، واللفظ للبخاري.
([2]) البخاري ح(4770) مسلم ح(208).



* المقال على الموقع: http://almuqbil.com/web/?action=arti...r&show_id=1763