باب الاعتكاف من الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن ع
النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: باب الاعتكاف من الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن ع

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    2,183

    افتراضي باب الاعتكاف من الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن ع

    بَابُ الاعتِكَافِ

    هُوَ لُزُومُ مَسْجِدٍ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى..........
    قوله: «الاعتكاف» افتعال من العكوف،، افتعل أي دخل في العكوف مأخوذ من عكف على الشيء، أي: لزمه ودوام عليه، ومنه قول إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ لقومه: {{مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}} [الأنبياء: 52] أي: لها ملازمون، وقول الله تعالى: {{يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ}} [الأعراف: 138] أي: يلازمونها، ويداومون عليها.
    وفي الشرع عرفه المؤلف بقوله: «لزوم مسجد لطاعة الله تعالى» .
    واعلم أن التعريفات الشرعية أخص من التعريفات اللغوية، أي: أن التعريفات اللغوية غالباً تكون أعم وأوسع من التعريفات الشرعية.
    فالزكاة مثلاً في اللغة النماء وفي الشرع ليست كذلك.
    والصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع أخص، إلا شيئاً واحداً وهو الإيمان، فإن الإيمان في اللغة التصديق والإقرار، ولكنه في الشرع قول، وعمل، واعتقاد، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم يجعلون الإيمان مدلوله شرعاً أوسع من مدلوله لغة.
    قوله: «هو لزوم مسجد لطاعة الله» خرج به لزوم الدار، فلو اعتكف في بيته، وقال: لا أخرج إلى الناس فأفتتن بالدنيا، ولكن أبقى في بيتي معتكفاً فهذا ليس اعتكافاً شرعياً، بل يسمى هذا عزلة، ولا يسمى اعتكافاً.
    وهل العزلة عن الناس أفضل أم لا؟
    الجواب، في هذا تفصيل:
    فمن كان في اجتماعه بالناس خير، فترك العزلة أولى، ومن خاف على نفسه باختلاطه بالناس لكونه سريع الافتتان قليل الإفادة للناس، فبقاؤه في بيته خير، والمؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم.
    وخرج به أيضاً لزوم المدرسة، ولزوم الرباط، لو كان هناك ربط لطلبة العلم يسكنونها ويبقون فيها، فإن لزومها لا يعتبر اعتكافاً شرعاً.
    وخرج به لزوم المصلى، فلو أن قوماً في عمارة ولها مصلى، وليس بمسجد فإن لزوم هذا المصلى لا يعتبر اعتكافاً.
    والدليل على ذلك، قوله تعالى: {{وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}} [البقرة: 187] فجعل محل الاعتكاف المسجد.
    وقوله: «لطاعة الله» اللام هنا للتعليل، أي: أنه لزمه لطاعة الله، لا للانعزال عن الناس، ولا من أجل أن يأتيه أصحابه ورفقاؤه يتحدثون عنده، بل للتفرغ لطاعة الله عزّ وجل.
    وبهذا نعرف أن أولئك الذين يعتكفون في المساجد، ثم يأتي إليهم أصحابهم، ويتحدثون بأحاديث لا فائدة منها، فهؤلاء لم يأتوا بروح الاعتكاف؛ لأن روح الاعتكاف أن تمكث في المسجد لطاعة الله ـ عزّ وجل ـ، صحيح أنه يجوز للإنسان أن يتحدث عنده بعض أهله لأجل ليس بكثير كما كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يفعل ذلك[(510)].
    وهل ينافي روح الاعتكاف أن يشتغل المعتكف في طلب العلم؟
    الجواب: لا شك أن طلب العلم من طاعة الله، لكن الاعتكاف يكون للطاعات الخاصة، كالصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، وما أشبه ذلك، ولا بأس أن يَحضر المعتكف درساً أو درسين في يوم أو ليلة؛ لأن هذا لا يؤثر على الاعتكاف، لكن مجالس العلم إن دامت، وصار يطالع دروسه، ويحضر الجلسات الكثيرة التي تشغله عن العبادة الخاصة، فهذا لا شك أن في اعتكافه نقصاً، ولا أقول إن هذا ينافي الاعتكاف.

    مَسْنُونٌ ..........
    قوله: «مسنون» خبر ثان لـ(هو)، والخبر الأول (لزوم).
    ففي الخبر الأول ذكر تعريفه، وفي الخبر الثاني ذكر حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، أي: يذكر الشيء وتعريفه، ثم بعد ذلك يذكر حكمه، حتى يكون الحكم منطبقاً على معرفة الصورة.
    والمسنون اصطلاحاً: ما أثيب فاعله امتثالاً ولم يعاقب تاركه.
    وقوله: «مسنون» لم يقيده المؤلف بزمن دون زمن، ولا بمسجد دون مسجد، وعلى هذا فيكون مسنوناً كل وقت وفي كل مسجد، فكل مساجد الدنيا مكان للاعتكاف، وليس خاصاً بالمساجد الثلاثة كما روي ذلك عن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» [(511)] فإن هذا الحديث ضعيف.
    ويدل على ضعفه أن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وهنه، حين ذكر له حذيفة ـ رضي الله عنه ـ أن قوماً يعتكفون في مسجد بين بيت حذيفة، وبيت ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ، فجاء إلى ابن مسعود زائراً له، وقال: إن قوماً كانوا معتكفين في المسجد الفلاني، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» ، فقال له ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: «لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت» [(512)] فأوهن ابن مسعود هذا الحديث حكماً ورواية.
    أما حكماً ففي قوله: «أصابوا فأخطأت» وأما رواية ففي قوله: «ذكروا فنسيت» والإنسان معرض للنسيان.
    وإن صح هذا الحديث فالمراد به لا اعتكاف تام، أي أن الاعتكاف في هذه المساجد أتم وأفضل، من الاعتكاف في المساجد الأخرى، كما أن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المساجد الأخرى.
    ويدل على أنه عام في كل مسجد قوله تعالى: {{وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}} [البقرة: 187] .
    فقوله تعالى: {{فِي الْمَسَاجِدِ}} (الـ) هنا للعموم، فلو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لزم أن تكون (الـ) هنا للعهد الذهني، ولكن أين الدليل؟ وإذا لم يقم دليل على أن (الـ) للعهد الذهني فهي للعموم، هذا الأصل.
    ثم كيف يكون هذا الحكم في كتاب الله للأمة من مشارق الأرض ومغاربها، ثم نقول: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة؟! فهذا بعيد أن يكون حكم مذكور على سبيل العموم للأمة الإسلامية، ثم نقول: إن هذه العبادة لا تصح إلا في المساجد الثلاثة، كالطواف لا يصح إلا في المسجد الحرام.
    فالصواب أنه عام في كل مسجد، لكن لا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل، كما أن الصلاة في المساجد الثلاثة أفضل.
    وقوله: «مسنون» قد دل على هذا الكتاب، والسنة، والإجماع.
    أما الكتاب: فقول الله تعالى لإبراهيم عليه السلام: {{أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}} [البقرة: 125] ومن هذه الآية نعرف أن الاعتكاف مشروع حتى في الأمم السابقة، وقال تعالى: {{وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}} [البقرة: 187] .
    وأما السنة: فواضحة مشهورة مستفيضة أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «اعتكف، واعتكف أصحابه معه» [(513)] و «اعتكف أزواجه من بعده» [(514)].
    وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من أهل العلم.
    وهو مسنون في كل وقت، هكذا قال المؤلف وغيره، حتى لو أردت الآن ـ ونحن في شهر جمادى ـ أن تعتكف غداً أو الليلة وغداً، يكون ذلك مسنوناً، ما لم يشغل عما هو أهم، فإن شغل عما هو أهم، كان ما هو أهم أولى بالمراعاة.
    وهذه المسألة فيها نظر؛ لأننا نقول الأحكام الشرعية تتلقى من فعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولم يعتكف الرسول صلّى الله عليه وسلّم في غير رمضان إلا قضاءً، وكذلك ما علمنا أن أحداً من أصحابه اعتكفوا في غير رمضان إلا قضاءً، ولم يرد عنه لفظ عام أو مطلق، في مشروعية الاعتكاف كل وقت فيما نعلم، ولو كان مشروعاً كل وقت لكان مشهوراً مستفيضاً لقوة الداعي لفعله وتوافر الحاجة إلى نقله وغاية ما ورد أن عمر بن الخطاب استفتى النبي صلّى الله عليه وسلّم «بأنه نذر أن يعتكف ليلة أو يوماً وليلة في المسجد الحرام فقال: أوف بنذرك»[(515)] ولكن لم يشرع ذلك لأمته شرعاً عاماً، بحيث يقال للناس: اعتكفوا في المساجد في رمضان، وفي غير رمضان فإن ذلك سنة.
    فالذي يظهر لي أن الإنسان لو اعتكف في غير رمضان، فإنه لا ينكر عليه بدليل أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أذن لعمر بن الخطاب أن يوفي بنذره ولو كان هذا النذر مكروهاً أو حراماً، لم يأذن له بوفاء نذره، لكننا لا نطلب من كل واحد أن يعتكف في أي وقت شاء، بل نقول خير الهدي هدي محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولو كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يعلم أن في الاعتكاف في غير رمضان، بل وفي غير العشر الأواخر منه سنة وأجراً لبينه للأمة حتى تعمل به؛ لأنه قد قيل له: {{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}} [المائدة: 67] ، وانظر في حديث أبي سعيد اعتكف الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «العشر الأول، ثم الأوسط، ثم قيل له: إن ليلة القدر في العشر الأواخر فاعتكف العشر الأواخر»[(516)] ولم يعتكف السنة الثانية العشر الأول، ولا الأوسط، مع أنه كان زمناً للاعتكاف من قبل، والشهر شهر اعتكاف.
    وعلى هذا فإنه لا يسن الاعتكاف، أي: لا يُطلب من الناس أن يعتكفوا إلا في العشر الأواخر فقط، لكن من تطوع وأراد أن يعتكف في غير ذلك، فإنه لا ينهى عن ذلك، استئناساً بحديث عمر ـ رضي الله عنه ـ، ولا نقول: إن فعله بدعة، لكن نقول: الأفضل أن تقتدي بالرسول صلّى الله عليه وسلّم.
    ولحديث عمر نظائر:
    منها: الرجل الذي كان يقرأ بأصحابه فيختم بـ{{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *}}، لم ينكر عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم[(517)]، لكنه لم يشرع ذلك لأمته، فلا يشرع للإنسان كلما قرأ في صلاة أن يختم بـ{{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *}}، كما فعل هذا الرجل لكن لو فعل لم ينكر عليه.
    ومنها: سعد بن عبادة رضي الله عنه «استأذن النبي صلّى الله عليه وسلّم في أن يجعل مخرافه في المدينة صدقة لأمه فأذن له»[(518)] ، لكن لم يقل للناس تصدقوا عن أمهاتكم بعد موتهن حتى يكون سنة مشروعة، ففرق بين هذا وهذا.
    فإن قال قائل: أليست السنة ثبتت بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم وفعله وإقراره، فالجواب بلى، ولذلك قلنا: لو فعل أحد فعل الرجل الذي كان يختم بـ{{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *}}[(519)] أو تصدق بشيء عن أمه لم ينكر عليه اتباعاً لسنة النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث أقر ذلك، ولولا إقراره عليه لأنكرنا على فاعله.
    مسألة: من اعتكف اعتكافاً مؤقتاً كساعة، أو ساعتين، ومن قال: كلما دخلت المسجد فانو الاعتكاف، فمثل هذا ينكر عليه؛ لأن هذا لم يكن من هدي الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    2,183

    افتراضي

    وَيَصِحُّ بِلاَ صَوْمٍ وَيَلْزَمَانِ بِالنَّذْرِ ..........
    قوله: «ويصح بلا صوم» أي: يصح الاعتكاف بلا صوم.
    وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء:
    القول الأول: أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم.
    واستدلوا بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يعتكف إلا بصوم[(520)] إلا ما كان قضاءً.
    القول الثاني: أنه لا يشترط له الصوم، واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، وبأنهما عبادتان منفصلتان، فلا يشترط للواحدة وجود الأخرى.
    وهذا القول هو الصحيح.
    لكن ما الفائدة من قولنا: يصح بلا صوم، وقد قلنا: ليس مشروعاً إلا في رمضان في العشر الأواخر؟
    الجواب: الفائدة لو كان الإنسان مريضاً يباح له الفطر فأفطر، ولكن أحب أن يعتكف في العشر الأواخر فلا بأس؛ وهنا صح بلا صوم.
    لو قال قائل: هل يؤخذ من قضاء النبي صلّى الله عليه وسلّم للاعتكاف في شوال أن الاعتكاف واجب عليه؟
    فالجواب: أن ذلك لا يؤخذ منه؛ لأن من هدي النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه إذا عمل عملاً أثبته؛ حتى إنه لما فاتته سنة الظهر حين جاءه الوفد، قضاها بعد العصر[(521)]، وأثبت هذا العمل.
    قوله: «ويلزمان بالنذر» أي: الصوم والاعتكاف يلزمان بالنذر، فمن نذر أن يصوم يوماً لزمه، ومن نذر أن يعتكف يوماً لزمه، ومن نذر أن يصوم معتكفاً لزمه، ومن نذر أن يعتكف صائماً لزمه.
    ولكن هناك فرق بين الصورتين الأخيرتين:
    الأولى: من نذر أن يصوم معتكفاً لزمه أن يعتكف من قبل الفجر إلى الغروب، لأنه نذر أن يصوم معتكفاً فلا بد أن يستغرق الاعتكاف كل اليوم.
    الثانية: من نذر أن يعتكف صائماً فإنه يعتكف، ولو في أثناء النهار ولو ساعة من النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه اعتكف صائماً، قد لا يعرف الفرق كثير من الطلبة في هذه المسألة.
    وهذا التفريع مبني على أن الاعتكاف مشروع في أي وقت كان، فإن قال قائل: ما الدليل على وجوبهما بالنذر؟
    فالجواب: الدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم «من نذر أن يطيع الله فليطعه» [(522)] والصوم طاعة، والاعتكاف طاعة.
    لكن أحياناً يراد بنذر الطاعة واحد من هذه الأربعة: الامتناع، أو الحث، أو التصديق، أو التكذيب، فيكون بمعنى اليمين فهل يجب الوفاء به؟
    الجواب: يقول العلماء: لا يجب الوفاء، بل يخير بين الوفاء وكفارة اليمين.
    ومثاله في الامتناع، إذا قال: إن كلمت فلاناً، فللَّه عليَّ نذر أن أصوم أسبوعاً، فكلمه ومراده الامتناع، ولم يرد الطاعة، لكنه رأى أنه لا يتأكد الامتناع إلا إذا ألزم نفسه بهذا النذر.
    فقال أهل العلم: هذا حكمه حكم اليمين، بمعنى أنه إن شاء صام هذا الأسبوع، وإن شاء كفر عن يمينه، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [(523)].
    ومثاله في الحث إذا قال: إن لم أكلم فلاناً اليوم فللَّه علي نذر أن أصوم عشرة أيام، قصد بهذا الحث على تكليمه، فإذا مضى اليوم ولم يكلمه قلنا له: أنت مخير، إن شئت فصم عشرة أيام، وإن شئت فكفر عن يمينك.
    ومثاله في التصديق إذا قال لمن كذبه: إن لم أكن صادقاً فيما قلت، فللّه عليَّ نذر أن أصوم شهراً، ومثاله في التكذيب، إذا قال لشخص: إن كان ما تقوله صدقاً، فللَّه علي نذر أن أصوم شهرين.

    وَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ يُجَمَّعُ فِيهِ، إِلاَّ المَرْأَةُ فَفِي كُلِّ مَسْجِدٍ، سِوَى مَسْجِدِ بَيْتِهَا..........
    قوله: «ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه» أي: لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجماعة، ولا يشترط أن تقام فيه الجمعة؛ لأن المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة، لا يصدق عليه كلمة مسجد بالمعنى الصحيح، هذا من جهة ومن جهة أخرى أنه لو اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجماعة، مثل أن يكون هذا المسجد قد هجره أهله، أو نزحوا عنه، فإما أن يترك صلاة الجماعة ويبقى في المسجد الذي لا تقام فيه، وهذا يؤدي إلى ترك الواجب لفعل مسنون، وإما أن يخرج كثيراً لصلاة الجماعة، والخروج الكثير ينافي الاعتكاف.
    ولهذا قالوا: لا بد أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة؛ إلا إذا كان اعتكافه ما بين الصلاتين، أو صلاة واحدة على ـ القول بأنه يصح في أي وقت ـ فهذا لا يشترط أن يكون مما تقام فيه الجماعة، لأنه ليس بحاجة إلى ذلك؛ إذ إن زمن الاعتكاف لا يتجاوز ساعتين، أو ثلاث ساعات.
    قوله: «إلا المرأة ففي كل مسجد» أي: فيصح اعتكافها ويسن في كل مسجد، فالمرأة تعتكف ما لم يكن في اعتكافها فتنة، فإن كان في اعتكافها فتنة فإنها لا تمكن من هذا؛ لأن المستحب إذا ترتب عليه الممنوع وجب أن يمنع، كالمباح إذا ترتب عليه الممنوع وجب أن يمنع، فلو فرضنا أنها إذا اعتكفت في المسجد صار هناك فتنة كما يوجد في المسجد الحرام، فالمسجد الحرام ليس فيه مكان خاص للنساء، وإذا اعتكفت المرأة فلا بد أن تنام إما ليلاً وإما نهاراً، ونومها بين الرجال ذاهبين وراجعين فيه فتنة.
    والدليل على مشروعية الاعتكاف للنساء، اعتكاف زوجات الرسول صلّى الله عليه وسلّم في حياته، وبعد مماته[(524)].
    لكن إن خيف فتنة فإنها تمنع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم منع فيما دون ذلك، فإنه لما أراد أن يعتكف صلّى الله عليه وسلّم خرج ذات يوم، وإذا خباء لعائشة، وخباء لفلانة، وخباء لفلانة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «آلبر يردن» ؟! ثم أمر بنقضها، ولم يعتكف تلك السنة، وقضاه في شوال[(525)] وهذا يدل على أن اعتكاف المرأة إذا كان يحصل فيه فتنة، فإنها تمنع من باب أولى.
    لكن لو اعتكفت في مسجد لا تقام فيه الجماعة، فلا حرج عليها؛ لأنه لا يجب عليها أن تصلي مع الجماعة، وعلى هذا فاعتكافها لا يحصل فيه ما ينافيه.
    ولكن قد يقال: كيف تعتكف في مسجد لا تصلى فيه الجماعة؟ أليس في هذا فتنة؟
    الجواب: ربما يكون، وربما لا يكون؛ فقد يكون المسجد هذا محرزاً محفوظاً لا يدخله أحد، ولا يخشى على النساء فتنة في اعتكافهن فيه، وقد يكون الأمر بالعكس، فالمدار أنه متى حصلت الفتنة، منع من اعتكاف النساء في أي مسجد كان.
    مسألة: من لا تجب عليه الجماعة هل هو كالمرأة؟
    الجواب: نعم، فلو اعتكف إنسان معذور بمرض، أو بغيره مما يبيح له ترك الجماعة في مسجد لا تقام فيه الجماعة، فلا بأس.
    قوله: «سوى مسجد بيتها» أي: فلا يصح اعتكافها فيه، ومسجد بيتها هو المكان الذي اتخذته مصلى، وكان الناس فيما سبق يتخذون للنساء مصليات في بيوتهم، فيجعلون حجرة معينة خاصة تصلي فيها النساء، فهذا المصلى لا يصح الاعتكاف فيه، لأنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكماً، ولهذا لا يعتبر وقفاً، فلو بيع البيت بما فيه هذا المصلى، فالبيع صحيح، ولو دخل أحد البيت، وقال: أنا أريد أن أصلي في هذا المكان لأنه مصلى كالمسجد، لا تمنعوني من مساجد الله، قلنا له: نمنعك؛ لأن هذا ليس بمسجد، ولو لبثت المرأة فيه وهي حائض فلا بأس، ولو بقي فيه الإنسان بلا وضوء وهو جنب فلا بأس، ولو دخله وجلس فيه ولم يصل ركعتين فلا بأس، ويجوز فيه البيع والشراء، وكل ما يمنع في المسجد، ومثل ذلك المصليات التي تكون في مكاتب الأعمال الحكومية لا يثبت لها حكم المسجد، وكذلك مصليات النساء في مدارس البنات لا يعتبر لها حكم المسجد، لأنها ليست مساجد حقيقة، ولا حكماً.

    وَمَنْ نَذَرَهُ، أَوْ الصَّلاَةَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ الثَّلاَثَةِ، وأَفْضَلُهَا الحَرَامُ، فَمَسْجِدُ المَدِينَةِ، فَالأَْقْصَى لَمْ يَلْزَمْهُ فِيهِ.
    وقوله: «ومن نذره، أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة» «من نذره» الهاء تعود على الاعتكاف، أي: من نذر الاعتكاف، أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة لم يلزمه، فلو نذر رجل أن يعتكف في أي مسجد من المساجد، في أي بلد فإنه لا يلزمه أن يعتكف فيه، إلا المساجد الثلاثة؛ ولهذا قال المؤلف: «غير الثلاثة» .
    ومراده بالثلاثة المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
    وقوله: «وأفضلها الحرام، فمسجد المدينة، فالأقصى» أي: أفضل المساجد الثلاثة المسجد الحرام، ويليه مسجد المدينة، ويليه المسجد الأقصى، فالمسجد الحرام هو مسجد الكعبة التي هي أول بيت وضع للناس، وهو أشرف البيوت وأعظمها حرمة، وله من الخصائص ما ليس لغيره، ولا يوجد مسجد في الأرض قصده من أركان الإسلام إلا المسجد الحرام.
    ويليه مسجد المدينة وهو المسجد النبوي الذي بناه النبي صلّى الله عليه وسلّم حين قدم المدينة.
    ويليه المسجد الأقصى، وهو مسجد غالب أنبياء بني إسرائيل وهو في فلسطين.
    فهذه المساجد الثلاثة هي التي إذا نذر الصلاة فيها تعينت، لكن سيأتي التفصيل في ذلك.
    والدليل على أن المسجد الحرام أفضلها، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما صح عنه: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة» [(526)] وفي حديث آخر: «إلا المسجد الحرام» [(527)].
    مسألة: التضعيف في المساجد الثلاثة:
    مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام، أنها أفضل من مائة ألف صلاة، فإذا أدى الإنسان فيه فريضة، كان أفضل ممن أدى مائة ألف فريضة فيما سواه، وجمعة واحدة أفضل من مائة ألف جمعة.
    والمسجد النبوي الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه.
    والمسجد الأقصى: «الصلاة فيه بخمسمائة صلاة»[(528)] فهذا ترتيب المساجد الثلاثة في الفضيلة، فإن قال قائل: هل هذا التفضيل في صلاة الفريضة والنافلة؟
    فالجواب: أن فيه تفصيلاً فالفرائض لا يستثنى منها شيء، وأما النوافل فما كان مشروعاً في المسجد، شمله هذا التفضيل كقيام رمضان وتحية المسجد وما كان الأفضل فيه البيت، ففعله في البيت أفضل كالرواتب ونحوها.
    فإن قال قائل: وهل تضاعف بقية الأعمال الصالحة هذا التضعيف؟
    فالجواب: أن تضعيف الأعمال بعدد معين توقيفي، يحتاج إلى دليل خاص ولا مجال للقياس فيه، فإن قام دليل صحيح في تضعيف بقية الأعمال أخذ به، ولكن لا ريب أن للمكان الفاضل والزمان أثراً في تضعيف الثواب، كما قال العلماء ـ رحمهم الله ـ: إن الحسنات تضاعف في الزمان والمكان الفاضل، لكن تخصيص التضعيف بقدر معين يحتاج إلى دليل خاص.
    فإن قال قائل: وهل تضاعف السيئات في الأمكنة الفاضلة والأزمنة الفاضلة؟
    فالجواب: أما في الكمية فلا تضاعف لقوله تعالى: {{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ *}} [الأنعام: 160] وهذه الآية مكية لأنها من سورة الأنعام، وكلها مكية لكن قد تضاعف السيئة في مكة من حيث الكيفية لقوله تعالى: {{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}} [الحج: 25] .
    مسألة: هل الصلاة خاصة في المكان المعين في المساجد الثلاثة أو كل ما حوله فهو مثله؟
    الجواب: أما المسجد الأقصى فليس له حرم بالاتفاق؛ لأن العلماء مجمعون على أنه لا حرم إلا للمسجد الحرام والمسجد النبوي، على خلاف في المسجد النبوي، وواد في الطائف يقال له: وادي وج على خلاف فيه أيضاً، وما عدا هذه ثلاثة الأماكن فإنها ليست بحرم بالاتفاق.
    وأما المسجد النبوي فالتضعيف خاص في المسجد الذي هو البناية المعروفة، لكن ما زيد فيه فهو منه، والدليل على ذلك أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ صلوا في الزيادة التي زادها عثمان ـ رضي الله عنه ـ، مع أنها خارج المسجد الذي كان على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم.
    وأما المسجد الحرام ففيه خلاف بين العلماء، هل المراد بالمسجد الحرام كل الحرم، أو المسجد الخاص الذي فيه الكعبة؟.
    يقول صاحب الفروع: إن ظاهر كلام أصحابنا يعني الحنابلة، أنه خاص بالمسجد الذي فيه الكعبة فقط، وأما بقية الحرم فلا يثبت له هذا الفضل.
    وقال بعض العلماء: إن جميع الحرم يثبت له هذا الفضل، ولكل دليل فيما ذهب إليه، أما الذين قالوا إنه خاص في المسجد الذي فيه الكعبة فاستدلوا بما يلي:
    1 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة» [(529)] ولا نعلم في مكة مسجداً يقال له مسجد الكعبة إلا المسجد الذي فيه الكعبة فقط، فلا يقال عن المساجد التي في الشبيكة والتي في الزاهر، والتي في الشعب، وغيرها لا يقال: إنها مسجد الكعبة، وهذا نص كالصريح في الموضوع.
    2 ـ قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» [(530)]، ومعلوم أن الناس لا يشدون الرحال إلى المساجد التي في العزيزية والشبيكة، والزاهر، وغيرها، وإنما تشد الرحال إلى المسجد الذي فيه الكعبة، ولهذا اختص بهذه الفضيلة، ومن أجل اختصاصه بهذه الفضيلة صار شد الرحل إليه من الحكمة؛ لينال الإنسان هذا الأجر.
    3 ـ قول الله تعالى: {{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى}} [الإسراء: 1] وقد أسري بالنبي صلّى الله عليه وسلّم من الحِجْر ـ بكسر الحاء ـ الذي هو جزء من الكعبة.
    4 ـ قوله تعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}} [التوبة: 28] فالمسجد الحرام هنا المراد به مسجد الكعبة، لا جميع الحرم، لأن الله قال: {{فَلاَ يَقْرَبُوا}} ولم يقل: فلا يدخلوا، ومن المعلوم أن المشرك لو جاء ووقف عند حد الحرم ليس بينه وبينه إلا شعرة لم يكن ذلك منهياً عنه، ولو كان المسجد الحرام هو كل الحرم، لكان ينهى المشرك أن يقرب حدود الحرم، لأن الله قال: {{فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ}} نسأل هل يحرم على المشرك أن يدخل داخل الأميال، أو أن يأتي حولها؟
    الجواب: الأول هو المحرم؛ لأنه إذا دخل الأميال، وهي العلامات التي وضعت تحديداً للحرم، لو دخلها لكان قارباً من المسجد الحرام.
    واستدل أهل الرأي الثاني: بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحديبية نزل في الحل، والحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم، ولكنه كان يصلي داخل الحرم، أي: يتقصد أن يدخل داخل الحرم للصلاة[(531)].
    وهذا لا دليل فيه عند التأمل؛ لأن هذا لا يدل على الفضل الخاص، وهو أن الصلاة أفضل من مائة ألف صلاة، وإنما يدل على أن أرض الحرم أفضل من أرض الحل، وهذا لا إشكال فيه، فلا إشكال في أن الصلاة في المساجد التي في الحرم، أفضل من الصلاة في مساجد الحل.
    واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: {{هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}} [المائدة: 95] فإن من المعلوم أن الهدي لا يذبح في الكعبة، وإنما يذبح داخل حدود الحرم في مكة أو خارجها.
    والجواب عنه أنه لا يمكن أن يتبادر إلى ذهن المخاطب، أن المراد به وصول الهدي إلى الكعبة، والكلام يحمل على ما يتبادر إلى الذهن، ولذلك حملنا قوله صلّى الله عليه وسلّم «مسجد الكعبة» [(532)] على المسجد الخاص الذي فيه بناية الكعبة؛ لأن ذلك هو المتبادر إلى ذهن المخاطب.
    لو قال قائل: إذا امتلأ المسجد الحرام، واتصلت الصفوف وصارت في الأسواق وما حول الحرم، فهل يثبت لهؤلاء أجر من كان داخل الحرم؟
    فالجواب: نعم؛ لأن هذه الجماعة جماعة واحدة، وهؤلاء الذين لم يحصل لهم الصلاة إلا في الأسواق خارج المسجد لو حصلوا على مكان داخله لكانوا يبادرون إليه، فما دامت الصفوف متصلة، فإن الأجر حاصل حتى لمن كان خارج المسجد.
    وأما المسجد الأقصى فخاص بالمسجد؛ مسجد الصخرة، أو ما حوله حسب اختلاف الناس فيه، ولا يشمل جميع المساجد في فلسطين.
    قوله: «لم يلزمه فيه» الجملة هنا جواب «من» أي: من نذر الاعتكاف أو الصلاة في مسجد غير المساجد الثلاثة لم يلزمه، أي: في المسجد الذي عينه.
    وقوله: «لم يلزمه» ظاهر كلامه الإطلاق حتى ولو كان تعيينه للمسجد الذي نذر الاعتكاف فيه، أو الصلاة لمزية شرعية، ككثرة الجماعة وقدم المسجد؛ لأن لكثرة الجماعة وقدم المسجد مزية، ولهذا قال العلماء: المسجد العتيق أفضل من المسجد الجديد؛ لتقدم الطاعة فيه.
    ولكن في النفس من هذا شيء؛ فنقول: إذا عين المسجد لمزية شرعية، فإنه لا يتنازل عنه إلى ما دونه في هذه المزية، ولهذا قالوا: لو عين المسجد الجامع، وكان اعتكافه يتخلله، جمعة لم يجزه في مسجد غير جامع؛ لأن المسجد الجامع له مزية، وهو أنه تقام فيه الجمعة، ولا يحتاج المعتكف إلى أن يخرج إلى مسجد آخر؛ ولأن التجميع في هذا المسجد يؤدي إلى كثرة الجمع.
    فالصحيح في هذه المسألة أن غير المساجد الثلاثة إذا عينه لا يتعين إلا لمزية شرعية، فإنه يتعين؛ لأن النذر يجب الوفاء به، ولا يجوز العدول إلى ما دونه.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    2,183

    افتراضي

    وَإنْ عَيَّنَ الأَفْضَلَ لَمْ يُجْزِ فِيمَا دُونَهُ، وَعَكْسُه بِعَكْسِهِ.
    قوله: «وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه وعكسه بعكسه» يعني إن عين الأفضل من هذه المساجد لم يجزه فيما دونه، فإذا عين المسجد الحرام لم يجز في المدينة، ولا في بيت المقدس، وإن عين المدينة جاز فيها وفي مسجد مكة «المسجد الحرام»، وإن عين الأقصى جاز فيه وفي المدينة، وفي المسجد الحرام؛ ولهذا قال: «وعكسه بعكسه» أي: من نذر الأدنى جاز في الأعلى.
    والدليل على هذا: أن رجلاً جاء يوم فتح النبي صلّى الله عليه وسلّم مكة وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس ـ يعني شكراً لله ـ، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «صلِّ هاهنا، فسأله فقال: صلِّ هاهنا، فسأله الثالثة فقال: شأنك إذاً»[(533)] فدل ذلك على أنه إذا نذر الأدنى جاز الأعلى لأنه أفضل، وأما إذا نذر الأعلى فإنه لا يجوز الأدنى؛ لأنه نقص على الوصف الذي نذره.
    واستدل شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ وبعض أهل العلم بهذا الحديث على أنه يجوز نقل الوقف من جهة إلى جهة أفضل منها، وهذا الاستدلال استدلال واضح، وذلك لأن النذر يجب الوفاء به، فإذا رخص النبي صلّى الله عليه وسلّم بالانتقال إلى ما هو أعلى في النذر الواجب، فالوقف الذي أصله مستحب من باب أولى.
    وهذا في الأوقاف العامة، أما الأوقاف الخاصة كالذي يوقف على ولده مثلاً، فإنه لا يجوز أن ينقل إلا إذا انقطع النسل، وذلك لأن الوقف الخاص خاص لمن وقف له.

    وَمَنْ نَذَرَ زَمَناً معَيَّناً دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ لَيْلَتِهِ الأُولَى، وَخَرَجَ بَعْدَ آخِرِهِ وَلاَ يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلاَ يَعُودُ مَرِيضاً، وَلاَ يَشْهَدُ جَنَازَةً إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ.
    قوله: «ومن نذر زمناً معيناً دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره» .
    مثاله: نذر أن يعتكف العشر الأول من رجب، فإنه يدخل عند غروب الشمس من آخر يوم من جمادى الآخرة.
    وإذا نذر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإنه يدخل عند غروب الشمس من يوم عشرين من رمضان، ولهذا قال: «دخل معتكفه قبل ليلته الأولى» .
    ويخرج إذا غربت الشمس من آخر يوم من الزمن الذي عينه.
    مثال آخر: لو قال: لله علي نذر بأن أعتكف الأسبوع القادم، فإنه يدخل عند غروب الشمس يوم الجمعة، ويخرج بعد غروب الشمس ليلة السبت؛ لأنه لا يتم أسبوعاً إلا بتمام سبعة أيام، ولا يتم سبعة أيام إلا إذا بقي إلى غروب الشمس من يوم الجمعة.
    وهل يلزمه التتابع؟
    الجواب: إذا نذر زمناً معيناً لزمه التتابع لضرورة تعيين الوقت، فإذا قال: لله علي نذر أن أعتكف الأسبوع القادم، لزمه التتابع، وإن قال: لله علي نذر أن أعتكف العشر الأول من شهر كذا، يلزمه التتابع، وإن قال: لله عليَّ أن أعتكف الشهر المقبل يلزمه التتابع لضرورة التعيين.
    أما إذا نذر عدداً بأن قال: لله علي أن أعتكف عشرة أيام، أو أسبوعاً أو شهراً ولم يعين الأسبوع ولا الشهر، فله أن يتابع وهو أفضل، وله أن يفرق؛ لأنه يحصل النذر بمطلق الصوم إن كان صوماً، أو بمطلق الاعتكاف إن كان اعتكافاً.
    وكذلك يلزمه التتابع إذا نواه لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [(534)].
    والحاصل، أنه إذا نذر عدداً، فإما أن يشترط التتابع بلفظه، أو لا، فإن اشترطه فيلزمه، وإن لم يشترطه فهو على ثلاثة أقسام:
    الأول: أن ينوي التفريق؛ فلا يلزمه إلا مفرقة.
    الثاني: أن ينوي التتابع، فيلزمه التتابع.
    الثالث: أن يطلق فلا يلزمه التتابع، لكنه أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء ذمته.
    أما إذا نذر أياماً معينة فيلزمه التتابع.
    قوله: «ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد لَهُ منه» أي: لا يخرج من المسجد الذي يعتكف فيه.
    شرع المؤلف ـ رحمه الله ـ في بيان حكم خروج المعتكف من معتكفه، فذكر قسمين:
    القسم الأول : أن يخرج لما لا بد له منه حساً أو شرعاً، فهذا جائز سواء اشترطه أم لا.
    مثال الأول: الأكل والشرب، والحصول على زيادة الملابس إذا اشتد البرد، وقضاء الحاجة من بول أو غائط، وهذا مما لا بد له منه حساً.
    ومثال الثاني: أن يخرج ليغتسل من جنابة، أو يخرج ليتوضأ فهذا لا بد له منه شرعاً.
    وقد سألني بعض من يعتكف في المسجد الحرام، وقال: إذا أردنا حضور درس علمي يقام في سطح المسجد، لا نستطيع ذلك أحياناً، إلا إذا خرجنا من المسجد ودخلنا من باب آخر فهل يبطل الاعتكاف بهذا؟
    فقلت: إنه لا يبطل بذلك؛ لأن هذا لحاجة، ولأنه ليس خروج مغادرة، ولكنه يريد بذلك الدخول للمسجد وقد سألت الشيخ عبد العزيز بن باز، فقال كما قلت.
    قوله: «ولا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة إلا أن يشترطه» هذا هو القسم الثاني من خروج المعتكف وهو خروجه لمقصود شرعي له منه بد.
    مثاله: عيادة المريض وشهود الجنازة؛ لأن عيادة المريض له منها بد لكونها سنة يمكن للإنسان أن يدعها ولا يأثم، وكذلك شهود الجنازة، لكن لو فرض أنه تعين عليه أن يشهد جنازة بحيث لم نجد من يغسله، أو من يحملها إلى المقبرة، صار هذا من الذي لا بد منه.
    وعلم من قوله: «إلا أن يشترطه» جواز اشتراط ذلك في ابتداء الاعتكاف، فإذا نوى الدخول في الاعتكاف، قال: أستثني يا رب عيادة المريض أو شهود الجنازة.
    ولكن هذا لا ينبغي، والمحافظة على الاعتكاف أولى، إلا إذا كان المريض أو من يتوقع موته، له حق عليه، فهنا الاشتراط أولى، بأن كان المريض من أقاربه الذين يعتبر عدم عيادتهم قطيعة رحم، فهنا يستثني، وكذلك شهود الجنازة.
    فإن قال قائل: ما الدليل على جواز اشتراط ذلك؛ لأن الأصل أن العبادات إذا شرع فيها أتمها إما وجوباً أو استحباباً حسب حكم هذه العبادة؟
    فالجواب: ليس هناك دليل واضح في المسألة إلا قياساً على حديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ـ رضي الله عنها ـ حيث جاءت تقول للرسول صلّى الله عليه وسلّم: إنها تريد الحج وهي شاكية، فقال لها: «حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني، فإن لك على ربك ما استثنيت» [(535)]؛ فيؤخذ من هذا أن الإنسان إذا دخل في عبادة، واشترط شيئاً لا ينافي العبادة، فلا بأس.
    فإن قيل: القياس لا يصح في العبادات؟
    فالجواب: أن المراد بقول أهل العلم لا قياس في العبادات، أي: في إثبات عبادة مستقلة، أما شروط في عبادة وما أشبه ذلك، مع تساوي العبادتين في المعنى فلا بأس به، وما زال العلماء يستعملون هذا، كقولهم تجب التسمية في الغسل والتيمم قياساً على الوضوء، وليس هناك فرق مؤثر بين المحرم إذا خشي مانعاً، وبين المعتكف إذا خشي مانعاً.
    مسألة: لو شرع في الاعتكاف على سبيل النفل، ثم مات والده، أو مَرِضَ، فهل له قطعهُ؟
    الجواب: له قطعه؛ لأن استمراره فيه سنة، وعيادة والده أو قريبه الخاص قد تكون واجبة؛ لأنها من صلة الرحم، وكذلك شهود جنازته.
    تتمة : بقي قسم ثالث في خروج المعتكف وهو الخروج لما له منه بدٌ وليس فيه مقصود شرعي، فهذا يبطل به الاعتكاف سواء اشترطه أم لا، مثل أن يخرج للبيع والشراء والنزهة ومعاشرة أهله ونحو ذلك.

    وَإِنْ وَطِئَ فِي فَرْجٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ.
    قوله: «وإن وطئ في فرج» أي: المعتكف.
    قوله: «فسد اعتكافه» أي: بطل، والفساد والبطلان بمعنى واحد إلا في موضعين، الأول: الحج والعمرة، فالفاسد منهما ما كان فساده بسبب الجماع، والباطل ما كان بطلانه بالردة عن الإسلام، والموضع الثاني: في باب النكاح، فالباطل ما أجمع العلماء على بطلانه كنكاح المعتدة، والفاسد ما اختلفوا فيه كالنكاح بلا شهود.
    ودليل فساد الاعتكاف بالوطء قوله تعالى: {{وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}} [البقرة: 187] فإنه يدل على أنه لا تجوز مباشرة النساء حال الاعتكاف، فلو جامع بطل اعتكافه؛ لأنه فعل ما نهي عنه بخصوصه، وكل ما نهي عنه بخصوصه في العبادة يبطلها، وهاهنا قواعد:
    الأولى: النهي إن عاد إلى نفس العبادة فهي حرام وباطلة.
    مثاله: لو صام الإنسان يوم العيد فصومه حرام وباطل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن صوم يوم العيد، ولو أن المرأة صامت وهي حائض لكان صومها حراماً باطلاً؛ لأنها منهية عنه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي: مردود، وما نهى عنه فليس عليه أمر الله ورسوله؛ ولأننا لو صححنا العبادة مع النهي عنها لكان في هذا نوع مضادة لأمر الله تعالى.
    الثانية: أن يكون النهي عائداً إلى قول أو فعل يختص بالعبادة، فهذا يبطل العبادة أيضاً.
    مثال ذلك: إذا تكلم في الصلاة، ولو بأمر بمعروف، بطلت صلاته.
    مثل آخر: الأكل في الصوم، فإذا أكل الصائم فسد صومه؛ لأن النهي عائد إلى فعل يختص بالعبادة الذي هو الصوم.
    ومثال ثالث: إذا جامع وهو محرم، فسد إحرامه، والدليل قوله تعالى: {{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ}} [البقرة: 197] .
    وإذا حلق رأسه وهو محرم فالنهي هنا عن فعل يختص بالعبادة لقول الله تعالى: {{وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}} [البقرة: 196] فهل يفسد الإحرام؛ لأن النهي يعود إلى فعل يختص بالعبادة؟
    الجواب: إما أن يوجد دليل يخصص هذه المسألة، وإما أن يفسد الإحرام بالحلق.
    فالظاهرية ذهبوا إلى فساد الإحرام، وقالوا: إن فعل المحظورات في الإحرام مفسد للإحرام.
    وأما حديث كعب بن عجرة[(536)] ـ رضي الله عنه ـ، فجوابه أن الله ـ عزّ وجل ـ أذن لمن كان مريضاً أو به أذى من رأسه، أن يحلق ويفدي، فهذا مأذون له للعذر، ولا يستوي المعذور وغير المعذور، ولما صار معذوراً صار الحلق في حقه حلالاً ليس حراماً، فإذا فعله في هذه الحال لم يكن فعل محظوراً.
    ثم قالوا: ونحن نخاصمكم بالقياس مع أننا لا نقول به، لكن نلزمكم إياه؛ لأنكم تقولون به، لماذا تقولون إنه إذا جامع فسد إحرامه، فأي فرق بين الجماع وبين سائر المحظورات؟!
    لكننا نجيبهم بما جاء في القرآن، فالصيد حرام في الإحرام، وقال الله فيه: {{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا}} أي: غير معذور {{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}} [المائدة: 95] ولم يبطل الله الإحرام، فدل هذا على أن الحج والعمرة لهما أحوال خاصة؛ لقوة لزومهما وثبوتهما، فلا يفسدهما المُحَرَّمُ فيهما إلا ما أجمع العلماء عليه، وهو فيما أعلم الجماع، ثم إنه أي: المحظور ينجبر بالبدل، ثم إن العذر في المفسد لا يقتضي رفع البطلان، أرأيت الصائم إذا كان مريضاً وأفطر من أجل المرض أفليس يفسد صومه، مع أنه معذور.
    فالظاهرية عند سماع حجتهم ينبهر الإنسان بادى الرأي، لكن عند التأمل نجد أن الفقه مع الذين يتبعون الدليل؛ ظاهره وباطنه، ويحملون النصوص الشرعية بعضها على بعض، حتى تتفق، وهم أهل المعاني والآثار.
    الثالثة: إذا كان النهي عاماً في العبادة وغيرها، فإنه لا يبطلها.
    مثاله: الغيبة للصائم حرام، لكن لا تبطل الصيام؛ لأن التحريم عام.
    وكذا لو صلى في أرض مغصوبة، فالصلاة صحيحة؛ لأنه لم يرد النهي عن الصلاة فيها، فلو قال: لا تصلوا في أرض مغصوبة فصلى، قلنا لا تصح؛ لأنه نهي عن الصلاة بذاتها.
    وكذلك لو توضأ بماء مغصوب، فالوضوء صحيح؛ لأن التحريم عام، فاستعمال الماء المغصوب في الطهارة، وفي غسل الثوب، وفي الشرب، وفي أي شيء حرام.
    ولو صلى وهو محدث لا تصح الصلاة؛ لأن هذا تَرْكُ واجبٍ، ووقوع في المنهي عنه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بغير طهور» [(537)].
    وإذا صلى في المقبرة لا تصح صلاته؛ لأن فيها نهياً خاصاً قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» [(538)].
    وإذا صلى إلى قبر أي: جعل القبر قبلته لم تصح صلاته؛ لأن النهي عن نفس الصلاة قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تصلوا إلى القبور» [(539)].
    وقوله: «إن وطئ في فرج فسد اعتكافه» .
    علم من أنه إذا وطئ في غير فرج، مثل أن وطئ زوجته بين فخذيها، فإنه لا يفسد اعتكافه قالوا إلا أن ينزل؛ لأن المحرَّمَ الجماع، أما مقدماته فتحرم تحريم الوسائل.
    مسألة: لو اشترط عند دخوله في المعتكف أن يجامع أهله في اعتكافه لم يصح شرطه؛ لأنه محلِّلٌ لما حرم الله، وكل شرط أحل ما حرم الله فهو باطل، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» [(540)].

    وَيُسْتَحَبُ اشْتِغَالُهُ بالقُرَبِ، وَاجْتِنَابُ مَا لاَ يَعْنِيهِ.
    قوله: «ويستحب اشتغاله بالقرب» أي: يستحب للمعتكف أن يشتغل بالقرب، جمع قربة، ومراده العبادات الخاصة، كقراءة القرآن، والذكر، والصلاة في غير وقت النهي، وما أشبه ذلك، وهو أفضل من أن يذهب إلى حلقات العلم، اللهم إلا أن تكون هذه الحلقات نادرة، لا تحصل له في غير هذا الوقت، فربما نقول: طلب العلم في هذه الحال، أفضل من الاشتغال بالعبادات الخاصة، فاحضرها لأن هذا لا يشغل عن مقصود الاعتكاف.
    قوله: «واجتناب ما لا يعنيه» يستحب للمعتكف أن يجتنب ما لا يعنيه، أي: ما لا يهمه من قول أو فعل، أو غير ذلك وهذا سنة له، ولغيره، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» [(541)] وهذا من حسن إسلام المرء، ومن حسن أدبه، ومن راحة نفسه أن يدع ما لا يعنيه، أما كونه يبحث عن شيء لا يعنيه فسوف يتعب.
    وكذلك أيضاً إذا كان يتتبع الناس في أمور لا تعنيه، فإن من حسن إسلام المرء، وأدبه، وراحته أن يدع ما لا يعنيه، ولهذا تجد الرجل السماع، الذي ليس له هم إلا سماع ما يقوله الناس، والاشتغال بقيل وقال، يضيع وقته فيما يضره ولا ينفعه.
    مسألة: هل يجوز أن يزور المعتكفَ أحدٌ من أقاربه ويتحدث إليه ساعة من زمان؟
    الجواب: نعم؛ لأن صفية بنت حيي زارت النبي صلّى الله عليه وسلّم في معتكفه، وتحدثت إليه ساعة[(542)] وهو مما يعني الإنسان أن يتحدث إلى أهله؛ لأنه إذا تحدث إليهم أدخل عليهم السرور، وحصل بينهم الألفة، وهذا أمر مقصود للشرع، ولهذا ينبغي ألا يكون الإنسان منا كلاً، يجلس إلى أهله لا يكلمهم، ولا يتحدث إليهم، إن كان طالب علم فكتابه معه، وإن كان عابداً يقرأ القرآن أو يذكر الله ولا يتكلم، ثم إذا سُئل لماذا لا يتكلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» [(543)].
    نقول له: النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «فليقل خيراً» والخير إما أن يكون في ذات الكلام، أو في غيره مما يؤدي إليه الكلام، ولا شك أنك إذا تكلمت مع أهلك، أو مع أصحابك بكلام مباح في الأصل وقصدك إدخال الأنس والسرور عليهم، صار هذا خيراً لغيره، وقد يكون خيراً لذاته أيضاً مثل أن يلقي عليهم مسألة فقهية أو قصة يعتبرون بها، أو نحو ذلك، فالمهم أن تجتنب ما لا يعنيك، ولا شك أن ذلك خير للمعتكف ولغيره.
    وقد سمعنا أن واحداً من الناس قال: أنا لن أتكلم بكلام الآدميين أبداً، لا أتكلم إلا بكلام الله فإذا دخل إلى بيته وأراد من أهله أن يشتروا طعاماً قال: {{فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ}} [الكهف: 19] .
    وقد قال أهل العلم: يحرم جعل القرآن بدلاً من الكلام، وأنا رأيت زمن الطلب قصة في جواهر الأدب، عن امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، وتعجب الناس الذين يخاطبونها، فقال لهم من حولها: لها أربعون سنة لم تتكلم إلا بالقرآن، مخافة أن تزل فيغضب عليها الرحمن.
    نقول: هي زلَّت الآن، فالقرآن لا يجعل بدلاً من الكلام، لكن لا بأس أن يستشهد الإنسان بالآية على قضية وقعت كما يذكر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يخطب فخرج الحسن والحسين يمشيان ويعثران بثياب لهما فنزل فأخذهما، وقال صدق الله: {{إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}}»[(544)] [التغابن: 15] فالاستشهاد بالآيات على الواقعة إذا كانت مطابقة تماماً لا بأس به.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2011
    المشاركات
    2,183

    افتراضي

    --------------------------

    [510] أخرجه البخاري في الاعتكاف/ باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد (2035)؛ ومسلم في الآداب/ باب بيان أنه يستحب لمن رئى خالياً بامرأة... (2175) عن صفية بنت حيي رضي الله عنها.
    [511] أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (2771) ط الرسالة؛ والبيهقي (4/316).
    [512] أخرجه عبد الرزاق (8014)، وابن أبي شيبة (3/91).
    [513] سبق تخريجه ص(491).
    [514] أخرجه البخاري في الاعتكاف/باب الاعتكاف في العشر الأواخر (2026)؛ ومسلم في الصيام/ باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان (1172) (5) عن عائشة رضي الله عنها.
    [515] أخرجه البخاري في الاعتكاف/ باب الاعتكاف ليلاً (2032)؛ ومسلم في النذر/ باب نذر الكافر، وما يفعل فيه إذا أسلم (1656).
    [516] سبق تخريجه ص(491).
    [517] رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في الأذان/ باب الجمع بين سورتين في ركعة، (774م)، ووصله الإمام أحمد (3/141)؛ والترمذي من طريق البخاري في فضائل القرآن/ باب ما جاء في سورة الإخلاص وسورة إذا زلزلت (2901)؛ وصححه ابن خزيمة (537)؛ وابن حبان (792)، (794)؛ وصححه الحاكم (1/240) على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
    [518] أخرجه البخاري في الوصايا/ باب إذا قال: أرضي أو بستاني... (2756).
    [519] سبق تخريجه ص(505).
    [520] سبق تخريجه ص(491).
    [521] سبق تخريجه ص(473).
    [522] أخرجه البخاري من الأيمان والنذور/ باب النذر في الطاعة (6696) عن عائشة رضي الله عنها.
    [523] سبق تخريجه ص(41).
    [524] سبق تخريجه ص(503).
    [525] أخرجه البخاري في الاعتكاف/ باب اعتكاف النساء (2033)؛ ومسلم في الصيام/ باب متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه (1173) عن عائشة رضي الله عنها.
    [526] أخرجه مسلم في الحج/ باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (1396) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
    [527] أخرجه مسلم في الحج/ باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (1394) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
    [528] عزاه الهيثمي في المجمع (4/7) للطبراني في الكبير عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً وقال هو حديث حسن وأخرجه ابن عدي (7/2670) عن جابر رضي الله عنه، قال الحافظ في التلخيص (2069) إسناده ضعيف.
    [529] سبق تخريجه ص(513).
    [530] أخرجه البخاري في فضل الصلاة في مكة والمدينة/ باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1189)؛ ومسلم في الحج/ باب فضل المساجد الثلاثة (1397) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
    [531] أخرجه الإمام أحمد (4/323) عن مروان والمسور بن مخرمة.
    [532] سبق تخريجه ص(513).
    [533] سبق تخريجه ص(484).
    [534] سبق تخريجه ص(41).
    [535] أخرجه البخاري (5089) في النكاح/ باب الأكفاء في الدين؛ مسلم في الحج/ باب جواز إشتراط المحرم التحلل... (1207) عن عائشة رضي الله عنها؛ وأخرجه مسلم (1208) عن ابن عباس رضي الله عنه.
    وقوله: «فإن لك على ربك ما استثنيت» أخرجه النسائي (5/168) في مناسك الحج/ باب كيف يقول إذا اشترط، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو صحيح كما في «الإرواء» (4/186).
    [536] سبق تخريجه ص(185).
    [537] أخرجه مسلم في الطهارة/ باب وجوب الطهارة للصلاة (224) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
    [538] أخرجه الإمام أحمد (2/83) وأبو داود في الصلاة/ باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (492)؛ والترمذي في الصلاة/ باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد (317)؛ وابن ماجه في الصلاة/ باب المواضع التي تكره فيها الصلاة (745)؛ وابن خزيمة (791) وصححه شيخ الإسلام في الاقتضاء (2/677).
    [539] أخرجه مسلم في الجنائز/ باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه (972) عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه.
    [540] أخرجه البخاري في البيوع/ باب إذا اشترط في البيع شروطاً لا تحل (2168)؛ ومسلم في العتق/ باب بيان أن الولاء لمن أعتق (1504)؛ عن عائشة رضي الله عنها.
    [541] أخرجه الترمذي في الزهد/ باب حديث من حسن إسلام المرء... (2317)؛ وابن ماجه في الفتن/ باب كف اللسان في الفتنة (3976)؛ وصححه ابن حبان (229) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه النووي في الأربعين، الحديث الثاني عشر، وانظر جامع العلوم والحكم (2/287).
    [542] سبق تخريجه ص(501).
    [543] أخرجه البخاري (6018) في الأدب/ باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر..؛ ومسلم (47) في الإيمان/ باب الحث على إكرام الجار... عن أبي هريرة رضي الله عنه.
    [544] أخرجه الإمام أحمد (5/354)؛ وأبو داود في الصلاة/ باب الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث (1109)؛ والترمذي في المناقب/ باب حلمه ووضعه الحسن والحسين بين يديه (3774) وحسنه، والنسائي في الجمعة/ باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه... (3/108)؛ وابن ماجه في اللباس/ باب لبس الأحمر للرجال (3600)؛ وصححه ابن حبان (6038) (6039) إحسان؛ والحاكم (1/287) عن أبي بريدة رضي الله عنه، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    المشاركات
    110

    افتراضي

    راااااااااائع

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •