ضوابط في معرفة السيرة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
النتائج 1 إلى 5 من 5
3اعجابات
  • 1 Post By ابوخزيمةالمصرى
  • 1 Post By ابوخزيمةالمصرى
  • 1 Post By ابوخزيمةالمصرى

الموضوع: ضوابط في معرفة السيرة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي ضوابط في معرفة السيرة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ

    ضوابط في معرفة السيرة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ

    ضوابط في معرفة السيرة
    لفضيلة الشيخ
    صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله حق الحمد، والثناء، له جلّ وعلا كله، فهو ولي الفضل وهو وليّ الإحسان وهو وليّ النعمة، ومن أعظم نعمه علينا أنْ بعث محمدا عليه الصلاة والسلام إلينا هاديا وبشيرا ونذيرًا، {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين}، {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، به أزال الله جلّ وعلا الشرك وجنده، وبه أقام الله جلّ وعلا التوحيد وأهله وبه أبصر الناس بعد العمى، وهُدِيَ الناسُ بعد الضلالة فما أعظم منته جلّ وعلا علينا ببعث محمد عليه الصلاة والسلام، وما أعظم مِنَّة محمد عليه الصلاة والسلام على أمته فإنهم لو فدَوه بأنفسهم وأولادهم وأهليهم وأموالهم ما قضوا حقه عليه الصلاة والسلام، أليس هو الذي وجدنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا منها صلى على نبينا محمد كفاء ما أرشد وعلّم وبيّن، ونشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد وتركنا بعده على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده صلّى الله عليه وسلّم إلاّ هالك وصلى الله وسلم على صحابته الذين نصروه وعزَّرُوه وأيدوه، وصلى الله على من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم برحمة أرحم الراحمين، أما بعد:
    فأسأل الله جلّ وعلا أنْ يجعلني وإياكم ممن أعطاه قلبا خاشعًا ودعاءً مسموعًا اللّهم اجعلنا ممن تخشعُ قلوبهم لك وتلين أفئدتهم لذكرك اللّهم وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، فلا حول لنا ولا قوة إلاّ بك، نعوذ بك من إرادة العلو في الأرض والفساد، ونسألك أنْ تعيذنا من العِيّ، وأنْ تعيذنا من خطل الرّأي ومن البعد عن الصواب، اللّهم فوفقنا فأنت ولي التوفيق {ومن يهدِ الله فهو المهتدي}، ثم إني أشكر في فاتحة هذه المحاضرة الإخوة الكرام في مكتب الدعوة والإرشاد في محافظة الخرج على أنْ دعوا لهذه المحاضرة واهتموا بها وليس هذا بغريب فهم حريصون على الخير ويمثلهم فضيلة الأخ الشيخ عبد الرحمن الصغير وكذلك فضيلة الأخ الشيخ امام المسجد وكذلك بقية الإخوة الكرام، فأسأل الله جلّ وعلا لهم المزيد من فضله وأنْ يتقبل ما بذلوا وما انتقلوا من أجل نشر الحق والهدى، ثم إنّ هذه المحاضرة موضوعها ضوابط في فهم سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وهذه المحاضرة ليست موعظة من المواعظ وإنما هي محاضرة تأصيلية في موضوع سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذًا ربما انتفع منها الجميع وخُصّ بالانتفاع بها من كان له مساس وله صلة بالعلم والسنة والسيرة وبالدعوة والإرشاد، ولا شك أنّ سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم بها اهتم العلماء قديما وحديثا، وذلك لأنّ بهدي المصطفى
    صلّى الله عليه وسلّم تتبيّن الأشياء وقد قال لنا جلّ وعلا: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} فالاهتمام بالسيرة لابدّ منه لأنّ بالسيرة وبالاهتمام بها معرفةَ أحواله عليه الصلاة والسلام من ولادته إلى وفاته عليه الصلاة والسلام وبالسيرة يعلم المسلم ما كان عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم وصحابته من نشر الدين وما كابدوا فيه وأنهم بذلوا ما بذلوا وتركوا الأمة بعدهم على أمر واضح بيِّن ولم ينتشر الإسلام بسهولة بل بذل فيه عليه الصلاة والسلام بتأييد من ربه جلّ وعلا، وبذل فيه أصحابه الكرام ما بذلوا وهذا يظهر لك في السيرة.
