البكاء عند سماع القرآن ... بين المشروع والممنوع
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: البكاء عند سماع القرآن ... بين المشروع والممنوع

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    10,692

    افتراضي البكاء عند سماع القرآن ... بين المشروع والممنوع

    المظاهر الحسية المختلف فيها - المظاهر الوجدانية:

    بقلم: أبي يزيد سليم بن صفية / مرحلة الدكتوراه بكلية الدعوة/ الجامعة الإسلامية بالمدينة
    ب- المظاهر الحسّية المختلف فيها:

    إنّ مواعظ القرآن قد تحدّث عند سامعها اضطراباً, وصياحاً, وصعقاً, وربّما موتاً.
    وهذه الآثار لم تكن موجودة في جيل الصحابة وإنما وجدت في عصر التابعين ومن بعدهم, فأنكرها بعضهم, وأجازها الآخرون.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وله -أي: سماع مواعظ القرآن- في الجسد آثار محمودة من خشوع القلب, ودموع العين, واقشعرار الجلد.
    وقد ذكر الله هذه الثلاثة: في القرآن, وكانت موجودة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أثنى عليهم فى القرآن.
    وَوُجِد بعدهم في التابعين آثار ثلاثة: الاضطراب, والاختلاج والإغماء أو الموت, والهيام.
    فأنكر بعض السلف ذلك إما لبدعتهم, وإما لحبهم.
    وأما جمهور الأئمة والسلف: فلا ينكرون ذلك, فإنّ السبب إذا لم يكن محظوراً, كان صاحبه فيما تولّد عنه معذوراً" [1].
    وفيما يلي بيان مفصّل لآراء السلف رحمهم الله في هذه الآثار المحدثة:
    - الرأي الأول: يرى أصحابه أنّ هذه الأحوال مذمومة, مبتدعة.
    ومن جملة ما استدلوا به: أنّ هذه الآثار محدثة مبتدعة لم تكن في جيل الصحابة الذين هم أكمل الناس إيماناً وأشدهم خشوعاً, ولأنّ هذه الأفعال والآثار من سمات الخوارج والمبتدعة, وأنّ أغلبها ناشئ عن رياء, وفيما يلي بعض النقول عن السلف في ذلك:
    - عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرؤوا القرآن ؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله؛ تدمع أعينهم, وتقشعر جلودهم.
    قلت: إنّ ناساً هاهنا إذا سمعوا ذلك, تأخذهم عليه غشية.
    فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" [2].
    - وعن أبي حازم قال: مر ابن عمر برجل من أهل العراق ساقط, والناس حوله فقال: ما هذا ؟ فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن أو سمع اللهَ يُذْكَر, خرَّ من خشية الله.
    قال ابن عمر: والله إنا لنخشى الله, ولا نسقط !!" [3].
    - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سُئِل عن القوم, يُقرأ عليهم القرآن فيصعقون, فقال: ذلك فعل الخوارج" [4].
    - وعن جابر بن عبد الله أنّ: "ابن الزبير رضي الله عنه قال: جئت أبي, فقال: أين كنت ؟ فقلت: وجدت أقواماً يذكرون الله, فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله, فقعدت معهم, فقال: لا تقعد بعدها !.
    فرآني كأنه لم يأخذ ذلك في, فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن, ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا, أفتراهم أخشع لله من أبي بكر وعمر؟.
    فرأيت ذلك كذلك فتركتهم" ( [5]).
    - وسُئِل محمد بن سيرين: عن الرجل يقرأ عنده فيصعق؟ فقال: ميعاد ما بيننا وبينه أن يجلس على حائط, ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره فإن وقع فهو كما قال" ( [6]).
    - قال القرطبي رحمه الله -بعد أن ذكر أحوال الصحابة عند سماع الذكر-: "لا كما يفعله جهال العوام, والمبتدعة الطغام؛ من الزعيق, والزئير, ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير, فيقال لمن تعاطى ذلك, وزعم أن ذلك وُجْدٌ وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول صلى الله عليه وسلم ولا حال أصحابه في المعرفة بالله, والخوف منه, والتعظيم لجلاله" ( [7]).
    - الرأي الثاني: فإنهم يرون أنّ أصحاب هذه الآثار مغلوبٌ عليهم, ليس لهم حيلة في دفع, أو ردّ هذه الأحوال.
    وقد شهد بعض الصحابة من تلاميذهم بعضاً من هذه الأحوال ولم ينكروا عليهم, لعلمهم أن حيلتهم تضعف عن مقاومة ذلك.
    فعن أبي وائل قال: "خرجنا مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ومعنا الربيع بن خيثمة, فمررنا على حدَّادٍ, فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار, فنظر الربيع إليها فتمايل ليسقط.
    ثم إنّ عبد الله مضى كما هو, حتى أتينا على شاطئ الفرات على أتون ( [8]), فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه, قرأ هذه الآية: (( إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً )) -إلى قوله- (( دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً )) ( [9]) فصعق الربيع, ثم غشي عليه.
    فاحتملناه فأتينا به أهله -قال- ورابطه عبد الله إلى الظهر فلم يفق, فرابطه إلى المغرب فأفاق, ورجع عبد الله إلى أهله" ( [10]).
    قال الشاطبي رحمه الله معلِّقاً على هذه القصّة: "فهذه حالات طرأت لواحد من أفاضل التابعين بمحضر صحابي, ولم ينكر عليه, لعلمه أنّ ذلك خارج عن طاقته, فصار بتلك الموعظة الحسنة كالمغمى عليه فلا حرج إذاً" ( [11]).
    و عن قتادة قال: "دخل على عمر بن عبد العزيز رجل يقال له: ابن الأهتم, فلم يزل يعظه, وعمر يبكي حتى سقط مغشياً عليه" ( [12]) .


    يتبع إن شاء الله:

    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    10,692

    افتراضي

    - الترجيح:
    لا شك أنّ أكمل الأحوال ما كان عليه الصحابة عند سماع القرآن والمواعظ, أما الاضطراب والصعق؛ وإن كان أمراً محدثاً إلاّ أنّه معفوٌ عنه إذا كان صادراً عن صدقٍ لا عن رياء, وإذا جهد صاحبه في دفعه ولكن لا حيلة له معه, فحين ذلك لا حرج عليه.
    "والمنكرون لهم مأخذان: منهم : من ظنّ ذلك تكلفاً, وتصنعاً, يذكر عن ابن سيرين أنه قال: "ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلاّ أن يقرأ على أحدهم وهو على حائط فإن خرّ فهو صادق.
    ومنهم : من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة مخالفاً لما عرف من هدي الصحابة كما نقل عن أسماء, وابنها عبد الله.
    والذي عليه جمهور العلماء: أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوباً عليه, لم ينكر عليه, وإن كان حال الثابت أكمل منه, ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا فقال: قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشي عليه, ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد فما رأيت أعقل منه" ونحو هذا.
    وقد نقل عن الشافعي أنه أصابه ذلك, وعلي بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة.
    وبالجملة فهذا كثيرٌ ممن لا يستراب في صدقه, لكن الأحوال التي كانت في الصحابة هي المذكورة فى القرآن وهي وجل القلوب ودموع العين واقشعرار الجلود.
    وقد يَذُمُّ حال هؤلاء من فيه من قسوة القلوب, والرين عليها, والجفاء عن الدين ما هو مذموم, وقد فعلوا, ومنهم من يظن أن حالهم هذا أكمل الأحوال وأتمها وأعلاها وكلا طرفي هذه الأمور ذميم" ( [13]) .
    - تنبيــه:
    ما أشرنا إليه آنفاً من آثار مواعظ القرآن المختلف فيها, لا يشمل ما يفعله المبتدعة الطغام من ضرب الصدور وشقّ الجيوب, فإنّ ذلك منكرٌ باتفاق العلماء.
    قال الإمام الآجري رحمه الله -عند كلامه على حديث العرباض في الموعظة-: "ميزوا هذا الكلام, فإنه لم يقل صرخنا من موعظة, ولا طرقنا على رءوسنا, ولا ضربنا على صدورنا, ولا زفنا, ولا رقصنا, كما يفعل كثير من الجهال: يصرخون عند المواعظ, ويزعقون, ويتناشون, قال: وهذا كله من الشيطان, يلعب بهم, وهذا كله بدعة, وضلالة" ( [14]).
    ثانياً: المظاهر الوجدانية:
    إنّ مواعظ القرآن إلى القلوب فتحدث فيها آثاراً زكيّة, وأحوال إيمانية, وخشوعاً, وإنابة, وإخباتاً.
    - فأما خشوع القلب ووجله : فمردّه إلى ما يطرأ عليه من المخوِّفات والزواجر, قال تعالى: (( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ )) ( [15]) .
    " فهذه الآية تتضمن توبيخاً وعتاباً لمن سمع هذا السماع, ولم يحدث له في قلبه صلاحاً, ورقة, وخشوعاً؛ فإنّ هذا الكتاب المسموع يشتمل على نهاية المطلوب, وغاية ما تصلح به القلوب, وتنجذب به الأرواح المعلقة بالمحل الأعلى إلى حضّ المحبوب, فيحيى بذلك القلب بعد مماته, ويجتمع بعد شتاته, وتزول قسوته بتدبر خطابه, وسماع آياته" ( [16]) .
    وقال تعالى: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ )) ( [17]).
    قال القرطبي رحمه الله: (( وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ )) أي: خافت, وحذرت مخالفته, فوصفهم بالخوف والوجل عند ذكره, وذلك لقوة يقينهم, ومراعاتهم لربهم, وكأنهم بين يديه" ( [18]).
    وقال أيضاً: "والوجل: الفزع من عذاب الله" ( [19]).
    "والخشوع يتضمن معنيين: أحدهما: التواضع والذل.
    والثاني: السكون والطمأنينة, وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة, فخشوع القلب يتضمَّن عبوديته لله, وطمأنينته أيضاً, ولهذا كان الخشوع فى الصلاة يتضمن هذا وهذا التواضع, والسكون" ( [20]).
    - وأما سكون القلب واطمئنانه: فهذه المرحلة تلي الخشوع والوجل, فإنّ القلب يستقرّ ويسكن ويطمئن بعد اضطرابه ووجله, وهذا من أعظم آثار الموعظة على القلوب.
    قال تعالى: (( اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله )) ( [21]).
    قال القرطبي رحمه الله: "تلين قلوبهم؛ أي: تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله, وإن كانوا يخافون الله" ( [22]).
    وقال تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )) ( [23]).
    "وطمأنينة القلب: سكونه, واستقراره بزوال القلق والانزعاج, والاضطراب عنه, وهذا لا يتأتى بشيء سوى الله تعالى, وذكره البتة, وأما ما عداه فالطمأنينة إليه غرور, والثقة به عجز" ( [24]).
    - وأما زيادة الإيمان: عند سماع مواعظ القرآن؛ فهي حال المؤمنين التي امتدحهم الله تعالى عليها فقال عز وجل: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )) ( [25]).
    قال القرطبي رحمه الله: "(( وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ )), أي: تصديقاً, فإنّ إيمان هذه الساعة زيادة على إيمان أمس, فمن صدَّق ثانياً, وثالثاً فهو زيادة تصديق بالنسبة إلى ما تقدم, وقيل: هو زيادة انشراح الصدر بكثرة الآيات, والأدلة" ( [26]).


    [1] "مجموع الفتاوى" 11/591.

    ( [2] ) رواه البيهقي في "الشعب" 2/365.

    ( [3] ) رواه أحمد في "الزهد" ص 193, وأبو نعيم في "الحلية" 1/312.

    ( [4] ) رواه ابن الجوزي في "تلبيس إبليس" ص 311.

    ( [5] ) رواه أبو نعيم في "الحلية" 3/168.

    ( [6] ) المصدر السابق 2/265.

    ( [7] ) "تفسير القرطبي" 7/321.

    ( [8] ) الأتون: هو الموقد الذي يوقد عليه القدر وغيره, لسان لعرب 13/7, مادة: "أتن".

    ( [9] ) سورة الفرقان, الآيتين 12-13.

    ( [10] ) رواه أحمد في "الزهد" ص 333, وأبو نعيم في "الحلية" 2/110.

    ( [11] ) "الاعتصام" 1/208.

    ( [12] ) رواه ابن أبي الدنيا في "الرقة والبكاء" ص 109, رقم: 116.

    ( [13] ) "مجموع الفتاوى" 11/8.

    ( [14] ) نقله الشاطبي في "الاعتصام" 1/208.

    ( [15] ) سورة الحديد, الآية 16.

    ( [16] ) "نزهة الأسماع في مسألة السماع" لابن رجب, ص 81.

    ( [17] ) سورة الأنفال, الآية 2.

    ( [18] ) "تفسير القرطبي" 12/58.

    ( [19] ) المصدر السابق 12/

    ( [20] ) "مجموع الفتاوى" 7/28.

    ( [21] ) سورة الزمر, الآية 23.

    ( [22] ) "تفسير القرطبي" 7/321.

    ( [23] ) سورة الرعد, الآية 28.

    ( [24] ) "الروح" لابن القيم, ص 220.

    ( [25] ) سورة الأنفال, الآية 2.

    ( [26] ) "تفسير القرطبي" 7/321.



    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •