فضل العمرة في رمضان

لقد نُقِل إلينا أنَّ بعضَ أهلِ العلم الفضلاء خصَّ فضل العمرة في رمضان للمرأة الأنصارية، أو من تلبَّس بحالها، وقال أيضا: عمرة في ذي القعدة أفضل منها في رمضان، واستشهد على ذلك ببعض الأدلة.
قلت: لقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : للمرأة الأنصارية: "فإذا كان رمضان اعتمري فيه فإنَّ عمرةً في رمضان حجَّةٍ" متفق عليه، وفي رواية للبخاري: "كحجَّةٍٍ معي"، وضعفها بعضهم.
وعليه، فإن ظاهر الحديث قد دلَّ على العموم، ولم يأت ما يخصصه، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى هذا ذهب جمهور أهل العلم قديما وحديثا، ولا أعلم فيه خلافا معتبرا إلا ما نسب لبعض المتقدمين، ومنهم سعيد بن جبير.
ومع هذا فإنه أيضا قول مهجور ليس عليه دليل صريح لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
ثم إنَّ العمرة في ذي القعدة ليس فيها أثر صريح يدل على فضلها أو فضل شهرها، بل غاية ما فيه أن الرسول عليه الصلاة والسلام أوقع عُمَره الثلاث في ذي القعدة، وهذا فعل منه، والفعل المجرد لا يدل على السنة إلا بقرينة، هذا إذا علمنا أن دلالة القول أصرح من دلالة الفعل المجرد، لأن القول يدل على الأمر الشرعي أصالة خلافا للفعل.
وقوله: عليه الصلاة والسلام للمرأة: "إن عمرة في رمضان كحجة..." دلَّ بمنطوقه على فضلٍ مخصوصٍ، وشهرٍ مخصوصٍ فلا يجوز تعدّيه، وهذا لا نجده في عمرة ذي القعدة.
ولأهل العلم تخريجات حِسان في كونه عليه الصلاة والسلام حج في ذي القعدة، فكان منها:
اشتغاله بالعبادة في رمضان خوفا من أن تفرض فيه العمرة على أمته، وفيه من المشقة ما فيه، وأنه أراد أيضا مخالفة المشركين، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب أهل العلم، لاسيما في "زاد المعاد" لابن القيم، و"فتح الباري" لابن حجر وغيرهما.

أما ما ذكره من أدلة، فتحتاج إلى بسط ليس هذا محل ردها، ومن طرف ردها مايلي باختصار: أنها لا تنهض في رد عمومات ظاهر حديث فضل العمرة في رمضان، كما أنها لا تستقيم في المنازعة الفقهية، سواءً عند قوله أنها خاصة للمرأة أو لحالها، وهذا دليل مرجوح لمخالفته ظاهر الحديث كما مر معنا.
وأما قوله: عدم العلم بأن أحدا من الصحابة فعل ذلك.
قلت: هذا في حقيقته جهل بحقيقة أمر الصحابة لا علم بحالهم، فعدم العلم ليس علما بالعدم، هذا إذا علمنا أنه قد ثبت عند ابن ابي شيبة في "مصنفه": "أن عمر بن الخطاب اعتمر في رمضان" بسند صحيح.
وأما قوله: أنها جارية على اللازم.
قلت: هذا غير لازم، لكونه بعيد الملزوم، بل في هذا خروج عن محل النزاع.
وقوله: باقتران ألفاظ الحديث بفاء السببية.
قلت: هذا مدفوع بأمرين:
الأول: أنه مردود بقاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الثاني: أنه منتقض بورود ألفاظ أخرى للحديث ليس فيها فاء السببية، وهو ما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود وغيرهم بلفظ: "عمرة في رمضان تعدل حجة".
وقال أحمد وإسحاق: قد ثبت عن النبي أنه قال: "أن عمرة في رمضان تعدل حجة".
قال إسحاق: معنى الحديث مثل ما روي عن النبي أنه قال: "من قرأ "قل هو الله أحد" فقد قرأ ثلث القرآن" متفق عليه.
ومهما يكن من خلاف، فلكلٍّ وجهة فقهية، والله الموفق للصواب.

وكتبه
الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي.
( ٢٥ / ٩ / ١٤٣٦ )