    ومن أوجه الاهتمام بالسيرة أيضا أنّ معرفة سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وإنّ معرفة سيرة الصحابة معه عليه الصلاة والسلام يبعث في قلوب أهل الإيمان القوة في الإيمان والقوة في اليقين وأنهم مهما تكالبت عليهم الأمور ومهما قوي الشيطان وجنده فإنّ لهم في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسوة حسنة وإنّ لهم في الصحابة الكرام أسوة حسنة، فقد شكا بعض الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام ما يلقى من شدة قريش عليه ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((قد كان من قبلكم يؤتى بالرجل فينشر بالمنشار نصفين ما بين لحمه وعظمه ما يرده ذلك عن دينه فو الذي نفسي بيده ليُتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من مكة إلى صنعاء، أو قال: من بصرى إلى مكة، لا يخاف إلاّ الله جلّ وعلا))، وهذا يُبيّن ويبعث في المؤمن أنّ الحق ليس بكثرة الناس، وأنّ المؤمن إذا حصل له ما حصل من كيد الشيطان أو من كثرة الشهوات أو من كثرة المغريات فإنه يبعثه ذلك على الاستمساك أكثر وأكثر بدين الله جلّ وعلا؛ لأنّ الصحابة رضوان الله عليهم ما تركوا دينهم ولم يتركوا توحيد الله ولم يتركوا البراءة من الشرك ولم يتركوا ما أمنوا به مع عظم ما أصابهم عليهم رضوان الله، فكيف بحال أهل هذا الزمان الذين ربما تركوا شيئا من الدين لبعض المغريات.
    النظر في السيرة وقراءة السيرة يبعث في المؤمن قوة اليقين وقوة الاستعداد للثبات على دين الله، وكذلك يبعث في قلب المؤمن قوة العزة بالإسلام وأنه عزيز بتوحيد الله جلّ وعلا وعزيز بما قام في قلبه من معرفة الله والعلم به، والإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وبما أنزل الله جلّ وعلا على رسوله: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}، وهذا من ضمن فوائد كثيرة يستفيدها كل مؤمن في النظر في سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، إذن فالأصل أنّ قراءة السيرة ليست قراءة قصص ولا حكايات وإنما هو قراءة عِظة واعتبار لأنّ بالسيرة أخذ الفوائد وأخذ ما ينفع المؤمن ويبعث فيه أنواعا من الخير والهدى والاستمساك بالحق، {فاستمسك بالذي أوحيَ إليك إنّك لعلى صراطٍ مستقيم}، {وإنّه لذكرٌ لك ولقومك وسوف تسألون}.
    تنوعت اهتمامات أهل العلم بالسيرة وذلك لعظم شأنها.
    والسيرة المقصود بها ما أُثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وعن أصحابه وعن التابعين وعن من بعدهم من أهل العلم في وصف حال سير النبي صلّى الله عليه وسلّم وحال طريقته وهيئته منذ وُلد عليه الصلاة والسلام إلى أنْ توفاه الله جلّ وعلا، فالسيرة إذن هي حكاية لما كان عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم من حين ولادته إلى أنْ توفاه الله جلّ وعلا فيها بيان ما حصل له من ولادته وما كان في ولادته من ظهور بعض المعجزات، وظهور بعض الإرهاصات لمبعثه عليه الصلاة والسلام وذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام وذكر أحواله وأمه وأخواله وأشباه ذلك، وذكر هديه عليه الصلاة والسلام وسيرته في صغره حتى بعثه الله جلّ وعلا وما كان يتصف به قبل المبعث من أنواع الأخلاق والشمائل، كذلك سيرته عليه الصلاة والسلام حكاية لحاله منذ بعثه الله جلّ وعلا، فبلغ دعوة الله وصبر على ذلك وما ناله من الأذى وكيف بلغ والسبيل التي اتخذها للبلاغ إلى أنْ هاجر إلى المدينة ومن مهاجره إلى المدينة وتأسيسه لدولة الإسلام الأولى إلى أن توفاه الله جلّ وعلا ويدخل فيها عددُ من أهل العلم ما كان بعد ذلك من سيرة الخلفاء الراشدين وما حصل لهم من أنواع الفتوح.
