الثروة المهدرة

جمعني لقاءٌ قبل يومين بأحد طلابنا المبتعثين للدراسة في أمريكا، فسألته في رحلته -التي امتدت ثلاث سنوات ونصف تقريباً- عن أبرز ما استفاده مِنها، فذكر لي أموراً، ونصّ على أنه أهمها هو: الإحساس بقيمة الزمن، والحياة لهدف! حتى إنني أتضايق وأشعر بالغبن حينما أرى أصحابي الذين كنتُ معهم قبل السفر، ما زالوا يهدرون هذه الساعات الطويلة بلا مقابل؛ من إنتاج ينفعهم وينفع بلدَهم وأمَّتهم! فقلتُ له: ألا تعتقد أن ديننا يحث على ذلك ويُعين عليه؟ قال: بلى، لكن البيئة التي نعيش فيها تقول: لا! هنا توقفتُ قليلاً، وبدأتُ أقلّب الفِكر سريعاً: هل بيئتنا كذلك، فوجدتُ الأمر ـ إلى حد كبير ـ كذلك!
ومن المحزن أن تكون النتيجة كذلك، والمسلمُ يقرأ في جزء عمّ فقط عشرات الآيات التي تتحدث عن الوقت، إما قسَمَاً به، أو إشارة إلى أهميته وفضله، ومع هذا فحال المسلمين عموماً في إهدار هذه الثروة يَبعث على الأسى، وتتجلى هذه المأساةُ بأبشع
صورها في الإجازة الصيفية، التي يتخفف فيها ملايينُ الطلاب والمعلمين من الارتباط بالمدارس النظامية!


إن الحديث عن "اغتنام" الوقت لا يعني عدم التوسعة على النفس في المباح، كلا! وإنما الحديث عن "ثروة مهدرة" يراها العاقل تذوب أَمامَه ككرة ثلجٍ ضخمة وُضِعت في ردأة الضحى، والشمسُ في قمّة حرارتها.
إن غيابَ الهدف الواضح من الحياة، وضعفَ استحضارِ النصوص الشرعية التي تدفعُ بالنفس لتحرص على الوقت؛ لمن أعظم أسباب تخفيف هذا الهدْر المؤلم للحياة.
لا أدري كيف يمرُّ حديثٌ كهذا على مسلمٍ ولا يحرّك فيه ساكناً تجاه هذا الوقت: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"([1])، ألا يجد في كلمة "مغبون" ما يحفزّه للغيرة على وقته؟
لقد فَقِهَ سلفُنا الصالحُ قيمة الزمن، وعرفوا أهمية الحفاظ عليه؛ فعبّروا عن ذلك بكلمات كثيرة ومتنوعة([2])، ومن أحسن ما مرّ بي من تلكم الكلمات، كلمة يحيى بن معاذ الرازي -رحمه الله - حين قال: "الفوت -ضياع الوقت- أشد من الموت؛ لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق"([3]).
ومَنْ طالع "صيد الخاطر" لابن الجوزي؛ أحسّ بالزفرات تنطق من بين الأسطر على تفريط أكثر الخلق في أعمارهم، وهو الذي أرسل تلك النصيحة لولده، بعد أن ذاق الأبُ لذةَ اغتنامِ الوقت، وبركةَ المحافظةِ عليه، قائلاً: "الكسلُ عن الفضائل بئس الرفيق! وحبُ الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة، فانتبه! واعلم يا بني أن الأيام تبسط ساعات، والساعاتُ تنبسط أنفاسًا، وكل نفَسٍ خزانة، فاحذر أن يذهب نَفَسٌ بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم!"([4]).
إننا أمام ثقافة سيئةٍ في المجتمع، وهي التفنن في تضييع الزمن، وإن شئت فقل: في قتل الحياة، ونحرِ الوقت، ولا بد من تكاتف الجميع لتخفيف آثارها.
وفي تقديري أن أول العلاج يبدأ من البيت، فإن البيت الذي يربّي أفرادَه على الحفاظ على "الحياة"؛ سينشأ أكثر اهتماماً من غيره ـ في الغالب ـ بالوقت، ومحاولة استثماره.


إن من أهمّ ما يتلقاه أفرادُ الأسرة، وطلابُ المدارس من والديهم ومعلميهم هو: ثقافة الغيرة على الوقت، وبيان سبل المحافظة عليه، التي من أهمها وأعظمها أثراً:
- تنظيم الأعمال وجدولتها.
- والبعدُ عن مجالس الفارغين الذين لا أهداف قيّمة لهم.
- وتركُ الفضول في كل شيء.
- ومصاحبةُ الجادّين، الحافظين لأوقاتهم.
- وقراءةُ أخبار المؤثرين في مجتمعاتهم.
- والتلذذُ بحلاوة الإنجاز للأعمال.
- وسؤالُ الله من قبلُ ومِنْ بَعْدُ البركةَ في الوقت.
فهذه كلها من أعظم الحوافز على معرفة شرف الزمان واغتنامه، وتقوّي في القلب الغيرة على ضياعه، أشدّ من غيرته على ضياع شيء مِن ماله.




______
([1]) صحيح البخاري ح(6412).
([2]) وقد كُتب في الكلام على الزمن وأهميته كتب كثيرة، منها: "قيمة الزمن عند العلماء" لعبد الفتاح أبو غدة، و "سوانح وتأملات في قيمة الزمن" لخلدون الأحدب.
([3]) وفيات الأعيان (6/ 165).
([4]) لفتة الكبد في نصيحة الولد (ص: 5).




* المقال على الموقع: http://almuqbil.com/web/?action=arti...r&show_id=1671