هذا حوار لموقع أوزبكستان المسلمة مع الشيخ عبد العزيز الحميدي
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: هذا حوار لموقع أوزبكستان المسلمة مع الشيخ عبد العزيز الحميدي

  1. #1
    ابن رجب غير متواجد حالياً عامله الله بلطفه
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    2,107

    افتراضي هذا حوار لموقع أوزبكستان المسلمة مع الشيخ عبد العزيز الحميدي

    إخواننا الزوار الكرام!

    بفضل الله تعالى ومنته تشرف مراسل موقع "أوزبكستان المسلمة" باللقاء مع فضيلة الشيخ، الدكتور "عبد العزيز الحميدي" – حفظه الله – رئيس قسم العقيدة بجامعة "أم القرى" بمكة المكرمة وإجراء حوار معه، وقد أكد فضيلة الشيخ في أثناء الحوار على أنه على إلمام تام بما يجري على المسلمين في أوزبكستان من الشدائد والمحن في سبيل دينهم، معبرا عن مؤاساته وانفعاله ومذكرا بأنه يدعو الله عز وجل بأن يفرج هموم المسلمين الأوزبك وينفس كربهم.. وقد توجه مراسلنا إليه برجاء أن يدلي لزوارنا الكرام بكلمة مفيدة وموعظة حسنة، فوافق الشيخ على ذلك بكل سرور وارتياح – جزاه الله خيرا - وفيما يلي نقدم لحضراتكم نص هذا الحوار:

    القسم الثاني:
    بسم الله الرحمن الرحيم

    كلمة فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز الحميدي - حفظه الله - رئيس قسم العقيدة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة


    نحمد لله ونشكره ونستعين به ونستغفره ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين الحق ليظهره على الدين كله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا.
    أما بعد:

    أيها الإخوة الكرام! نحييكم بتحية الإسلام ونقول:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يشملنا بعفوه وعافيته وأن يتغمدنا أحياء وأمواتا بعفوه ورحمته وأن يلهمنا رشدنا وأن يقينا من شرور أنفسنا.

    إخوتنا الكرام!

    مما لا شك فيه أن هذه فرصة كبيرة ومناسبة كريمة ساقنا الله سبحانه وتعالى لها وقدّر أن نلتقي في هذا اليوم وله الحمد والفضل والمنة، فإن لقاء المؤمن مع أخيه المؤمن له أثر في النفوس وهو أمر مما يعمّق المودة والمحبة ويعمق الشعور الإيماني في العروق؛ أن يكون بين المؤمنين نوع من التكاتف والتراحم وأن ينصر بعضهم بعضا وأن يعين بعضهم بعضا على قدر وسعه وطاقته.

    وكما ذكرتم أنكم مسرورون بهذا اللقاء ونحن - والله سبحانه أعلم - أشد سرورا بذلك ولم نحضر لتقديم علم تفقدونه أو نُصحٍ لم تسمعوه من قبل، ولكننا حضرنا فقط تحقيقا لهذا المبدأ العظيم وهو قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}، وتحقيقا لهذا المبدأ العظيم وهو قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}.

    ذُكر أن إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان إذا بلغه أن رجلاً على السنة وأنه يدعو إليها في أقطاع الأرض كان يراسله ويبعث إليه إذا هو لم يستطع أن يقابله، فيرسل إليه رسالة ويثبته فيها ويذكره ويشجعه ويبين له أنه على ثغر عظيم من ثغور الإسلام.

    وهذا الشعور من الإمام أحمد الذي يجعله يراسل كل من بلغه أنه على السنة ويدعو لها ويعمل بها في أقطاع الأرض المتناهية البعيدة ويراسله ويكاتبه؛ شعور بهذه المسئولية الكبيرة وهو أن أهل السنة يجب أن يكون بينهم هذا النوع من التناصر والتعاضد وأنه يجب يشجع بعضهم بعضا لأنه ما من شك أن كل من يعمل بالسنة اليوم ويدعو إليها هو على ثغر عظيم وعلى باب كبير من أبواب الإسلام، فالله الله أن يؤتَى أحدنا من الثغر الذي وكله الله به.

    وأيضا أهل السنة والعاملون بها والداعون إليها هم قليل في كل زمان ومكان. هذا سفيان الثوري الإمام المشهور كان إذا رأى طلاب الحديث بمحاضرهم وأوراقهم يقول: "استوصوا بأهل الحديث خيرا فإنهم أقل الناس" أو كما قال.

    والإمام الليث بن سعد -وهو أيضا من الأئمة العظام الكبار عاش في زمن تابعي التابعين-، كان يقول كلمة رائعة؛ (يقولها وهو في أيام أتباع التابعين، في تلك الأيام التي تمثل أجود وأجمل فترات الإسلام ظهورا وانتشارا وقوة): "من لم يشعر بالغربة فليس على السنة".

    والمعنى: أن كل من يعمل بالسنة لا بد وأن يشعر بنوع من الغربة والصعوبة والمشقة ولو كان بين أهله وفي بلده، فإن كونه بين أهله وفي بلده لا يعني بالضرورة مواساة جميع الأمور له وموافقتها بمقتضاه، وخاصة كما قلنا أن الذي يريد أن يعمل بالسنة ويقوم بها ويدعو إليها لا بد وأن يشعر بالغربة، فلذا أطلق الإمام الليث تلك الكلمة الرائعة.

    فكيف تكون الحال إذن في هذه الأزمان المتأخرة وهذه الأوضاع المتردية التي يعيشها العالم كله ويعيشها المسلمون على وجه الخصوص من ضعف في الدين، وبعدٍ كثيرٍ – حقيقةً - عن مهد السنة النبوية وهذه المنكرات والمحدثات والبدع الكثيرة المنتشرة عند المسلمين من ترك للصلاة ومعاقرة لما حرم الله، وكذلك المشقة الواضحة في أمر المعاش في الحياة الدنيا، ومن أعظمها وأخطرها التسلط الواضح من قبل أعداء الله من الكفار والمنافقين والفاجرين على مقدَّرات ومصير المسلمين تقريبا في كل مكان ولا يملك المسلمون اليوم من أمر أنفسهم إلا شيئا لا يكاد يُذكر!

    فهذه الأوضاع وهذه الظروف وهذه الظُلمات المتراكمة لا شك أنها ستضعف المسلم وتضخّم المشقة والعنت الذي سيواجهه المسلمون على وجه الخصوص وأهل السنة بوجه أخص.

    وأذكر كلمة الإمام بن قيم الجوزية - ذكرها في كتابه المشهور "طريق الهجرتين وباب السعادتين" - ويقصد الإمام بـ"طريق الهجرتين" أن المسلم لا بد له من هجرتين يهاجر إليهما وليست الهجرتان هنا الهجرة الحسية التي هي الانتقال من بلد إلى بلد ولكن المراد هنا: الهجرة المعنوية؛ هجرة إلى الله سبحانه وتعالى بعبادته وحده لا شريكا له والتلقي من وحيه الكريم والإعراض عن عبادة كل ما سواه وأن لا يعظََّمَ أحد أو يُخَصَّ أكثر منه، من حبه وتعظيمه له سبحانه وتعالى - وهذا يسمى بالتوحيد -. وهجرة إلى رسول الله؛ والمعنى الهجرة إلى سنته والهجرة إلى شريعته، فلا نجعل لنا قدوة ولا أسوة نقتدي بها ونتأسى بها إلا رسول الله ، فالحق هو ما قاله والباطل هو ما حذر منه، والخير كل الخير في سنته والشر كل الشر في الإعراض عن سنته وتنكبها وسلوك السبل المضلة والعياذ بالله.

    ومن هاتين الهجرتين تفتح أبواب السعادتين؛ سعادة الدنيا: الطمأنينة واليقين والثبات على الأمر الذي يفقده كل من لم يؤمن بالله حقا وصدقا، والسعادة الأخرى؛ بدخول رحمة الله وجناته وانضمامه إلى عباده الصالحين:

    {يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}.

    في هذا الكتاب يقول ابن القيم –رحمه الله-:

    "أهل الإسلام في أهل الملل الأخرى قليل، (يعني: المسلمون بالنسبة لغيرهم قليل) وأهل السنة في أهل الإسلام قليل والعلماء في أهل السنة قليل والعاملون من العلماء في أهل السنة قليل والصابرون على الأذى من العاملين من العلماء قليل، فهم قليل من قليل من قليل وإنهم خيار من خيار من خيار".

    وهذه مستويات وطبقات ينظم الله عز وجل من شاء من عباده الأخيار بحسب استعدادهم وبحسب يقينهم فليس من أعطي يقينا عظيما كمن أعطي شيئا قليلا -بلا شك-، ولذلك أذكر أيضا كلمة أخرى لابن القيم أيضا فيقول –رحمه الله- بعد كلمته السابقة:

    "عِظَمُ المِنَّة يستلزم عِظَمَ المُهِمَّة"؛

    هذا أشبه ما يكون بقاعدة مطردة، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يمن بالإيمان وبالهدى وبالعلم وبالنبوة أيضا، هذا من شأنه سبحانه وتعالى في عباده، أليس كذلك؟ ولكن هؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم بالعلم أو بالإيمان أو بالنبوة - بحسب منة الله عليهم - تكون مهمتهم ووظيفتهم وجهادهم وصبرهم أعظم من غيرهم، ولذلك؛ لما كان في النبوة أعظم منحةٍ وأعظم فضيلةٍ وأعظم شرفٍ يشرف الله به مَن اصطفاه من عباده – {والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس} الآية، {الله أعلم حيث يجعل رسالته} الآية، {وإنه عندنا لمن المصطَفَيْنَ الأخيار}، فالأنبياء هم زبدة البشرية وصفوة الخليقة وخيرة البرية، والأنبياء في أنفسهم متفاوتون بعضهم أفضل من بعض: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} الآية. والله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وكان فضل الله عليك عظيما} و{كان فضل الله عليك كبيرا}، {ألم يجدك يتيما فآوى . ووجدك ضالا . فهدى ووجدك عائلا فأغنى}، وغير ذلك من المقامات العظيمة والشرف الكريم أجلّ الله به محمدا صلى الله عليه وسلم وأجل به غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ولكن الأنبياء في المقابل كانوا أعظم الناس جهادا وأعظم الناس صبرا وأعظم الناس عملا وعبادة وصدقا وإخلاصا وأكثر الناس تعرضا للبلاء والفتنة ليقابل ذلك مقامَ النبوة الذي امتن الله به عليهم.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه :

    "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة شُدِّد عليه البلاء وإن كان في دينه رقة أو ضعفا خُفِّف عليه البلاء".

    قال "أشد الناس بلاء الأنبياء"؛ مع أن المعروف والمعلوم بالضرورة أن الأنبياء هم أكثر الناس قربا إلى الله، أليس كذلك؟! هم أحباء الله سبحانه وتعالى، هم صفوته وهم خيرته. والآن -انظر مثلا- أي ملك من ملوك الدنيا؛ أقرب الناس إليه وأحبهم إليه هم أكثر من يستفيدون منه، يتمتعون بوافر الأموال والقصور، ولا يذهبون –مثلا- ليكنسوا الشوارع ويكسروا الجبال وغيرها من الأعمال الشاقة، فأصفياؤه وأبناؤه وأقاربه يتمتعون بالقصور والامتيازات الخاصة والمخصصات المالية العالية. ولكننا نلاحظ في هذا الحديث أن مالك الملوك -جل وعلا-؛ أقرب الناس إليه حبا وتعبدا -وهم أنبياؤه- هم أكثرهم مشقة في الحياة وأعظمهم بذلا وجهادا، يعني هذا عكس التفكير البشري.

    الحكمة من ذلك؛ ليتحقق أن منة الله عليهم - برفعهم إلى مقام النبوة- يجب أن يقابلها ما يناسبها من الجهاد والصبر والبذل، وهكذا كان الأنبياء؛ عاشوا حياتهم في الكفاح والجهاد والصبر لأن فضل الله عليهم بالنبوة يستلزم ذلك.

    ثم قال: "...ثم الأمثل فالأمثل" يعني؛ بحسب قربه من مقام النبوة علما وعملا.

    "يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة شُدِّد عليه البلاء"؛ وهذا الاختبار من الله وهو يعلم من عباده من هو موقن وصابر ومن هو مهلهل أو ضعيف أو نحو ذلك، "وإن كان في دينه رقة أو ضعفا خُفِّف عليه البلاء".

    ربما تجد كثيرا من أعداء الله يعيشون حياة رغيدة، - فيما يظهر للناس أنها - سعيدة، ربما لا يمسهم شيء من النصب والتعب، وقد يحصل هذا كثيرا، وربما يحصل عند المؤمن نوع من الفتنة.

    والله عز وجل قد يمكن لهؤلاء الطغاة - وهم أعداؤه وخصومه الذين نازعوه حتى الخصائص الألوهية وجعلوها لأنفسهم؟! يعيشون في بحبوحة من العيش وتكون الأمور مواطئة لهم، ويتمتعون بكل ما يمكن أن يتمتع به، وأولياء الله وأصفياؤه في العنت والمشقة!

    يجب علينا أن نفقه هذه السنة الإلهية : "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل..." الحديث.

    والعلم مِنّةٌ وفضل؛ كَوْن الله سبحانه يختار هذا العبد ويشرح صدره وينور قلبه بالعلم وييسر له طريقه، ويجعله لا يقرأ شيئا إلا ضبطه ولا يحفظ شيئا إلا ثبّته - كالأئمة والعلماء – هذه نعمة عظيمة. وهذا العلم له ثمن! وما الفائدة من أن يجعل الله قلبك وعقلك مستودعا للعلم به وبدينه وبسنة رسوله وبكتابه؟، ولماذا اختارك دون فلان من الناس إلا لأنه نوع ترشيح رشّحك الله لهذا المقام لتقوم بمتطلباته ومستلزماته وأعماله.

    الآن لو نظرنا –مثلا- إلى شركة من الشركات، عندها وظيفة شاغرة وهذه الوظيفة مواصفاتها ومميزاتها عالية وراتبها - مثلا - ضخم وكبير وهناك مخفّضات وامتيازات كثيرة، من سكن وسيارة وإجازة، فأعلنت الشركة في الصحف والجرائد -مثلا- أن عندنا وظيفة شاغرة والراتب كذا وكذا والبدل والسكن والسيارة...الخ، ومميزاته عُرف أنها مغرية جدا، ثم بعد ذلك يفتح بابها لكل من أراد العمل فيها، هل يتصور هذا؟ الجواب: لا ولكن لا بد للدخول فيها من شروط، شروط التقدم، كأن يكون حاصلا على شهادة فلانية وخبرة عشر سنوات وإجادة اللغة الفلانية...الخ، فإذا بك تجد أن عشرة ملايين من الناس في البلد لا يصلح منهم لهذه الوظيفة إلا اثنان أو ثلاثة.

    فالله سبحانه وتعالى أنزل الشريعة والهداية ورشح لها من العلماء والصالحين من يحفظونها ويقرؤونها ويفقهونها ويستوعبونها، فهل يذهبون بعد كل هذا التفضل والإكرام لا يلتزمون بمقتضياته بل ينامون مع النائمين ويلعبون مع اللاعبين ويلهون مع اللاهين؟! هذا لا يليق بهذا المقام، إذاً هذا ليس علما بل هو خيانة واضحة وصريحة لهذا الخير الذي أعطاه الله إياه ولا يليق به.

    فالعلماء كالأنبياء يتحملون المشاق ويصبرون عليها وسيجدون من المشقة والعنت نظيرَ ما وجده الأنبياء والرسل والسلف الصالح أو قريبا مما وجده أولئك الذين تقدموهم وسبقوهم في هذا الطريق.

    ولا تظنن أن هداية الله رخيصة الثمن وأن دين الله رخيص معروض للبيع على كل من هب ودب!

    يقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو يخطب على المنبر:"ألا إن سلعة الله غالية" أي: ثمنها بالغ "ألا إن سلعة الله الجنة". جنته سبحانه وتعالى وعافيتها ولحظاتها غالية وسعرها بالغ، ولا بد إذن من تقديمه واختصاصه، لأن المُنى الموعود به ثمين وعظيم.

    ولا يهمنا أبدا ونحن في هذا المضمار نظرة الناس لنا، وكثير من الظروف الاجتماعية وكلام الناس يؤثر في قلوبنا وربما يخذِّل بعضَنا، لأن الأوضاع الاجتماعية تعارف الناس فيها لحسر أحوالهم ومصالحهم وشهواتهم.

    ولا يجوز أبدا أن نقيم ونجعل أوضاعا اجتماعية أو مقاييس بشرية هي ما نقيس به مدى قناعتنا بأمر الله وقيامنا به. الناس يقيمون مقاييسهم ونظرتهم لغيرهم بحسب الظواهر والمظاهر ولا يقيمون شأنا يذكر بالحقائق، فلنحذر أن نكون هكذا.

    بينما حكم الله سبحانه وتعالى واصطفاؤه بحسب سابق علمه بخلقه، والله عز وجل يكرر في القرآن كثيرا هذه الآية الكريمة:

    {وكفى به بذنوب عباده خبيرا بصيرا}، {وكفى به بعباده خبيرا بصيرا}.

    ويروي لنا سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه هذه القصة – وهو في البخاري -: "كنا جلوسا عند النبي صلى الله وسلم فمر بنا رجل من أشراف الناس (مشهور من قبيلة معروفة، مركزه الاجتماعي مرموق، وماله كثير وجاهه وفير) فقال النبي صلى الله عليه وسلم للجالسين معه: "ما تَعُدُّون هذا فيكم؟" (أي ما تقييمكم له وما نظرتكم له؟ ما هي؟)، قالوا: "هذا حَرِيٌّ إن قال أن يُسمَعُ وإن شَفَعَ أن يَشفَّعَ وإن خطب أن يُنكح" (لماذا قالوا "يُسمع"؟ هل هذا لبلاغته أو لفصاحته أو لعلمه؟! لا، ربما هو لا يحسن الخطاب أصلا فضلا أن يركب جملة مفيدة، وربما خطابه مهلهل، ويقرأ ويخطئ، ولكنهم قالوا "يُسمَع" وإن كان جاهلا أو ركيك العبارات لأنه ذو حسب ونسب ومال ونحوها). "فسكت النبي صلى الله عليه وسلم" ولم يعلق شيئا على تقييمهم لهذا الرجل، "ثم مر بعده رجل آخر"؛ جاء في الروايات وصفه بثلاثة أوصاف؛ في رواية: "مِنْ ضَعَفَةِ الناس" وفي رواية: "من سوقة الناس" وفي رواية: "من أغمار الناس"، فالأغمار يعني رجل لا يُذكر ولا يعرف، لا اعتبار له جاء أم لم يجئ، ليس له جاه ولا مال ولا شيء، مغمور لا يعرفه أحد.

    فقال عليه الصلاة وسلم: "ما تَعُدُّون هذا فيكم؟" قالوا: "هذا حري إن قال أن لا يُسمع وإن شفع أن لا يشفَّع وإن خطب أن لا يُنكح"؛ عكس ذلك تماما، ربما يكون هذا أعلم وأبلغ وأفصح من الآخر ولكن هذا ليس في الاعتبار الآن، فهذا هو مقياسهم الظاهري -وهم صحابة-، فقال عليه الصلاة والسلام -وهو يبين لهم كيف يقيس الله العباد، لا على مقاييسهم الظاهرية هذه، بل على ما قام في قلوب هذين العبدين من إيمان وعلم ويقين- قال:

    "والذي نفسي بيده، هذا (أي الرجل الثاني) خير عند الله من ملء الأرض من ذاك" أي الرجل الأول.

    ما قال "إنه خير منه" فقط، بل قال "خير من ملء الأرض من ذاك". ملء الأرض: كلها، وهذا الرجل الذي وصفه العالي والشديد في نظركم ما يعدل عند الله لهذا العبد الواحد السعيد، لفوارق هائلة يعلمها الله سبحانه بين مقام هذا عنده ومقام ذاك.

    ولذلك ذكر القرآن الكريم لنا شبهة خطيرة طالما صدت كثيرا من الناس عن الإيمان بالله واتباع الأنبياء؛

    جرت سنة الله الكونية - وله في خلقه حكم - أن أكثر الناس اتباعا للأنبياء وسرعة في الاستجابة لهم هم الفقراء والضعفاء، أليس كذلك؟! هذه سنة كونية، وهذا هرقل -زعيم الروم- لما بعث له النبي كتابه "أسلم تسلم..." استدعى هرقل من كان في أرض الشام من بعض العرب، وكان فيهم أبو سفيان -والقصة مشهورة مرت عليكم- فسأله عدة أسئلة، منها أنه سأله: مَن أتباعه؟ (أي هذا النبي الجديد )، أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان: "بل ضعفاؤهم"، فقال هرقل: "كذلك أتباع الأنبياء"!

    ولكن هذا ولّدت الشبهة عند المشركين؛ فنسمع في سورة هود قوله تعالى -في مخاطبة قوم نوح لنوح-:

    {وما نرى اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} الآية.

    ماذا يريدون بذلك؟ هم يريدون أن يستذلوا النبي وأتباعهم لكونهم ضعفاء، بينما كبار القوم وعظامهم ووجوه البلد هم الذين خاصموه وعادوه" فالنتيجة؛ أنهم يستذلون بهذه الورقة - كون هؤلاء الضعفاء دون الكبراء يتبعون دعوتك تدل على أنها كاذبة وخاطئة فكانوا يقولون: {بل نظنكم كاذبين}.

    أضرب لك مثلا؛ إذا أعطيتك كتابا وقلت لك: اقرأ هذا الكتاب وقيِّم لي معلوماته، تقول: من مؤلفه؟ فإذا قلت لك: مؤلفه فلان بن فلان، كذا وكذا، فإذا ما أعجبك شكل الكتاب ومؤلفه ستطرحه جانبا وتقول: "هذا الكتاب ليس جيدا"، فهذا ليس تقييما، لأن اسمه وجنسه لا يحدد صحة فكرته، فهل يكون شكله دليلا على باطنه؟ وما علاقة شكله واسمه بالفكرة؟! قد يكون شكله أو اسمه غير جميل ولكن فكرته رائعة وفصاحته بليغة وقد يكون شكله جسيما وجميلا ولكن فكرته سيئة وفصاحته غير بليغة، كما جاء في قصة الإمام أبي حنيفة المشهورة لما مرض فترة قدم إليه رجل لابس لباس أهل العلم، وكان الإمام أبو حنيفة يتحدث عن الصيام ووقت السهر وطلوع الفجر، وسئل عن وقت السهر وانتهاء وقت الفجر فقال أبو حنيفة؛ "إذا طلعت الشمس انتهى وقت الفجر" فقال ذاك الرجل: "وماذا نعمل إذا ما طلعت الشمس؟!"، فقال أبو حنيفة: لقد آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه" (وكان يظن أنه من أهل العلم بناء على هيئته الظاهرة).

    المهم؛ أن شكل المؤلف ولونه وجنسه لا دخل له في تقييم فكرته، فأنت ينبغي عليك أن تقرأ الفكرة وتقيم الرجل من خلال فكره، لا من خلال شكله أو اسمه.

    {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون}الآية. (أي: كيف نؤمن لك؟). ما علاقة هذا بهذا؟ فرد عليهم نوح؛ {قال وما علمي بما كانوا يعملون . إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون}

    ونستشف هنا استخدام قريش في مخاصمة دعوة النبي نفس الأسلوب؛ حيث تركوا النقاش في حيثية الدعوة نفسها وتركوا النقاش في أيهما إزاء الحق، اللات والعزى أم رب العالمين؟ تركوا النقاش في هذا كله مع النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم الذي أعجزهم والذي بهرهم. وتركوا النقاش في ذلك كله وقالوا: {لو كان خيرا ما سبقونا إليه} الآية، أي: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا إليه بلال الحبشي وصهيب الرومي وعمار بن ياسر وفلان وعلان من الضعفاء من الطبقة البسيطة من المجتمع، بينما الكبراء والأسماء اللامعة ورؤوس القبائل ووجوه القوم هم في طرف آخر!

    بل في سورة الأنعام تطورت الشبهة عند هؤلاء الكفار تطورا خطيرا حتى ذهبوا إلى الاستعلاء على الله واختياره؛

    طلب قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد من مجلسه بلالا وصهيبا وعمارا وغيرهم من الضعفاء وأن يخرجهم من مجلسه حتى يأتي إليه كبراء القوم ليستمعوا إليه ما يقول، وطلبوا ذلك حتى لا تتحدث العرب أنهم جلسوا مع الضعفاء في مجلس واحد. والنبي صلى الله عليه وسلم في البداية وافق، لماذا وافق؟ لأنه طمع في هدايتهم، لأنه إذا اهتدت رؤوس قريش فالناس في الغالب تبع لكبرائهم، فكان مقصده كبيرا، فلا بأس أن يستأذن النبي هؤلاء الرجال البسطاء عنده كبلال وأصحابه ويقول لهم؛ لو سمحتم تخرجون عشر دقائق- أه ؟ وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وطلب من أولئك الصحابة البسطاء في نظر أولئك القوم - ولكنهم عظماء في حكم الله سبحانه -، طلب منهم أن يخلوا لهم مجلسهم، فنزل القرآن مباشرة بأعظم عتاب عوتب به النبي صلى الله عليه في القرآن!

    فلو سئلتَ ما أعظم آية عوتب فيها النبي صلى الله عليه وسلم؟ اذكر هذه الآية:

    {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين}.

    انظر إلى الخطاب كيف؛ قوي أم لا؟ وفيه لوم شديد أم لا؟ ففيه عتاب كبير، {فتطردهم} لو فعلت ذلك ستكون {من الظالمين}، وحاشاه صلى الله عليه وسلم. فالشاهد أن الآية قوية والعتاب عظيم.

    والمسألة فيما يظهر لنا -كبَشَرٍ- لا يحتاج إلى كل هذا العتاب الشديد، فمن وجهة نظرنا الضئيل البسيط أن الداعية قد يكتسب شيئا كبيرا، حيث يسمع أولئك الكبراء والوجهاء دعوة الله سبحانه وتعالى ولعلهم يهتدون، ولكن في حكم الله كونه يطلب هذا الطلب؛ فيمنع المؤمنين الضعفاء –في نظر الناس- من المجلس الذي يريد أن يحضره كبراء القوم – هذا خطأ كبير!، فيريد سبحانه وتعالى أن يلغي هذا القانون البشري فلذلك عاتب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العتاب.

    فاستدعى النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الصحابة فلما دخلوا عليه قال لهم؛ "أهلا ومرحبا بمن عاتبني فيهم ربي" أي: أنتم ومقامكم كبيرة والله، ورب العالمين ينزل القرآن ويعاتب سيد الرسل من أجلهم، فمنزلتكم عنده عظيمة، وأما هؤلاء –المتكبرون المتسلطون على الناس- فلا قيمة لهم.

    وقصة "عَبَسَ" أيضا تحقق المقصود؛ {عبس وتولى} فالرجل يأتي والنبي صلى الله عليه وسلم مشغول بأبي جهل فيخاطبه وهو لا يدري أن النبي صلى الله عليه وسلم مشغول، فما التفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم وعبس بوجهه قليلا فنزل العتاب:

    {عبس وتولى . أن جاءه الأعمى . وما يدريك لعله يزكى . أو يذكر فتنفعه الذكرى . أما من استغنى . فأنت له تصدى . وما عليك أن لا يزكى . وأما من جاءك يسعى . وهو يخشى . فأنت عنه تلهى}.

    وهذا الخطاب أيضا فيه عتاب أو لا؟

    السؤال هنا - بعد أن قرأنا الآية-: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم...} الآية. جاءت بعدها آية مهمة جدا تحقق لنا المقصود الثاني، وهو أن الشبهة عند المشركين تطورت فاستخدمت تجاه أتباع النبي صلى الله عليه وسلم من الضعفاء ليس فقط في إبطال الدعوة، وزعمهم أنها فاسدة، بل في اختيار الله لمن شاء من عباده ، فكأنهم يجهزون الله في اختياره؛

    {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا} الآية، كانوا يقولون: أما وجد الله من يهديه لدعوته إلا هؤلاء الضعفاء ويتركنا نحن؟!، كأنهم يقولون؛ "يا الله - وحاشا الله سبحانه وتعالى عن قولهم- ما أحسنت الاختيار لأنصار دعوتك، وأنصار نبيك صلى الله عليه وسلم! كيف تختار له العبيد؟!"

    أنت الآن لو كلفتني ببناء بيت، ثم جئت ووجدت البيت بناءه سيئا ماذا تقول؟ تقول: ما أحسنت اختيار العامل الذي بنى لك البيت، أو لا؟ تلومني في اختيار عامل سيئ فاسد لا يحسن الصنعة، ما أتيت بنجار حاذق ولا..ولا.. الخ، تجعل اللوم علي. وهؤلاء المشركون أيضا يوجهون اللوم إلى الله سبحانه وتعالى قائلين: {أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} الآية.

    فكيف رد القرآن عليهم؟

    قال الله جل وعلا –رادا عليهم-: {أليس الله بأعلم بالشاكرين}.

    يقول ابن القيم رحمه الله: "تأملت في هذه الآية فاستوقفني ختامها بكلمة {الشاكرين}". وكان المقام -مقام القصة- يقتضي أن يختمها بـ"الصابرين" (إذ أنهم كانوا معذبين وكان هؤلاء الكبراء متسلطين) وكان جو القصة يوحي بأنه سيختمها بـ"الصابرين"، أو بـ"المؤمنين" ولكن الله سبحانه وتعالى قال: {بالشاكرين}.

    نحن نعرف أن الشكر نفهمه يأتي مقابل النعمة، أليس كذلك؟ بينما هؤلاء المؤمنون المستضعفون الآن في عذاب ونكال من قبل المشركين الظالمين، فأين النعمة التي يجب عليهم أن يشكروا الله عليها؟! هذا السؤال أوجهه لكم، أين تلك النعمة؟

    الجواب؛ النعمة هي ما ذكرناه آنفا، هي أن الله اختارهم وجعلهم أصحابَ أعظمِ رسولٍ وأتباعَ أكرمِ دعوةٍ، وهم عرفوا هذا المضمون، فلذا تحملوا كل أنواع الأذى بل ولم يفكروا فيها لأنهم عرفوا هذه النعمة، وهذه النعمة زادت في مقابلها كل ما تحملوه وواجهوه من عنت المشركين ومشقتهم.

    فيقول ابن القيم رحمه الله: "تأملت في هذه الآية فاستوقفني ختامها بالشكر، فنظرت فوجدت -[انظر إلى عظمة كلام رب العالمين]- أن الشكر له موقعه..." الخ، ثم بدأ يحلل الشكر ما هو؟ (هذا في كتابه عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين) يقول - بما معنى كلامه-:

    نظرت فوجدت أن الشكر في لغة العرب يعني "النماء"، و"الزيادة" و"الكثرة"، تقول العرب "شكرَتْ غنم المرأة"، الغنم إذا زادت وأكلت تثمن ويكثر عددها ويكثر لبنها وفيه النماء والزيادة والكثرة، يقال "شاة شكور" أي: ثمينة، إذا كثر لحمها فطاب.

    بنى عليه ابن القيم مراتب الشكر. فمراتب الشكر ثلاثة: المرتبة الأولى: تثمينك للنعمة التي أُعطيك وهذا فرع عن علمك بها وبحجمها،...الرجل الحاذق الذكي أعطاه الله مالاً يكثره وينميه ويزيده ويعرف قيمته، أما السفيه فلا يعرف قيمته ولذا قال عز وجل: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم...} الآية.

    أول مركز إذًا أن تعرف قيمة النعمة التي أُعطِيتَها، النعمة هنا ليست نعمة حسية بالضرورة، بل هي نعمة معنوية: نعمة اليقين التي عرفها بلال وصهيب وعمار وكل من كان في سبيل الله، وتثمينك للنعمة -وهو فرع من معرفتك بقيمتها- يولد عندك المرتبة الثانية من مراتب الشكر وهي "حفظ النعمة والتشبث بها وعدم السماح أبدا بضياعها". إن السماح بذلك جَحد بقيمتها وتفريط فيها، والله سبحانه وتعالى أدَّبَنا بأنه "إذا أعطانا النعمة وكَفَرْناها فإنه ينزعها منا"، ماذا يقول عز وجل لنبيه: {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم}الآية، {اذكروا نعمة الله إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا}الآية، {ألم تر إلى الذين بدَّلوا نعمة الله كفراً وأحَلُّوا قومهم دار البوار . جهنم يصلونها وبئس القرار}.

    ثم إن حفظك للنعمة يولد عندك المرتبة الثالثة وهي "الحرص على تكثيرها واستخدامها لزيادة علمك وإيمانك"، هكذا المؤمن؛ يجب عليه أن يكون كل يوم أحسن حالا من يومه السابق علماً ويقيناً وإخلاصاً وصدقاً وإقبالاً، وهكذا ينمو ويكثر الخير عنده، حتى يصل إلى مقامات عظيمة في الدنيا ويصل إلى درجات رفيعة عالية في الجنة عند الله سبحانه وتعالى.

    جاءت أم سراقة وكان ابنها "سراقة" استشهد يوم أحد -رضي الله عنه- فقالت: "يا رسول الله، أين سراقة؟ إن كان في الجنة صبرت وإن كان في غيرها..." واشتد عليها البكاء، فقال :

    "يا أم سراقة! إنها ليست جنة واحدة، إنها جنان وإن ابنكِ أصاب الفردوس الأعلى"

    "وإن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله".

    والتحقيق أن مراتب الشكر ثلاثة: تثمين النعمة وحفظها وتكثيرها وزيادتها..ولذا جاء ختام الآية في موقع مؤثر كما قال ابن القيم {أليس الله بأعلم بالشاكرين}.

    نعم، فالله سبحانه وتعالى هو أعلم بالشاكرين وبالصابرين من عباده ولذا لا يصطفي إلا من سبق في علمه صلاحيته لذلك.

    والنتيجة الحتمية للإعراض؛ {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} (محمد 39)، {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} (الأنعام 89)، {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} (المائدة 54)، {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} (المائدة 56).

    وأختم بقصةٍ ذكرها الله في القرآن لنموذج سيئ وهي عن الذين أوتوا النعم فكفروها؛

    {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا} (الطلاق 8)، {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا، كان ذلك في الكتاب مسطورا} (الإسراء 58)، {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} (الإسراء 16) .

    والنموذج الذي سأذكره الآن ليس في النعمة الحسية ولكن في كفران النعمة المعنوية؛

    رجل آتاه الله العلم والبينات والآيات في بني إسرائيل فكفَر ذلك وغدر وخان عهد الله وميثاقه، وقصته مشهورة، ذكرت في كتب التفسير، فالقصة عن رجل في بني إسرائيل اسمه "بلعم بن باعوراء" وكان من بني إسرائيل في وقته عالمهم وشيخهم وفقيههم ومفتيهم، فلما غزا بُخْتَنَصَّرْ البابلي - ملك من الملوك البابلية الوثنية والعرب يسمونه "نبوخذ" القصة مشهورة والملك مشهور - وأصبح جيوشه على مشارق بني إسرائيل وكان هذا العالم في ذلك الوقت في بيت المقدس، وكان من المفترض في حقه أن يقوم بالجهاد ويحث قومه - وهم ورثة الكتاب - التوراة عندهم والشريعة عندهم – إلى أن يجاهدوا هذا الوثَني ويدافعوا عن دينهم وكتاب ربهم – التوراة - وأنبيائهم ورسلهم ويقاوموا هذا الوثني ويقاتلوه ويصبروا ويصابروا! ولكن خاب هذا التوقع كله منه فقام "فضيلة الشيخ هذا" وقال لقومه: "أما وقد غزاكم ملك لا قبل لكم به"، وهذا أول تخويف، ماذا تعمل إذا سمعت المفتي يقول مثل هذا؟ فقال: "إني أرى أن تجملوا نساءكم وتزينوا بناتكم وإذا دخل الجيش تعرضوهن عليهم فإنهم ينشغلوا بالنساء والفتيات ويتركونكم، يعني: أنهم اشتروا حياة الدنيا بثمن رخيص.

    وهذا اقتراح مَن؟ وزير السياحة؟ لا، بل هو اقتراح المفتي مع الأسف الشديد، ففعلوا ما اقترح عليهم، فدخل الجيش وهتكوا أعراضهن ثم قتل من قتل وسبى من سبى وخسروا الأول والآخر وهذا هو السبي الأول للبابلي عند اليهود.

    وأنزل الله في القرآن خبر قصته لتكون عبرة لهذه الأمة حتى لا يخرج منها أمثال هذا العالم فقال:

    {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} (الأعراف 176).

    يقول ابن القيم: "تأملْ في قوله تعالى "آتيناه"، يتكلم الله تعالى هنا بصيغة الجمع، الدال على التعظيم، "آياتنا" ذكرها بصيغة الجمع "آيات" وأضاف إلى نفسه تشريفا وتعظيما وأضاف إلى نفسه "آياتنا"، فالخطاب أدخل فيه كل المفردات التي تدل على التعظيم، "آتيناه آياتنا"، كلها بصيغة الجمع، وما هي النتيجة: {فانسلخ منها}، يقول ابن القيم: تأملت في كلمة "فانسلخ" فوجدت أنها تعبير عظيم"، الشاة إذا سلخ جلدها هل يرجع؟ لا يمكن أن يرجع - ولم يرجع إليه بعده، سيُترك لأنه فشل في الاختبار، لم يرجع إليه – {فأتبعه الشيطان وكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} (لعل القادمين من هذه الأمة يتفكرون) {ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ومن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون}.

    {مثله كمثل الكلب إن تحمل يلهث أو تتركه يلهث} الآية. وكل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلل وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش. فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته ضل وإن تركته ضل، فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث، قال السدي: كان بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب.

    وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به. وقيل: هو في كل منافق. والأول أصح.

    قال مجاهد في قوله تعالى: {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} أي؛ إن تطرده بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه يلهث، وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه.

    فمثل هذا العالم الذي لا يعمل بعلمه، والحكم؛ إعطاؤه العلم، أو عدم إعطائه العلم سواء، النتيجة واحدة لفساده وفشله؛ سيطرده الله ويعطي علمه لمن يقدره ويثمنه. والعياذ بالله.

    أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أولئك الذين يعرفون نعمة الله ويقدرونها حق قدرها، ونسأله سبحانه أن يثبتنا وإياكم على المحجة البيضاء، نَعَمْ، التعب لا بد منه والمشقة لا بد منها ولكن سلعة الله - كما قلنا - غالية ولا يجوز في حقنا أبدا أن نساوم عليها، بل نصبر ونصابر ونجاهد لعلمنا اليقيني أن المصير بإذن الله وتوفيقه - مشرق عظيم ينتظره كل من آمن بالله وجاهد في سبيل الله، ولسنا مختارين في ذلك بل ما دمنا استطعنا على ذلك فلا خيار لنا؛

    {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} (الأحزاب: 36)

    وصلى الله على رسولنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين!

    سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك!

    "أوزبكستان المسلمة

    منقول ..

    http://archive.muslimuzbekistan.com/...t08122003.html

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2007
    المشاركات
    103

    افتراضي رد: هذا حوار لموقع أوزبكستان المسلمة مع الشيخ عبد العزيز الحميدي

    الشيخ أحسبه -والله حسيبه - من العلماء العاملين.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •