من أجمل وأعمق ما قرأت في هذا المجال ،

http://mail.algomhoriah.net/atach.php?id=3113


نموذجان للموقف من الآخر: تأسيس عروض الشعر العربي ومشروع تحديثه


الجمعة 02 مارس - آذار 2007 القراءات: 1302



- لوحظ أن علوم العربية الصوتية والنحوية والدلالية، وكذلك علم الكلام وعلم أصول الفقه، ذات حضور واضح في المعجم العروضي غير أن علم المنطق والموسيقى والرياضيات أكثر حضوراً منها


عبدالودود سيف ..


x1- في الإجابة على سؤال: المثقف العربي والآخر.. تصادم أم تصالح؟ رأيت تناول المشكل من خلال المقارنة بين أنموذجين: مفهوم تأسيس علم العروض، ممثلاً بالخليل بن أحمد الفراهيدي (100-175هـ) واضع العلم، ومفهوم تحديثه ممثلاً بجملة من العروضيين المعاصرين.. الذين سعوا إلى تحديث العلم وتطويره وتحصيل حاصل الإشارة إلى قضيتين:


الأولى: أنني لم أحاول أن أطرح رأيي المباشر حول: ما إن كانت علاقة المثقف العربي بالآخر علاقة تصادم أم تصالح، بل تركت المقارنة تتولى الإجابة على السؤال ضمنيا.
الثانية: اختياري للخليل بن أحمد الفراهيدي واضح المغزى، حيث أن الخليل يمثل، من وجهة نظر دارسيه، رائد الحركة العلمية المنهجية في حركة التدوين الثقافي العربية التي أرست صرح النهضة العلمية العربية والحضارية هذا إذا لم نقل أنه رائد الحركة الثقافية العربية بدون منازع، بسبب اتساع دوره في حركة التأليف العربية التي شملت منظومة واسعة من العلوم، أغلبها علوم لم يعرفها العرب من قبل.
واختياره تحديداً أتى بقصد المقارنة بين العقلية العربية الحضارية المبدعة، والعقلية العربية المبهورة بإنجازات وإبداع الآخر.
ومن هذا القبيل فهدف المقارنة يشفع لي من حصر نفسي في دائرة تخصصية مغلقة. معتذراً في الوقت نفسه من تناول الموضوع تناولاً إجمالياً، يتحاشى بمنحاه العام التطرق إلى التفاصيل.
2- تأسيس علم العروض:
المعروف أن للعروض معجمه الاصطلاحي الخاص به. وهذا المعجم- الذي أسيء فهمه منذ وضع علم العروض قبل قرابة اثني عشر قرناً وحتى اليوم- وثيق الصلة بتحديد مفهوم العلم.
وقد اتضح لي من خلال دراسة المعجم العروضي جملة قضايا يهمني أن أذكر منها قضيتين
الأولى: ينقسم المعجم العروضي في مفرداته الاصطلاحية إلى قسمين: قسم خاص بالعلم، وقسم مشترك مع مجموعة العلوم السائدة قبل وضع العلم وأثناء وضعه. والقصد بالمفردات الخاصة بالعلم أن الألفاظ التي ضمنها دلالاته، جرى توظيف دلالاتها الأصلية - أي المعجمية - بطريقة لم يشاركه فيها علم آخر. في حين أن المصطلحات المشتركة مستعملة في علوم أخرى. وتخضع هذه الأخيرة لجملة من القواعد المنهجية المتصلة بمنهاج العلم ومفهومه. بما في ذلك اجتلاب المصطلح المشترك إما من علم واحد، أو من علمين أو ثلاثة علوم، وذلك وفقاً لطبيعة تداول المفهوم في العلم أو العلوم المخصصة به.
الثانية: الضابط في تحديد المصطلح عروضياً، هو اتفاق دلالاته المشتركة بين العلوم المخصوصة وعلم العروض، من جهة، ثم اختلاف دلالاته العروضية بعد ذلك، وفقاً لما سنذكره بعد قليل عن مبدأ الأصل والفرع، من جهة أخرى.
ولدى دراسة المظهر الآنف تبين أن الأساس الذي ينطلق منه العلم يقوم في جانب منه على المفهوم الأرسطي للعلم والقائل: "إن كل علم يحصله الإنسان أو يتلقاه، لا بد أن يستند إلى معرفة سابقة عليه ويقوم في جانب آخر على مبدأ الأصل والفرع"
وقد لوحظ أن علوم العربية الصوتية والنحوية والدلالية، وكذلك علم الكلام وعلم أصول الفقه، ذات حضور واضح في المعجم العروضي غير أن علم المنطق والموسيقى والرياضيات أكثر حضوراً منها.
وقد تحوط الخليل فاستوعب جميع هذه العلوم عبر آلة منهجية صارمة وبالغة التعقيد، وعبر التقيد الحرفي ببناء منهجه من داخله.. أي من الأصول الصوتية القائم عليها وهي الحركة والسكون.
ويستند العلم بمفهومه على نظرية الأصل والفرع والموازية في العلوم الإسلامية لنظرية "الجوهر" و"العرض" المنطقية.
والجوهر هو - في المنطق - الموجود لا في موضوع. ويقابله العرض بمعنى الموجود في الموضوع. أي في محل مقوم لما حل فيه.
وكما قد يكون الجوهر ذاتاً، فقد يكون، أيضاً مفهوماً دالاً على معنى الجنس أو النوع. في حين أن العرض هو الصورة التي يتحقق بها هذا المفهوم، إذا صح مثل هذا التمييز.
وعلم العروض من هذا القبيل ذو شقين: شق يعني بتحديد المفاهيم التي تمنحه ماهيته كعلم يعرف به وزن الشعر العربي، وشق يبحث في الأشكال التي تقوم بها مفاهيم العلم عبر وجودها الفعلي في الواقع.
والعروض بهذا المعنى وثيق الصلة بالعرض بمعناه المنطقي. وهذا الذي يتضح من مادته اللغوية: عرض يعرض عرضاً وعروضاً.
وكتجسيد لهذا المفهوم فمقولة "الأصل" التي يستند عليها علم العروض، إنما تستمد مفهومها كأصل من مفهوم العرض الآنف.. حيث أن الأصل العروضي هو بالأساس "فرع" لأصل أعلى أو أدنى منه. فإذا ما اعتل هذا الفرع بزحاف "تغيير" زيادة أو نقصان مخالف لطبيعته المخصوصة، تحول الفرع عندئذ إلى أصل جديد. وهذا هو القصد بالاختلاف.
وأساس المفهوم يكمن في الحركة وهي المصوت القصير "الفتحة، الكسرة، الضمة" والساكن اللذين يمثلان عروضياً مفهوم علماء الكلام في الجوهر الفرد والجزء الذي لا يتجزأ. ولما كانت الحركة لا تتحقق كجوهر إلا في عرض تحل فيه وهو الحرف الساكن "والعكس صحيح أن الساكن يحقق نفسه بمفهوم المتحرك مفرداً والساكن مزدوجاً" فقد بنا العروض مفهومه في الأصل والفرع على أساس مادته الصوتية التي يقوم عليها. ولهذا فمفهوم الأصل ساكن لدى دلالاته على معنى الجوهر ومتحرك لدى دلالاته على العرض.
هنا لا بد أن نلاحظ أن الدلالة العروضية تقيم أساسها على المبدأ نفسه، حيث يستند المصطلح العروضي على الأصل دلالي "أصلي أي لغوي، أو فرعي أي اصطلاحي" ويكون المصطلح العروضي بالنسبة لها كفرع. لكنه لأنه يخالفها بعلة إضافية فهو أصل جديد.
وهكذا يفيد علم العروض أيما إفادة من العلوم الأخرى، ولاسيما العلوم اليونانية، ثم يعيد تشكيلها. بما يلائم أهدافه. فماذا بشأن مفهوم تحديث علم العروض؟
3- مشروع تحديثه:
يقول إدوارد سعيد: "لقد كان أحد الضوابط المقيدة التي أثرت على المفكرين المسيحيين الذي حاولوا فهم الإسلام ينبع من عملية قياسية: مادام المسيح هو أساس العقيدة المسيحية، فقد افترض -بطريقة خاطئة تماماً- أن محمداً كان للإسلام ما كانه المسيح للمسيحية. ومن ثم إطلاق التسمية التماحكية "المحمدية" على الإسلام.
هذا المبدأ ينطبق بتمامه على عروض الشعر العربي الذي بدأت عملية تحديثه على أيدي المستشرقين في عشرينيات القرن التاسع عشر تقريباً. فقد فوجئ المستشرقون لدى اتصالهم به، بأنه وظف فقط كآلة لقياس ضبط الأوزان، عبر مقارنتها -أي الأوزان- بصور الأعاريض والضروب المحددة في كتب العروض.
وكان من الطبيعي أن يفترضوا أنه كعلم الأوزان الشعر، فلا بد من أن يكون أيضاً علماً للإيقاع. وليس في ذلك أية مجازفة. وبدأوا من ثم يبحثون فيه عن مفهوم الإيقاع وقوانيه.
غير أن الفرضية الخاطئة التي وقعوا فيها، تؤكد مقولة "إدوارد سعيد"، أنهم تصوروا عروض الشعر العربي كأعاريضهم الأوروبية، وتعاملوا معه بما عرفوه عن الظواهر الصوتية والإيقاعية المعروفة في لغاتهم الأوروبية.
وتعددت الإتجاهات والفرضيات، لكن شيئاً واحداً لم يتغير لديهم جميعاً، هو أنهم تعاملوا -كما يقول أحدهم وهو المستشرق "جوتهلد فايل" مع موضوع غريب عنهم كلياً. وقادهم هذا لأن يقترفوا جنايات عديدة، حصرها "فايل" في "دائرة المعارف الإسلامية" تحت مادة "عروض"
أمران اثنان نود الإشارة إليهما، ضمن ما ذكره "فايل".
الأول: التعامل مع إيقاع عروض الشعر العربي بمنطق أعاريضهم الأوروبية.
والثاني: إعادة هندسة العروض العربي بما يتطابق مع فرضياتهم النظرية، بما في ذلك أنهم حاولوا استحداث أعاريض جديدة، من جهة، واستبعاد مالم يتطابق مع فرضياتهم النظرية من أجزاء العروض العربي، من جهة أخرى.
الأزمة إلى هنا تبدو أزمة بحث محضة "مستبعدين لاعتبارات المجاملة، العوامل الأخلاقية والحضارية"، لكن الأزمة فرّخت لها أعشاشاً في مشاريع الدراسات العروضية التي قام بها الباحثون العرب لاحقاً.
لقد كان التصور السائد بان "وضع مناهج البحث" في مختلف فروع المعرفة الإنسانية، على أساس علمي مستمد من الوقائع والخبرة، إنما هو وليد العصور الإنسانية الحديثة. هكذا يقول الدكتور علي سامي النشار الذي تصدى مع نفر قليل من زملائه وتلامذته لمواجهة نزعة "الإستشراق" بشقيها: الإستشراقي والمستغرب في الفكر الفلسفي الإسلامي. لكن هذا التصور أو الإجماع، كما يقول النشار، لا يلغي "إن العقل الإنساني لا يستطيع أن يفكر وأن يستدل بدون أن يكون له منهج متعين يقول عليه فكره وحركته" كما لا يلغي "إن مسألة المنهج لا تختص بجيل دون جيل أو بفرد دون فرد".
والإشكالية التي وقع بها دارسوا عروض الشعر العربي من العرب، أنهم وقعوا تحت رحمة هذا التصور، واستبعد غالبيتهم أن يكون العلم العروض منهج يذكر. أما من قال منهم عن منهجه، فقد استبعد أن يكون لمنهجه، إن وجد، قيمةٌ علمية يعتد بها. وتبدى ذلك بإكبار محاولات المستشرقين، والتقليل من شأن الخليل بطريقة منفرة.
وبدلاً من أن يدرسوا العلم اكتفوا بما عرفوه عنه في كتب المختصرات العروضية المدرسية. ولدى محاولة دراسته، بدأوا من نفس النقطة التي بدأ منها المستشرقون وهي السؤال: تحت أي قسم من الأقسام الثلاثة التي حددها المستشرقون، وعلماء اللغة الأوروبيين للأعاريض، يقع عروض الشعر العربي؟ ويعنون بذلك الأعاريض الكمية والنبرية والمقطعية.
والسؤال، في واقع الأمر، يلخص الأزمة كلها: حيث المراد من دراساتهم تحديد موقع عروض الشعر العربي من الأقسام الثلاثة، وليس طرح السؤال الأهم: ما هو عروض الشعر العربي؟
ومن الطبيعي أن يحدد الدارس موقعه هو أولاً من الأقسام الثلاثة، ثم يتحدد تلقائياً موقع عروض الشعر العربي.. وكما صنع الأستاذة من قبل، صنع التلامذة من بعد: حيث استحدثوا أعاريض جديدة، وحاولوا الاستغناء عن أجزاء من عروض الشعر العربي، ومن دون أن يتعضوا بنصيحة الخليل التي تبدو كما لو كانت موجهة لهم:
لا يصل أحد من علم النحو إلى ما يحتاج إليه، حتى يتعلم ما لا يحتاج إليه".
ولعل الدكتور "محمد مندور" هو الاستثناء، حيث، تميز إلى جانب ريادته الدراسات العروضية، باخضاع الدرس العروضي للتطبيق المعملي. لكنه حين حاول البحث عن الإيقاع، تقيد بمفهوم الايقاع الموسيقي الغربي.
مع أنه كان من الطبيعي أن يفترض أن مفهوم الإيقاع الشعري في العروض مؤسس على المفهوم الموسيقي العربي، لاسيما وانه لو كان درس تاريخ الموسيقى العربية لاكتشف أن الخليل هو -كما يقول المستشرق هنري جورج فارمر "مؤلف تاريخ الموسيقى العربية حتى القرن الثالث عشر الميلادي" أول من ألف رسالة علمية حقيقية في النظرية الموسيقية العربية" وأنه -أي الخليل- أول من بحث نسب الدستان في الآلات الوترية العربية في كتابه "كتاب النغم"، أما إذا أراد معرفة دور الخليل الموسيقار فدونه التراث الموسيقي العربي، من جهة ودراسة انعكاسات هذا التراث في علم العروض، من جهة أخرى.
ورغم أن الدراسات العروضية العربية عمرها أكثر من نصف قرن، لكنها ما تزال تدور حول نفسها بدون طائل.
4- الخلاصة:


لا حاجة لي لأن أستخلص النتائج من العرض الآنف، ولكن فقط أود التأكيد على أن النزعة التقليدية التي عانى منها عروض الشعر العربي، طوال مراحله، قد اكتسبت في طور المنهجية العلمية بعداً جديداً يعيد تشكيل هويتها بمضامين ولافتات عصرية جديدة, وهنا تتضاعف درجات الخطورة، حيث ينمحي معنى التقليد باعتباره مرادفاً للأصالة، ويصبح رديفاً للإستلاب. مع تعارضهما في الحالتين مع أي نزوع لتأكيد الخصوصية والإبداع

****


ومن المفيد أن يقرأ مع هذا الموضوع كل من :



الكم والهيئة حيث يتميز العروض العربي عن العروض الكمي في اللغات الأخرى :