    إذًا فالسيرة طريقة وهيئة والسيرة أيضا مأخوذة من السَير سار يسيرُ سيرًا يعني ما سار عليه النبي عليه الصلاة والسلام وقد جاء في القرآن ذكر السيرة بمعنى الطريقة والهيئة في قول الله جلّ وعلا: {سنعيدها سيرتها الأولى} فالسيرة إذا تشمل طريقة السير وتشمل الهيئة التي كان عليها السير ولذلك تجمع السيرة على سِيَر ويذكر فيها أنواع المغازي والفتوح ويُذكر فيها أنواع ما حصل له عليه الصلاة والسلام وما حصل لصحابته من بعده فإذن السيرة لها معنًى لُغوي ولها معنى اصطلاحي كما ذكرت لك.
    ودرج العلماء على أنّ المراد بالسيرة حين تذكر السير ما دون في كتب مخصوصة أسموها كتب السيرة وكتب السير وهذا يجعلنا نفيضُ في أنّ الكتابة في سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم وفي مغازيه كانت متقدمة في الزمن الأول، فذكر العلماء أنّ أبان بن عثمان بن عفان ابن الخليفة الراشد هو أول من دوّن سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ودوّن مغازيه وكانت وفاة أبان رحمه الله تعالى سنة (105هـ) وكان قد أخذ عن عدد كثير من الصحابة، وأخذ عنه عددٌ كثير أيضا من التابعين وممن شُهر أيضا بأخذه برواية السيرة وتتبعها عروة بن الزبير بن العوام فقد كان إمامًا في المغازي وله مغازي ألفها وجمعها باسم مغازي عروة، وقد جمع بعضها وطبع وكذلك ممن اهتم بالسيرة ابن شهاب الزهري الإمام المعروف سيد المحدثين في زمانه جمع في السيرة كتابًا وفي المغازي كتابًا في ما ذكره له عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، وكذلك ممن كتب في السيرة من الأولين من التابعين عاصم بن عمر بن قتادة وغيره، من ثقات أهل العلم في القرن الأول وفاتحة القرن الثاني، في هذا يتبيّن أنّ كتابة السيرة كانت متقدمة جدًّا، ولهذا صار أهل العلم بعدهم يأخذون مأخذ التابعين في العناية بالسير والعناية بالمغازي فقد جمع ما سمع من بعض هؤلاء جمعه العالم المعروف محمد بن إسحاق المدني في كتاب ((السير والمغازي)) والذي قيل إنه ألفه بإشارة من أبي جعفر المنصور لما زار ابن إسحاق بغداد وأشار أبو جعفر إلى ابنه وقال لابن إسحاق أتعرف هذا قال نعم هذا ابن أمير المؤمنين فقال له صنف له كتابًا فيه ذكر الأخبار من خلق آدم عليه السلام إلى يومنا هذا فكتب ابن إسحاق ذلك، وكتاب ابن إسحاق رُوي عنه وانتشر بعده رحمه الله تعالى وهو إمام في السير اجتمع لديه ما تفرق فيمن قبله من التابعين الثقات.
    وإذا كان كذلك فإنّ كتاب ابن إسحاق لم يوجد كاملاً في زماننا هذا وإنما وُجِد من مغازي وسير ابن إسحاق ما انتقاه ابنُ هشام العالم اللّغوي المعروف، وهذا الانتقاء أجمع العلماء على حُسنه وعلى أنه استخلص من سيرة ابن إسحاق ما أثني على مؤلفه به وهو لا يروي السيرة عن ابن إسحاق مباشرة وإنما يرويها بواسطة رجل عن ابن إسحاق وهذه السيرة هي المعروفة الآن بسيرة ابن هشام وهذا تطور في أهل العلم فكتب في السير عدد كتب ابن حزم في السيرة وسماها ((جوامع السيرة)) وكتب ابن سيد الناس سيرة والعلماء تتابعوا على كتابة السير ومعتمدهم فيما ذكره ابن هشام عن ابن إسحاق أو فيما ذُكر في غير ذلك من المغازي.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي

    وكذلك من الذين اهتموا بكتابة السير ((الواقدي)) والعلماء منهم من يأتمنُه ويثني عيه في المغازي ومنهم من يقول هو في المغازي كشأنه في الحديث، لا يقبل حديثه ومغازي الواقدي غير موجودة الآن يعني فيما ذكر من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، واعتمدها عدد من أهل العلم والصواب أنّ الواقدي ليس بثبت فيما ينقل بل ربما حصل له من الخلط في الروايات والزيادات ما لا يعرف عن أهل العلم فلا يقبل من حديثه في المغازي ما تفرد به عن العلماء سيما ما كان معارضا لأصل من الأصول أو ما كان مخالفا لما دل عليه كلام أهل العلم في السير.
    وممن كتب أيضا في السير ابن سعد صاحب الطبقات في أول الطبقات كما هو معروف وجماعة كتبوا في ذلك وهذه هي التي تسمى كتب السيرة أو كتب السير تتابع العلماء فيها إلى زماننا هذا.
    وهناك كتابة للسير بطريقة أخرى وهي طريقة أهل الحديث فإنهم اعتنوا بسيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم وبذكر أحواله ومغازيه وأشباه ذلك فيما أوردوه في كتب الحديث، فتجد في صحيح البخاري رحمه الله كتاب المغازي وتجد في مسلم السير وتجد في أبي داود كذلك وهكذا في بعض أخبار وربما طوِلَت، وكذلك اعتنى بها أهل الحديث في مصنفات مفردة ذكروا فيها أسانيدهم فيما يتعلق بالسير ولكن فيها ما يصح وفيها ما ينكر، وكما قال الحافظ زين الدين العراقي:
    وليعلم الطالبُ أنّ السيرَا تجمع ما صح وما قد أُنْكِرَا
    فصنّف البيهقي كتاب ((دلائل النبوة)) وصنف أبو نعيم الأصفهاني أو الأصبهاني أحمد بن عبد الله العالم المعروف صنف ((دلائل النبوة))، وصنف الفريابي ((دلائل النبوة))، فأهل الحديث اعتنوا بكتابة السير من جهتين الجهة الأولى ما ضمنوه في مصنفاتهم من الصحاح والمسانيد في ذكر السير سواء كانت مبوبة أو لم تكن مبوبة وكذلك ما أفردوه من التآليف في هذا، في ذكر دلائل النبوة وكما ذكرنا أنّ كتب السير ليست معتنية بالصحيح وإنما يذكر فيها ما نُقل في السيرة ولهذا قال الزين العراقي فيما ذكرت لك:
    وليعلم الطالبُ أنّ السيرَا تجمع ما صح وما قد أُنْكِرَا
    ففيها الصحيح وفيها المنكر وهذا أمر بيّن فإنّ سيرة ابن إسحاق مثلا فيها من الصحيح كثير وفيها من المنكر الكثير فهذا من جهة ما اشتهر من ذكر مصادر السيرة وإذا كان كذلك فالذي ينبغي تحقيقًا لمقام السيرة أنْ تضبط مصادر السيرة وأنْ تؤخذ السيرة بضابط مهم في ذلك وهو جواب السؤال كيف نأخذ السيرة بطريقة مأمونة؟
    أعظم ما تؤخذ منه سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم القرآن لأنّ في القرآن ذكر حياته عليه الصلاة والسلام صغيرًا {ألم يجدك يتيما فآوى} وفيها ذكر حالته عليه الصلاة والسلام قبل البعثة... وفيها ذكر مبعثه عليه الصلاة والسلام وفيها ذكر مجيء الجن إليه يستمعون القرآن وفيها ذكر حالته عليه الصلاة والسلام مع المشركين ودعوته لهم وكذلك ما حصل من الهجرة ثم في القرآن ذكر المغازي جميعا فغزة بدر الكبرى في سورة الأنفال وغزوة أحد في سورة آل عمران وغزوة الخندق (الأحزاب)، في سورة الأحزاب، وفتح مكة وصلح الحديبية في سورة الفتح وحنين وتبوك في سورة براءة إلى غير ذلك فإذا جمع طالب العلم ما تكلم به المفسرون من الصحابة فمن بعدهم على هذه الآيات حصل على مصدر قوي معتمد على معاني القرآن وهذا اجتهد فيه طائفة من أهل العلم ولكن لم يُجمع فيما أعلم جمعًا كاملاً بحيث تكون السيرة على ما ذكره المفسرون حاول بعض المعاصرين ذلك واجتهد فيه لكن لم يجمع كلام المحققين من المفسرين على تلك الآيات.
    فإذًا الذي ينبغي في السيرة أنْ نعتمد على القرآن فيها وما ذكره المفسرون في ذكر معاني الآيات التي فيها سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.
    ثم المصدر الثاني: الأحاديث الصحيحة خاصة في الصحيحين أو ما صح في غيرهما من الأحاديث التي فيه ذكر سيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم فإذا قورنت هذه الأحاديث بما ذكر في كتب السير وجدنا أنّ بعض ما في كتب السير ليس بصحيح في مثل مثلا تاريخ بعض الغزوات وبعض الأحوال وقصة الإسراء والمعراج وأشباه ذلك الكثير فالمصدر الثاني المعتمد بعد كتاب الله جلّ وعلا وتفسيره أنْ تنظر في الأحاديث، وهذه الأحاديث فيها ما لم يذكر في كتاب الله جلّ وعلا واعتمد عليها الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم فيما فسروا من آيات القرآن على نهج السلف في التفسير في تفسير القرآن بالسنة.
    إذن، الاعتماد على ما في كتب الصحيح وكتب الحديث من مصادر السير هذا أولى وأبعد عن الخلط وما لا يصح في السير ولهذا دعا عدد من أهل العلم إلى كتابة صحيح السيرة النبوية وقد كتب بعض المعاصرين في ذلك لكنهم رقَوا جبلا عاليا عليهم لأنّ هذا الأمر يحتاج إلى علم بالحديث، متنا وإسنادا، وإلى علم بالتفسير وإلى علم باللغة وإلى علم بما في كتب السنة وإلى ما في كتب العقيدة الخ ذلك مما فقده بعض من كتب في ذلك.
    من المصادر أيضا التي تعتمد كتب السيرة التي ذكرنا وكتب التاريخ فتجد مثلا أنّ تاريخ ابن جرير يحوي كثيرا من أخبار سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم بالأسانيد لكن هذه تأخذ منها ما لا يتعارض مع ما جاء في القرآن وتفسيره ومع ما ثبت في سنة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم فإذا لم نجد الحَدَث لا في الكتاب ولا في السنة فإنّ أخذه من كُتُبِ السير لا بأس به؛ لأنّها أرفع درجة بالاتفاق من أحاديث بني إسرائيل وقد قال لنا عليه الصلاة والسلام: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) فإذا لم يكن ما في كتب السيرة معارضًا للكتاب والسنة فإنه لا بأس من أخذه ومن الاعتماد على ما جاء فيه وهكذا كان أهل العلم.
    لهذا نرى أنّ ابن كثير رحمه الله في أوائل كتابه ((البداية والنهاية)) كتب سيرة طويلة للنبي عليه الصلاة والسلام أفردت في أربع مجلدات وقع جمع فيها ما بين ما ذكره أهل السير وما ذكره أهل الحديث وما جاء في الآيات ولكنها أيضا تحتاج إلى بعض مزيد من التمحيص.
    إذًا فهذه هي المصادر العامة للسيرة وإذا تبيّن ذلك فتلحظ فيما سقنا أنّ أهل الحديث وأهل الأثر والمعتنون بعلوم سلف الأمة هم الذين اعتنوا بسيرة المصطفى
    صلّى الله عليه وسلّم
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي

    فبعض الناس يقول إنّ المعتنين بالحديث والأثر والمعتنين بطريقة السلف ليس لهم عناية بالسيرة وهذا ليس بصحيح، بل إنّ الذين اعتنوا بسيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم من حيث الإثبات ومن حيث الانتقاء ومن حيث الفقه والدلالة هم أتباع سلف هذه الأمة، وإذا صار هناك قصور ممن اعتنى بالحديث والأثر فإنّ هذا مما ينبغي علاجه؛ لأنّ الاهتمام بالسيرة به يحصل للمرء المؤمن ولطالب العلم أنواع من العلوم والفوائد ما يحصلها إلاّ إذا قرأ السيرة، ويقوم في قلبه الاعتزاز بدين الله والفرح بنصرة هذا الدين في أول الأمر ويقوم في قلبه عظم المحبة للنبي عليه الصلاة والسلام ولأصحابه بما يزيد المؤمن من الاقتداء بهم والسير على منوالهم.
    نجد أنّ أئمة هذه الدعوة كالإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله اعتنى بالسيرة أيضا فكتب كتابا في سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم مطبوع موجود كذلك ابنه الإمام الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب له كتاب أيضا في سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، وجعلوا في تضاعيف نقلهم للسيرة ذكر الفوائد وخاصة الفوائد الدعوية، وسيأتينا ذكر تأصيل فيما يتعلق بالفوائد الدعوية في سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.
    إذن فالعناية بالسيرة إثباتا وفقها واستنباطا كان عليه علماؤنا فالاهتمام بها من سمة طلاب العلم الجادين فيه ومن سمة المحبين للخير بعامة والناس ترقيق قلوبهم وبعث الهمة في نفوسهم وبعث العزة في نفوسهم يكون بطرق صحيحة ومن ذلك ذكر قصص السيرة وذكر ما جرى فيها من حوادث ومن أحكام.
    نظر الناس والمؤلفين والدارسين للسيرة متنوع وهذا ما يمكن أنْ نسميه أو أنْ نعنون له بمدارس تناول السيرة (سيرة النبي عليه الصلاة والسلام).
    فإنّ سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام تنوعت المدارس في تناولها وفي التأليف فيها وفي الباعث على الاهتمام بها إلى بضع مدارس:
    فأول تلك المدارس: المدرسة اللغوية وهذه المدرسة اهتم فيها أصحابها بأنْ يتناولوا السيرة بالاهتمام بما في السيرة من لغة صحيحة فإنّ من نقل السيرة من مثل التابعين ومن مثل ابن إسحاق إنهم نقلوها بلغة صحيحة وما أوردوا في السيرة من أشعار كثيرة وأخبار وخطب للعرب وحكايات وخطب للصحابة بل وأقوال في ذلك هذا كله من جهة اللغة معتمد ولهذا اعتنى بسيرة ابن إسحاق ابنُ هاشم رحمه الله تعالى وكان لغويًا متمكنا فاعتنى بالأشعار التي أوردها ابن إسحاق فأورد من الأشعار في ملخصه المسمى بسيرة ابن هشام أورد منها ما يتفق وما لا يؤخذ عليه في إيراده وترك أشياء من ذلك وأتبعها بشرح غريبها، وبالعناية بها كذلك سيرة ابن هشام تناولها العلماء الذين اعتنوا بهذا النوع من الاهتمام بالسيرة (الاهتمام اللغوي) تناولوها بالشرح وبالتفصيل وأصل قصدهم الاعتناء باللغة وقد يضيفون إلى ذلك اعتناء بجوانب أخرى من مثل الحافظ السهيلي في كتابه ((الروض الأنف)) الذي جعله شرحًا على سيرة ابن هشام فيما أشكل منها وكالحافظ أبي ذر الخُشني في ((تفسير غريب السيرة)) وكلا الكتابين مطبوع، أما كتاب السهيلي فكبير وأما كتاب أبو ذر الخُشني فمجلدة لطيفة هذا نوع من الاهتمام وهذا تجد منه أنّ كثيرين ممن اهتموا بالأدب واهتموا باللغة يعتنون بالسيرة فينبغي التفريق حين ترى المصنف في السيرة ما تصنيف مصنفه من جهة المدرسة فإذا علمت أنه لغوي بحَّاثة، وأنّ عنايته باللغة فإنك تبحث فيه ما تحتاجه من ذكر غريب السيرة وما شابه ذلك، فإنّ لهم عناية بهذا تفوق العناية بغيره من علوم السيرة.
    الأدباء يهتمون بالسيرة ومن المعاصرين من بلاد شتى من ألف في السيرة وتجد أنّ أكثرهم أدباء وذلك لأنّ الاهتمام بالسيرة ديدن الأدباء؛ لأنّ فيه رفعة الحصيلة الأدبية وقوة البلاغة وكثرة الشواهد عند المعتني به فصنف الكثيرون في السيرة متجهين إلى هذا الاتجاه في تقوية الاسلوب الأدبي ونقل السيرة على هيئة أسلوب أدبي رفيع يقوي ملكة الأديب أو دارس الأدب في هذا الباب وهذه المدرسة لها تفاصيل وحديث يطول ذكره في ذكر حسناتها والمآخذ عليها.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة رضا الحملاوي

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر المنصورة
    المشاركات
    5,552

    افتراضي

    النوع الثاني: من المدارس: في تناول السيرة مدرسة القوميين فإنّ المعتنين بالعرب والآخذين بالتعصب للعربية للعرب وللعرق العربي رأوا فوجدوا أنّ أمجاد -كما يزعمون- من قبلهم كتبت سيرهم وأنّ مجد العرب لم يبتدئ بالإجماع إلا بمحمد عليه الصلاة والسلام فبه رفعت العرب رأسها ورفعت العرب شأوها كما قال جلّ وعلا: {وإنّه لذكر لك ولقومك} وهذا لأنّ به رفع منار العرب فتناولوا السيرة وكتبوا فيها من جهة أنّ كل الأمم المتحضرة كاليونان وفارس والروم... الخ، لهم في ذكر عظمائهم سيرٌ صيغت بالصيغة الأدبية وكان المقصد منها تمجيد هذا العرق فتناول السيرة عدد من المعاصرين ومن المتقدمين لرفع العرق العربي ولرفع العرب عمن سواهم وهذه فيها مدارس مختلفة من مثل مدرسة طه حسين ومن نحا نحوه ممن كتبوا في السيرة فإنّهم لم يكتبوا في السيرة لنصرة دين محمد عليه الصلاة والسلام وإنما كتبوا في السيرة بالنظر إلى عرقية عربية بل إنّه كما ذكر مثل طه حسين في مقدمة كتابه ((على هامش السيرة)) ذكر أنّ السيرة هذه التي كتبها فيها أشياء لا يقبلها العقل ولا يقبلها الفؤاد ولكن لا تصلح حياة الناس إلاّ بنوع من الخرافات ونوع من الأحاديث التي تكون لهم كالاسترواح وتكون لهم كالمرح والمهيء لهم لسماع الحق يعني أنها قصص وحكايات ليس لها أصل وليس لها أهمية ذكر في مقدمة كتابه أنه بعثه على ذلك (على هذا التأليف) أنه وجد لليونان إلياذة ولهم أمجاد وللفرس أمجاد فيما صنفوا في تاريخ عظمائهم ورأى أنه لابد من التصنيف في هذا والكتابة فيه فكتب ذلك.
    وإذًا فالنظر في تأليف المؤلف ينبغي أنْ يسبقه تصنيف مدرسته وهو من أي مدرسة في السيرة؟ فإنه لو قرأ الناس كتابًا من كتب أصحاب المدرسة القومية في السيرة لأصابهم نوع من الخلل في فهم سيرة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، بل وربما لم يؤمنوا بمعجزاته عليه الصلاة والسلام وبآياته وبراهينه على اعتبار أنها حكايات وأنه ليس لها رصيد من الصحة والواقع وإنما هكذا قيل.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2016
    المشاركات
    70

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •