بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله الهادي سواء السبيل والصلاة والسلام على من أبان الصراط المستقيم وسلك الطريق القويم محمد بن عبدالله عليه وعلى آله وصحبه الطاهرين أفضل صلاة وأزكى تسليم .. أما بعد :

فكم من نقمة كانت على صاحبها نعمة وكم من محنة في طيّاتها منحة وكم من بليّة صارت عطيّة وكم من ضرّاء أعقبت سرّاء وكم من كرب وضيق خلّفا فرجا وسعة , ولن يغلب عسر يسرين , وكم من المكاره التي كانت طريقا إلى المحاب , وأعظم محبوب وأرغب مطلوب هي الجنة , وكم من سيئة فتحت بابها , وكم من حسنة أغلقته ؛ فالأعمال بالنيّة , والقلب محل نظر الرب ! فهل فتّش كل واحد منا عن قلبه ؟!

إن الإنسان في هذه الحياة لَيُبتَلى فيُنْظر عند البلوى أيصبر ويرضى أم يجزع ويسخط , وعند النعماء أيشكر أم يكفر , وفي كل حال له عبادة هل قام بحقها أم لا ؟!

وايم الله إن هذا لهو الامتحان الشديد الذي مَنْ جاوزه فقد جاوز المفاوز ونال المفاز !

إن على العبد أن يحسن الظن بربه , ويعلم أن ما اختاره الله له هو الخير لنفسه وليسأل العافية فمن حازها فقد حاز الخير كله !


** نقطة نظام **

مما جبل عليه ابن آدم الخطأ , فلا يلام على الوقوع فيه لكن يلام إن رضي به! فكل عيب وخطأ لدى الإنسان سواء أكان ذلك داءً في النفس أم سوءً في الخلق فلم يعالج ما فيه وسلّم له ليسلم من النصب والتعب !
ولست أقصد بالعلاج وضع الدواء على الداء ! كلا إنما أقصد بالعلاج المعالجة أي المجاهدة والأجر على قدر المشقة لمن صحّت نيته! ومن كان هذا فعله فليبشر بالهداية , يقول رب العزة والجلال (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ )


** جزء من مقال **

ذات ليلة كان الظلام شعارها , كنت في انتظار سلطان النوم أن يأتي ! ولعلمي أن مجيئه دوما في وقت الضرورة فليس هو ممن يسارع لقضاء ما عليه في أول الوقت , وفي بعض الأوقات يحبسه حابس فلا يطلقه إلا بعد تهديد بطاعة ! المهم قلت لنفسي بما أني لا محالة منتظر فلمَ لا أنظر في بريق الآيات وأنوارها ؟! فشعّت ولاحت بعضها في الأفق أجمل من ضياء القمر ليلة البدر !

يقول الله فيها ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )

يأمر الله جل جلاله من آمن به بالاستجابة والتي تتضمن القبول باطنا وظاهرا بما يأمر الله به ويأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم , وبيّن أن الشريعة فيها الحياة الحقيقية لمن يريدها و ذكّر بأنه يحول بين المرء وقلبه !

آية عظيمة ! فيا ترى هل بلغت من يبحث عن سعادة قلبه ؟!

كم من أناس تمنوا أشياء لكن حرموا منها حال الله بينهم وبين قلوبهم !

إن الله جل جلاله هو خالق الإنسان ومدبر الكون بما فيه , قلب العبد بين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء ! فهل داوم العبد على سؤال ربه تثبيت قلبه ؟!

القلب على صغر حجمه إلا أن فعله عظيم وفساده خطير , فصلاحه صلاح للجسد وفساده فساد للجسد !

ومن تأمل مناسبة ذكره هنا علم أن القلب عليه مدار العمل , فقد تتخلف الاستجابة في ظاهر الأمر لكن لا تتخلف في القلب , لذا نجد أن المكره يغفر له ما فعل بخلاف المختار الذي يؤاخذ بما صدر !

ونعود لما سبق من ذكر حياة القلب وسعادته , يكاد العضو الوحيد في الإنسان الذي لا يمكن أن يُمتّع بغير طاعة الله !

والشريعة ليست كما يقول البعض لا مجال فيها للمرح ! كلا .. أوسع دائرة في الشريعة دائرة المباح فاعمل ما شئت , فمن ذا الذي يحرم من أحل الله ؟!

لكن إن كنت فعلا تريد طمأنينة قلبك وسعادته فهي في اجتنابك لما نهى الله عنه ورسوله .

واعلم أن ربك لا يظلم أحدا فإن حال بينك وبين قلبك فلا تلم إلا نفسك فمنها أُتِيت وأنت الذي ألقيتها في مهاوي الردى !

فمن أراد العيشة الهنية والحياة الرضية فليعمل على إسعاد قلبه فبسعادته تسعد دنيا وأخرى ! ألا ترى أن الإنسان يقال له إذا ثبت في مكان ثابت القلب أو ثابت الجنان ! لأن خوار القلب يعني سقوط الجسم !

وقانا الله وإياكم سيء القول والعمل وأصلح الظاهر والباطن , وثبت قلوبنا على طاعته إلى يوم نلقاه .


قد لا تخرج مما سبق بفائدة ذات بال , لكن إن علمت المراد مما سبق فذاك الخير الذي أريد وهو أن تحرص على ألا يحول الله بينك وبين قلبك ! والله يحفظك !

** طيور مهاجرة >>


(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ) لا تكن من هؤلاء , فالجزاء من جنس العمل فقدم لهذا اليوم ما يجعلك إذا اشتهيت شيئا وجدته !

** نقطة عبور **

وسع دائرة في الشريعة : بعض العلماء يقسم الأحكام الشرعية إلى خمسة أمور فيقول الشريعة على دوائر خمس :

1 ) دائرة الواجب . 2 ) دائرة المحرم . 3 ) دائرة المندوب 4 ) دائرة المباح . 5 ) دائرة المكروه أو الكراهة .

وقالوا إن أوسع دائرة هي دائرة المباح لأن الأصل في الأشياء الإباحة
- وليست على إطلاقها -