عمار سليمان
4/5/2015
ظل النديم: صلة رحم بين جيل مقطوع الجذور ومرتبك الهوية مع جذر راسخ في أرض اللغة وعلم شامخ في سماء التاريخ.صلة رحم بين أبناء الفجيعة المعرفية وعلم من أعلام التحقيق للتركة التراثية.صلة رحم بين قلب الأب والمربي وبين أبنائه ممن يبحث عن طريق النور ويلتمس طريق المعرفة .قسّم الأستاذ وجدان كتابه إلى أربعة أقسام: قلب وروح وكلمة وذكرى.

أما القلب:فسرد به منابع صباه وشموخ إبائه وطول شكواه، وعرج على تضرعه لربه وخشية لقياه. ثم تكلم عن تلك الأبوة الطاغية والعصبية المخترِقة لدماء أبي فهر مع ما يعتريه من حسن الفكاهة وطيب المعشر وأثر ذلك على نزلاء بيته.وختم الإبانة عن هذا القلب ذي الحب السيال والنبض الفائق لزوجته "نعيمة الكفراوي" التي كانت سكنه وقلبه، ومن وصل خيرها إلى طلابه وخلصاء نفسه، ومما ذكر في هذا الباب ما قاله الدكتور الطناحي بأن الشيخ أخذهم من علمه وأم فهر أخذتهم من معداتهم؛ فكانت تعرف هذا أي طعم يحب وذاك أي موعد يصل. فلله در هذا البيت الذي بني على العلم والكرم.

وأما الروح :فهي الصلة بين دفاتر الأصحاب وروح شيخنا، فكانت بين الشدة التي أوثقت لسان العلامة عبد الحميد بسيوني والأستاذية التي شرفها الدكتور حسين نصار بأن جعلها للشيخ إلى قصيدة عبد الرحمن شاكر في أبي فهر.كل هذه الحروف هي أرواح اكتسبت من روح أبي فهر وعاشت قلبه وقلمه = فخرجت شعراً ونثراً وحباً وعلماً، موزعةً بين أقلام أصحابه وخلانه.

أما الكلمة:فهي المنهج بأساس التذوق وجزئيه:
(1) شطر المادة بجمعها من مظانها على وجه الاستيعاب الميسر .
(2) وشطر المعالجة والتطبيق بإعادة تركيب المادة بإحقاق حقها وإبطال زيفها .ثم ربط المنهج وجزئيه بالأصل الأخلاقي حيث "إغفال هذا الأصل الأخلاقي هو الذي يصيب البحث بآفات الهوى والغَرض، ويهدم شطري المنهج في "جمع المادة" وفي "التطبيق" ويجعل البحث نهباً لآفات الهوى والجور"[1].
وهذا الأصل عند شيخنا هو الدين بمعناه العام من حيث أنه يعصم الشخص عن الهوى مما يقرب من الحق ويقيم ميزان العدل.

ومن خلال هذا المنهج استخلص الأستاذ وجدان مجموعة أصول تميز ملامح هذا المنهج وقوته:
(1)العقل؛ حيث "أن عمل المنطق العقلي .. أن يمد الإحساس بما ليس له من الاستواء والاستقامة والسداد"[2]، ثم وضع الأستاذ مجموعة من الأمثلة التطبيقية على دقة الشيخ في هذا الأصل.
(2)اللغة؛ والتي هي أمه ومرتع صباه، ومنها تشرب أغوار نفسه وأسرار شعوره، وكان عمله في اللغة ليس الحفظ والتقليد بل الإبداع والاستدراك على الكبار والنظر في القرائن والأثار، مما جعل منهجه كنغمة تطرب النفس معرفةً وومضة تنير للشك طريقاً.
(3)التاريخ السوي الذي استقاه من:·منهجه الفريد في تذوق الأخبار، وفحصها بدلالات الألفاظ وسياقات البيان.· اطلاعه الوثيق على منهج أهل العلم بالحديث في الجرح والتعديل الذي انفردت به هذه الأمة عن سائر أمام الأرض، فنظر في هذا العلم متأنيًا، وتشبع به مستظهراً قواعده التي استوت له بالطول والأناة والإقبال اليقظ مع وجلٍ في الحكم والأسانيد.
أما الذكرى:فهي تلك الصور المتناثرة في آخر الكتاب التي ترسم الشيخ بين أحضان الطفولة وحرقة الشباب وكهولة الشيب، وترسمه عطفاً على قلوب أحبابه وأرواح خلانه.نعم هو كتاب سيرة .. لكنها سيرة قلب ..ونعم هو تاريخ .. ولكنه تاريخ مجد ..ونعم هو قلم .. لكنه قلم كتب بدمع العين ودقة الشعور ..


[1]ظل النديم، صفحة 184.

[2]جمهرة المقالات 1/101، ذكرها الأستاذ في حاشية صفحة 188.